أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71















المزيد.....



عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6114 - 2019 / 1 / 14 - 12:41
المحور: الادب والفن
    



1
الدراق، مع أنه من فصيلة الخوخ ولكنه لا ينمو في المناطق الشمالية الباردة من العالم. يبدأ نضوج الدراق في بداية الصيف، وزهره في الربيع شكله جميلٌ زاهٍ. لهذه الفاكهة الفاخرة نوعان، أحدهما وهوَ الشائع في المشرق، قشرته مخملية وهشّة. أما الآخر ( خوخ الدب باللهجة الشامية )، فإنّ قشرته صلبة لامعة. في حديقة دارنا، كان ثمة شجرتا دراق يحرص والدي على تقليمهما ورشهما بمبيدات الحشرات. أما في بساتين أخواله في الزبداني، حيث كنا خلال الصيف نقضي العطلة في طفولتنا، فإن أشجار الدراق كانت كثيفة ولثمارها مذاق رائع لا مثيل له.
من ذكريات شجرتيّ الدراق في دارنا، ذلك المقلب الذي دبّره لي أبنا جيراننا. إذ كنا يوماً في الزقاق نهمّ بلعب الطميمة، أو الاستغماية. راحَ حينئذٍ كلا الأخوين يتمتمُ بطريقة ماكرة، أنّ اللعبة ستكون أكثر إثارة لو تمت في حديقة منزلنا. يبدو أنهما انتبها لخلو الدار من الأهل، وكان الوقت ظهراً. ثم استغلا سذاجتي لاحقاً، بأن رشحاني لأكون بطل اللعبة. هكذا دخلت إلى حجرة الحديقة، وبدأت العدّ إلى العشرة وجبيني ملتصق بالجدار. وكانت تأتيني صرخاتهما بأن أواصل العد، كونهما لم يهتديا بعدُ إلى مخبأ مناسب. بعد دقيقة، شعرتُ بأصوات مريبة خارجاً. أطللت من نافذة الحجرة، لأرى الأخوين وكلّ منهما قد تسلق شجرة دراق، يقطف الثمار ويخفيها ضمن ملابسه !

2
شجرتا رمان، انفردتا بصدر حديقة دارنا في دمشق. كلتاهما منحَت طفولتنا البهجة والسعادة لما اتسمت به من جمال الأزهار وروعة الثمار. بعد أعوام من مغادرتي الوطن إلى المهجر، لحظتُ في إحدى الصور المجلوبة مع الوالدة شجرة ثالثة. فأخبرتني، أنّ هذه الشجرة الثالثة نمت لوحدها وكانت بالأصل فرعاً صغيراً. بدَوري، حينَ صار لديّ حديقة خارج شرفة شقتي، ضممتُ شجيرة رمان إلى شجيرات أخرى أعشقها؛ كالتين والزيتون ودالية العنب. إلا أنها عاشت صيفاً واحداً، تساقطت خلاله أزهارها ثم لم تلبث أن اضمحلت في الشتاء داخل الشقة.
أشجار الرمان في بساتين الحارة، كان أغلبها مزروعاً بلصق منازل أصحابها. وكنا نستغل خلوّ الجو في فترة الظهيرة، حيث يهجع أصحابها للقيلولة، لاقتناص بعض الثمار الشهية. أما أشجار الرمان البرية، المتناثرة خصوصاً على ضفاف السواقي، فإن ثمارها كانت تنهب باكراً قبل أن تنضج. أتذكّر أننا بعد التهامنا لبذور الرمان، كنا نتعمد تلويث ملابسنا بعصيرها. نعود إلى الحارة عندئذٍ كأبطال الأفلام الخارجين من معركة، شعرنا ملبد بالغبار و" الدم " يلطخُ صدورنا. في فترة المراهقة، أصبح للرمان معنىً آخر. أبناء جيلي، كانوا معتادين عند العودة من المدرسة إسماع الفتاة ذات الصدر الكبير، الناهض، مثلَ هذه الجملة: " أنا دخيل الرمان على أمّه! ". تتجاهل البنت عادةً معنى القول. فإذا تمادى الفتى أكثر، فإنها تصرخ فيه: " خرااااس ولاه " !!

3
العنب، هوَ أكثر فاكهة احتفى بها الإنسان على مر العصور. إله الخمر، " باخوس "، كان يُصَّور في منحوتاته ونقوشه مع أوراق عنب معقودة حول جبينه. يقال، أنه يوجد في العالم حوالي مائتي نوع من العنب. في الشام، نحن نعشق أنواع الزيني والدوماني والحلواني ( عنب الجنّة ). من ناحيتي، لم أتذوق في حياتي قط، أطيبَ من عنب الزبداني. هناك في منزل ابنة خال أبي، كانت توجد كرمة من العنب الزيني وكل عنقود يمكن أن يملأ سلّة صغيرة.
عدا خمر الآلهة، فإنّ الناس ابتدعوا من ثمار العنب العصيرَ والدبس والزبيب. جدّتي لأمي، كانت خلال طفولتنا تصنع " الباستيق " من العنب؛ وهوَ حلوى كردية على شكل شرائح، تؤكل في أيام الشتاء الباردة. ولكن ليسَ من دالية دارنا، التي كانت تعطي ثماراً وردية اللون، هشة وغير مستساغة، مع كل عناية والدي بها. فيما إحدى جاراتنا، وكانت امرأة بخيلة، اعتادت على سقي حديقة بيتها بالماء القذر، المتخلّف عن غسيل الثياب. ومع ذلك، كانت عناقيد كرمتها كأنها جواهر متدلية من سقف محل الصائغ !

4
في الزمن الماضي، عرفنا في الحي أنواعاً من الأشجار النادرة، التي كانت تنمو على طول ضفتيّ نهر يزيد. هذا النهر، وهوَ أحد فروع " بردى " السبعة، يدخل دمشق من جهة دمّر، فيخترق الأقسام الجنوبية من أحياء المهاجرين والصالحية والأكراد ( ركن الدين ). كانت مياه النهر نقيّة، يشربُ منها الأهالي، حيث أوصلوها منذ القدم لمنازلهم عبر سراديب تحت ألأرض ( مسراب ). وإذا كان تمديد مياه عين الفيجة، يرقى لأواخر العهد العثماني، فإننا بقينا نشرب من ماء النهر وسواقيه العديدة إلى نهاية عقد السبعينات.
المَيْس، من الأشجار المثمرة النادرة، وفاكهته صغيرة بحجم حبّة الحمّص، قاسية القشرة وبلون أسود. وقد عرفت باسمه أشهر ساحات الحيّ، " الميسات ". الزعرور، أيضاً بنفس الحجم، قشرته هشّة ولونه يميل إلى الأصفر. الزعبوب، من فصيلة الزعرور، ولكنّ لونه أحمر وحجمه أكبر وطعمه أطيب. الطريف، أنهم يلقبونه ب " اللئيم "؛ وربما للشوك المحيط بثمرته والذي تصعب رؤيته. الغار، يُنتج ثمرة الحبلاس اللذيذة، أما أغصانه فتوضع على القبور بالنظر لخضرتها الدائمة ورائحتها الحزينة. الصبّار، كان له كرم ناحية حارتنا، " رزّيْ آنيْ "، وآخر بلصق قصر بوظو باشا في طلعة ساحة شمدين. الجوز والسماق والتين والرمان، كانت أشجارهم أيضاً مترامية على ضفاف النهر. أما الأشجار العادية، فإن أشهرها الحور ذا القامة الباسقة والتي يمكن أن تضاهي علو بناية من عدة أدوار. الصفصاف، يُدعى أحد أنواعه عند العامّة ب " المستحي "؛ لأنه يبدو بأغصانه الرقيقة، المنحنية نحو مياه النهر، وكأنه شاب خجول يُطرق برأسه إلى الأرض !


5
قبل رحيله بحوالي ثماني سنين، وفي شهر تموز/ يوليو تحديداً من عام 1996، حضر والدي إلى السويد مع أمي كي يباركا ولادة ابني البكر. ثم ما لبثا أن استقرا هنا، بسبب ظرف صحي طارئ دهم أحدهما؛ وهوَ الوالد، الذي منعه الطبيب من السفر بالطائرة بعدما أصيبَ باحتشاء عضلة القلب.
ذات مرة، قال لي أبي بمرارة: " أجدادنا وآباؤنا، عاشوا وماتوا في نفس البيوت. بينما عشت أنا إلى هذا العمر، لكي أشهد زوال بيوتنا وارتفاع الأبنية الحديثة مكانها. فليت أنني متُ قبل ذلك! ".
اليوم، أتذكّر قول والدي وأنا كلي حسرة على ما آل إليه الوطن من تدمير وابادة وتهجير لأهله. وربما عليّ أيضاً أن أردد أمنيته تلك؛ وأقول: " يا ليتني.. " !

6
هممت بالجلوس على طاولة المقهى، التي أعتدت عليها خلال هذا الصيف، حينَ لفت نظري فتاة عشرينية ذات ملامح مألوفة. كانت جالسة في صدر المكان، بالقرب من منضدتي، وحيدة وشاردة. وأعود إلى إلفة ملامحها، لأنها ذكرتني فوراً بالفنانة الفاتنة مريم فخر الدين؛ بشكل عينيها وأنفها وفمها الدائم الابتسام.
بالطبع، تركتها مشغولة بفكرها وانهمكت بإخراج اللابتوب من حقيبته. بعد قليل، لاحظت أن البطارية تنفد. وبما أن موبايل الفتاة مثبت في الإبريز الوحيد، الموجود بين طاولتينا، فقد بقيت يدي معلقة بالهواء أنظر حولي علني أعثر على ابريز آخر.
" تفضل، موبايلي مشحون! "، قالت لي الفتاة بلطف. ومع أنني استعملت الابريز مراراً من قبل، استعصى علي الاهتداء إلى ثقبيه المركبين بطريقة غريبة. هنا أيضاً، مدت الفتاة يدها وساعدتني. عند ذلك، أخبرتها بلهجة مازحة أنها تشبه ممثلة مصرية شهيرة. أطلقت ضحكة قصيرة، وقالت: " ممكن أن يكون فيّ ملامح شرقية، لأن الأتراك بقوا لقرون في بلدي هنغاريا ". كانت مفاجأة كبيرة لي، وأردت أن أخبرها بأن مريم فخر الدين ملامحها ليست شرقية، لأنها تشبه والدتها الهنغارية الأصل. ولكنني لم أفعل، إذ خشيتُ ألا تصدق الفتاة هذه المصادفة الفريدة !

7
قضيت بعض الوقت في أحد مقهيين في مدينتنا السويدية الصغيرة، يقدمان الأركيلة ( الشيشة ). صاحب المقهى، فلسطيني عراقي، جم التهذيب والطيبة. مَن يعملون عنده، وهم شباب من سورية لجؤوا مع عوائلهم في الفترة الأخيرة، أيضاً بنفس الأخلاق.
فجأة، انفجرت مشادة عنيفة بين شابين يلعبان الورق ويبدو من لهجتيهما أنهما من فلسطينية سورية. وكاد الأمر يتطور إلى عراك وما لا تحمد عقباه، لولا أن صاحب المقهى أبدى حزماً بمعونة زبائن آخرين. وهذه المرة الثانية، أشهد فيها مثل هكذا حادث في نفس المكان. عادةً، يكتفي اللاعبون، بما فيهم الأكبر سناً، بتبادل الشتائم المقذعة أو الكلمات النابية.
تذكرتُ عندئذٍ المقاهي المغربية، التي تقدم الأركيلة، وما تتسم به من أجواء هادئة ودية. حتى المقهى الشعبيّ، الكائن على طرف المدينة القديمة في مراكش، كنتَ ترى فيه لاعبي الورق لا يكادون يتبادلون الكلام فيما هم يطلقون الدخان من أفواههم. كذلك من النادر أن يحظى وجود الفتيات بفضول الشبان، حتى أن هذا النوع من المقاهي صار أثيراً لدى السياح من كلا الجنسين.

8
الصيف، قضيته في مدينتي السويدية مع زيارات دورية لأوبسالا؛ مدينتي القديمة، حيث ما يزال يعيش ولدي الكبير وشقيقته.
ابني الكبير، ذهب إلى اسبانيا خلال الصيف مع صديق. الابن الأصغر ( 8 سنوات )، عاد من المغرب قبل أسبوع بعدما قضى شهرين هناك. أما أبنتي، فإنها مثلي لم تتحرك من السويد خلال الصيف.
مع ذلك، استلمني كلا الولدين وطالباني بأخذهما إلى ستوكهولم قبل أن تنقضي أيام الصيف الصاحية. وأنا حقيقة مشغول جداً بتنضيد وتنقيح الجزء الثاني من روايتي الأخيرة، ولا وقت لدي لمشاوير تأخذ النهار كله. صعباً أن تُفهم الأبناء من هذه الناحية. الكتابة أنانية ( كما ذكرتُ أكثر من مرة في منشورات سابقة )؛ بحيث تحرم الانسان من متع كثيرة في الحياة، وخصوصاً إذا كان أباً لديه مسؤوليات !

9
محمد المرابط ( ولد في طنجة عام 1936 )، كان حالة فريدة في الأدب العالمي. فإنه أديب شفوي، كان يسرد حكاياته للآخرين فيسجلونها له كتابةً؛ هوَ من كان أمياً ولم يحاول قط أن يعلّم نفسه.
بالصدفة، تعرّف محمد المرابط على نزيل طنجة الأشهر، الكاتب الأمريكي بول بولز، الذي كان بحاجة إلى مدبّر لمنزله يُجيد الطبخ. ذات مرة، حينما كان المرابط يقصّ حكاية على زوجة بولز، فإنها طلبت منه تسجيلها على اسطوانة. فيما بعد، ترجم بولز 25 حكاية للانكليزية ثم أرسلها إلى ناشره في نيويورك ليصدرها عام 1967 في كتاب تحت عنوان " الحُب مع بضع شعيرات ". توالت اصدارات محمد المرابط، وكلها كانت تترجم من قبل مخدومه بول بولز وتصدر باللغة الانكليزية؛ مثل " ليمون " 1969، رواية " المرآة الكبيرة " 1977 وغيرها من الأعمال القصصية. كذلك نشر سيرته الذاتية في كتابين " انظر وامشِ " 1976 و " الزواج بالأوراق " عام 1986. وقد ترجم بعض هذه الأعمال إلى لغات عديدة، قبل أن تترجم من جديد للغة العربية.
كذلك كان محمد المرابط رساماً، حيث اكتشف السياح موهبته مذ أن كان بعد فتىً. وقد شجعته شهرته فيما بعد، ككاتب قصصي، أن يقيم معارض فنية في نيويورك ستلقى اقبالاً شديداً من الجمهور والنقاد على السواء. فلم يلبث أن حلّ ضيفاً، في باريس، على كبار الفنانين العالميين؛ مثل دالي وبيكاسو وكلاوديو برافو وغيرهم. مثلما أن كتاباته حظيت بإعجاب أدباء كبار كتينسي وليامز ووليم برّوز وهنري ميللر وغيرهم !

10
صباحاً أفقتُ، لأشعر حالاً بالنشاط كون الشمس مشرقة بعد ليلة من الأمطار الغزيرة. ولكن تغريد الطيور لم يعد يتناهى من ملعب الأطفال، الأشبه بحديقة لكثرة الأشجار. لا بد أن الطيور هاجرت إلى المغرب، وعلى لسانها هذه الجملة: " إبقى قابلني! ".
مرأى حبات الحمّص المطهية، الموجودة في الثلاجة، جعلني أفكّر بالتسقية ( الفتة ). جاء الطبق كما اشتهيته، لولا أنني خلطت سهواً بين بهار السمك والكمون وذلك لتشابه لونيهما. وعلى الرغم أيضاً من تذكري متأخراً، أن اليوم عطلة الحماصنة وليسَ الجمعة.
على الغداء، أعددت أكلة المسقعة ( ومن الممكن أن تلفظ القاف بالهمزة، وبالغين أيضاً! ). ولكن عليّ كان أن أرتكب خطأ آخر، حينَ رفعتُ سهواً الحرارة تحت الطبخة إلى 4 بدلاً عن انزالها إلى 2. على أنني انتبهت للأمر، لما هممت بإضافة الملح والثوم.
أخيراً، المشوار إلى المقهى في مركز المدينة تحت شمس رائعة. ولكن هناك، أمام الصندوق، وضعت يدي في جيب بنطالي لأخرج المحفظة وإذا بي نسيتها في البنطال الآخر. قالت لي فتاة الصندوق، الحسناء الشقراء، مواسيةً: " المهم أنك متأكد بأنك نسيتها في المنزل، ولم تضِع منك في الطريق " !

11
عندما أكون متوجهاً نهاراً إلى المقهى، في هذه الأيام الصيفية الرائعة المشمسة، أمر تحت جسر محطة القطارات الرئيسية. سماع صوت الميكروفون، المنادي ركاب الرحلة إلى مدينة أوبسالا، يجعلني أتذكر ولديّ الكبيرين وضرورة زيارتهما أو دعوتهما إليّ.
مثلما أن رؤية أحدهم يجر حقيبة سفر، خارجاً من تلك المحطة، يُسري الحنين فيّ لذكريات مدينة مراكش المغربية، والتي لم أزرها صيفاً، ربما لأول مرة منذ نحو عشرة أعوام. إلا أنّ عزائي، في كون هذا الصيف السويديّ نادراً في حرارته العالية، حيث قيل ضربه الرقم القياسيّ خلال ما يزيد عن المائة عام.
وفتاة الصندوق في المقهى، الحسناء ذات الشعر المائل للحمرة، أليسَ المفترض بها أن تعيدني إلى أيام الشباب، حينَ كنتُ أحضر أفلام شبيهتها الفاتنة؛ ميرفت أمين؟ بلى، وكنا آنذاك ندين بالمعتقد الثوريّ، نرتاد غالباً سينما الكندي، التي تعرض أفلاماً سياسية، ايطالية وفرنسية. أما لو صادف أن رأى أحدنا رفيقه، وحيداً أو برفقة أفراد عائلته، في رواق سينما تعرض فيلماً عاطفياً مصرياً، فإنهما كلاهما يطرق رأسه في الأرض ويتجاهل وجودَ الآخر خجلاً وخزياً !!

12
كان موعد مدينتنا مع سوق الأطعمة، المقام في الساحة العامة. بالأمس ليلاً حينما كنتُ خارجاً من المقهى، رأيت العمال ينصبون الأكشاك في الساحة. وقد مررت الآن قبل قليل من خلالها، وكان كلّ منها على قمته علمٌ يدل على دولة معينة.
الأكشاك الفرنسية والطليانية، قدمت الأجبان واللحوم وكذلك وجبات من مأكولاتهما التقليدية. أما الإنكليزية، فإنها عرضت أنواعاً شهية من التورتة والشوكولاتة. دول أوروبة الشرقية، كانت أكشاكها تفوح منها رائحة زنخة لعجين مطبوخ على أساس أنه فطائر. إلى أن وصلت لكشك بدون علم، ولكنك ستعرف حالاً أنه سوريّ. فالحلويات الشامية، كانت موجودة وهي تنبض بالطزاجة والأشكال المتنوعة الجميلة.
لحُسن الحظ، أنني كنتُ في المنزل قد تناولت غداءً فاخراً من اللحمة بالصينية، ثم حليت فمي فوقها بقطع من المعمول بالعجوة. وإلا لكنت فوق فراغ جيبي تقريباً في منتصف الشهر، تورطتُ في شراء الأطعمة والحلويات، وأثمانها تفوق ثلاث مرات أسعار السوق !

13
أخرج من المنزل عصراً، متوجهاً إلى المقهى في مركز المدينة، الممكن الوصول إليه خلال ربع ساعة مشياً. الأرض مبتلة قليلاً من أثر الأمطار الصباحية، إلا أن الجو ليسَ بارداً.
أسيرُ تحت ظلال الأشجار، المُحْدِقة بدرب المشاة المستقيم حتى نهايته عند مدخل محطة القطارات. كنتُ أدوس على أوراق الشجر الصفراء، المتساقطة بكثرة على الدرب مع دخولنا في فصل الخريف. إنها نفس الأوراق، أفكّرُ أثناء سيري، التي كنتُ أتمتع بمنظرها وهيَ متألقة بخضرتها ونضارتها في خلال الربيع والصيف. كذلك هي الأعوام، يدوسها الزمن بلا رحمة في خريف العُمر.

14
عقب خروجي من المقهى، مررت على المحل الشرقي ويتقاسمه شريكان؛ أحدهما من كرد بلدة الباب، الحلبية، والآخر من ادلب. حرصت أولاً على شراء دبس الرمان، كوني فكرتُ بطبخة ( منزلة الباذنجان ) على الغداء. بعد تأمين بقية اللوازم من الخضار، اتجهت إلى ملحمة المحل وكان يديرها أيضاً شابان من سورية. طلبت منهما التعجيل بفرم اللحمة، لأن موعد الباص أقترب وإلا سأضطر للانتظار نصف ساعة عند الموقف.
وها أنا في المطبخ، أحضّر الأكلة الشامية المعروفة. وهيَ سهلة بالحقيقة، مع ما تبدو عليه من تعدد المواد. نقطع الباذنجان والفليفلة الحلوة على شكل شرائح، ثم نضعها في قدر به زيت قلي ساخن إلى أن تنضج. في قدر آخر، نقلي البصل المفروم مع اللحمة الناعمة، ثم نضيف إليهما شرائح الباذنجان والفليفلة مع دبس البندورة والبهارات. عند استواء الطبخة تقريباً، يأتي وقت الملح والثوم. في الأثناء، يكون الرز معززاً على نار هادئة.

15
في خلال هذا الصيف، أعتدت على المرور من أمام متحف المدينة في طريقي إلى المكتبة العامة. اليوم، جلست على مقعد عريض مقابل هذا البناء القديم والمهيب. في منطقتنا، أين أقيم، يتناثر الكثير من العمائر الأثرية بينها كنائس فضلاً عن قصور، تحوّل بعضها إلى أبنية رسمية.
جلست إذاً، أستمتع بجو الخريف المشمس الدافئ، فيما قرقرة المياه تنبعث من نافورتيّ البركة المستطيلة الشكل، المظللة بشجرة كبيرة يقبع تحتها تمثال برونزيّ. وإذا بذكرى بركة شبيهة، تراود ذهني على حين فجأة. إنها بركة حديقة " مولاي عبد السلام " في مراكش، التي يندفع للأعلى مياه نوافيرها الأربع، وقد أنغرست بالقرب من كل واحدة منها شجيرةُ برتقال.
فيما مضى، كنتُ أعمد لمقارنة الحديقة المراكشية بأخت لها دمشقية ( السبكي )، وكانت الذكرى آنذاك ما زالت طرية وحميمة. الآن، أشعر بأن لديّ جلداً فوق جلدي الأصليّ وأن روحي نفسها أضحت لا تنتمي إلى أيّ مكان في هذا العالم !

16
يوماً شهدَ أكثر من واقعة مخيبة وعلى طرافتها. قبيل دخولي المقهى ظهراً، مررت على مخزن المشروبات الروحية واشتريت لتر نبيذ. منذ أعوام قليلة، صارت بعض أنواع النبيذ تعبأ في كرتونة مثل حال العصير. ولا أدري، ما لو كان هذا يخفف من ذنب الشارب؟
أمضيتُ عدة ساعات في الكتابة والمسامرة الفيسبوكية، ثم حان موعد الذهاب للبيت. ألا تقول أنني سأنسى أمر النبيذ، وذلك بسبب انشغالي بوضع جهاز اللابتوب في حقيبته مع الشاحن. في المنزل، لما انتبهت للأمر صرفتُ النظرَ عن تحضير طبق اللازانيا ( أنا معتاد غالباً على تناولها مع النبيذ! ) وفكّرت بالسباغيتي ما دامت اللحمة الناعمة جاهزة. ولأن لديّ متسعاً من الوقت قبل ذهابي للسهرة في مقهى الأركيلة ( الشيشة )، استلقيت فوق السرير كي أرتاح قليلاً. غير أنني غفوت بسرعة، ولم انتبه لنفسي إلا وكان قد بقيَ حوالي نصف ساعة لموعد الباص. بما أن معدتي كانت تصفّر، لم يكن أمامي سوى فتح علبة طون والتهامها بدقائق.

17
يوماً شهدَ أكثر من واقعة مخيبة وعلى طرافتها. قبيل دخولي المقهى ظهراً، مررت على مخزن المشروبات الروحية واشتريت لتر نبيذ. منذ أعوام قليلة، صارت بعض أنواع النبيذ تعبأ في كرتونة مثل حال العصير. ولا أدري، ما لو كان هذا يخفف من ذنب الشارب؟
أمضيتُ عدة ساعات في الكتابة والمسامرة الفيسبوكية، ثم حان موعد الذهاب للبيت. ألا تقول أنني سأنسى أمر النبيذ، وذلك بسبب انشغالي بوضع جهاز اللابتوب في حقيبته مع الشاحن. في المنزل، لما انتبهت للأمر صرفتُ النظرَ عن تحضير طبق اللازانيا ( أنا معتاد غالباً على تناولها مع النبيذ! ) وفكّرت بالسباغيتي ما دامت اللحمة الناعمة جاهزة. ولأن لديّ متسعاً من الوقت قبل ذهابي للسهرة في مقهى الأركيلة ( الشيشة )، استلقيت فوق السرير كي أرتاح قليلاً. غير أنني غفوت بسرعة، ولم انتبه لنفسي إلا وكان قد بقيَ حوالي نصف ساعة لموعد الباص. بما أن معدتي كانت تصفّر، لم يكن أمامي سوى فتح علبة طون والتهامها بدقائق.

18
" مسافر في المطر "، هوَ أحد الأعمال السينمائية الرائعة، التي بقيت عالقة في ذاكرتي. الفيلم ( انتاج عام 1970 )، كان من النوع البوليسي. إنه يروي قصة رجل مهووس هارب من مصحة عقلية، يقتحم فيللا تقيم فيها امرأة وحيدة، ثم يتمكن التحري الذي كان يلاحقه من القبض عليه. كنتُ آنذاك في مستهل أعوام المراهقة، حينَ أخبرني صديقي وكان يسكن في جوارنا وفي مثل عمري، أنهم يعرضون في سينما الزهراء فيلماً تظهر فيه البطلة عارية تماماً!
علاوة على ذلك الاعتبار، كان سيجعلني أهتم بمشاهدة الفيلم مجردُ معرفتي أنه من بطولة تشارلز برونسون. هذا الممثل الأمريكي المشهور، كان آنذاك من أكثر المستحوذين على إعجاب جيلنا سواءً بأفلامه الويسترن أو البوليسية. وكانت زوجته، جين ايرلاند، مشاركة معه في الفيلم ببطولة ثانية. بالطبع، لم أعرف في ذلك الوقت شيئاً عن هذه الفنانة، حيث قرأتُ فيما بعد عن شجاعتها بتحدي مرض السرطان عن طريق مواصلة العمل السينمائي.
أما بطلة " مسافر في المطر "، فإنها ممثلة فرنسية سأكنّ لها إعجاباً شديداً؛ وهيَ مارلين جوبيرت. من أفلامها الأخرى، التي حضرتها في أعوام الصبا، كان " الأيام العشرة الحاسمة " مع العمالقة أورسون ويلز وميشيل بيكولي وأنطوني بيركينز. كان جمال هذه الممثلة مميزاً، بشعر أحمر ونمش منتشر على وجنتيها، وكانت تذكّرني خصوصاً بفتاة الحبّ الأول !

19
ربما قلة من الأعمال السينمائية، تضم مجموعة من كبار النجوم، كما حال " اغتيال ". هذا الفيلم، وهوَ إنتاج فرنسي ايطالي مشترك من عام 1972، شاهدته في مرحلة مبكرة من حياتي. وكانت صالة الكندي بدمشق آنذاك محجَّ جيلنا، أسبوعاً وراء أسبوع.
الفيلم، من إخراج الفرنسي ايف بواسيه وسيناريو الكاتب الكندي بين بارزمان. إنه يحكي قصة اختطاف واغتيال المعارض المغربيّ اليساريّ، المهدي بن بركة. وقد قام بدورالأخير، الممثل الإيطالي البارز جيان ماريا فولونتي. وكان صحفي فرنسي ( الممثل جان لوي ترينتيان ) قد كلف من قبل محطة تلفزيون فرنسية بالذهاب إلى جنيف لإقناع المعارض المغربي بالقدوم إلى باريس، كي تجري معه مقابلة. عندما يصلان العاصمة الفرنسية، إذا برجال البوليس السري في انتظارهما. يحتجزان في فيللا بإحدى الضواحي، إلى حين حضور الجنرال أوفقير ( الممثل ميشيل بيكولي ) وزير داخلية القصر المغربيّ. عند ذلك، يتمكن الصحفي من الهرب والاختباء لدى صديقة ( الممثلة جين سيبيرغ ). ثم تتطور الأحداث، وتتدخل فيما أجهزة استخبارات أخرى.
كما سبقَ القول، كان ذلك فيلمَ النجوم، ومعظمهم ممن كانوا مفضلين لديّ. لدى مشاهدتي الفيلم، كانت لديّ فكرة عابرة عن المهدي بن بركة ( دُعيَ باسمه أحد أهم شوارع مدينة دمشق )، وعن عملية اغتياله عام 1965. وقد أدى فضحُ المتورطين في العملية إلى محاكمة الجنرال أوفقير غيابياً في باريس وما لبثت أن قطعت العلاقات المغربية الفرنسية. المفارقة، أنني بعد قراءتي لكتاب عن معاناة أسرة ذلك الجنرال ( تأليف ابنته مليكة أوفقير )، صرتُ أتعاطف هذه المرة معه !!

20
النجمة السينمائية، " رومي شنايدر "، كانت تعتبر أجمل من مر على شاشة الفن السابع. إنها تلعب بطولة واحد من الأفلام البوليسية الممتعة، بالاشتراك مع الممثل الكبير ميشيل بيكولي.
" ماكس والحدادون "، انتاج فرنسي ايطالي من عام 1971 ومن إخراج كلود سوتيه. الفيلم، يحكي قصة عصابة سطو تحير البوليس. " ماكس "، وهو محقق جنائيّ، يتتبع حركات أحد المشبوهين ويشك بأنه زعيم العصابة. يقترح " ماكس " على رئيسه أن يعقد علاقة مع عشيقة زعيم العصابة متقمصاً صفة صاحب بنك. وعن طريق العشيقة، ينجح المحقق في الايقاع بالعصابة كلها وهيَ تشرع في سرقة البنك. إلا أنّ " ماكس " يطلب من رئيسه الايفاء بتعهده إطلاق سراح العشيقة كونها تجهل أمر عملية السطو. حين يصر رئيسه على الرفض، يقوم الآخر باطلاق الرصاص عليه وقتله.
رومي شنايدر ( 1938 ـ 1982 )، كانت من ممثلاتي المفضلات وحضرت لها أفلاماً عدة في زمن شبابي إلى أعمال أخرى لها شاهدتها هنا في الغربة. موتها كان صادماً ومفاجئاً لكل محبيها، ويعتقد أنه كان انتحاراً بشرب كمية من المهدئات على أثر فجيعتها بمصرع وحيدها الصغير في حادثة. أتذكّر قريبي وصديقي ( حسون )، حين جاءني يوماً ليبلغني عن موت فنانة قال أنه نسي اسمها ولكنه يعرف أنني أتعشقها بشدة !!

21
منذ أشهر، أتابع بشغف في إحدى القنوات السويدية سلسلة أفلام ( مسيو بوارو )؛ المأخوذة عن قصص أجاثا كريستي. السلسلة التلفزيونية، تبث كل أيام الأسبوع ما عدا السبت والأحد، وهيَ من بطولة نفس الشخصية الرئيسية. أي أنها لا تتضمن الأفلام السينمائية، المنتجة سابقاً لنفس الروايات. وأعتقد أن كثيراً من الأصدقاء شاهدَ فيلماً، أو أكثر، من تلك السلسلة البوليسية. من ناحيتي، فإنني كنت مغرماً منذ فترة مبكرة بروايات أجاثا كريستي، وحالفني الحظ برؤية العديد منها أفلاماً سينمائية أو تلفزيونية.
" جريمة في قطار الشرق السريع "، يعد من أشهر الأفلام السينمائية المأخوذة عن رواية لكريستي. إنه من إنتاج عام 1974، للمخرج سيدني لوميت. ويعتبر أيضاً فيلمَ النجوم، حيث ضم مجموعة من مشاهير السينما: إنغريد بيرغمان، أنطوني بيركينز، شون كونري، جاكلين بيسيه، مارتن بلسام، جان بيير كاسل، فانيسا ريدغريف، جون جيلغود وغيرهم.
الفيلم، يجسد رواية فريدة لأجاثا كريستي؛ بما أن الجريمة هنا كانت جماعية وليست من تدبير شخص واحد. المحقق هيركول بوارو ( الممثل البريطاني ألبرت فينّي )، يكون على متن قطار الشرق السريع في رحلته من أوروبا عبرَ اسطنبول، حين تقع جريمة في إحدى المقصورات. الضحية، صاحب شركة معروف، ومن التحقيقات الأولية يتبيّن التحري ( مسيو بوارو ) أن معظم من في القاطرة على علاقة بالرجل بشكل أو بآخر. ولأن القتيل تم طعنه اثنتا عشرة مرة وبطرق مختلفة، فإنّ التحقيق يتعقد إلى أن تظهر الحقيقة أخيراً بفضل التحري النابه والخبير !

22
" البضاعة التي تباع، لا ترد ولا تبدل "؛ كلنا يعرف هذه اليافطة القبيحة، المزينة مداخل المحلات في مشرقنا البائس. تذكّرتُ ذلك أمسَ ليلاً، حينَ كنتُ أعود من المحل الشرقيّ.
والقصة، أنني صادفت هنالك نوعاً من المكسرات اللبنانية المشكّلة، المشهورة بجودتها. ولكن سعرها ( 49 كروناً )، جاء ثقيلاً عليّ في البداية. مررت بعينيّ على أسعار أخواتها ومنها البزر الإيراني، الشبيه بسحنة خامنئي. ثم عدتُ إلى كيس المكسرات، ووضعته في السلة متوكلاً هذه المرة على سحنة صباح، الجميلة!
عند صندوق الدفع، فاجأني البائع السوري الكردي، حين قال لي: " 170 كروناً ". لم أراجعه، خجلاً ولا شك. في الطريق إلى موقف الباص، رحت أحسب في ذهني الأغراض وفي كل مرة يظهر خطأ فادحٌ بحوالي خمسين كروناً لصالحي. فلم يعُد هناك محل في ذهني للآية الكريمة " إن بعضَ الظن إثمُ ". في المنزل، لما وضعت الأغراض على طاولة المطبخ، تبيّن لي أن تلك الآية صحيحة في حالتي: بدلاً من تناولي كيس المكسرات الأول، امتدت يدي سهواً إلى آخر بجانبه وثمنه 89 كروناً !

23
آلان ديلون، كان معبود نساء الأرض شرقاً وغرباً. أتذكر حينما كانت تعرض صالة ما في دمشق فيلماً لهذا الممثل الفرنسيّ، وكيف تتزاحم الفتيات على الحضور وكل منهن تعتقد ربما أن عريسها سيكون على مثاله في الوسامة والجاذبية. ولكن دعونا نتكلم عن أحد أفلامه، وللمصادفة أنها خالية من أي بطولة نسائية.
" الدائرة الحمراء "، أعتبره من أكثر الأفلام البوليسية إثارة علاوة على حبكته المتينة. إنه من انتاج عام 1970، ومن إخراج جان بيير ملفيل. هذا المخرج، سيقدم في العام التالي عملاً آخر من بطولة آلان ديلون، " المجرمون "، بالاشتراك مع كاترين دونوف. أما الفيلم الأول، الذي أقدمه هنا، فقد أشترك ببطولته عدداً من مشاهير السينما؛ جيان ماريا فولونتي، ايف مونتان، أندريه بورفيل وفرنسوا بريير.
أحداث الفيلم، تبدأ بهروب مجرم خطير، فوغل، من قبضة المحقق ماتّي وهما في القطار بالطريق إلى السجن. في نفس اليوم، يكون أحد رجال عصابة سطو، كوري ( الممثل آلان ديلون )، قد خرج من السجن ويرغب بتصفية حسابه مع زعيم العصابة. في خلال الطريق، يلتقي كوري مع فوغل، ويساعده بالاختباء لديه. ثم يتفقان بمناسبة معرض للمجوهرات في باريس على الاتصال بضابط شرطة سابق، طرد من وظيفته. هذا الضابط ( الممثل ايف مونتان )، يوافق على الاشتراك بعملية السطو. تنجح العملية على الرغم من صعوبتها، إلا أنّ الشيء الأكثر تعقيداً كان تدبير تصريف المجوهرات المسروقة وثمنها ملايين الدولارات. هنا، يعود محقق البوليس، ماتي ، للأحداث بعدما يصله خبر مؤكد أن ذلك المجرم الهارب أحد من نفذوا عملية السطو على البنك !

24
المرتفع الجوي العجيب، مستمر ونحن قد تجاوزنا منتصف تشرين الأول/ أكتوبر. في طريقي إلى المقهى، أرى كيف تنشطت مجدداً رياضةُ الركض والمشي السريع. موضة الصيف، لم تشأ معظم الفتيات التخلي عنها تماماً. بكلمة أخرى، ما زلن يلبسن من غير هدوم!
ولكنني كنتُ قد أفقت مبكراً، مُنتَزعاً من حلمٍ جميل تحول إلى كابوس. وباختصار، أن الأجواء الدافئة هيأت لي أنني تحت شمس شاطئ الريفيرا ( لم أزره في حياتي )، والشوارع مزينة بأشجار الفاكهة علاوة على الزيتون والنخيل. كل ذلك شاهدته من نافذة الفندق، وكانت بجانبي فنانة فرنسية اشتهرت في حياتها بالجمال الفائق. كنا في وضع حميم، حينَ انتبهت هيَ فجأة إلى أظافري ويبدو أنها كانت طويلة ومسودّة. قالت لي غاضبة دافعة إيايَ بعنف: " سألتك منذ البداية، ما إذا كنتَ نظيفاً أو لا! ".
في واقع الحال، ما أيقظني لم يكن الدفعة، بل أحد الجيران. وكان هذا يتوجه يومياً لعمله قبل السادسة صباحاً، وكان يظل يضرب باب الشقة إلى أن يتأكد من أن جيرانه الأجانب قد أفاقوا جميعاً. ولكنني تابعت نومي، وهذه المرة على أنغام بكاء الابنة الصغرى لجيراننا الكرد. ربما كانت هيَ الأخرى تحلم بأشجار زيتون ورمان عفرين، لما أيقظها ذلك الدب الداشر !

25
المطبخ الدمشقي، معروف بميله إلى الخضار أكثر من اللحوم. ذلك يعود لسبب جغرافيّ بالدرجة الأولى؛ حيثَ أن المدينة تحيطها غوطة غنّاء وريف خصب مزدهر. أما سبب اهتمامي بأكلات الخضار مؤخراً، فإنه يعود الفضل فيه إلى ابنتي النباتية!
المقالي، أكلة بسيطة وفي نفس الوقت منوّعة الطعم. أمس على الغداء، بدأت بتقطيع الباذنجان والزهرة والبطاطا، ثم أضفتهم بتسلسل معاكس إلى الوعاء المغمور بالزيت المغليّ. العادة في الشام، أن نتناول الباذنجان مع الثوم والبقدونس المفروم. أما الزهرة، فنضع عليها عصرة ليمون ورشة كمون.
السلطة، المكونة من الطماطم والخيار والخس والفليفلة الحلوة، حظيت أيضاً بما تستحقه من عصير الليمون وزيت الزيتون والنعنع اليابس. ثم أخرجتُ ثمرة الباذنجان الكبيرة من الفرن، فقشرتها وهرستها وأضفت إليها الطحينة واللبن وعصير الليمون والثوم، وأخيراً البقدونس الناعم وزيت الزيتون.. وهكذا كان صحن " بابا غنوج "، جاهزاً على المائدة !

26
الأفلام الإيطالية في عقد السبعينات، كانت تركّز على علاقة المافيا بأشخاص متنفذين في البوليس والقضاء وحتى في الحكومة والبرلمان. وأتذكّر كم كنتُ من بين الأصدقاء، أبناء جيلي، متحمساً لذلك النوع من الأفلام ومعتاداً على حضورها بل وإعادة مشاهدتها مع آخرين.
من ناحية أخرى، كان مثيراً أن أرى نجوم سينما شهيرين، سبقَ وشهدت لهم في مراحل سابقة من حياتي أعمالاً بوليسية أو من نوع الكاوبوي، وهم يمثلون أفلاماً ذات مواضيع سياسية. وكان من بين هؤلاء، الإيطالي فرانكو نيرو، والأمريكي مارتين بلسام وغيرهم.
" اعترافات مفتش بوليس أمام المدعي العام "، أنتاج عام 1971 ومن إخراج داميانو دامياني. قصة الفيلم، تدور حول مفتش بوليس ( مارتين بلسام ) يحاول الإيقاع بأحد زعماء المافيا ممن كان يخفي نشاطاته الإجرامية تحت ستار شركة انشاءات سكنية. في الأثناء، يتابع المدعي العام ( فرانكو نيرو ) ما يقوم به مفتش البوليس ويعلن له دعمه. هذا الأخير، يستطيع الوصول إلى عشيقة زعيم العصابة ( الممثلة ماريلو تولو ) ويقنعها بالتعاون معه. ولكن المافيا تكتشف مكان اختباء الفتاة، ثم تقوم بقتلها واخفاء جثتها ضمن الاسمنت المسلح لإحدى مباني الشركة. يرد مفتش البوليس الضربة، بأن يطلق الرصاص على زعيم المافيا ومن ثم يلتقي مع رجاله في السجن !

27
قبل يومين، مررت على المحل الشرقي واشتريت لحمة خروف للبامية ( رأس العصفور ). هناك، التقيت بصاحب مقهى الأركيلة: " وين هالغيبة؟ خير ان شاء الله؟ "، قال لي. فاضطررت للكذب عليه، والتحجج بأنني كنت خلال الفترة الأخيرة في اوبسالا حيث تقيم والدتي وأيضاً أولادي الكبار. ولأننا كنا " خوش بوش "، سألني الرجل عن صحة والدتي وحال أولادي. كان صاحب المحل حاضراً، فنظر إليّ مستغرباً، كوني زبونه الدائم!
البامية، طريقة تحضيرها أعرفها وطبختها مراراً من قبل. ولكنني كل مرة أنسى بعض التفاصيل، فأضطر لسؤال والدتي هاتفياً. قالت لي: " بعد أن تستوي اللحمة في الماء، عليك قليها بالزيت وكذلك البامية. ثم تضيف إليهما ماء اللحمة مع دبس البندورة، وأخيراً الثوم والكزبرة ".
والدتي، سألتني فجأة: " صار ثلاثة أشهر لم نشاهدك في أوبسالا؟ خير ان شاء الله؟ "!

28
عندما كنا أطفالاً، كانت السينما بالنسبة لنا هيَ الكاوبوي. وعلى الرغم من أنّ بيئة هذه الأفلام من المفترض أن تكون في الغرب الأمريكي ( أو ‘ الوسترن ‘ اختصاراً )، إلا أنها السينما الإيطالية مَن برزت في هذا المجال. ولقد بقيَ العديد من نجومها في ذاكرتنا، وبالأخص جوليانو جيما.
هذا النجم الوسيم ( 1938 ـ 2013 )، عرفناه أولاً بدوره في فيلم " مسدس رينغو ". وكانت العادة في ذلك الزمن، أن تعرض الأفلام الجديدة خلال أيام العيد. فكم كانت فرحتنا كبيرة خلال العيد التالي، حين رأينا مانشيتات فيلم " عودة رينغو ". وأتذكر كيف جاء أحد أولاد جيراننا مهرولاً لاهثاً، ليبشرنا بفيلم جوليا نو جيما ( هكذا كنا نلفظ اسمه! )
حال عودتنا إلى الحارة، كنا نشرع مسدساتنا السوداء، التي تطلق نوعاً خفيفاً من البارود كنا نسميه ( فنين ). وبسببب خطورة هذه المادة، تم منعها لاحقاً واستبدل بها البطارية المعروفة. من هم أكبر منا، كانوا يتفننون في تقليد " رينغو " بسرعة إطلاقه للرصاص، وأحياناً يقومون بتعليمنا كيفية سحب المسدس من جرابه بشكل خاطف !

29
ما يزيد عن العام، لم أزر خلاله مدينة مراكش. وهيَ فترة انقطاع جسيمة، إذا ما أُخذَ بعين الاعتبار اعتيادي البقاء هناك عدة أشهر في العام وذلك منذ نحو عقد من الأعوام. ولكن الزمن لا يلعب دوراً كبيراً، حين يتعلق الأمر بمدينة تسكن وجدانك ولا تفارقك حتى خلال المنام.
من ناحية أخرى، فإن مثابرتي على كتابة " خماسية مراكش "، يومياً تقريباً، يجعلني على اتصال روحيّ دائم بالمدينة؛ بساكنيها، المعروفين بالميل للبهجة والغناء والموسيقى؛ بعمارتها المميزة وأسواقها الحافلة ودروبها التليدة وأسوارها الأنيقة وبواباتها المنيفة وحدائقها الرائعة.
ولعل ساحة جامع الفنا، المشهورة عالمياً، تكاد تكون لوحدها معلماً يضاهي كل ما ذكرته آنفاً من عجائب المدينة الحمراء. بين مفردات هذا المكان الأثير، أعتاد أبطال روايتي أن يتجولوا متأثرين خطى المؤلف، ومن ثم الانحدار مع شارع محمد الخامس في الطريق إلى حي غيليز الراقي. ولكنها لن تكون خطى سائح بحال من الأحوال، بل خطى الجوال التائق إلى التوغل في روح المكان، ماضيه وحقبه التاريخية الأبعد، الشاهدة على تكوين الهوية الوطنية وإشكالاتها !

30
سهرت حتى مطلع الفجر، متابعاً فيلماً لتوم هانكس. أطللت قبل النوم من وراء النافذة، وإذا السيارات المركونة بجانب المسكن أسطحها تبدو وكأن عليها طبقة جليد. قلت لنفسي: " لا بد أنه انعكاس أضواء مصابيح الشارع، فمن أين سيأتي الجليد ونهارات هذا الخريف كلها مشمسة؟! ".
قبل الظهر بقليل، أفقت هذه المرة على مشهد أبيض يشمل كل شيء؛ السيارات والشوارع والأبنية والأشجار. هكذا هجم الثلج، وبشكل غادر. بعد الفطور، تهيأت للذهاب إلى المقهى. فانهمكت في إخراج الملابس الشتوية، وقضيت في ذلك حوالي ساعة. الحقيقة، أنها الجوارب من أخذت وقتاً كثيراً. فكلما وقعت فردة في يدي، تكون شقيقتها في عداد المفقودات. بالنتيجة، سررت لأن مجموع ما وقع بيدي كان 16 زوجاً من الجوارب وكان نصفها تقريباً مناسباً للشتاء.
ولكنني أخيراً وضعت في قدميّ زوج الجوارب، الذي لبسته خلال اليومين الماضيين

31
ألفريد هيتشكوك ( 1899 ـ 1980 )، يعد من أعظم مخرجي السينما. في فترة مبكرة من عمري، كنت أمر على الأرصفة بغية شراء رواية جديدة، فألاحظ سلسلة كتب بوليسية وعلى غلاف كل منها صورة مخيفة لهذا المخرج. إلا أنني لم أحظ سوى برؤية فيلم واحد له في تلك الفترة، وهوَ " امرأة في القفص " بحسب عنوانه العربيّ. أما عنوانه الأصليّ، Rebecca ، فإنه أضحى مرتبطاً باسم هيتشكوك بعدما حقق الفيلم رواجاً غير مسبوق في مختلف دول العالم.
أنتج فيلم " ريبيكا " عام 1940، من قبل شركة سينمائية هوليوودية، وبميزانية ضخمة كما حال معظم أعمال هيتشكوك. الحبكة تركز على رجل يدعى مكسيم ( الممثل لورنس أوليفييه )، يسافر إلى مونت كارلو كي يتخفف من حزنه على وفاة زوجته في حادث. هناك يلتقي بامرأة جميلة ( الممثلة جوان فونتين )، وسرعان ما يقررا الزواج. ولكن بعد عودته إلى بلده، يبقى مكسيم متعلقاً بذكرى زوجته الأولى مما يخلق هوة أخذت بالاتساع شيئاً فشيئاً مع الجديدة. مدبرة المنزل، وكانت امرأة قاسية، ستتهم أيضاً من قبل الزوجة بأنها تسعى إلى دفعها للجنون.
وإذا كان " ريبيكا " هوَ الفيلم الوحيد، الذي شاهدته لهيتشكوك في الوطن، فإنني على أثر حلولي في السويد عوضت ذلك سواء من خلال كاسيتات الفيديو أو التلفزيون. فيما بعد، أخذت إحدى القنوات السويدية تعرض يومياً " ساعة هيتشكوك "؛ وهيَ سلسلة أفلام تلفزيونية، مدة الواحد منها ساعة تقريباً. قرينتي آنذاك، كانت مهووسة بهذه السلسلة. وبما أن الحلقة تعرض عند الساعة الواحدة ليلاً، كان مطلوباً مني إيقاظها كل مرة !

32
المفترض أن فصل الخريف ينتهي في آخر شهر كانون الأول/ ديسمبر. ولكنه انتقام الشتاء، بسبب عجزه هذا العام عن التهام شهرين من الربيع. أكثر من مرة، عند سيري في الطريق إلى المكتبة ظهراً، انزلقت قدمي على الثلج وكدت أقع أرضاً. الأرصفة، بدأت تختفي رويداً وتصبح هيَ والشوارع كلاً واحداً من البياض.
على أنّ الجو كان معتدلاً، والشمس أشرقت منذ الصباح الباكر. بعد تأخير الساعة، صارت العتمة تحل سريعاً. لقد أفقت باكراً، على الرغم من نومي بعد منتصف الليل بساعة. وكنتُ بعد انتهائي من مشاهدة النسخة الجديدة من فيلم أجاثا كريستي، " جريمة في قطار الشرق السريع "، قد لمحتُ الثريا الأنتيكية وهيَ مستلقية على أرضية المطبخ. هكذا انشغلت لساعة في تركيبها بسقف مدخل الشقة، مدمدماً مرات بالشتائم مع كل برغي يسقط من يدي وأنا منتصب فوق أحد كراسي المطبخ. في واقع الحال، أن الكرسي لم يمكن يدي من الوصول إلى السقف. فعمدت أولاً إلى وضع البوفة ( المجلوبة من المغرب مع شقيقه لها ) على الكرسي، ومن ثم مسند الأريكة ذي الحشية القطنية السميكة.

33
بريجيت باردو، الممثلة الفرنسية، كانت في أيام فتوتنا على كل لسان؛ صورتها وأخبارها لا تفارق المجلات الفنية. ولقد قال عنها الجنرال ديغول: " إنها ثروة فرنسا القومية! ". مع ذلك، لم أشاهد لها في حياتي سوى فيلماً واحداً، " والله خلق الأنثى "، وهذا يعد من أهم أعمالها وسبب شهرتها.
الفيلم، أنتج عام 1965، من إخراج روجيه فاديم ( زوج بريجيت الأول ). والقصة، عن فتاة مراهقة تدعى جولييت كانت قد جلبتها في طفولتها أسرة غنية من ملجأ لقطاء لتتبناها. ولكنها صارت تسبب المتاعب للأسرة بسبب طيشها وغرامياتها. ثم تتعلق برجل كبير السن، يدعى أنطون، إلا أنه يرمي بها خارج الشقة بعدما قضت ليلة حمراء معه. بعدئذ تتعرف على الشاب ميشيل ( الممثل جان لوي ترينتيان )، فيتزوجها دون أن يُعلمها أنه الشقيق الأصغر لأنطون.
جدير بالذكر، أن بريجيت باردو كانت أول امرأة أوروبية ( من خارج اسكندينافيا ) تظهر عارية تماماً في السينما. وكان ذلك في فيلم " والله خلق الأنثى " نفسه. في فترة مبكرة من مراهقتي، شاهدت صورها العارية في مجلة " ألف ليلة " اللبنانية، التي كانت تأتي تهريباً إلى الشام. أما الفيلم، فإنني حضرته ببداية الثمانينات في أسبوع الأفلام الفرنسية بصالة الكندي وكانت بعض مشاهده الساخنة محذوفة !

34
ابني الكبير، كان سبباً في عطفي على المتسولين المحترفبن القادمين من أوروبا الشرقية ( الغجر ). أمس، حصل معي موقفان، لهما علاقة بهؤلاء البشر المساكين، الذين يمتص دمهم الشقاء وعصابات المافيا على السواء.
أمام باب المخزن الرئيس في منطقتنا، كان تقبع أحداهن ملتحفة بأغطية ثقيلة. منحتها ورقة نقدية صغيرة فيما أدخل للمخزن. ثم توجهت إلى شاب أجنبي يعمل هنالك في الكشك، لأخبره بأن علبة معجون أسنان وقعت في يوم أسبق بين أغراضي دونما انتباه مني. فقال لي: " أحتفظ بها لنفسك، ونحن سنعوض صاحبها في حال قام بمراجعتنا! ". ليلاً، اتجهت إلى مركز المدينة. وبالصدفة فيما كنت أخرج نقوداً من الحصالة الأوتوماتيكية، اعترضني أحد أولئك الغجر. منحته ورقة مالية، ثم تابعت طريقي إلى المقهى الشرقيّ. بعد سهرة امتدت لقرابة منتصف الليل، أردت دفع الحساب، ولكن صاحب المقهى اكتفى بأخذ ثمن الأركيلة ( الشيشة ) قائلاً أن القهوة ضيافة.

35
غالباً ما أختار مقهىً معيناً، أواظب على الجلوس فيه للكتابة وتصفح الانترنيت. إحدى فتيات المقهى، ممن يقفن وراء الصندوق، كانت أيضاً معتادة على استقبالي بهذه الجملة: " فنجان قهوة سوداء صغير، أليسَ كذلك؟! ". ولم يكن ممكناً في الزحام، أن أوضح مرةً لهذه الفتاة السويدية بأنني أدفع في المقهى الشرقيّ خمسة أضعاف ثمن قهوتها.
أمس عصراً، أخذت ابني الصغير ( 8 سنوات ) إلى نفس المقهى. والدته، كانت قد قالت لي أنه صار كبيراً الآن ولم يعد يليق به الذهاب إلى محل الألعاب. من ناحيتي، كانت هذه فرصة لأظهر أمام فتاة الصندوق كأب كريم. وإذا بالولد يرفض أيّ شيء موجود، لا شراب ولا حلوى. أخيراً، وبعد إلحاحي، وافق على أخذ علبة بيبسي كولا.
جلست معه في الدور العلويّ، بينما أمه في الدور الأرضيّ مع زميلتها في العمل، وكانت امرأة عجوز هندية. كانت على طاولتنا رقعة ألعاب، وابني قال أنه يعرفها. راحَ يحاول تعليمي أصولها، بينما أنا مشغول عنه بصفحة الفيسبوك. فلما سألني ما لو كنت جاهزاً للعب، فإنني أجبته: " في وقت آخر، حبيبي! ". ولأنه في عطلة الهالوين، عاد ليسألني: " غداً يعني؟ ". قلت له: " ان شاء الله ". وإذا به يقول بحنق: " بابا، كل مرة تقول فيها انشالله لا تفعل ذلك " !

36
على الغداء، حضّرت لازانيا بخلطة اللحمة الناعمة والجزر والبصل الأفرنجي ( البراصيا ). ولكنني اكتفيت بالبشاميل على وجه الوجبة، ولم أضف برشة الجبن. خلطة اللحمة كانت كثيرة، فوضعتها على جانب. اليوم، سلقت سباغيتي ثم أضفت خلطة اللحمة المتبقية مع برشة جبن. وطبعاً اشتهيت كلتا الأكلتين، بسبب فائض النبيذ في المنزل!
على سيرة البشاميل، كنت في صغري من السذاجة بحيث أعتقد أن البقرة هيَ التي تعطي مشتقات الحليب من جبن وسمن وزبدة ولبن وقشدة. كنت آنذاك أنظر إلى ثدي البقرة الكبير، متسائلاً في نفسي عن كيفية خروج تلك المشتقات منه.
قبل بضعة أعوام، كنت عند أحد الأصدقاء في مدينة أوبسالا السويدية. أخبرني أنه حصل على حليب من القرية، من أجل صنع الجبن الأبيض على الطريقة الكردية. فاستفهمتُ منه عند ذلك تلقائياً: " الجبن يُصنع من الحليب؟ ". فأجابني بقهقهة عالية، معتبراً سؤالي مجرد دعابة !

37
خابرت ابنتي عندما كنت في منزل جدتها واتفقنا على اللقاء في مركز أوبسالا عند الساعة الرابعة عصراً. في الطريق، اتصلت هيَ لتقول أنها آتية من بيتها مشياً لأن بطاقتها المخصصة للمواصلات انتهت مدتها. في هكذا موقف، فإنني عادةً أبدي انزعاجي. ولكنني كظمت غيظي، كوني لم أرها منذ نحو ثلاثة أشهر.
عند ذلك، قررت إمضاء الوقت في محلات الملابس. وإذا بي أفاجأ بتنزيلات كبيرة هنا وهناك. فاشتريت مثلاً بنطال جينز بمائة كرون، وكان ثمنه الأصلي ستة أضعاف. قبل ذلك، جربت البنطال وأنا قلق من أن يكون واسعاً. ولكن يبدو أن كرشي كبرَ، بحيث صار قياس البنطال مناسباً.
لما وصلت ابنتي، قلت لها: " من حسن حظي، أنكِ جئتِ متأخرة إلى الموعد! ". ثم أريتها الفاتورة، فضحكت وعلقت بالقول: " كنتَ لا تشتري الغرض إلا إذا كان بربع ثمنه، وهذه المرة ضربتَ رقماً قياسياً " !

38
أول مرة أسمع فيها اسم يلماز غوني، المخرج التركي ذي الأصل الكردي، كنتُ حينها ما أزال بسن المراهقة. أولاد عم صهرنا، وكانوا قد نشئوا في تركيا، استأجروا آنذاك منزلاً في الحارة. وهنالك رأيت صورة على الجدار لرجل بملامح حادة يحمل مسدساً، قالوا لي عنه: " هذا الكردي يلماز غوني؛ أكبر ممثل في تركيا! ".
ومع أن تركيا دولة جارة، تربطنا بها ثقافة مشتركة تعود لمئات السنين، فلم نتعرف مرة على أيّ من أفلامهم في صالاتنا السورية. في بداية الثمانينات، حظوت بمشاهدة فيلم " القطيع " من إخراج يلماز غوني وكان مترجماً من قبل التلفزيون الليبي. وبالطبع، شاهدت الفيلم بالفيديو. في العام التالي، ضج الوسط السينمائي العالمي بفيلم " الطريق "، للمخرج الكرديّ، الذي كان وقتئذٍ في السجن محكوماً عليه بالمؤبد بتهمة قتل ملفقة. الفيلم، كان قد حاز عام 1982على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان.
" الطريق "، يحكي قصة خمسة مساجين حصلوا على إجازة لمدة أسبوع وفق القانون. ولكنهم يقررون عدم العودة للسجن، مهما كلفهم الأمر. عند ذلك نتابع حكاية كل من هؤلاء السجناء، وكيف استُقبل من قبل أسرته. الممثل خليل أرغون، كان أحد من اضطلعوا ببطولة الفيلم. هذا الممثل، أبدع بدور الأب في مسلسل الدراما التركي الشهير " الأوراق المتساقطة "، الذي تابعه ملايين المشاهدين لعدة أعوام مدبلجاً للهجة السورية !

39
قضيت أربعة أيام في ضيافة والدتي، هناك في مدينة أوبسالا والتي تبعد ساعة بالقطار تقريباً عن مدينتنا. ولأن أمي مسنة، رجوتها حال وصولي ألا تغلب نفسها في طبخة خاصة لأجلي. إذ وصلت متأخراً عند الغروب، كما إنني في الغد سأكون على موعد مع ولديّ للغداء في مطعم. في اليوم التالي، حضرت ابنتي لوحدها وشقيقها تحجج كالعادة بموعد مع أصدقائه. ما أن رجعت إلى منزل الأم، حتى هب في أنفي عبق الملوخية مع الدجاج. واعتذرت لها، لما سألت عن الأولاد، بأن البنت مزكمة والولد في مهب الريح!
في اليوم الرابع، وبينما كنت أتهيأ للمغادرة، سألت والدتي عن طريقة تحضير اللبن الخاص بطبخة ( شيخ المحشي ). فقالت لي بلهجة معاتبة: " الله يسامحك، لو عرفت أنك مشتهيها لطبختها لك يوم أمس ".
المهم، أن طريقة عمل اللبن الخاص بالطبخة في غاية البساطة بعدما كنت أتوهم أنها معقدة: لتر اللبن، يوضع في مصفاة ومن ثم إلى قدر على النار مع بيضة واحدة وقليل من النشاء ويتم تحريكه إلى أن " يبقبق " السائل ـ على حد تعبير الشيف الوالدة !

40
في فترة الصبا، كما ذكرتُ مراراً من قبل، كان شغفي بالسينما الإيطالية سببه الأول ميولي الفكرية اليسارية. من بين الأفلام المؤثرة فيّ آنذاك، " منتهى العشق "، وذلك لكون موضوعه يطرح بجرأة موضوع الازدواجية في شخصية المناضل الحزبي.
" منتهى العشق " أو Apasionada بحسب عنوانه الإيطالي الأصل، أنتج عام 1974 من إخراج ماريو مونتيشيلي. القصة، عن رجل خمسيني ( الممثل أوجو تونازي ) يشغل منصباً بارزاً في المنظمة المحلية للحزب الشيوعي. وكان متزوجاً من رفيقة أصغر منه كثيراً بالسن، متمتعة بجمال فاتن ( الممثلة أورنيلا موتي ). ذات يوم، وفي خلال إحدى المظاهرات، تصيب زوجته شرطياً شاباً ( الممثل ميشيل بلاسيدو ) بحجر في رأسه مما يستدعي نقله إلى شقتهما. أثناء رعاية المرأة للشرطيّ، تنشأ علاقة حب بينهما فتبدأ مشاكلها مع الزوج والمنظمة الحزبية.
أتذكر أنني حضرت الفيلم في فترة عسكريتي، في صالة الكندي بمدينة اللاذقية. كان معي في ذلك المساء صديقين لدودين من مراتب صف الضباط؛ أحدهما كان حموياً، مشاكساً، والآخر كردياً من عفرين على شيء من الدعة والهدوء. كون الاستراحة تحصل في منتصف الفيلم، فقد جرى نقاش حام بين الصديقين. إذ أعتبر صاحبنا الكرديّ موضوع الفيلم مشبوهاً ويخدم البرجوازية، بينما الآخر ردّ ساخراً من رأيه باعتباره يعبر عن جمود فكري. بالنتيجة، نهض العفرينيّ غاضباً وترك الصالة دون أن يُتابع الفيلم !

41
في بلادنا، يسبق الغيثُ هطولَ الأمطار وكأنه نذيرٌ من السماء. فكّرتُ بذلك عصرَ اليوم، وأنا في طريقي إلى المقهى. إذ كان الرذاذ يرافق طريقي، وكان قد جاء كالعادة بعد أمطار غزيرة هطلت طوال الليل والصباح. أي عكس المألوف في بلادنا.
أتذكر أيضاً ردة فعلي تجاه الطقس الماطر، هناك في الشام. إذ كان يترافق أحياناً مع انقطاع الكهرباء. أو الأصح؛ بسبب الأمطار، يحصل الإنقطاع!
إذاك كنتُ أشعر بالكآبة، ولا ألبث أن أتجه إلى موقف الحافلات في طريقي لمركز المدينة الحديثة. هذا المركز، المنحني كالقوس، يُستهل من مدخل جادة الصالحية حتى أبو رمانة. هنالك تتغير نفسيتي بما تحفل به الشوارع والمتاجر من أضواء باهرة، ودون أن أكترث كثيراً بقلة البشر في الجو الماطر.

42
منذ مستهل عقد السبعينات وحتى نهايته، كان من المعتاد في الصالات السينمائية الدمشقية عرضَ أفلام فيها مشاهد إباحية أو مواضيعها كذلك. أكثر هذه الأفلام، كانت فرنسية ومن الصنف التاريخي. أبناء جيلي، وكانوا آنذاك في مرحلة المراهقة والصبا، تحمس غالبيتهم لتلك الأفلام والبعض منهم كان يحضرها فقط بسبب مشاهدها الجنسية المكشوفة.
" أنجيليك "، سلسلة من أفلام الموجة التاريخية، تم إنتاجها في عقد الستينات بالألوان الطبيعية، وقد تعهّد إخراجها الفرنسيّ برنار بوردير. كذلك لعبت الممثلة الفرنسية، ميشيل ميرسييه، دور البطولة الرئيسية. وشارك بالبطولة الممثل المعروف روبرت حسين ( وهو من أصل تونسي يهودي ). أول فيلم من السلسلة، " أنجيليك والماركيز "، أنتج عام 1964، ثم تبعه على التوالي " الوصيفة أنجيليك " ، " أنجيليك والملك " ، " أنجيليك المغامرة " وأخيراً " أنجيليك والسلطان " عام 1968. وأنجيليك، كانت فتاة فقيرة في فترة حكم سلالة بوربون في القرن الثامن عشر، وجمالها المميز يقودها إلى مغامرات عديدة ـ كما يتضح من عناوين السلسلة.
ميشيل ميرسييه ( مواليد نيس 1939 )، كانت إحدى أيقونات السينما في تلك الفترة. وكنتُ آنذاك أعتقد أنها أهم وأشهر ممثلة فرنسية. إلا أنني خلال تحضيري لهذه المادة، فوجئت بصعوبة العثور على اسمها في قائمة نجوم الفن السابع الفرنسيّ !!!

43
في مثل هذه الأيام، قبل عشر سنين، كنتُ في زيارتي الثانية لمراكش المغربية والتي امتدت شهراً كاملاً. إذاك، كنت أقوم بإجراءات معاملة الزواج، والمعروفة بتعقيداتها بالنسبة للمواطن الأجنبي.
في الزيارات اللاحقة للمدينة الحمراء، صرت أقضي فيها أشهراً كاملة وأحياناً نصف السنة. وهذا كان سببه أدبياً بحتاً، فضلاً عن استفادتي من وضعي الاقتصادي المستقر. فبدأت أولاً أخط سطورَ كتاب في أدب الرحلات، ومن ثم قصصاً قصيرة من واقع مراكش والمغرب عموماً. ومنذ عام 2012، ظهرت روايتي الأولى من خماسية مراكش، وهيَ بعنوان " تاجر موغادور ". ثم أنجزت مسودة الرواية الأخيرة من الخماسية، " الصراطُ متساقطاً "، في خلال خريف العام الماضي.
كوني لم أستطع زيارة المدينة الحمراء منذ نهاية صيف العام نفسه، 2017، فإنّ نوعاً من الانفصام أصابَ شخصيتي. حيث المدينة تسكنني طوال ساعات، لأنني أكون مشغولاً باستحضارها من خلال عملي بمسودة الرواية، بينما جسدي موجود في السويد !!!

44
الأفلام السياسية، كانت سمة مميزة لعقد السبعينات. ومع أنني كنت في ذلك الوقت بعُمر المراهقة، إلا أن وعيي كان مبكراً بسبب النشأة المنزلية وجو الحي الشعبي. وكما نوهت هنا أكثر من مرة، كنت مشدوداً آنذاك للسينما الفرنسية والإيطالية. هذه الأخيرة، قدّمت في ذلك الوقت مجموعة من الأفلام الجيدة لمخرجين كبار وغالبيتها ذات مضامين سياسية يسارية.
" ساكو وفانزيتي "، انتاج عام 1971 ومن إخراج الإيطالي جوليانو مونتالدو. وقد شارك في العمل عدد من كبار النجوم، الطليان وغيرهم؛ وكان أبرزهم، جيان ماريا فولونتي وريكاردو كوتشييلا ( بدورَي فانزيتي وساكو )، سيريل كوساك، جيوفري كين وميلو أوشيا. الفيلم، يحكي قصة حقيقية هزت العالم في بداية عشرينات القرن الماضي. إنها قصة شابين إيطاليين هاجرا إلى نيويورك طلباً للحياة الكريمة، ويعثرا على عمل بأحد المصانع. ولكنهما يجدان نفسيهما، فجأة، متهمين بجريمة سطو على محل تجاري نتج عنه مقتل حارس أبيض. المحكمة، استمرت سبع سنين وسط اهتمام عالمي بسبب كون المتهمين من خلفية فكرية يسارية. المحامي، يرتكب خطأ فادحاً بتحويله المحاكمة إلى قضية سياسية مما ينتج عنه إصرار القاضي على إدانة العاملين المسكينين بالإعدام على الكرسي الكهربائي مع فقدان الأدلة على صلتهما بالجريمة.
أتذكّرُ مبلغ تأثري خلال مشاهدة الفيلم، لحد ذرف الدموع حزناً وغضباً. من كثرة تحمسي، أعدت مشاهدة الفيلم بعدما أقنعت صديقي وجاري بمرافقتي. وكان هذا يميل لأفلام الأكشن، فبقيَ حوالي نصف ساعة يتململ في الصالة وهو يتابع سير المحاكمة. ثم ما لبث أن وقف منفعلاً، وقال لي: " أهذا فيلم أم مرافعة قانونية؟ "، ثم غادر الصالة دون أن يلتفت خلفه !!!

45
سبقَ أن أخبرت أحد أصدقائي بأنني أقلعت عن عادة التواجد في المقهى الشرقي، الذي يقدم لزبائنه الأركيلة ( الشيشة ). وهوَ شجعني على ذلك، منوهاً بضرورة أن يحافظ المرء على صحته بعيداً عن سموم المعسل والتبغ. إلا أنني خالفت قناعني أمس، وتوجهت إلى المكان الموبوء.
بقيتُ في ذلك المقهى حتى منتصف الليل. وفيما كنتُ خارجاً، مستعجلاً كي ألحق الباص، أخرجت جهاز الموبايل للنظر في الساعة. فأفلت الجهاز من يدي ووقع على الأرض المبلطة. في البيت، صباحاً، حاولت الاتصال بأحدهم وإذا الموبايل متعطل. بعد الغداء، مضيت إلى المقهى الآخر، المعتاد على الجلوس فيه نهاراً حتى المساء. بسبب ضيق الدرب، وبينما كنت أفسح مجالاً لمرور امرأتين ثرثارتين، اصطدم جهاز اللابتوب بعمود النور المعدنيّ. في المقهى، شعرت بالراحة حال اطمئناني على سلامة الجهاز: " يبدو أن النحس يلازم فقط المقهى الشرقي! "، قلت في نفسي.

46
بالصدفة، كنتُ مشغولاً يوماً بغسيل الملابس ولم يعد لدي وقت قبل الذهاب للمقهى، مما جعلني أفكر بطبق بابا غنوج!
في المرة الأخيرة، التي أعددت فيها الطبق كأحد المقبلات، كنتُ قد نسيت قلبَ ثمرة الباذنجان وهي في الفرن مما جعلها قاسية عندما أخرجتها وهرستها. أما ذلك اليوم، فلم يفتني هذا الأمر على الرغم من أن ذهني كان مشغولاً بموعد انتهاء الملابس المغسولة. ولكن نظراً لفقدان الرمان لديّ على غير العادة، فقد زينت الطبق بالبقدونس وقطع البندورة. الرمان، على أي حال، كان حاضراً حين أخذت بتحضير الطبق، وذلك من خلال عصرة من دبسه. علاوة طبعاً على عصرة من الليمون وقليلٍ من الثوم المهروس وملعقتين كبيرتين من الطحينة.

47
صباحاً، ذكرتني الوالدة باللبنة المدعبلة فنطقتْ اسمها بحسب كرد الشام؛ ( خْلُوليك ). وكانت قد حضّرت قطرميزاً منها قبل فترة، لأنها زينة الفطور الدمشقي كما هو معروف. قلت لها، أنني كل مرة أشتري قطرميزاً صغيراً من المحل الشرقي، بما يعادل 5 أورو، فقالت أن شغلها بسيط ولا تكلف شيئاً يذكر.
اللبن يوضع في كيس قماش، ويرص فوقه ثقل كبير ليُصفى الماء تماماً. ثم تجعل اللبنة مثل الكرات الصغيرة، بعد تمليحها طبعاً، وتصف على قماش لتترك في البراد يومين لحين أن تصبح سميكة. وأخيراً، تنزل حبات اللبنة في قطرميز مناسب وتغمر بزيت الزيتون.
في صغرنا، كنا نأتي خلال فترة قصيرة على عدة قطرميزات من اللبنة المدعبلة. بعد ذلك، نتوجه كل صباح لبيت الخالة، مع صحن صغير، كي تضع لنا بضع حبات لبنة !!!

48
ابني الكبير ( 22 سنة )، لم يرد بالأمس على مكالماتي مع أننا اتفقنا على الغداء معاً في المطعم. وكان قد وعدني ألا يتأخر في السهر، عقبَ مغادرته منزل جدّته قبل منتصف الليل بقليل. فاجأتني شقيقته الأصغر، التي جاءت إلى المطعم اللبناني على موعد الغداء، لما أخبرتني أن " الآغا " ما يزال نائماً!
بعدما ودعت ابنتي عند موقف الباص، عدت مشياً لمنزل الأم وقصصت عليها ما جرى. فقالت ضاحكةً: " حينَ كنت أنتَ في مثل عمره، كنت تأكل لوحدك ونادراً ما تجلس معنا على السهرة. ففي هذا العمر، يفضل الشاب صحبة الأصدقاء على الأهل ".
ليلاً حضرَ ابني إلى منزل جدته، فدعته إلى المطبخ كي يتناول الطعام. كانت أمي قد طبخت أكلة أحبها، وهيَ شيخ المحشي بالكوسا، ولكنني فوتها بسبب الغداء بالمطعم. عندما انتهى المسلسل التركي، وحان موعد نوم الأم، ذهبتُ إلى المطبخ. فوجدتُ هنالك، أنه لم يبق من " الشيخ محشي " إلا لحيته

49
حديقة السبكي، هيَ من الأماكن الأثيرة على نفسي لأنها ترتبط بذكريات كثيرة من زمن المراهقة والشباب. في مرحلة متقدمة من العُمر، حينَ صرتُ مهتماً بالتاربخ والتراث، قرأت معلومة موثقة تفيد بأنّ الشيخ السبكي، العالم العلامة الدمشقيّ المولد، كان من أصل كرديّ.
هذه الحديقة، تقع في أكثر أحياء دمشق أناقة وهدوءاً؛ وهو الصالحية، الممتد إلى حدود حيّنا. في ذلك الزمن، كنتُ معتاداً على جعل " السبكي " محطة للراحة في ظلال أشجارها وبين زهورها ذات الروائح العبقة. ذلك بعد فترة من التجوّل، تُستهل غالباً من مدخل بوابة الصالحية، مروراً بساحة عرنوس، ومن ثم الإياب عن طريق الشارع المحاذي لنفس الحديقة.
هنالك في الحديقة، حصلت معي مواقف عديدة، الطريف منها وخلافه، حيث سجلت بعضها في سيرة ذاتية منشورة بالنت وكذلك في عدد من منشورات هذه الصفحة. الآن، أتذكر يوماً انضممتُ فيه لأحد مقاعد الحديقة العريضة، كي أستمع لصحفي دمشقي مخضرم ( نسيتُ من يكون ). أخذ الرجل العجوزُ يتكلم عن العصر الذهبي للثقافة السورية، من الأربعينات وحتى نهاية الخمسينات، والذي تم وأده على يد العسكري الجاهل عبد الناصر !!!

50
في الأعوام العشرة المنصرمة، كنتُ أحياناً أتواجد في مدينة مراكش خلال عطلة أعياد الميلاد ورأس السنة.
عديلي، وهوَ فرنسيّ أعلن اسلامه، كان يدعونا عادةً إلى مائدته العامرة في صالة منزله، المزينة بشجرة عيد الميلاد. إنه كأي أوروبي، الأعياد المسيحية بالنسبة له هيَ مجرد مناسبة احتفال تقليدية فقدت معناها الديني.
أما مناسبة هذا المنشور، فإنها تتعلق في الحقيقة ب " الخماسية المراكشية " الروائية، التي قاربت على الانتهاء. إذ انتبهتُ من تعليقات بعض الأصدقاء ( وأيضاً بعض القراء على النت )، أنهم يخلطون بين الخيال والواقع، فيعتقدون أنني أكتب ما يشبه السيرة الذاتية. هذا الإعتقاد، وهوَ بريء بالطبع، ناجمٌ عن قلة الوعي بماهية الرواية كعملٍ من صنع الخيال وإن كان يستند إلى تجربة واقعية. وبحسب النقد المعاصر، فإن أيّ رواية أصيلة يجب أن توحي للقارئ بصدق وقائعها، ولكن بشرط أن تكون هذه الوقائع مصورة بشكل فنيّ لا فوتوغرافيّ !!!

51
والدتي، تعيش في مدينة تبعد ساعة عنا بالقطار. عبرَ التليفون، أسألها أحياناً عن طريقة تحضير طبخة ما. هذا، مع أنني بنفسي ( وكما يؤكد كثيرون ) صرتُ شيف مطبخ لا يُستهان به.
أمس عندما كنت في المقهى، اتصلت مع ابني الكبير ( 22 عاماً ) الموجود في نفس مدينة جدته، لكي أسأله عما إذا سيزورني في عطلة الميلاد ورأس السنة. أعتذر بالدراسة، ثم ما لبث أن قال أنه الآنَ عند أحد أصدقائه وينوي أن يحضر لهم السباغيتي. واستفهم مني عن طريقة، قال أنها إيطالية؛ وهيَ أن تضاف خلطة الصوص إلى السباغيتي وهي ما تزال تسلق على النار.
قلت له، أن ذلك سيجعلها خبيصة ويفقدها أيضاً المنظر الجميل. ثم أضفتُ: " بعدين مين قال لك أن الطليان يفهمون بالسباغيتي؟ "

52
ذهبت إلى المقهى كالعادة لكي أستفيد فيه من خدمة ( الواي في ) وأتابع تنقيح وتنضيد خاتمة روايتي. ما لم أكن لأتوقعه قط، أنني سأكتب هنالك كلمات تنعي صديق العُمر، الكاتب سيامند ابراهيم، الذي أختتم حياته اليوم فجراً في أحد مستشفيات مدينة كولن الألمانية.
عبد السلام حاجي ابراهيم، وهذا اسمه الحقيقي، تربطني به قرابة أيضاً. جده لأبيه هوَ ابن خالة جدتي لأمي، وكلاهما بالأصل من ولاية ماردين في كردستان تركيا ـ منطقة مازيداغ. لقد أوردتُ في سيرة روائية منشورة، عنوانها " أسكي شام "، بعضَ الوقائع عن الأسرة القريبة: كيفَ عمل أفرادها عند جدي لأمي، حينَ استثمر ماله في انشاء مزرعة بالجزيرة ( الآن تسمى باسمه: قربة الصالحية ). وبعد عودة الجد لدمشق بنحو العام، لحقت به تلك الأسرة القريبة، فساعدها بتأمين مسكن على مشارف تربة الشيخ خالد النقشبندي.
سيامند، الذي سجّل أصغر من عمره بعامين ( هو من مواليد 1953 )، كان معنا في المدرسة الإعدادية وتوثقت علاقتنا بسبب القرابة، وكذلك لأننا كنا آنذاك مشتعلين بالحماس للثقافة الكردية. في ذلك الوقت، وبعد خروج المناضل الكردي " آبو عثمان " من السجن، صار سيامند يلازمه بهدف تحصيل الدروس باللغة القومية على يديه. في بداية الثمانينات، أنضممتُ بنفسي إلى حلقة دراسية باللغة الكردية تضم فضلاً عن سيامند، كلاً من ابراهيم ظاظا وكَاسم درباس وشخصين من الجزيرة نسيت اسميهما. في العامين الأخيرين قبل هجرتي إلى السويد، عادت صلتي مع سيامند تتعزز وكنا نلتقي غالباً في منزلي. ولم تنقطع علاقتنا خلال وجودي بالمهجر. وكان سيامند أكثر الأصدقاء مراسلة لي، ويحرص دوماً على ارفاق حطاباته بكروت بوستال ترمز لأماكن تاريخية علاوة على قصاصات لمجلات وصحف. كنت متفقاً وإياه على اللقاء هذا الصيف في ألمانيا، ولكن ظروفي حالت دون ذلك.

53
في خلال المرحلة الأخيرة من دراستي الإعدادية، نشطت بالسر جمعية الطلبة الأكراد وكانت تابعة فعلياً لتنظيم البارتي اليساري في الحي ( ركن الدين ). وكان عدد من أقاربي منتسبين للجمعية، منهم شقيقتي التي ترأست القسم النسائي. فاتحتُ صديقي " سيامند ابراهيم " بأمر الجمعية، فتحمس للانضمام لها. وفي المدرسة الإعدادية، ابن العميد الثانية، رحنا نتصل بمن نراه واعياً من زملاء الدراسة. أنضم إلى شلتنا خليل متيني، وهو من جسر النحاس، ولكن والده كان سماناً في الزقاق وصديقاً مقرباً للوالد. وعن طريق خليل، تعرفنا على زميل جديد من منطقته وكان قد أطلق على نفسه لقب " هتلر "!
ذات يوم، دعانا هتلر لبيته. ذهبت معه برفقة الصديقين، سيامند وخليل. بيت مضيفنا، كان قريباً من الجادة الرئيسة للحي، وكان أثرياً على الطراز العثماني. وكذلك كانت صالة الاستقبال، التي جلسنا فيها على أرائك مزخرفة بالصدف. كان مضيفنا يسألنا عما نرغبه من شراب، حينَ فتح الباب وأطل منه رأس امرأة متوسطة العمر. أجفلت لما رأت الضيوف، وتمتمت بأسف بنبرة شامية: " ييه، والله يا ابني ما عرفت فيه حدا بالصالون! ". تغيّرت سحنة مضيفنا، وانطلق منها شرر الغضب. ثم أنتتر واقفاً، وغادرنا مدمدماً باللعنات.
" يلعن ربببببببك! "، وصلنا صراخ صديقنا من داخل البيت. سيامند، كونه معتاداً على عقلية كرد الجزيرة، المنفتحين اجتماعياً، أعتقد أن " هتلر " غاضب على أمه لأنها لم تسلم علينا. تبادلتُ عندئذٍ نظرة مبتسمة مع خليل. ثم عاد مضيفنا، حاملاً صينية عليها عدة الشاي والحلوى. شربنا وأكلنا بسرعة، ثم أستأذناه بالانصراف. خشينا أن تخطئ هذه المرة إحدى شقيقاته، فتطل على الصالة، فيرتكب هتلر جريمة قتل !!!

54
في منتصف الثمانينات، كنتُ أقضي وقتاً طويلاً خلال النهار في المكتبة الظاهرية. صديقنا الكاتب، سيامند ابراهيم، كان في ذاك الوقت يلتقي معي، وغالباً مساءً، فنتناقش في مصادر التاريخ الكردي، الموجودة في تلك المكتبة الأثرية.
كان سيامند، آنذاك، يعملُ مراقباً على خط حافلات النقل العام لحي الأكراد ( ركن الدين ). وكان ثمة كشك خشبي بجانب الموقف الأخير للحافلات، يقع عند ساحة المرجة. أحياناً، وأنا خارج من المكتبة كنت أمر على صديقنا وهو في الكشك لتبادل الكلام والمعلومات.
يوماً، وكنتُ آتياً من المكتبة، رأيت سيامند عن بعد وهوَ يهرول نحوي. لما وصل إليّ، وكان يلهث، سألني بحماس: " حمورابي، أليسَ من سلالة كردية؟ ". فأجبته بلهجة جدية: " نعم، وحفيده هو حمو جمّو " !!!

* حمو جمّو، أحد الشخصيات الشعبية في حي الأكراد. كان قاطع طريق، وأعدم عام 1920 قبل دخول القوات الفرنسية دمشق بقليل. شقيقه، الشهيد محمد خالد ايزولي، هو زوج عمتي.

55
في صغري، كنتُ معتاداً على زيارة رجل مسنّ من القامشلي، مهيب الطلعة أبيض الشعر تماماً، وكان يُدعى سيدا شمس الدين. وعرفت فيما بعد أنه صديق للوالد، منذ عقد الأربعينات، عندما ساهما بنشاط النوادي الكردية في دمشق والجزيرة.
في وقت زياراته، كان ابنه ( نذير ) معتقلاً في سجن القلعة بدمشق مع ثلة من رفاقه في قيادة البارتي الكردي وذلك في مستهل عقد السبعينات. حصل الاعتقال مباشرةً عقب اتفاق 11 آذار التاريخي بين الثورة الكردية في العراق ونظام بغداد. كذلك رد نظام حافظ الأسد المسعور، المنزعج من الاتفاق وكان يعول على الكرد في صراعه ضد رفيقه البعثي اللدود.
والدي، كان يحاول التوسط لصديقه في رؤية ابنه المعتقل عن طريق محمود بكري الآلوسي ( أبو شيركو )، الشخصية الكردية الدمشقية. في الحقيقة، لا أعلم إلى الآن ما إذا تكللت الوساطة بالنجاح واستطاع الرجل تأمين زيارات لابنه. هذا الأخير، بقي في السجن بدون محاكمة لمدة تقرب من العشرة أعوام. بعد خروجه، واصل نضاله ومن ثم تسنم منصب السكرتير العام للبارتي حتى وفاته.

56
أزور مدينة أوبسالا بين فترة وأخرى، نظراً لوجود الأهل والأولاد هناك. وهاهم الأصدقاء، هذه المرة، يدعونني إلى مقهى جديد في المدينة افتتحه شباب سوريون.
أول أمس، أنطلقنا بسيارة أحدهم إلى ذلك المقهى، الكائن في المنطقة الصناعية على طرف أوبسالا. ما أن انتهى الدرج إلى ردهة، معبقة برائحة دخان الأركيلة ( الشيشة )، إلا وبُهرت بالمفروشات الدمشقية التقليدية وغيرها من اكسسوارات مدينتنا الخالدة. ولكن، وكما يقال: " يا فرحة ما تمت! ". أحد الأصدقاء، لمح في عمق الصالة بعضَ المعارف وكان قد أعتذر منهم مساءً حينَ عزموه على المقهى.
هكذا خرجنا من المقهى، وكانت درجات الحرارة تحت الصفر والثلج يغمر كل شيء بحلته الناصعة. قرر الشباب التمشي إلى مقهى آخر، قالوا أنه في نفس المنطقة. وبما أنها ليلة سبقت عيد الميلاد، فقد كانت الشوارع خالية وقلة قليلة من السيارات عبرت من أمامنا. بعد مسير لنحو نصف الساعة، وصلنا ذلك المقهى ونحن مقرورين من البرد. فوق انزعاجي من المكان، وكان رث الأثاث بخدمة سيئة وجو غير نقي، فإنني أكلت 1/ 5 في لعبة طاولة الزهر

57
بمناسبة قضائي نصف فترة أعياد الميلاد لدى والدتي، في مدينة أوبسالا، فإنني تذوقت العديد من الأكلات الشامية من صنع يدها الماهرة.
ملفوف اليخنة، هي إحدى تلك الأكلات المفضلة لديّ. والمعروف، أنها تُحضَّر بنفس طريقة ملفوف ورق العنب. أم ابني الصغير، كونها مغربية ولا يوجد في مطبخ بلدها هكذا أصناف، فقد سبقَ أن علمتها هذه الأكلة صديقة كردية من شمال سورية. مرة بعد الأخرى، كانت اليخنة تفرط وتبقى قاسية. والأدهى، أن تلك " الشيف " أصرت على إضافة دبس البندورة للطبخة. عندما أخبرتُ والدتي عن الأمر، فإنها استغرقت بالضحك وقالت: " يجب سلق أوراق اليخنة قبل الحشو كي لا تفرط. والكوسا المحشي هو الذي يحتاج لدبس البندورة! ".
سبق وأخبرتُ الشيف الكردية بنفس كلام أمي، فقالت لي بعناد: " أصولي وي وايي "

58
أجلس في المقهى، ووجهي بين كفيّ. أتذكّر أن هذه حركة أشتهر بها والدي ( الذي توفي قبل 14 عاماً )، وخصوصاً في الصباحات المشمسة شتاءً.
كان أبي يجلس في أرض الديار، خلفه عريشة ياسمين تعانق جدار حجرة الضيوف ومقابله عريشة المجنونة المغطية جدار المطبخ جميعاً، فيما حديقته منطوية على نفسها وكأنها ما تفتأ نائمة. حينَ كنت طفلاً، أعتدتُ بدَوري على الإختباء داخل عباءة الأب المبطنة بالفرو، مُستمتعاً برائحة صاحبها الأليفة. أما الفروة التي تفرش على الأرض للجلوس، فكانت بلون أبيض ناصع وندعوها " الجلد ".
مساءً، ما أن تبدأ الأم بإعداد مناماتنا، حتى يقفز كل منا إلى فراشها. إذاك كان الواحد منا يرفع اللحاف حتى قمة رأسه، وهوَ يطلق صرخات الانتشاء بعبق الأم المميز والعَطِر !!!

59
ليالي رأس السنة، تجعلني كل مرة أستعيد ذكرى صديقي وقريبي الراحل، حسون. فقد توفيَ في أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر من عام 2001، وذلك في أحد مخيمات اللجوء بألمانيا. مات وحيداً، محبطاً، بعد يوم واحد من إبلاغه بقرار ترحيله.
قبل سفره لألمانيا، قضى حسون السنين العشر الأخيرة في الشام وهوَ مرفهٌ مثل " برنس ". إذ حصل مقابل حصته من بيت أبيه على مبلغ طائل من المال، وكان ماهراً بتبديده في المطاعم والملاهي والسفر. عندما بقيَ معه حوالي ألفي دولار، أتصل بأحد المهربين لكي يوصله لأوروبا!
وأعود لذكريات ليلة رأس السنة، مع قريبي الراحل. ذات مرة، وكنا بمرحلة المراهقة، أردنا أن نقلد من هم أكبر منا سناً. فقررنا أن نقضي الليلة بالتنقل بين بيوت بعض المعارف المحتفلين، لنشرب كأساً من العرق هنا وكأساً من الويسكي هناك. مررنا على منزل يستأجره صهري، وإذا بطاولته عامرة ولكنه وشقيقتي كانا قد أنهيا تواً مشادة حول مسألة ما. تركناهم بعد دقائق، ثم توجهنا إلى منزل أحد الأصدقاء. وإذا أعمامه، وكانوا معروفين بالتدين والمحافظة، قد جلسوا معه وهم يتناولون الشاي ويثرثرون. قلت لحسون، هامساً: " لم يبقَ إلا شقيقك جمّو، لأن سهراته دائماً عامرة ". ما أن اقتربنا من بيت أخيه، إلا وصوت الرصاص يلعلع مع ولولة النساء. دخل حسون إلى البيت، ثم عاد ليقول لي لاهثاً ساخطاً: " لقد سكر وعلق بخناقة مع أخيه الكبير، وقام كل منهما بإطلاق النار في الهواء تحدياً! ".

60
" زينو "، كانت جارة طيبة ومعروفة بترديد الأمثال والأقوال الطريفة. مثل أهل الحارة، عاشت أغلب سنوات عمرها في منزل عائلتها الأثري. إلى أن هجم المتعهدون في أواسط الثمانينات، وتم تحويل البيوت القديمة إلى عمارات اسمنتية.
ريثما ينتهي العمل بتشييد عمارتها، استأجرت جارتنا حجرتين في بيت عمي. هناك أيضاً، كانت تقيم شقيقتي التي تكبرني بعام واحد. هذه الأخيرة، كان زوجها يعمل في السعودية ثم عاد إلى الشام وبدأ يخطط لمشروع تجاري.
ذات صباح، سمعت " زينو " أصوات مشاجرة لدى جيرانها. بعد ذلك غادر صهرنا البيت، ودخلت هي كي تستفهم من أختي عن سبب المشكلة. على الأثر، قالت جارتنا بطريقتها الطريفة في النصيحة: " يا ابنتي، الرجل سترة العمر وليسَ كندرة كل فترة ترمينها من قدمك! ".

61
استفتحت العام الجديد بطبق بامية بالزيت. أما يوم أمس، أول أيام العام، فإنني أكملت على لازانيا كانت متبقية من ليلة رأس السنة.
البامية بالزيت، من أكلاتي المفضلة. وقد قرأت مرةً، أنها أيضاً كانت الطبق الأثير عند الموسيقار محمد عبد الوهاب. وكان الموسيقار أثناء زياراته للبنان يحل ضيفاً على فيروز، واعتادت هيَ أن تحضّر له البامية بالزيت على يدها. والمعروف، أن طريقة تحضير هذه الأكلة سهلة: بعد تسخين قليل من زيت الزيتون، تقلى فيه بصلة مفرومة ثم يضاف فوقها البامية مع الفلفل الأحمر. تترك على نار هادئة حوالي عشرين دقيقة، وبعد ذلك تبهر مجدداً بكزبرة ناعمة والملح مع عدة أسنان من الثوم المهروس. خمس دقائق، وتكون الطبخة جاهزة.

62
ليلة رأس السنة، أتصلت مع ابني الكبير، ميدياس، ولكن خطه كان مشغولاً. بعد ذلك، وللصدفة، دخل عم صديقه على الخط ليخبرني أن ابني في ضيافتهم بمدينة غوتنبرغ الجميلة. العم، وهوَ صديق عزيز لم ألتق به منذ فترة طويلة، أرسل هذه الصورة لابني حين كان بمنزله.
بقيَ أن أقول، أنني قبل رأس السنة كنت قد دخلت مخزناً كبيراً كي أشتري زجاجة عطر لميدياس، هدية للعام الجديد. ولكن عند الصندوق، تبين أنني نسيت كرت البنك في معطفي، الذي كنت ألبسه في يوم أسبق.
اليوم، إذا بنفس زجاجة العطر عليها تنزيل 50 %!

63
جدة ابني الصغير لأمه، جاءت في زيارة للسويد على عطلة أعياد الميلاد ورأس السنة. معها هل عطر زهر البرتقال، الذي يتفتح في شوارع مراكش بمثل هذا الوقت من العام.
أمس، كنا في الغاليري الكبير بالمدينة ثم قررنا أن نتناول غداءنا هناك في مطعم شرقي. صاحب المطعم، وهو أفغاني، شاء أن يعيد موقفاً محرجاً سبق أن حصل أثناء زيارة خال ابني وزوجته قبل نحو عام ونصف. نتيجة سوء فهم، عاد الرجل وحسبَ ثلاث وجبات بدلاً من أربع. لحسن الحظ هذه المرة، أنني وجدة ابني طلبنا نفس الوجبة. هكذا ناولتها الصحن دونَ أن أشعرها بالمشكلة، ثم رحت أنتظر وجبتي وكانت على نار الشواء!
ابني، أختتمَ العزيمة بأن " سلبط " عليّ ثمن CD لبلاي ستيشن 4!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,166,194,450
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 13
- الشرفة
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 12
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 11
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 10
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 9
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 8
- إحسان عبد القدوس؛ الصورة النمطية للكاتب/ 2
- إحسان عبد القدوس؛ الصورة النمطية للكاتب
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 7
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 6
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 5
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 4
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 3
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 2
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 1
- شيرين وفرهاد: الفصل السابع 5
- شيرين وفرهاد: الفصل السابع 4
- شيرين وفرهاد: الفصل السابع 3
- شيرين وفرهاد: الفصل السابع 2


المزيد.....




- الشامي:اتفاق الصيد البحري يعكس دينامية تعزيز الشراكة الاسترا ...
- وفاة مغنية روسية على خشبة المسرح! (فيديو)
- يونس دافقير يكتب: بين الحمار والبغل
- وفاة المخرج اللبناني جورج نصر
- آخرها -كفر ناحوم-.. 8 أفلام عربية وصلت للعالمية وحصدت جوائز ...
- إسبانيا تطالب المفوضية الأوربية بالإسراع في الإفراج عن المسا ...
- كاتب عام جديد لرئاسة الحكومة
- موقع وزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية الأول عربيا
- المغرب والحلف الأطلسي يحتفيان بإطلاق الحوار المتوسطي
- سيلفي في المتحف.. الأتراك يعيدون اكتشاف تاريخهم


المزيد.....

- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور
- القضايا الفكرية في مسرحيات مصطفى محمود / سماح خميس أبو الخير
- دراسات في شعر جواد الحطاب - اكليل موسيقى نموذجا / د. خالدة خليل
- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71