أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سليم نصر الرقعي - تجربة سلطة الشعب في ليبيا في الميزان!؟















المزيد.....


تجربة سلطة الشعب في ليبيا في الميزان!؟


سليم نصر الرقعي

الحوار المتمدن-العدد: 6102 - 2019 / 1 / 2 - 04:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


موقفي الفكري في تجربة ما كان يُسمى بسلطة الشعب (المزعومة أو الموهومة) التي فرضها العقيد معمر القذافي على الليبين منذ عام 1977 بعد ما أطلق عليه اسم (الثورة الثقافية) و(الثورة الإدارية) و(الثورة الشعبية)!؟ وسبب ظاهرة عزوف الليبيين عن حضور تلك المؤتمرات الشعبية التي يزعم القذافي أنها هي الأداة الوحيدة للحكم الشعبي والصورة الفريدة للديموقراطية الشعبية المباشرة؟؟
*******************************
زعم العقيد القذافي عام 1977 بأنه قد سلّم السلطة والثروة والسلاح للشعب وبات خارج الحكم والسلطة !!.. ((من ذا يمكن أن يصدق!!؟؟)).. لم يتجرأ أي من الحكام العرب بالرغم من طغيانهم أو غرابة أطوارهم على ادعاء مثل هذا الادعاء التاريخي الغريب!!... أقصد ادعاء تسليمهم السلطة بشكل مباشر وتخلي هذا الحاكم عن الحكم والذهاب للاقامة في (خيمة)!!!... لم يفعلها أحد قبل العقيد معمر القذافي ولا أعتقد أن حاكمًا بعده يمكن أن يجرؤ على هكذا ادعاء عريض وسخيف!!... فالعقيد القذافي زعم عام 1977 بأنه سلم السيادة والحكم يدًا بيد للمؤتمرات الشعبية الأساسية المحلية التي تمارس - حسب مزاعمه - الحكم الشعبي الجماهيري المباشر بدون تمثيل ولا نيابة ولا أحزاب !!... حيث أن المؤتمرات الشعبية المحلية الأساسية تقرر ما تريد ثم تحمل قراراتها وتوصياتها لمؤتمر الشعب العام في العاصمة لصياغة قرارات الشعب بطريقة موحدة ولتصبح قانونًا يحكم ليبيا وتلتزم به الدولة الليبية! ... هكذا كانت وصفة القذافي للسلطة والديموقراطية الشعبية المباشرة حسب ما نظّر لها في الكتاب الأخضر!!... ففي الكتاب الأخضر تكون ممارسة سلطة الشعب المباشرة من خلال مؤتمرات شعبية أساسية تقرر ثم لجان شعبية محلية ولجنة شعبية عامة على مستوى القطر الليبي تنفذ القرارات الشعبية! ... هكذا هي سلطة الشعب بكل اختصار كما في نص الكتاب الأخضر!.. ويا ليت القذافي التزم بها بشكل حرفي كما في النظرية لكنه عند التطبيق اخترع شيئين لم يكونا في نص النظرية على الاطلاق لا من قريب ولا من بعيد وهما كما يلي:

أ - الاضافة الأولى غير الواردة في نص الكتاب الأخضر:
وتتمثل في الزعم بأن الشعب في مرحلة بناء السلطة الشعبية يحتاج بحكم الضرورة إلى (قائد ثوري تاريخي مُلهم ومعلم وفريد) يقود التجربة ويرعاها ويحميها!!.. قائد فذ في حكم نبي عصر الجماهير أو مسيح العصر يملك (الشرعية الثورية) التي حصل عليها " من أتون الثورة ذاتها"!!.. كما ورد في نص ما سُمي ((وثيقة الشرعية الثورية)) مما يمنحه سلطة ثورية مطلقة تتمثل في مهمة تعليم الشعب وتوجيهها وترشيده نحو ما يحقق مصلحته ويعزز سلطته!!!.. ولطالما كان القذافي يردد في ترشيداته وتوجيهاته تلك للمؤتمرات الشعبية قائلًا للشعب الليبي الذي يُفترض حسب فكرة الحكم الشعبي المباشر أن يكون هو الحاكم وسيد قراراه، ظل القذافي يردد قائلًا : " أنتم ما تعرفوش مصلحتكم!!".. بمعنى أنه هو من يعرف أين تكمن مصلحة هذا الشعب (القاصر)!!.. الذي يحتاج إلى (وصاية ثورية) ومرحلة (حضانة ثورية) حتى يشب عن التوق ويتعلم كيف يحكم نفسه بنفسه، وقبل هذا الأمر، أي قبل أن يشب الشعب القاصر عن الطوق، يحتاج لولي أمر ولرعاية ووصاية من قبل قائد ثوري ملهم وراشد!!.. وكان القذافي يومها قد فسر مهمته الثورية التاريخية الضرورية ودوره في نظام سلطة الشعب المزعوم والموهوم بأنها مهمة تشبه إلى حد بعيد لمهمة (المسيح) أو (بوذا) أو (مرشد الثورة) في ايران!!!... هكذا قال حرفيًا!!.

ب - الاضافة الثانية غير الواردة في نص الكتاب الأخضر:
وهي تأسيس ((تنظيم سياسي ايديولوجي جماعي عضوي حركي)) يتبع القذافي مباشرة ويؤمن بالكتاب الأخضر والقائد الملهم - نبي عصر الجماهير ومسيح العصر كما وصفوه! - تحت مسمى ((حركة اللجان الثورية)) والتي لها مكتب فرعي في كل مكان في ليبيا حيث يتم توجيه هذه (الفروع) عن طريق مكتب عام مركزي في العاصمة أسمه (مكتب الاتصال باللجان الثورية) يقوده أبن عم العقيد القذافي (المجدوب)!!.. وبالرغم أن نظام القذافي يُحرّم ويُجرّم الحزبية وجعل عقوبتها وفق قانون (تجريم الحزبية) الاعدام شنقًا حتى الموت في الميدان ووسط حرم الجامعات الليبية إلا أنه لم يعتبر هذا التنظيم السياسي التابع للحاكم الفعلي لليبيا والقائد الفعلي للدولة الليبية أي العقيد معمر القذافي حزبًا بل هو مجرد "حركة ثورية نقية طاهرة" كما وصفها القذافي تساعد الشعب (القاصر)(الجاهل) على ممارسة السلطة بنفسه وحمايته من الحزبيين والخونة والمشككين وعملاء الرجعية والاستعمار الذين يحاولون سرقة السلطة من هذا الشعب السيد (المسكين)!.. وأما مهمة هذه اللجان الثورية حسب خطابات للقذافي فهي تتمثل في أمرين رئيسين:

1 - المهمة الأولى لحركة اللجان الثورية:
جرجرة المواطنين الليبيين - أو تكرير الشعب غصبًا عنه (!!!) كما قال القذافي حرفيًا في خطاب بثه التلفزيون الرسمي - نحو حضور جلسات المؤتمرات الشعبية المحلية الأساسية حتى يتعوّد هذا الشعب على حضور هذه الجلسات لكي يتعلم كيف يحكم نفسه بنفسه لنفسه!.. وأما من يمتنع عن الحضور فإنه - وكما توعد القذافي في خطاب رسمي مبثوث على الهواء أيضًا - سيتم حرمانه من حصته الشهرية في (الجمعيات التموينية) التي يقف أمامها الشعب في طوابير طويلة للحصول على التموين!!.

2 - المهمة الثانية لحركة اللجان الثورية:
هي (التصفية الجسدية) لأعداء الثورة ونظام سلطة الشعب - أي معارضي القذافي - في الخارج والداخل على السواء حتى يتوقفوا عن المعارضة!!.. وكذلك تصفية (المرتدين) أي من تخلوا عن عضويتهم في حركة اللجان الثورية وظهر منهم ما يدل على (الردة) وهو ما تم بالفعل بطرق ارهابية وحشية استعراضية سبقت الدواعش في هذا المجال في حقبة السبعينيات والثمانينيات!.. حيث تم اعدام طلبة ليبيين معارضين للقذافي أمام الطلبة وسط الجامعات الليبية من جهة ومن جهة تم تنفيذ عمليات ارهابية خارج ليبيا من خلال اغتيالات للمعارضين والتباهي بذلك بشكل علني في خطابات القذافي وتلفزيونه الرسمي واعتباره نصرًا عظيمًا !!.

فهذه هي مهمة حركة اللجان الثورية، وتلك هي مهمة القائد الثوري الفريد !!... وهكذا بإقحام (هاتين الاضافتين) في تجربة نظام سلطة الشعب المباشرة من خارج النص الحرفي والنظري للنظرية ونص الكتاب الأخضر تم الالتفاف بشكل خبيث على فكرة سلطة الشعب حيث أصبحت المؤتمرات الشعبية محكومة فعليًا - وفي الواقع العملي - من جهة بتوجيهات (القائد الفريد المُلهم) الملزمة للشعب نفسه بحكم نص (وثيقة الشرعية الثورية) التي تعطي القذافي سلطات مطلقة بدعوى أنه الراعي السامي للتجربة وصاحب النظرية وقائد الثورة!!!... ومن جهة ثانية أصبحت المؤتمرات الشعبية محكومة بإرهاب وضغوطات حركة اللجان الثورية (الارهابية الدموية) المتواجدة في كل مكان من مؤسسات الدولة وفي الجامعات والادارات العامة والجيش والمؤتمرات الشعبية!!!.. حيث الجثث كانت تتدلى من على أعواد المشانق في كل مكان ويتم نقل طقوس الاعدامات الثورية الفورية بشكل مباشر حي حيث يقوم بعض اعضاء حركة اللجان الثورية بلطم هذا المشنوق على وجهه لحظة تدلى جثته من على حبل المشنقة!!

ومع ذلك - أي مع هذا الارهاب والاجبار على حضور جلسات المؤتمرات الشعبية - فإن الشعب الليبي قاوم هذه الاكذوبة الرسمية التاريخية الوقحة والفجة بطريقة هادئة وسلبية وذلك من خلال مقاطعة هذه المسرحية السياسية الهزلية بالعزوف عن الحضور والتهرب من حضورها بحيل شتى!.. وظل القذافي حيال هذا العزوف الشعبي العتيد المتنامي يرغي ويزبد ويهدد ويتوعد ويصر على على حشر وحشد اكبر قدر من الشعب الليبي في جلسات المؤتمرات الشعبية - والمشاركة في هذه المسرحية الهزلية الرسمية العامة! - ولكن وبالرغم كل من تلك المحاولات الضخمة فإن ((ظاهرة العزوف الشعبي)) عن المشاركة ظلت تزداد وتستفحل عامًا بعد عام ولم تتوقف حتى مع لجوء (العقيد القذافي) إلى أسلوب التهديدات والعقوبات التي لوّح بأنها ستطال كل من يتغيب من (الشعب الحر السيد!؟) عن حضور جلسات المؤتمرات الشعبية!، ولكن حتى هذا الأمر لم يفلح في حل اشكالية العزوف الشعبي الكبير والمتنامي عن حضور تلك الجلسات!!...... وأما السبب في ظاهرة عزوف الشعب الليبي عن المشاركة فيما يعرف بالمؤتمرات الشعبية كأداة للديموقراطية الشعبية المباشرة، كما ذكرت في مقالات نقدية كثيرة لتلك التجربة سواء من حيث الخلل الذي في (النظرية) أو من حيث الخلل الذي في (التطبيق) و(الممارسة) يكمن في سببين رئيسين:

(1) الأول: سبب بشري عام لظاهرة العزوف الشعبي عن المشاركة السياسية!
-------------------------------------------------
ويتمثل في حقيقة ان اغلب الشعب - في أي بلد - لا يريد ان يحكم نفسه بنفسه بشكل مباشر بل بالكاد يحضر الانتخابات حتى في اعرق الديموقراطية مع ان التصويت هو الحد الأدنى من المشاركة السياسية للمواطنين، ومع ذلك تظل الأغلبية تعزف عنه!!، الحقيقة أن الشعوب لا تريد ان تشارك في السياسة لا بشكل مباشر ولا غير مباشر!.. خصوصًا في الاحوال العادية والهادئة بل تريد من ينوب عنها في ادارة السلطة العامة والثروة العامة وفق الدستور ووفق القانون وبما يعود على الشعب بالراحة والهناء!.. فهذا (الحاكم) المنتخب هو بمثابة (الخادم الأمين) والمقتدر للأمة، وهذا المفهوم في الديموقراطية الغربية يتفق مع مفهوم الخلافة الراشدة في الاسلام أي أن الخليفة هو خادم الأمة وليس سيدها الجبار!، وهكذا فإن أقصى ما يريده الشعب - أي شعب - هو حكومة رشيدة وعادلة تحقق حاجاته وتطلعاته الاجتماعية والوطنية، ولم يخرج اي شعب في العالم في مظاهرة لكي يطالب بأن يمارس السلطة بنفسه وبشكل مباشر!!.. هذه (فرضية) خيالية لم نجد لها ما يثبتها!.. بعكس ما ذكرناه آنفًا فهو الأمر السائد!.. أي عدم رغبة الشعوب في ممارسة السلطة والانخراط في السياسة بشكل مباشر بل هي تبحث عن قيادة وحكومة عادلة ورشيدة ونزيهة وفعالة تخدمها!.. فالشعوب - كشعوب - لا تريد الانخراط في النشاط السياسي وممارسة الحكم فهي تستثقله ولا تصبر عليه ولا تريد أن تحكم نفسها بنفسها بشكل مباشر!!.. بل الشعوب كشعوب تطالب بحكم فعال وعادل وادارة رشيدة للدولة والثروة العامة.. هذا كل شيء!.. وهكذا فإن المطالبة بالحكم الشعبي المباشر هو مطلب نخبوي وطوباوي غير واقعي كحال المطلب بالمجتمع الشيوعي أو الفوضوي!، هو مطلب نخبوي مؤدلج وطوباوي، فضلًا عن ان كل تجارب الحكم الشعبي لم تفلح ولم تنجح ولهذا يظل الحكم النيابي وفق ارادة ورضا الشعب هو الممكن والواقعي الوحيد بل والامر الرشيد ولكن - مع هذه الديموقراطية النيابية التعددية الحزبية - من الممكن فتح المجال للمشاركة الشعبية من خلال (مجالس شعبية للشورى العامة) يحضرها كل مواطن راغب في ابداء الرأي او ابلاغ الحكومة والبرلمان بمطالب أو شكاوى أو مقترحات وتوصيات معينة، فهذا سيكون امرًا جيدًا وهو يتماهي مع وصف الله للمسلمين بأنهم ((وأمرهم شوري بينهم)) ولكن هذا شيء والمطالبة بالحكم الشعبي المباشر شيء آخر!.. الحكم الديموقراطي الرشيد شيء وادعاء الحاكم بأنه سلم السلطة بشكل مباشر للشعب شيء آخر كما زعم العقيد القذافي وظل يزعم حتى ثار عليه الشعب وجماهير المؤتمرات الشعبية الأساسية وقتلته أشر قتلة!!.. فالشيء الثابت أن القذافي لم يسلم الشعب الليبي بشكل فعلي لا السلطة ولا الثروة بل كان في آخر عهد حكمه يعدُّ أولاده للسيطرة على الحكم والمؤسسة العسكرية والأمنية.. أما السلاح فقد سلمه بالفعل للشعب يوم انفجر الشارع الليبي ضده في ثورة 17 فبراير 2018 حيث فتح مخازن الاسلحة حتى يتمكن الليبيون من قتل بعضهم بعضًا ولعسكرة الثورة وتحويلها إلى ساحة حرب على أمل أن يسحقها من خلال كتائبه الأمنية المدربة تدريبًا عاليًا لقمع أي تحرك شعبي أو عسكري ضد آل القذافي!.. لكن الشيء الذي لم يدر ببال القذافي حينما شجع عسكرة الثورة ليكون لديه المبرر لسحقها بالقوة المسلحة هو أن بعض الدول الغربية والعربية التي لها معه ثأر قديم أيام كان يمارس الارهاب والطزطزة الاعلامية لأمريكا قد استغلت هذه الفرصة السانحة لتصفي الحساب معه وتقضي عليه لذا وضعت ثقلها لصالح الثوار!!.

(2) سبب خاص بالتجربة الشعبية الليبية للعزوف الشعبي عن حضور المؤتمرات الشعبية الأساسية!
--------------------------------------------------------
يتمثل في أن الشعب الليبي غير مقتنع - منذ البداية - بأن القذافي سلم السلطة بالفعل له عام 1977 كما قال لهم القذافي مرارًا وتكرارًا وهو يقسم له أنهم هم من يحكم البلد وأن كل ليبي ملك وفوق رأسه تاج بل أنه صاح ذات مرة في خطاب حماسي: (أصبح الشعب إلهًا في ليبيا!.. أصبح الشعب الهًا!).... ولكن الغالبية العظمى من الليبيين لم تصدقه وظلوا يعتقدون أن هذا الأخير لا يزال هو الحاكم الفعلي والقائد الرسمي للدولة، بل ويسعى بشكل واضح وملموس لتوريث الحكم من بعده لأولاده على طريقة جمهورية كوريا وجمهورية سوريا الوراثيتين!!..... فهي لم تكن تجربة صادقة ومخلصة منذ البداية بل هي مجرد اطار رسمي شكلاني اتخذه العقيد القذافي كجلباب فضفاض يواري خلفه حكمه الفردي والشمولي والمطلق لليبيا من جهة ومن جهة لقطع الطريق على النخب السياسية الليبية التي تطالب بالنظام الديموقراطي الليبرالي الواقعي السائد في العالم، اي الحكم النيابي التعددي الحزبي حيث يتنافس الفرقاء السياسيون على قيادة الدولة من خلال انتخابات عامة ومن يفوز منهم برضا اغلبية وجمهور الشعب هو من يحكم ويقود الدولة وفق ضوابط الدستور ووفق الاجراءات والمؤسسات الديموقراطية، فالقذافي اتخذ من قصة ومسرحية سلطة الشعب (الهزلية) حجة شكلية يلقيها في وجه خصومه السياسيين كلما طالبوه بالديموقراطية الواقعية السائدة في العالم المتقدم فيقول لهم في تعنيف وتسفيه لأفكارهم ممزوج بالتهكم والاستهزاء بهم:
((نحن في ليبيا تجاوزنا تلك الديموقراطية النيابية الفاشلة والمزعومة ووصلنا لذروة الديموقراطية الشعبية المباشرة التي تحلم بها الشعوب!!،، فالحكم في ليبيا بيد الشعب من خلال مؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ!))!!....
وهكذا فتجربة الحكم الشعبي انما هي مسرحية هزلية رسمية شكلية للهروب من استحقاقات الديموقراطية الواقعية والممكنة والفعالة.
***
وأخيرًا فإن تجارب الحكم الشعبي والجماهيري أو الديموقراطيات الشعبية في المعسكر الاشتراكي السابق المنهار أو حتى عبر التاريخ كما في فرنسا واسبانيا، كلها إما تحولت إلى الى فوضى عارمة وارهاب ثوري مخيف او الى غطاء يخفي من خلفه حكم فردي شمولي شعبوي لزعيم (ثوري) مطلق ومقدس يوجه الشعب حيث يريد!!
***
والسؤال هنا : ماذا لو سلم القذافي بالفعل السلطة للمؤتمرات الشعبية وتنحى عن الحكم ولم يخترع حركة اللجان الثورية ككلب حراسة شرس يكبح جماح الناس في المؤتمرات والشارع؟؟ هل كانت تجربة سلطة الشعب المباشرة ستنجح !؟؟...

الجواب: لا قطعًا!.. كانت عندها ستتحول إلى فوضى وحكم غوغائي وصراع دموي على السلطة العليا (قيادة الدولة) !.. صراعات شعبية وأهلية وغوغائية وشللية تتداخل فيه العوامل السياسية بالايديولوجية بالقبلية بالجهوية وتصبح (الشلل السياسية والقبلية) في الواقع الفعلي بمثابة (احزاب) غير معلنة تتصارع على السيطرة على قرار المؤتمرات الشعبية الأساسية!!... لهذا فالتجربة حتى من قبل أن تبدأ كان محكومًا عليها بالفشل مسبقًا!.. حتى بنص النظرية ذاتها كما سيأتي لاحقًا!.. فهي مجرد نظرية طوباوية شكلانية لا تمتلك في ذاتها عوامل الكفاءة والفاعلية والنجاح السياسي ولا مواصفات الحكم الرشيد!... العجيب هنا أننا وجدنا كاتب الكتاب الأخضر نفسه - سواء كان العقيد القذافي شخصيًا أو كان شخصًا غيره كما يزعم البعض (*) - وفي نهاية الفصل الاول من الكتاب الاخضر اي فصل الديموقراطية وسلطة الشعب وحينما فرغ من شرح تصوره للحكم الشعبي المباشر انتهي للقول بأن : ((واخيرًا فهذا من الناحية النظرية فقط أما من الناحية الواقعية فإن الأقوياء هم الذين يحكمون دائما))!!!؟ هكذا انهى الفصل الاول من الكتاب الأخضر بهذا الجملة التي تعود بالنقض والبطلان على كل ما قيل من تنظير وتأطير في كل الفصل الأول من الكتاب الأخضر، فهذه العبارة الختامية تؤكد بأن سلطة الشعب مجرد نظرية فقط وان الواقع شيء أخر يسيطر عليه الطرف القوي في المجتمع!، بل ووجدناه لا يكتفي بهذه العبارة الصادمة فقط فهو - بعد التأكيد على أنها مجرد نظرية مثالية! - يحذر من الآثار الخطيرة الناتجة عن تطبيق فكرة سلطة الشعب اي الحكم الشعبي المباشر، فيخبرنا انه اذا تم تطبيقه بالفعل على أرض الواقع ثم لم ينتكس ويعود بالتالي الحكم التقليدي الطبيعي إما الديموقراطي النيابي او الديكتاتوري فإن هذا سيعني ان هذا النظام الشعبي الشعبوي سيتحول في نهاية المطاف الى فوضى عارمة وحكم غوغاء!.. والسؤال الكبير والمهم هنا كالتالي: اذا كان القذافي يعلم مُسبقًا ان سلطة الشعب مجرد نظرية مثالية وحلم طوباوي رومانسي جميل لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع وأنه في حال تطبيقه سيتحول الى كابوس فوضوي رهيب للحكم الغوغائي!، فلماذا اذن اصر على تطبيقه في ليبيا وعلى الليبيين بقوة السلطان!!؟؟ هل ليتخذه غطاءً شكليًا ورسميًا يمرر به حكمه الفردي الشمولي المطلق هو وأولاده لليبيا ويبقى على هرم السلطة الفعلية وهو يدعي ليل نهار بأن الشعب هو من يحكم ليبيا!؟ ام أتخذه ستارًا للهروب من المطالب الديموقراطية الليبرالية الجادة للنخب السياسية ؟ أم أنه كما يقول البعض كان يريد اغراق ليبيا والليبيين في الفوضى العارمة والدائمة على طريقة (الفوضى الخلاقة) أو (الفوضى الهدامة)؟؟ أو حتى على طريقة القول السلطوي الخبيث الشائع: ((إذا أردت أن تحكم شعبك بشكل مطلق فضعهم كما لو أنهم جرذان في كيس من القماش ثم استمر في هز وتحريك وخلخلة وتدوير ذلك الكيس بشكل دائم لكي لا تتمكن تلك الجرذان من الارتياح والاستقرار لأنها لو استقرت فإن أول شيئًا ستفعله هو البدء في تمزيق وقرض قماش ذلك الكيس بأسنانها ثم الفرار من كيسك وقبضتك!)) هكذا يقول ذلك المثل السلطوي الخبيث!.. لكن - على كل حال - وأيًا كانت دوافع القذافي من تطبيق هذه التجربة الغريبة (الشاذة) على الشعب الليبي البسيط - فالشيء المؤكد أنه استيقظ ذات يوم من عام 2011 فوجد كل تلك الجموع الهائجة من (الجرذان) التي كان وضعها طوال أربعين عام في ذلك الكيس الشعبوي الفضفاض الغريب وقد قد مزقت - في لحظة غريبة من لحظات القدر الرهيبة - ذلك الكيس وانطلقت تركض بشكل جنوني في الشوارع، فرحًا بالحرية وهي تصرخ في غضب مطالبة القذافي بالرحيل!!.. بينما هو ينظر الي قطيع الجرذان بعينين جاحظتين وهو يصيح في رعب: (من أنتم؟؟؟ من أنتم !!؟؟).
*********************
سليم نصر الرقعي 2018
(*) يزعم البعض أن مؤلف الكتاب الأخضر الأديب والمفكر الليبي (الصادق النيهوم) بسبب رفض هذا الأخير فكرة تطبيق الديموقراطية الليبرالية التعددية والحزبية في العالم العربي من حيث المبدأ بدعوى أنها لا تصلح إلا للمجتمعات الغربية الرأسمالية!.. بينما يزعم آخرون أن مؤلف الكتاب الأخضر هو شخص شيوعي سوداني مغمور، التقى بالقذافي في الحوارات التي كان يجريها هذا الأخير في بداية الانقلاب مع المثقفين العرب ثم تخلص القذافي منه لاحقًا حينما لجأ هذا الشيوعي السوداني لليبيا عقب محاولة الشيوعيين الانقلابية الفاشلة في السودان ضد النميري والتي ساهم القذافي في احباطها!!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,604,038,014
- تجربة عبد الناصر والقذافي الاشتراكية الشعبية، الفروق والمواف ...
- حول مشكلة غناء الفنانة (ماجدة الرومي) في المدينة المنورة !؟
- توسيع مبدأ الفصل بين السلطات يغنينا عن العلمانية!؟
- رحلتي من الأصولية إلى الليبرالية !؟
- الفرق بين المثليين والمولودين بالتباس جنسي عضوي!؟
- الإيمان ورهان باسكال!!؟؟
- سألني هل رأيت الله رأي العين حتى آمنت به؟ فأجبت!
- المثلية أم الشذوذ الجنسي؟ محاولة للفهم!؟
- تعدد الزوجات وزواج الصغيرات!. محاولة للتفسير لا للتبرير!؟
- الرجال ومرحلة فقدان خصائص الذكورة!؟
- هل ستتم إعادة الاستفتاء في بريطانيا؟ وما التداعيات؟
- ماهي الليبرالية؟ وهل تتناقض جوهريًا مع الاسلام!؟
- نظرية المؤامرة والكُتب المُؤسَّسة لها!؟؟
- لماذا فرنسا بالذات !؟؟
- حوار مع رفيقي المُلحد!؟
- الإلحاد!.. محاولة للفهم!؟
- من سيحصد ثمار حركة السترات الصفراء يا تُرى!؟؟
- هل ستتحول السترات الصفراء إلى سترات حمراء!؟
- الجزيرة. هل هي قناة اعلامية حرة ومستقلة ومحايدة!؟
- طريقة قناة الجزيرة القطرية في عرض الأخبار!؟


المزيد.....




- مقتل اثنين وإصابة 16 على الأقل في انفجار قنبلة وسط بغداد
- ترامب سيشارك في قمة الحلف الأطلسي بداية ديسمبر بلندن
- الخطابات السياسية الحالية تذكر البابا ب"خطابات هتلر&qu ...
- الراب .. صوت -سياسي- للمهمشين الغاضبين في المغرب
- الولايات المتحدة تطالب حفتر بوقف الهجمات على طرابلس
- مظاهرات العراق: انفجار قرب ساحة التحرير وسط بغداد وسقوط قتلى ...
- مقتل اثنين وإصابة 16 على الأقل في انفجار قنبلة وسط بغداد
- ترامب سيشارك في قمة الحلف الأطلسي بداية ديسمبر بلندن
- الخطابات السياسية الحالية تذكر البابا ب"خطابات هتلر&qu ...
- 9 فوائد للمغنيسيوم من شأنها إنقاذ حياتك


المزيد.....

- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب
- توقيعات في دفتر الثورة السودانية / د. أحمد عثمان عمر
- كَلاَمُ أَفْلاَطُونْ فِي اُلْجَمَاعِيِّةِ وَ التَغَلُّبِيِّة ... / لطفي خير الله
- الديموقراطية بين فكري سبينوزا و علال الفاسي / الفرفار العياشي
- المسار- العدد 33 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سليم نصر الرقعي - تجربة سلطة الشعب في ليبيا في الميزان!؟