أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - عن القدرية والإرادوية... رد على حسام الدين درويش














المزيد.....

عن القدرية والإرادوية... رد على حسام الدين درويش


ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 6058 - 2018 / 11 / 19 - 18:44
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


لا يكفي ورود عبارة القدر الساحق في نص حتى يمكن نسبة كاتبها إلى "القدرية" على ما فعل الصديق حسام الدين دوريش في مقالته في حديث النهايات: السياسة بين القدر الساحق والإرادة الفاعلة التي تتفاعل مع النقاش بيني وبين الأستاذ أيمن أبو هاشم: في مشكلة المطابقة بين الوطنية السورية ونهاية نموذجها السياسي، التي تتفاعل بدورها مع مقالتي: نهاية نموذج الوطنية الديمقراطية؟ وكذلك مع ردي على أبو هاشم: حق الخسارة.
يبدو لي أن في مقالة حسام مسارعة إلى التصنيف والقولبة لا يسوغها ما بين يديه من مواد. كما لا يسوغ نسبة نزعة إرادوية لي اقتباس عبارة تقول إن من مروا بما مررنا به لا يمكن أن يوقفهم شيء. ولا يصبح الكلام على "نزعة إرادية، بل وإرادوية هائلة"، و"قادرة على فعل المستحيل" أكثر وجاهة بالإحالة إلى عبارة أخرى وردت في مقالي الأول، نهاية نموذج الوطنية الديمقراطية، تقول إننا "مضطرون اليوم لأن ننظر بشجاعة وصبر في الشروط التي لا تكفّ عن جعل النظر مستحيلاً: شروط المذبحة".
تكلمت على القدر في مقالتي في اتصال مع ما بدا لي شرطا مأوساياً لوجودنا التاريخي المعاصر، يلعب فيه النظام المحلي والدولي دور القدر في التراجيديا الأغريقية. أسلم بأن هذا اختزالي بعض الشيء، لكن يبقى الطرح لا علاقة به بنزعة قدرية تسليمية.
وما بدا لي شيئاً نستحق اللوم عليه هو أن شرطنا مأساوي أو تراجيدي، لكننا لم نطور حساً تراجيدياً أو وعياً تراجيدياً. تفكيرنا في عمومه يرتاح إلى اليقين، يفتقر إلى الحس الإشكالي، يهرب من الصراع، لا يريد أن يعيش تجربة التناقض والتمزق المأساوية، ويتجنب أن يعارك نفسه. يأخذ اليقين شكلاً دينياً، بما في ذلك نزعة "جبرية" سابقة للصراع، أو تفاؤلية تاريخية ترى أن التاريخ سائر إلى الأمام في النهاية، وأن كل ما قبل النهاية من آلام له بالكاد قيمة نسبية، أو شكل لوم للغير وبحث عن أكباش فداء، أو شكل مظلومية وإرهاب، أو شكل نظرية مؤامرة، أو حتى شكلاً "علمياً" منحولاً. حسام على علم بلا شك بعبارات توبخ من "أضاعوا البوصلة"، أو تندد بالأشرار الذين يحاولون أن إحلال بوصلة أخرى محل البوصلة التي تشير مثلاً إلى فلسطين، أو إلى الماركسية اللينينية. هذا دفاع يقيني عن اليقين، يطرد المأساوي من الوعي، فيجعله غير نافع لشيء. يطرد الحرية أيضاً لمصلحة معرفة مسبقة بالاتجاه الصحيح للعمل وللتاريخ. من ذلك مثلاً أن تجد من يعرف كيف يجب أن تسير الثورة طوال الوقت، واضعاً نفسه فوق الثورة (وهي تعريفا حدث يمتنع تقديره مسبقاً) وفوق التاريخ. الثورة الصحيحة هي التي تشبه هؤلاء الصمديون الذين لا يكفون عن مشابهة أنفسهم، قبل الحدث الرهيب وأثناءه وبعده.
أتكلم على وعي مأساوي لأنه ليس لدي بوصلة، ولا أعتقد بوجود بوصلات، وأؤمن أنه في الصراع التحرري لا شيء يضمن الفوز مسبقاً، لكن لا شيء يمنع الإقدام. نحن أحرار لذلك بالذات، لأننا نقبل بالانخراط في الصراع دون ضمانة محققة بأن لا نخسر.
وأرى أننا خسرنا بالفعل، وأن ما يمنع من الاستمرار في الصراع هو إنكار الخسارة وليس الإقرار بها. بيد أننا نحتاج إلى مفصل، إلى الانفصال عما قبل من جولات كي نستطيع الاتصال بها. المفاصل في أجسامنا لا تصل إلا لأنها تفصل، والحركة الأرشق ممتنعة من دونها. ما نحتاجه من حركة نشطة، فكرية وسياسية، يقتضي انفصالاً عما يموت واتصالاً بما يبقى حياً. نحن أحياء، بعض أفكارنا تموت. نموت معها إذا عشنا بها وهي ميتة. ومن أولى ما نقوم به رغم الخسارة في تصوري هو الاهتمام ببناء مساحات حرة أو "مناطق محررة" آمنة للنقاش والتفكير والعمل معاً. نحتاج إلى شبكات أمان تشعر أعداد متزايدة منا فيها بالثقة وبإمكانية تبادل العون مع شركاء. وبالقر نفسه نحتاج إلى ما هو طليعي أو رائد في التفكير والنقاش والحساسية، ما يقول جديداً وما يحوز طاقة على توليد الجديد.
غير القدرية، أتبين نقطة ثانية في نقد حسام لمقالتيّ، تتصل بعدم وضوحي والتباس صياغاتي في شأن ما إذا كان النموذج الوطني الديمقراطي للتفكير في السياسة نموذجا تفسيرياً فحسب أم أنه عملي كذلك. في بالي أنه نظري وعملي وآن. في النموذج شرح للأوضاع الاستبدادية ونضال من أجل الديمقراطية، مع افتراض مضمر بصلاحية الإطار الوطني، وبقابلية الاستبداد للشرح بمدركات من نوع الدكتاتورية والتسلط، مما لم يعد ملائماً في رأيي. لا يتعلق الأمر بوطأة أثقل للاستبداد اليوم، بل بتحطم الإطار الوطني للصراع، وبنزع وطنية الدولة وبقدر كبير المجتمع. لذلك فإن التمسك بالنموذج على ما يدعو حسام قد لا يكون المسلك الأنسب. لم يعد ثمة تطابق بين النموذج وبين الأوضاع المستجدة.
يلاحظ حسام، أخيراً، أنه في مقالتي الأولى بدا أن نهاية النموذج الوطني الديمقراطي اقتراح، بشهادة علامة الاستفام في عنوانها، فيما صرت أجزم في ردي على أبو هاشم وأبني نتائج على النهاية. بالفعل، ولعل هذا متصل بعملية التفكير. لا تتجاسر على تقرير شيء حين تتناوله أول مرة، وبخاصة في قضية تهمك، فكرياً وسياسياً ووجدانياً، كالتي يتناولها المقال الأول، ثم تتغلب على مقاوماتك وتستحضر مؤشرات إضافية على أفول عالم الوطنية الديمقراطية وعِلْمها، فيكف الكلام على النهاية عن كونه مجرد اقتراح.
أردت في المقالة عن نهاية نموذج الوطنية الديمقراطية اقتراح قراءة ممكنة لتاريخ التفكير السياسي "التقدمي" خلال نحو جيلين عاينتهما مباشرة. لهذا غرض نظري، هو العمل على فتح أطار جديد للتراكم، أو وعي التغير الحادث ومحاولة صياغته في نموذج جديد. وغرض عملي هو حماية أهدافنا حين يكف ما بيدنا من مناهج وأدوات عن المساعدة في التفكير والنضال أو تفقد مطابقتها للأهداف.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,092,669,719
- إشكالية الاستيعاب وما بعدها
- حق الخسارة: رد على أيمن ابو هاشم
- نهاية نموذج الوطنية الديمقراطية؟
- الباراديغم الإسرائيلي / سورية وفلسطين ونظام الإبادة السياسية
- خلاصة عن سميرة ورزان ووائل وناظم بعد انهيار سلطة -جيش الإسلا ...
- ملاحظات بخصوص الكتابي والشفاهي في سورية
- سورية والعالمية الحربية الأولى
- العالم في -اللحظة الفاشية-
- سورية والتحول الأجنبي
- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية
- مقالات إلى سميرة (7) الكلوم والكلمات: في تمثيل الأزمات وأزمة ...
- مقالات إلى سميرة (6): في نقد التضامن
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة
- دولة إبادة في سورية، وليس نظام دكتاتوري
- مقالات إلى سميرة (5) الحبُّ والتعذيب والاغتصاب، والإبادة
- الأبد كمنفى من التاريخ
- مقدمة الطبعة الأسبانية لكتاب -الثورة المستحيلة-
- رسائل إلى سميرة (9)
- العيش في المؤقت
- استخدام الإنكار وسوء استخدامه في تناول الجينوسايد


المزيد.....




- نتنياهو: رحلات الطيران الإسرائيلية ستتمكن من التحليق فوق الس ...
- واشنطن تفرض عقوبات على مسؤولين كوريين بينهم مساعد كيم
- تيريزا ماي تلغي تصويت البرلمان البريطاني حول البريكست
- تعرف على أونسن.. وجهة آسيا الأولى في تنظيم المؤتمرات الدولية ...
- لماذا يبتلع أطباء الأطفال مكعبات ليغو؟
- فيديو: الشرطة الفرنسية تعتقل عددا من طلاب المدارس بينهم فتاة ...
- كيف يستعد -بابا نويل- لعيد الميلاد؟
- تيريزا ماي تلغي تصويت البرلمان البريطاني حول البريكست
- راهبتان أمريكيتان تنفقان نصف مليون دولار في المقامرة والرحلا ...
- لماذا يبتلع أطباء الأطفال مكعبات ليغو؟


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - عن القدرية والإرادوية... رد على حسام الدين درويش