أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر عتيق - دراسة موضوعية فنية في ديوان حيفا في يديها سراج أمِّي للشاعر جمال سلسع















المزيد.....



دراسة موضوعية فنية في ديوان حيفا في يديها سراج أمِّي للشاعر جمال سلسع


عمر عتيق
الحوار المتمدن-العدد: 6023 - 2018 / 10 / 14 - 08:39
المحور: الادب والفن
    


إعداد : أفراح منظوم غوادرة
إشراف : عمر عتيق
حياة جمال سلسع
هو طبيب وكاتب فلسطيني ولد في سنة ١٩٤٢م في بيت ساحور"بيت لحم" تخرج من مدرسة بيت لحم الثانوية عام ١٩٦٢/١٩٦٣، التحق بكلية طب جامعة عين شمس بالقاهرة، تخرج طبيبا وجراحا عام ١٩٦٩خدم مدة عام سنة امتياز في مستشفيات القاهرة خاصة في قسم الأمراض الجلدية.عين عام ١٩٧٠ حتى نهاية عام ١٩٧٢ مديرا لمستشفى أريحا ومديراً لدائرة الصحة فيها.منذ أيام الطفولة مارس الكتابة الأدبية منذ عام ١٩٥٧ في جريدة المساء، جريدة الشعب وجريدة الجهاد.عاد إلى الكتابة الأدبية عام ١٩٧٥، شارك مع آخرين في تأسيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام ١٩٨٠.تم اعتقاله بين عامي ١٩٨٩ – ١٩٩٠ بتهمة قيادة العصيان
الضرائبي بمدينة بيت ساحور.(1)
حصل على براءة اختراع لمرض الصدفية والاكزيما وغيرها من الأمراض الجلدية عام ١٩٩٧.كانت له زاوية أسبوعية في جريدة الفجر منذ عام ١٩٧٦ وحتى إغلاق الجريدة عام ١٩٩٤ بعنوان حديث الجرح.(2)
كانت له زاوية يومية بجريدة الأقصى بعنوان "حديث الوطن" التي صدرت مع قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية عام١٩٩٤ واستمرت لمدة عام حتى إغلاق الجريدة.
كان له برنامج يومي "شعر وموسيقى" في إذاعة صوت فلسطين بعنوان "صلوات في محراب الوطن" واستمر لمدة عام كامل ١٩٩٤١٩٩٥عضو الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين.ومؤسس اتحاد الخدمات الطبية لفتح منذ عام ١٩٨٤ بالضفة الغربية.وأمين سر المكتب الحركي للأطباء منذ عام ١٩٩٨– ٢٠٠٦.ورئيس المنتدى الثقافي الإبداعي في محافظة بيت لحم. ومنسق منتدى رواد حركة التحرير الوطني الفلسطيني– فتح في محافظة بيت لحم. ومقرر دائرة الشؤون المسيحية في العلاقات الخارجية لفتح. وعضو مؤتمر حركة فتح السادس ٢٠٠٩.(3) جميع هذه المناصب التي اتخذها الشاعر تؤكد على قدرة الشاعر على القيادة وتأهيله للحصول على أبرز المناصب وقد عملت على نمو أفكاره وتطورها وعكست في ذهنه موضوعات جديدة تساعده على كتابة الشعر وتطوير أساليبه ونشر أعماله.
بداية نشأته بالشعر.
في بداية طفولته كان يشتري مجلة حواء المصرية ويقرأ ما كانت تكتبه "أمينة سعيد" من قصص وخواطر كذلك بدأ بقراءة لجبران خليل جبران ومصطفى لطفي المنفلوطي, وعندما كان يكتب خاطره أو قصة كان يعرضها على الأديب يعقوب الشوملي رحمه الله أو على الشاعر "أنطون الشمولي"في ذلك الوقت كان ينشر كتاباته في جريدة الجهاد أو جريدتي الشعب أو المساء حيث كان عمره لا يتجاوز اثنى عشر عاما, وكانت قد أقامت جريدة المساء مسابقة وقد فاز من ضمن أفضل عشر قصص وكان يلقي كلمته الصباحية اليومية في مدرسته الإعدادية في بيت ساحور كما كان رئيس اللجنة الثقافية فيها وكذلك الأمر كان في مدرسته الثانوية "مدرسة بيت لحم الثانوية" وتم انتخابه رئيسا للجنة الثقافية فيها واستمرت كلمته الصباحية وكان يذيع من صوت العاصفة فتح عام 1968-1969 مع الأخ نبيل عمر من القاهرة.(1)
في كلية الطب في جامعة عين شمس بالقاهرة تعرف الطلبة على إجادته للغة العربية حيث كان دائما يلقي الكلمات الوطنية والاجتماعية باسم الكلية خاصة وأن المناسبات الوطنية كانت كثيرة في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.(2)
• مؤلفاته
1.الصورة الشعرية الحديثة عام 1983.
2.الظاهرة الإبداعية في الشعر الفلسطيني الحديث 1994.
3.الظاهرة الإبداعية في شعر راشد حسين 1995.
4.الأسطورة والتراث في الشعر الفلسطيني الحديث 1996.
5.الرسالة الشعرية الفلسطينية ما بين الدين والقومية 2000.
6.تحت المجهر الأدبي – 2004.
7.أوجه التحليل الشعري داخل القصيدة الحديثة- 2010.(1)
8.جمرات متوقدة في أرض الأشجان – شعر – 1980
9.سر الفداء – مسرحية شعرية – 1983
10.أيا قدس أنت الخيار – شعر – 1985
11.حديث الجرح – أدب صحافة – 1988
12.أناشيد البرق والأطفال والحجارة – شعر – 1990
13.عندما تتكلم الحجارة – شعر – 1990
14.ديمومة البقاء – شعر – 1991
15.رضعنا المجد دينا – شعر (أدب المعتقلات) – 1991
16.رسائل تخترق الأسلاك الشائكة – 1992
17.لم الانكسار رغيفي الوحيد – شعر – 1994
18.عش الروح – شعر – 2000
19.شك اليقين – شعر – 2002
20.ما زال يغسلنا الرحيل – 2013.(2)
• الجوائز التي حصل عليها
حصل على جوائز أدبية عدة في الشعر والنقد الأدبي أهمها:
1.جائزة راشد حسين في النقد الأدبي عام 1991 حيث فاز بالمرتبة الأولى على مستوى الوطن العربي.
2.جائزة توفيق زياد في النقد الأدبي عام 2000 على مستوى فلسطين.
3.حصل على أفضل عمل عربي في المهرجان الأردني الثامن لأغنية الطفل العربي عام 2002 عن كلمات قصيدة "طفولتي".
4.فاز بالجائزة الأولى عن أدب السجون والمعتقلات في قصيدة شعرية على مستوى فلسطين عام 2005.(1)
• علاقة الطب بالشعر برأي الشاعر:
في لقاء الأدباء الأول في مجلة الأدب والأدباء في الأردن سُئل شاعرنا يبدو أن هناك علاقة سرِّية جميلة تربط بين الطب والشعر فكثير من الأطباء شعراء فماذا تقولُ في ذلك؟ أجاب: الشعر يا سيدي همٌّ أكبرُ من كلِّ الكلمات والحروفِ، يدقُّ بابكَ في كلِّ لحظةٍ، ويوقظُ فيكَ دمعَ الوطنِ، وأنت تبحثُ عن رحيلِ روحِكَ من مكانِها في اغترابٍ دامٍ، فكيفَ يُشفى وطني من رحيلٍ يجوبُ عتابَ الأسئلة؟ فتبكي عليَّ الطريقُ وما بكيتُ إلاَّ على مدائنٍ تمزَّقتْ في روحي دمعةً... دمعة... فيتساءلُ الشعرُ فيَّ بقلقٍ دائمٍ، متى ينتهي الرحيلُ وأُشفى من ليلٍ، حطَّ على جسدي تفاصيلَ المنافي؟ أما الطب فيقودني إلى إنسانية الإنسانِ الباحثة عن ظلال روحٍ تشتهي لون الوفاء، في شفافيةٍ وجدانية، تتلاقى مع الشعر على محور الإنسانية وشفافيةِ الروحِ. في الشعر الأرضُ تقول لي: ما أزال أنتظرُكَ على بوابةِ الصباحِ!. وفي الطب الإنسانُ يقول لي: ما أزالُ أنتظرُ منكَ لغةَ الوفاءِ!.في الشعر حصلت على عدة جوائز أهمها جائزة راشد حسين في النقد الأدبي وجائزة توفيق زياد في النقد الأدبي وعدة جوائز في الشعر.
في الطب حصلتُ على براءة اختراع لعلاج الصدفية و والاكزيما وغيرها من الأمراض الجلدية وتم بنجاح علاجي للبهاق وحب الشباب بعيدا عن حبوب كيوريتان أو روكتان وإعطاء البشرة نضارة فائقة.في الطب يمتلك الطبيب الروح الإنسانية التي تتحسس هموم المرضى هذه الروح هي مفتاح الشعر الذي يتحسس فيها الشاعرُ هموم شعبهِ ووطنِهِ!(1)
• طقوس الشاعر الخاصة في الكتابة:
شهوةُ الكلماتِ في روحي، حكايةٌ لا تنتهي من وجعٍ ومخاضٍ يتكرَّرُ كل لحظةٍ، وأنا لا أزالُ أعيدُ ترتيبَ وجعِ المخاضِ، مرة بعد مرة،وإن قادتني إلى دهاليزِ الانتظار حيناً، فأقودُها إلى وجعِ القلبِ حيناً بعدَ حينٍ. أخافُ عليها منَ الرياحِ والعواصفِ والليلِ، خاصةً عندما أقف عاجزاً في مراتٍ عن تكملة صياغتها الجمالية، فأُسكنها قلبي وتنام معي إلى حين. أقومُ أردِدُها كلَّ لحظَةٍ، وأعيدُ صياغَةِ جماليتها لحظاتٍ ولحظاتٍ، أتنفسها وعداً وعهداً، وأسكنُ فيها بإيحائيةٍ تتبدلُ كلَّ يومٍ، على إيقاع رهافةِ التجرِبَةِ الشعريةِ ودلالاتها. فأنقُشُها في نهايةِ الأمرِ أيقونةً، ترضى عنها حواسُ قلبي، ولا أدع للانتظار فرصةً، ليقهقهَ صداعاً في دمي، لأنني أحملُ قصيدتي، فتحملني إلى ذاتي، فتشتعلُ فيَّ صياغةٌ جديدةٌ تتجلَّى على رهافةِ الشعر، وأحسُّ بذلكَ عندما أثملُ من جماليتِها، فتنتصرُ فيَّ القصيدةُ.(2)
حيث يبدأ الاقتباس بسؤال من شخص ما يوجهه للكاتب فيجيب الكاتب بأن الكلمات عنده صارت جزءا لا يتجزأ من حياته حتى أنها أصبحت شهوة كما يشتهي طعاما وشرابا من نوع ما...ويضيف أن تلك الكلمات لا تنتهي وان شارفت على الانتهاء يعود الكاتب ويجددها ويبعث تلك الشهوة من الرماد وأنه يمرر الكلمات باتجاه قلبه حتى تشبع شيئا من روحه ولسبب آخر هو خوفه عليها من الرياح أي الأفكار التي ربما تتناثر من رأسه وتصبح عرضة للنسيان,وأنه يعيد صياغة تلك الكلمات كي تصبح شيئا يستحق أن يذكر فيزيّنها بعبارات وإيحاءات تجعلها شيئا لا يقبل النسيان.
• السجن والأدب
أعطى الاعتقال والسجن للدكتور جمال سلسع مذاق الانتماء للوطن برؤيا جديدة وأفاق واسعة تخللت تجاربه الشعرية والأدبية, فشذى السجن علمَّه كيفية النضال حقيقة وليس كتابة أو أشعارا.وكان التحامه داخل المعتقل ينصهر في تجاربه بشفافية روح واعية لكل المخاطر التي تحيط بالوطن والقدس خاصة وقد صدر له داخل المعتقل أولا:
ونقي من هذا الديوان كتاب أدبي بعنوان: رسائل تخترق الأسلاك الشائكة أهداه الى "قديسة الوطن الجريح" وهي مدينته بيت ساحور التي قادت العصيان الضرائبي ضد الاحتلال الإسرائيلي ويقول "وإذ أجسد في رسائلي هذه بعض مواقف الإخوة والرفاق داخل المعتقلات والزنازين والتي تكشف عن جزء من حياتهم اليومية النضالية فإنني أقدم هذه الرسائل باقات ورد لوطني الحبيب أضعها قلادة من النور على صدره الجريح"(1) ويقول موجها كلامه الى مدينته بيت ساحور "أما زالت الكلمة الأولى في كتاب بيت ساحور مخضّبة بكبرياء الطفولة وشرف النضال وعظمة الانتماء؟أما زال لون الورد الذي أضافته مدينتي الحبيبة الى بستانها الوطني فواحا بالوفاء والعطاء والفداء؟.(2) ويقول مخاطبا طفلته "علا" هل عرفت ضفائرك الصغيرة كيف أن الاحتلال لا يريدها أن تنمو فوق أمواج البحر".(3)
ثانيا:صدر له أيضا داخل معتقل النقب الديوان الشعري "رضعنا المجد دينا"(4) جسد من خلاله مواقفه والتزامه الوطني الوجداني من خلال قصائد عمودية شملت جميع القصائد مواصلا نضال العصيان الضرائبي واستمرارية الانتفاضة وقد أهدى قصيدة "رضعنا المجد دينا" الى مدينته بيت ساحور.
وقد شهد معتقل "أنصار3" في حضور الشاعر أمسيات شعرية يومية ليلية كان يشارك في حضورها عشرات المعتقلين مما أعطى مذاقا خاصا للتضحيات التي يقدمها المعتقلون من اجل الوطن كما أقام الدكتور جمال سلع دورة إسعافات أولية داخل المعتقل استمرت لمدة 3 شهور شارك فيها عشرات الأشبال والشباب فتحسس من خلالها المشاركون مصداقية الانتماء وحرارة الواجب وقد كانت هذه الدورة هي الدورة الوحيدة التي حدثت داخل المعتقل.
• الشاعر والقدس
يقول الدكتور جمال سلسع عن علاقته بالقدس في مخطوط روايته "دمعة في أبجدية بيت لحم" طفل صغير لم أتجاوز السابعة من العمر حملت الحقيقة بلون الدم ونقشها والدي في روحي فمشيت معها وخطوي في حيرة ارتباكي يقرأ أول صفحة لأول مدينة تدخل روحي من كتاب الوطن, فكانت الورقة الأولى والبداية التي لم تنتهي أوجاعها حتى اللحظة كانت الطريق من بيت ساحور الى مدينة القدس طويلة..ضيقة..متعرجة..ومنحدرة..كأنها دمعة باكية تبوح بأسرارها على خد الحقيقة وهي تمر خلال قرية "صور باهر"الفارغة من فرحها المبتلّة بنواح دمائها والوقت يسلبني طفولتي ووالدي يشرح لي أسباب مرورنا بهذه الطريق النائحة على شعبنا. تفتحت عيوني على مواجع النكبة فشكلتني على تضاريس ذاتي أسئلة تتماهى دمعة..دمعة وهي تبحث عن أجوبةِ تستقي غيمة..غيمة فأسمع أنينا على تلال الطريق فإذا الأنين مجازر تعود الى قلبي كيف أحملها وقد ناحت بها الجبال والشوارع والمدائن؟فأمطّ الشفاه وجعاً وأنا أتحسس روحي هل هي معي؟ أم سقطت في قبور المذابح؟ ووالدي يفسر لي "وعد بلفور" الذي سرق منا نهاريا وسلب بحارنا على صليب المذابح.(1)
وفي لقائه مع "الأدب وأدباء" الصادرة في الأردن يقول الدكتور عن القدس "أرى وطني دمعة على مشارف القدس تبكي حقيقة الخيال كيف هربت من يدي؟ كيف اختفت من حدقات العيون؟هل هربنا منها؟ أم هربت من تخاذلنا؟ وطن لا يزال يبكي في شوارع القدس العتيقة! لا الطوفان ساكن في سواعدنا ولا الزيتون يمسح الدموع من عيوننا! انتظرنا حتى قتلنا الوقت ولا نزال ننتظر على حدّ السكين. أوجعنا المكان ومن العار أن نردد عشق القدس.(2)

الفصل الثاني
الأبعاد الدلالية في ديوان حيفا في يديها سراج أمِّي

1. مفهوم الدلالة الشعرية.

2. دلالة عنوان حيفا في يديها سراج أمي.

3. الموضوعات التي تناولها الكاتب:
• القدس.
• السجين.
• الانتماء الفلسطيني وحضوره.
• هموم الوطن.
• الرثاء.
• الصوفية.





• الدلالة الشعرية:
عند الحديث عن الدلالة نذهب بأفكارنا إلى مستويات عدة في تفسيرها فهناك من يقول دل على الطريق و أدللت الطرق: اهتديت إليه, والدال على الخير كفاعله وأدلة على الصراط المستقيم و تناصرت أدلة العقل وأدلة السمع.(1)
كما ذهب قوم إلى البحث عن دلالة الألفاظ ومعانيها ومستوياتها,وما فيها من إشارات ورموز للتأكيد على الشيء فان الدلالة ما يتوصل به إلى معرفة الشيء كدلالة الألفاظ على المعنى ودلالات الإشارات والرموز.(2)
كما أن للدلالة علم يسمى"علم الدلالة" وبحر هذا العلم واسع ومتعدد الأشكال والمستويات, مما يوحي بأن يستدل بها وعليها,كوسيلة تقودنا إلى معرفة الحقيقة وخباياها فعرفنا منها الفعل الذي يقوم به المستدل وهو "الاستدلال.كما يقول الدكتور طالب محمد إسماعيل:علم الدلالة من فروع علم اللغة والدلالة هي العلاقة التي بين الدال والمدلول,داخل العلاقة اللسانية ومن خواص هذه العلاقة أن يكون بين الدال والمدلول كمال الاتصال وأن احدهما يقتضي الآخر ويؤذن به فتصور كل منهما مرهون بصاحبه فلا يكون الدال دالا حتى يكون له مدلول ولا يتنسى الكلام على المدلول حتى يكون له دال.(3)
فإذا نظرنا إلى عنوان"حيفا في يديها سراج أمي" فان العلاقة ما بين حيفا وسراج الأم هي علاقة تبادلية لا غنى لأي منهما على الآخر كي تبوح هذه العلاقة بدلالاتها وإيحاءاتها المختلفة.فحتى تؤدي حيفا وظيفتها تحتاج إلى مدلول وهو سراج الأم كما أن سراج الأم المدلول لا تتم وظيفته حتى يكون له دال وهو حيفا.(اعلم أن الدال بلا مدلول مجرد شيء من الأشياء والمدلول بلا دال أمر لا يتحقق ولا يتصور).(4)
وإذا بحثنا في الدلالة الشعرية لهذا الديوان من خلال هذه المفاهيم الأدبية المطروحة نجد أن هنالك وحدة عضوية تجمع ما بين الدال والمدلول إذ أصبحت حيفا وسراج الأم بينهما علاقة خاصة تحمل فيها حيفا سراج الأم وهذا الفعل تحمل خلق بينهما علاقة من الأفكار لها معان جديدة يبوح فيها صوت الفعل تحمل وعمله يقول نور الهدى لويشن: أن الدلالة لتخرج بين الصوت والفكر أي بين الدال المدلول وقد ألفت بينهما وحده عضوية هي وحدة (الفكر والصوت) أو (الدال والمدلول).(1)
ولا تقف الدلالة عند هذا الحد,خاصة في الشعر والأدب كي تؤدي وظيفتها الجمالية وبلاغتها الأدبية, وايحاءاتها الشعرية.بل عليها أن تعمل على تناسق دلالاتها مع ما تؤديه المعاني من ألفاظ وما تقوم به الألفاظ من توافق فيما بينهما فتخلق صورها الشعرية نتيجة ترابط الألفاظ والمعاني في تناسق دلالي يفجر طاقات إيحائية جميلة فيها من البلاغة الشيء الكثير.كما سنلاحظ تلك الدلالية التي تفجرت بايحاءتها الشعرية والجمالية عندما تناولت الدلالة الشعرية لهذا الديوان في عنوانه حيث أخذت هذه الدلالة معان جديدة مختلفة تتوافق ولغة الصراع وحدتها وسكونها ونموها داخل التجربة الشعرية.
إن قدر البلاغة والجمال ليس في اللفظ والمعنى وإنما في العلاقة القائمة بين الألفاظ,وبين تلك الألفاظ والمعاني.وقد سمى تلك العلاقة "النظم" حيث تلاقت وتناسقت دلالاتها مع معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل.(2) وحتى نعطي لدلالة وضوحها كما سأشرح ذلك بعد قليل,لا بد من توفر درجة من البلاغة,تستريح عليها "الدلالة" وهي تبحث عن مستويات المعاني فيها لأن البلاغة تساعدها في هذا البحث."إذا كانت الدلالة تبحث عن مستويات المعنى فان البلاغة أحد ميادينها لأن البلاغة تعين دارس الدلالة على كشف المستويات المتعددة لمعنى النص الواحد.(3)
• دلالة عنوان حيفا في يديها سراج أمي
يحمل عنوان الديوان الشعري "حيفا في يديها سراج أمي" كثيراَ من الدلالات الشعرية ذات الأبعاد المختلفة, فيها من الإيحاء الشيء الكثير, ومن الخصوصية الشعرية ما يميز قصائده ونلاحظ أن هذه الدلالات مشحونة ببطاقات شعرية متفردة,فيها من التأويلات الجمالية ما يوحي بقدرة الشاعر على امتلاك أدواته الشعرية,التي تتجلى على رهافة معان متميزة وفريدة.وقد تناول الشاعر عنوان الديوان من قصيدة "على حبل الغياب".ومن خلال هذه القصيدة نتعرف على دلالات هذا العنوان,الذي نسج خيوطه الشعرية من صورها,فحمل الديوان هذا العنوان كما تحمل الشجرة الوارفة ثمارها الشهية فكان لكل من"السراج- والأم- وحيفا" دلالاتها التي تتعانق معا وتتماسك حينا وتتصاعد في شعرية دلالاتها حينا آخر, لتزيدها عمقا وجمالا وشفافية,وتلقي بظلال إيحاءات شعرية متعددة لهذا العنوان فمثلا أعطى للسراج الدلالات التالية:1-يضيء طريق العودة ويبدد الاغتراب 2- يلاشي عتمة الرؤية 3- يلملم عن الوجع تفاصيل المنافي 4- يقرأ فصول الرجوع 5- يمشي كنبوءة تنقش شمس الجواب 6- يرد عن قلب الشاعر العتاب 7- يمشي إلى نخيل الغد 8- يقودنا وطنا على باب المخيم9- يعيد الندى إلى بلاغة السحاب 10- يصالح المعنى على عش الطيور11- يلاشي الدخان12- يلخص الخطو من ليل الجسور .
في حين أعطى للأم كذلك دلالات منها:1- الدمعة فوق رصيف الاغتراب 2- الندامة التي تمزق القلب 3- نوح الحلم في الضياع 4- دموع البرتقال في حيفا ويافا 5- قمح الروح وسقف الغمامة 6- وجع الغياب 7- سؤال السنابل 8- هي العرق على بوح السنابل 9- هي القلق و الآه 10- تبادل الأحزان مع وجع الشاعر11- أحزان المكان 12- هي القمح 13- وجع التراب 14-هي الفراشة الباحثة عن نورها 15- هي المخيم 16- هي الصهيل 17- هي عش الطيور 18- هي الشمس 19- هي الغد الجميل.
كما أعطى الشاعر لحيفا دلالاتها المختلفة التي تتوافق مع لغة الصراع في هذه القصيدة المختلفة ونمو أحداثها الشعرية وتطورها فكانت هذه الدلالات:1-هي الغياب 2-أوجاع المنافي3-هي الانتظار4-هي العتاب5 -القلق6-وجع الرصيف 7- نوح الحلم 8- الضباب 9- حنين الشوق 10- تفاصيل المنافي 11-هي الهزيمة 12- غياب الثرى عن لونه 13- زمن السراب 14- وقت الحساب 15- بوح السؤال 16- المكان الذي يبحث عن هويته 17- نسيان النخيل 18- وجع النعاس 19- هم القلب 20- الحنين 21- بلاغة المعنى 22- رهافة التاريخ 23- الحقول 24- حبل الغياب 25-طير الحبور .(1)
كل هذه الدلالات التي اجتمعت معا وان دلت على شيء فإنما تدل على التوافق ومقدرة الشاعر على تجميعها في العنوان المناسب للديوان وحسن اختياره للكلمات فالعنوان بحد ذاته وان كان قصيرا فانه يدل على معنى كبير ويشمل الكثير من جمالية الصور فهو يشكل مرآة تختزل أبعادا نفسية وفكرية للشاعر وهو عتبة يقف عليها المتلقي قبل أن يتأمل الفضاء الدلالي للقصائد.حيث أن كلمات العنوان تعطي تمهيدا وفكرة مسبقة لما يحتويه الديوان,حيث يشكل عنوان الديوان أيقونة سيميائية تندغم مع محتوى الديوان دلاليا وفنيا حيث أن كلمات الديوان تجسد رؤية فكرية تاريخية تختزل عبق الوجود الفلسطيني وأصالته على هذه الأرض ويتجاوز العنوان مجموعة التناغم الفني والدلالي مع لوحة الغلاف ليمتد الى جسد القصائد,والمتتبع لنسيج قصائد الديوان يجد أن دلالة عنوان المجموعة تسري في عروق القصائد وهذا يعني أن عنوان (حيفا في يديها سراج أمي) بنية مضمرة تنكشف دلالاتها في حنايا الديوان.ولا يخفى أن اختيار عنوان من قصيدة ليكون عنوان للديوان لا يخلو من بواعث وجدانية وفكرية.
مما تقدم نرى أن الدلالة الشعرية لعنوان الديوان" حيفا في يديها سراج أمي" تعيش توتر إيحائي,يتوافق مع حالة الصراع الشعري الذي يعيشه الشاعر من ناحية ومن ناحية أخرى فان نمو الحدث الشعر بداخل القصيدة,يعطي أبعادا دلالية تتفاعل وواقع التجربة الشعرية بمعنى أن هذا التوتر الدلالي للعنوان يترك معالما وخطوطا وأشكالا تساهم في تشكيله الجمالي,فالعنوان بحد ذاته رسالة موحية بدلالات وتأويلات لا متناهية ويمكن توضيح ذلك كما يلي:
عندما كان "السراج" يضيء طريق العودة كانت "الأم"هي الدمعة فوق رصيف الانتظار بينما كانت حيفا هي الغياب وعندما تواصل الحدث الشعري أصبح "السراج" يلاشي عتمة الرؤية فعرفت الأم الندامة التي تحرق القلب بينما صحت حيفا على أوجاع المنافي وتواصلت التجربة الشعرية في نمو أحداثها فأصبح السراج يلملم عن الوجع تفاصيل المنافي,في حين كانت الأم تنوح على حلم ضاع بينما حيفا كانت على وجع الانتظار وتكبر الرؤية فيعود السراج يقرأ فصول الرجوع بينما الأم لا تزال دمعة البرتقال ,فتخرج حيفا من الانتظار إلى لغة العتاب فيمشي السراج كنبوءة تنقش الشمس الجواب فتصحو الأم على قمح روحها وسقف غمامها,في حين حيفا لا تزال على وجع الرصيف تبوح في عتابها.فينهض السراج يرد عن القلب وجع العتاب ولكن الأم تبقى على وجع الغياب وحيفا تعيش زمن الغد,الذي يهزه النخيل فتلتحف الأم سؤال السنابل كيف؟ ولا تزال حيفا تعيش نوح الحلم وأما السراج فيمشي في ضيائه وطنا على باب المخيم وتحسس الأم ذاتها فتراها أحزان المكان يمشي على وجع التراب ودمع قمحه وقلقه وفي هذه المرحلة تكون حيفا:الحنين الضائع ما بين الضباب وتفاصيل المنافي وهي الهزيمة في غياب لون الثرى لأنها في زمن السراب فينهض السراج ويعيد الندى إلى بلاغة السحاب فتنهض الأم فراشة تبحث عن نورها فتقف حيفا في انتظار الصهيل.
وبوح السؤال الذي يحاسب التخاذل وهو يبحث عن الهوية,ويستمر السراج في طريقه يصالح المعنى على عش الطيور والأم هي الصهيل في المخيم الذي يفتح صدره عشا للطيور أما حيفا فتنهض من وجع النعاس ودمع العين وهم القلب,إلى نخيلها وحنينها رافضة الأفول,ويستمر السراج يلاشي الدخان حتى تظهر الشمس التي هي الأم فتركض حيفا في رهافة التاريخ وفي يديها البرتقال والحقول فيخطو السراج ويخلص الخطى من عبثية الليل ووجع الجسور فتظهر الأم لابسة عباءة الغد الجميل وحيفا تنزل عن حبل الغياب وبين يديها طير الحبور. وفي النهاية نرى دلالاته نكتشفها بين السطور تقول: أنا حيفا أوجعني الاغتراب,وأذلتني المنافي ولا تزال عروبتي وأرضي هي السراج الذي يقودني إلى ذاتي وينهي اغترابي لأنه لا يزال بين يدي تاريخي وجذور أجدادي تدعوني من المنافي.(1)





• الموضوعات التي تناولها الكاتب:
عندما أفتش في عناوين القصائد وأتأمل بوح كلماتها,تقودني لهفة القراءة الى الدخول في دلالتها وجمالية معانيها,فستقطبني ملامح محاور أستطيع ترتيبها تحت العناوين التالية :
• أولاً القدس:
نجد أنها الهم الأكبر الذي يعيشه الشاعر,بكل جوارحه وآهاتهِ يبحث عنها فيراها فوق شبابيك روحه تلوذ بعتمة حزن خُطف هديله ولا تزال تبحث بين دموع مساجدها وأحزان كنائسها التي تعيش الظمأ والصحراء عن قطرة ماء يقول الشاعر في قصيدة "القدس تبحثُ عن قطرة ماء":
عتمة حزن... ومساجدها وكنائِسها...
سكنتْ... مثل صحارى
فوقَ شبابيكِ الروحِ, تبحث عن قطرةِ ماءٍ
وما أعطتني هديل حمامٍ... ما طل على عطشِ الروحِ,
بقيت تنزف روحي سحابٌ يهمي...
بدماء الوقت, تستافُ رحيقَهْ!"(2)
فصار القلب حريقةْ(1)
والشاعر يعترف بأنه لم يعد يرى منديل الفجر في القدس فروح الشعر تنزف دماء على ضياع هذا الوقت لأنه لم يتم الارتفاع الى حب القدس وما تمثله من عنوان مقدس للعرب والمسلمين من أجل الدفاع عنها واسترجاعها وكأنه يمشي في غابة يداهمها نسيان القدس حيث يقول الشاعر في قصيدة "القدس تبحث عن قطرة ماء!":
أمشي في غابةِ نسياني كيف ألمُّ على يدِها
وغدي يركض خلفي(1) بوصلةَ القمح؟
وأنا ما عدتُ أرى يدي ما حملت منجلَ حقلٍ
منديل الفجرِ, أمستْ في الأعذارِ؟
على كتفيها حديقةْ غريقةْ!(2)
وهذا ما يقدمه شعبنا العربي من تخاذل للقدس والنسيان والأعذار وغياب القمح والمنجل..فيجيب الشاعر على هذا التخاذل والهروب بقصيدة عنوانها "القدس تنتظر الرعود"مؤكدا أن التعزية الوحيدة التي ترتب طقس الوقت على قارورة الشمس هي السواعد التي تحمل السلاح تلك التي تعيد للحلم معناه وللشوق لغة الترس وتلاشي من الروح خجل الكلمات وهي تذبح قلب الشاعر دموع القدس, يقول الشاعر:
هل تبحثُ عن تعزيةٍ
لتلملمَ ما يتبقى
في روحك من وجعٍ
وتُرتّب طقس الوقت,
على قارورة شمس
ما زلت تدق الباب(3)
فيكَ الروح مبعثرةٌ
لمْ يتَجلَّ فيها
حنينُ الشوقِ,
الى لغة الترس (1)
تذبحُ فيّ دموعَ القدسِ!
ويستمر الشاعر جاعلا من القدس أيقونة نضالية على جيد الوطن تتألق في عنق التاريخ ولوحة الشمس في ظلامية الوقت وصوت نداء لا يزال يهزُّ التاريخ والذاكرة والسواعد.أما في القصيدة الثالثة عن القدس في هذا الديوان الشعري فهي بعنوان "انكسرت في القدس فصول التاريخ" حيث يواصل فيها مشاعره وهمومه مع القصيدة الأولى "القدس تبحث عن قطرة ماء".إذ تعد عتمة الحزن فوق شبابيك الروح ولكنها تسكن في المنافي في حين في القصيدة الأولى كانت تبحث عن هديل الحمام فضاع الهديل وخرج الشاعر الى الاغتراب فيقول الشاعر:
عتمةُ حزنٍ سكنتْ
فوق شبابيك الروحَ,
منافٍ...(2)
نلاحظ استمرار نمو الحدث الشعري وتواصله بين القصائد وكأنها ملحمة شعرية تبوح برؤى أوجاعها وهديل حلمها الضائع وهي تفتش عن ذاتها في ضياع القس.
ويؤكد الشاعر على كذب الشعارات والوعود التي يطلقها العرب من أجل تحرير القدس فيقول في قصيدة "القدس قصيدةُ دمعتي!":
كذب الكلام يجولُ في حدقاتها مرتاحاً.....والقدس أين من الدموع,دموعها ترتاحُ؟(3)
في حقيقة الأمر لقد وجدت في كل ديوان شعري للشاعر أكثر من خمس قصائد عن القدس ولسان حال الشاعر يقول لمن أبوح بوجع القلب وصوت القدس يعذب روحي فالشاعر يعيش همَّها ودموعها وحصارها وحنينها وحلمها بوجع لا يغيب وقلب لا يفرح ودمع لا يجف وهو يبحث عن حلمِ أخضر ينمو على سقف غيمة في طريقها الى القدس.
• ثانيا السجين:
ذاق الشاعر عذوبة السجن حيث بتهمة العصيان الضرائبي الذي قادته مدينة بيت ساحور عام 1989-1990 فقد عاش همَّ الاعتقال من اجل الدفاع عن الوطن وحريته مشعلا قمره الإنساني في ليل الاحتلال غارسا طعم الانتصار في وجع الهزيمة ويوضح الشاعر في قصيدة السجين الذي تحادث فيها مع سيده الذي يكشف بها انتصاره بكل الظروف المحيطة به حيث في دمعته يرى القمر الصهيل وفي نكسته يذوق الانتصار ويرى في الظلام ندى الصباح ويمثل على ذلك قول الشاعر في "قصيدة السجين":
يا سيدي... يا سيدي...
أنت الذي في دمعتي أنت الذي أعطيتني
أشعلت لي قمر الصهيل, في نكستي
على نوافذ حيرتي طعم انتصاري
لما عرفت بقيد سجنك عندما جبلت يداكَ
كيف تنمو... من الظلام,
في سواعدك الرماحْ ندى الصباحْ(2)
ما أجمل الأبعاد والدلالات الشعرية التي تبوح بها هذه القصيدة,,وتعطي الأسير الفلسطيني أيقونة خالدة في ضمير الإنسانية ولا يزال المناضل في دهاليز الاعتقال والقيد فيعود الى ذاته فتذكره انه لم يتعلم منها الرؤى للخروج الى صهيل مرة أخرى فيقول الشاعر في قصيدته"آهة القيد":
القيد يأسرني الآهة الأولى,
ويحمل لي... من وعي ذاتي
على وجع المعاركِ, فاشتهى منديل منفايَ الرجوع,
آهتين...! فصدّه ذلُّ الصهيلْ!(1)
كما تحرق الشاعر آهة أخرى في القيد وهي خطيئة تركه دمه في الدجى,فغاب عنه الصهيل يقول الشاعر: (1)
الآهة الأخرى نهر دمي
لأن خطيئتي فأدمن صوتي لهف دجى
لم تحفظ التاريخ, وما ردّ الصدى
ما قامت تلملم من بقايا الوقت خطو النخيل!(2)

والشاعر هنا يطرح رؤيا جديدة كي يأخذ السجين دوره البطولي اللائق به والشاعر يدله على ذلك من خلال رؤى جديدة ووعي ذاتي لأنه يمتلك الصهيل ولا يستخدمه فلا يستطيع الرجوع من منفاه لأن صهيله في ذل وتستمر الرؤيا في الآهة الأخرى ليتعلم لغة التاريخ بعمق أكثر كي يلملم دمه ويمضي نحو النخيل ولا يتركه ما بين بقايا الوقت تحت رحمة الدجى.وفي قصيدة الشاعر الأخرى التي تحمل ذات العنوان" آهةُ القيد" تعذبه هذه الآهة لأنه لم يرتب الأشياء في روحة فضاع الحقل ولم يعمد القمح بالشموع فحمل دمعه على طاولة المفاوضات كي يساوم حيث يقول الشاعر:
لأني ما نهضت,
أرتّب الأشياء في روحي
فضاع الحقلُ....
ما عمدت قمحي....
بالشموع,
حملت دمعي كي يساوم(1)
وفي آهته الثانية يتألم لأنه عشق الانتظار فجف سحاب الروح وغادرته طيور القلب فضاعت ذلته في ذاته وتلاشت من يده لغة تقاوم يقول الشاعر:
لأني قد عشقت الانتظار,
على بقايا الذات,
جف سحاب روحي...
غادرتني طيور قلبي...
لم تعد ذاتي الى ذاتي
تلاشتْ من أيدي
لغة تقاومْ (2)
ويظل همُّ الاعتقال ورموز المقاومة في هاجس الشاعر وضميره لأنهم القمر في الظلمة وقوس القزح في الضباب والحزن وهم طعم الثمر وزيتون الفرح وهم الغيمة التي حطَّت على حجر التي أهداها الشاعر الى سامر العيساوي ورفاقه حيث كان يقوم بمعركة الأمعاء الخاوية ضد الاحتلال فيمثل رمز البطولة والتضحية والفداء فيقول الشاعر في قصيدة"غيمة حطت على الحجر":
هي غيمة تمشي على ظمأ الثرى فأنت طيور الأرض,
والقمح ينهض من يديها تغسل قيدها
جواب أسئلةٍ فأنساب في أحزانها
تجلى في رهافة شوقها قوس القزحْ (1)
وجه القمرْ
إن هذا النسيج الشعري الذي يربط بين أبجدية القصائد يعطي للديوان مذاق همِّ واحد يقوده الى ملحمة الوفاء للقدس والأرض والسجين.
ثالثا الانتماء الفلسطيني وحضوره:
ما بين اختطاف القدس ومحاولة اعتقال المقاومة يجري التهويد الإسرائيلي لفلسطين,تاريخا وانتماء ومكانا في محاولة لطمس فلسطين وإلغاء حلمها الجميل,هذا الحلم الذي يقود نضال شعبنا من أجل العيش تحت ظلال زيتونه والشاعر في قصيدته "أتسأل من أنا الفلسطيني" يقاوم هذا الاغتراب بلوحات شعرية لم يسبق أن استخدمها غيره من الشعراء في هذه المعركة الأدبية النضالية بهذا البعد وبتلك المستويات الإيحائية المتميزة.فالشاعر يؤكد على حضوره الفلسطيني قبل أن يولد الصبح ويصحو من نعاسه حيث ابتدأت خطوة الفلسطيني وهي رمش الصباح تعلم الكون الحروف يقول الشاعر:
وقبل أن يلملم الصباح...
وجهه من النعاس,
كنت فوق رمشه,
كقلعة من الهوىْ
تعلّم الزمان أحرفي
وتكتب ابتداء خطوتي
على مشيئة الحياةْ(1)
ويؤكد الشاعر على جوهر وجوده وحضوره على تضاريس الحياة وهو يعلّم الطيور لون الهديل ويطعمها من حنطة أرضة كي تتذوق لحن الحرية في غنائها على مشية الأباة. ومن هنا نستدل على جمالية الصور الشعرية وتفردها في دلالاتها المختلفة .يقول الشاعر في قصيدة"عروبتي صلاةْ:
وقبل ان تغرد الطيور,
لحنَ وردةٍ...
على شفاهِ غصنها,
هناك كنت أطعم الطيور,
لون حنطتي...
أعلّم الهديل كيف تمشي في غنائه,
مشيئةُ الأباة؟(2)
وتشتعل هوية الانتماء وتتصاعد في تجلياتها على رهافة هذا الانتماء والحضور,وهو يؤكد حضوره قبل أن تعرف الحقول طعم السنابل,وقبل أن يعرف المدى عشبه واخضراره يقول الشاعر:
وقبل أن تموج في جمالها
سنابل الحقول,
كنت من زيوت جدتي
أخزِّنُ المدى
جداولاً
يفيض قمحها على الثرى
قبيل أن يُرى
نمو خضرةٍ على مدى! (1)
رابعا هموم الوطن:
لا يزال الشاعر يعيش الوطن بهمومه ودموعه وآهاته وتطلعات حلمه الى الشمس والحرية فأخذ من الديوان مساحة يستيقظ فيها غياب الطيور عن شجر وطن لا يغيب وهو يتحسس جزيئات حياته اليومية الدامية ورياح الاحتلال تعصف بكل شيء ففي قصيدة"هوية السلام"لا يستطيع أن يقرأ الثرى ففيه الضباب والقتام والركام ولا يستطيع أن ينام فطفلته ضاع منها هديل الحمام. يقول الشاعر في قصيدة "هوية السلام":
أنام...... في غيوم دمعتي...ولا أنام!...وأصحو...في هموم محنتي...على دمي الركامْ... يغيب عن دموعها... الحمام... فكيف أقرأ الثرى... صباحهُ... يلفه القتام؟(2)
ويتساءل الشاعر عن أسباب هذا الواقع المؤلم فيأتي الجواب في قصيدة "ثقافة الاغتراب",فيقول الشاعر:
فن الخطابة عشقنا
فرماحنا خشب
فبنا السيوف تنوح
دمع مذّلةٍ
سألت سواعد عربنا
فأتى الجواب هزيمةً
يستافها الهَرَب(1) .
ولكن الشاعر يبقى متمسكا بوطنه رغم ما يمر به من ملاحقة لأن الوطن هو قنديل الأجمل الذي يحمله الشاعر في زمن الليل والويل يقول الشاعر في قصيدة"وطني":
وطني يا أجملَ قنديلٍ,
يحملُهُ قلبي
في زمن الليلِ
هل يتعثَّرُ خطوي,
والقنديل طريقي
يحملني نوراً
بدّد عتمةَ ويلْ؟(2)
• خامسا الرثاء
يلتقط الشاعر في هذه الديوان الشعري لحظات حميمة على القلب تبوح بوجعه وهي تودع شهداء الوطن والحرية كي تكتمل ملحمة الفداء في هذا الديوان فيقول في قصيدة "القبر دقّ عذاب روحِ" مهداة الى روح الشهيد" محمد أبو خضير"الذي اغتاله الاحتلال حرقا وعذابا, قبره لا يزال يدق عذاب أم في صبرها تمزق الضمير يقول الشاعر:
يا غضبةً ثقبت ضمير الصبرِ؟
ما صعدت الى الحنَّاء...
ما صعدتْ
على الحناء قد صلبوا
دماءَ محمدْ(1)
ولا ينسى الشاعر حرق عائلة دوابشة وقد توفي الرضيع علي وعمره 18 شهراً وأصيب والداه وأخاه أحمد (4 سنوات) بجروح خطيرة ، وتوفي لاحقاً والد الطفل ورب العائلة سعد دوابشة في مستشفى سوروكا في بئر السبع بعد أن أصيب جسمه بحروق من الدرجة الثالثة ولحقت أضرار بنسبة 80 في المئة من جسمه بشكل عام ، وتوفيت لاحقاً الأم ريهام حسين دوابشة في المستشفى بعد أن أعلن صباح يوم 6 من شهر سبتمبر عن وفاتها في مستشفى تل هشومير في مدينة تل أبيب فيكتب الشاعر عن الطفل الشهيد "علي دوابشة" الذي تم اغتياله بالحرق والنار طفل في وداعة نومه تلتهمه صهيونية الاستيطان ببشاعة وجريمة هزّت ضمير العالم فتلهمه نيران المستوطنين وهو فراشة تبحث عن نورها يقول الشاعر في قصيدة "حرق الملاك" :
ملك طلَّ من فوق الجبلْ
على عينيه زيتونٌ
وفي شفتيهِ بسماتُ الأملْ
يلوحُ فراشةً...
حطّتْ على نورِ الصباحِ,
إذا الصباحُ ضحيةُ النيرانِ,
في كفّيه عشقُ فراشةٍ
بدماء طفلٍ يغتسلْ(1)
ولا ينسى الشاعر الراحل "سميح القاسم" الذي شارك في مهرجانات القدس للشعر والأدب التي يشرف عليها الشاعر جمال سلسع فيقول في قصيدة رثاء له بعنوان "رثاء الشاعر الكبير سميح القاسم"حيث يجسد في القصيدة المنابر التي وقف يغازل من خلالها الوطن والقضية والكلمات في قمح شعره وسنابل كلماته فيقول الشاعر:
أراني أسائل عنك المنابر, اسكن في شذا الكلماتِ
تصحو على وقتِ كما يسكن النايُ
لهفة حرفٍ في أمسيات البلابل
تعطّر في الصوتِ وما...ما انتهى
لحن المناجلْ قمح شعركَ
فأحضن فيك القصائدَ يمشي...
فتختال بين يديك السنابلْ(2)
• سادسا الصوفية
يلجأ الشاعر الى الله في تجاربه الشعرية التي تبوح بدلالات وجدانية خفية,تخاطب في لغتها الإنسانية المشحونة برموز خفية تخاطب خفاء الروح الشعرية التي تلجأ الى الله فتعطي للوحه الشعرية جمالية الصورة وقد امتلأت القصائد بالكثير من الصوفية على مر العصور فقد خبر خالد القاسم (2) الصوفية منذ وقت مبكر إمكانات الشعر, لا في التعبير مواجدهم فحسب بل وفي إنتاج معرفة بالوجود وبالإنسان كذلك,مما يدل على دلالة واضحة وعلاقة جيدة ما بين الشعر والصوفية إذ لا بد أن يستخدم الشاعر الصوفية في شعره المتعطش الى السلام والسكينة والمحبة وهذا ما نلمسه في بعض القصائد للشاعر, علما أنه صدر له ديوان شعري صوفي عام 2000 بعنوان "لا تزال يدي دق أبوابك"..في بعض السنوات تأخر المطر وضاقت حال لشعب ولكن الشاعر تذكر الله ورحمته فتوسل إليه بقصيدة عنوانها "يا الهي أعطنا المطر" يقول:
أسيّدَ السماءِ
غابت عن قلوبنا
مشيئةُ المطرْ؟
فأين رحمةُ...؟
على ظلال حبك الكبير,
تهفو لهفةُ...
الى يديكَ,
مزّقِ السحابَ,
أعطنا المطرْ(1)
إن بساطة الكلمات وجمالية دلالتها وشفافية روحها في هذه القصائد تلامس روح القارئ وتشده إليها حتى في قصيدة "الثلج" عندما استجاب الله برحمته ورأفته فتساقطت الثلوج كانت الصوفية في القصيدة فيقول الشاعر:
على شفاه الأرض مزمارٌ
يسبّح للعلا
فتقوم ترقص في مشيئته الهضابْ(1)
وهو في هذه الصورة الصوفية تبوح أرضه بالهديل الذي يتمانه عندما تعود بيضاء حرة من مخالب الذئاب.



















الفصل الثالث

1.العلاقة بين العنوان وصورة الغلاف.

2.العلاقة بين العنوان والغلاف والمضمون.

3.الصورة الفنية في الديوان.

4.التناص في الديوان.









• العلاقة بين العنوان وصورة الغلاف
العنوان في العربية مأخوذ من مادة " عنن" و" عنى" بمعنى الظهور والابتداء وكذا الاعتلاء...، وعنوان الشيء سمته التي تميزه عن الآخر وتعينه وتحدده؛ ومثل هذه الكلمة مثل الاسم الذي من وظيفته بيان الشيء أو الشخص وتمييزه عما سواه وعنونت العرب بيانها الشعري بقولها إنه ديوان العرب، كما كانت تعنون أشعارهم ومعلقاتهم الشهيرة باسم القصيدة على أساس القافية فيها.
سيميائية العنوان والغلاف:

بدأت الكتب الصادرة من بطون المطابع تتبارى فيما بينها حول جماليات العتبات الأولى لها ، ويقصد هنا بالعتبات الأولى الغلاف والعنوان ، بل راح الكتَّاب أنفسهم يضعون شروطاً بينهم وبين دور النشر حول اختيار نوع الغلاف والألوان الذي يحتويها ، وأي لوحة يمكن أن تتصدر الكتاب ، وأي فنان يمكن التعاون معه . وكما كان للغلاف دوره كان للعنوان مكانته عند المؤلف ، وعادة ما يكون الباب الموصد عند المؤلف حين يفكر في اختيـار العنوان ، لأن الكاتب يفكر في مشروع الكتاب وتفاصيله من فصول وأبواب ، ويترك العنوان فيما بعد.
وهذا التباري في الاختيار والتأكيد عليه جعل المتلقي / الناقد يقرأ اللوحة والعنوان قراءة نقدية تحليلية بوصفها العتبات الأولى التي ترشده إلى متن النص ، قراءة وتأملاً ومقارنة وتحليلاً ، في ضوء ذلك العالم الواسع المتمركز في فضاء الكتاب أو خارجه ؛ لذا تأتي بعض الأحايين دراسة العتبات الأولى والأخيرة من منطلق المدخل النقدي المقارن لمتن الكتاب .(1)
صورة الغلاف سراج مضيء يحاول نوره أن يتخطى عتمة الليل, وأمامه زرقة لون تدل على مياه البحر وهنالك ضوء قادم من نافذة البحر وخلف السراج تظهر ظلال الأم من خلال عينيها وشكلها الذي غطّته العتمة وحيفا الساكنة على شواطئ البحر,تُطل من نور شوقها لتاريخها تحاول مغالبة ليل اغترابها من خلال سراج الأم الذي تُداعب روحه وهي تطلّ عليه من نافذتها.فتلتقي عتمة الاغتراب مع سراج الأم في محاولة لإزالة هذه العتمة التي تحاول استلاب حيفا (البحر) فتقوم حيفا وتحمل سراج الأم أمام هذا الواقع المؤلم فتظهر هذه العلاقة بلغة الصراع ما بين حيفا من جهة وعتمة الاغتراب من جهة أخرى.وكذلك الصراع ما بين الأم والعتمة حينا آخر يتداخل شوق حيفا فيها ما بين الفنية والأخرى من أجل مواصلة نضالها فنرى ان العلاقة ما بين عنوان الديوان الشعري وصورة الغلاف علاقة حميمة تأخذ أبعادا دلالية تساهم في إثراء علاقة توحي بمفاهيم الديوان الشعري وتشكله جماليا كخصوصية شعرية تبوح بدلالاتها الأدبية.
• العلاقة بين العنوان وصورة الغلاف والمضمون

عندما ناقشنا الدلالة الشعرية للعنوان سابقا تبين لنا بوضوح لغة الصراع ونموها داخل الحدث الشعري خاصة في قصيدة "حبل الغياب" التي من صورها الشعرية أخذ عنوان الديوان الشعري.إذ نلاحظ نمو الحدث الشعري بطريقة شعرية غنية بدلالات تبوح بلون الدراما الشعرية ما بين "حيفا" و"السراج" و"الأم" من خلال عتمة الاغتراب مما يتوافق مع مضمون ما جاء في هذا الديوان وإذا كانت صورة الغلاف وعنوان القصيدة يوحي بلغة الصراع فان مضمون جميع القصائد تجسد ذلك فمثلا مضمون في قصيدة "ثقافة الاغتراب" يقول الشاعر:
يا قدس هذي قشورنا
فيها الثقافة غربةٌ...
كُتبت على أوجاعنا
فن الخطابة عشقنا
فرماحنا خشب(1)
فهنا القدس ضائعة ما بين كذب العشق والرماح الخشبية التي لا تجدي فتعيش القدس صراعها ليس فقط مع الاحتلال بل أيضا مع شعاراتنا الكاذبة والوعود الخشبية.وفي قصيدة "القدس تبحث عن قطرة ماء" يقول الشاعر:
والدرب تساءل عن خطوي
لألمّ الأكفان,
عن الأسوار,
وما أعطيتُ لها كفي
أمسى النسيان مكانا
يمشي بشوارعها...
كوثيقةْ(2)
درب القدس يتساءل عن خطوي ليزيل الموت عن القدس وهو في هذا الصراع ما بينه وبين الموت يغرق الإنسان العربي والفلسطيني في نسيان نداء القدس فتدخل في صراعها أيضا مع الموقف العربي هذا. ولو أخذنا من قصيدة أخرى نجد ذات البوح الدرامي في لغة الصراع فمثلا في قصيدة "لا..."يقول الشاعر:
لا شيء يجمعني مع الصحراء,
غير سراب قلبي
في الكلامْ
لا شيء يدفعني الى الإبحار,(3)
غير ضياع دربي في الملامْ
فالشاعر يرفض أن يكون في قلبه الصحراء لأن ذلك يدل على أنه يعيش زمن السراب فهو هنا يدخل في صراعه مع الصحراء ومع السراب كي يبقى متجذّرا في أرضه,رافضا الهجرة والضياع.وهذه قصيدة " مخيم اليرموك" يقول الشاعر:
يرموك...يا يرموك..
ضاع...
السيف والخيلُ
وأتى التردُدُ
وامتطى فينا صهيلَ الجبن,
حتى سادنا الهبلُ(1)
والشاعر يعترف في هذه التجربة الشعرية في صراعه مع المكان الذي كان رمزاً للبطولة والنصر مخاطبا معركة اليرموك وهو يشير الى مخيم اليرموك الذليل في دمشق مستحضرا زمن المعركة فيدخل المكان هنا في صراعه مع الزمان فالمكان بلا سيف وبلا خيل وفيه الهزيمة في حين الزمان فيه البطولة والسيف والخيل والنصر.وهكذا تتلاحم في بوتقة الصراع كل من عنوان الديوان وصورة الغلاف مع مضمون القصائد لما حملته كل منها من الدلالات المشحونة بطاقات وتأويلات جميلة.

الصورة الفنية في الديوان:
نجد أن الفنية في الصور الشعرية يعتمد عليها الشعراء كثيرا في تشكيل قصائدهم وبناء ملامحها إذ تعد الصور الفنية واحدة من أبرز الأدوات التي يستخدمها الشعراء في بناء قصائدهم وتجسيد أحاسيسهم ومشاعرهم والتعبير عن أفكارهم وتصوراتهم للإنسان والكون والحياة.(1)
فنرى أن اللغة الشعرية الموحية هي التي تلقي بظللها بين المفردات ناسجة علاقات مختلفة فيما بينها فتعطي ما يسمى بالصورة الفنية وتأخذ هذه الصورة الفنية مكانتها في النص الشعري باعتبارها أهم الدلالات التي يحتاجها الشعر الحديث لأنها ترافق وتكشف عن تجربة الشاعر المعاشة وما فيها من عواطف وأفكار وبما تملكه من جمالية الإيحاء."في الإيحاء عن الصور الشعرية لا بالتصريح بالأفكار المجردة ولا المبالغة في وصفها تلك التي تجعل المشاعر والأحاسيس أقرب الى التعميم والتجريد منها الى التصوير والتخصيص ومن ثم كانت للصورة أهمية خاصة.(2)
وقد قام الناقد عبد القادر الرباعي بتعريف الفنية في الصور الشعرية على أنها "تشكيل لغوي يكونه خيال الفنان من معطيات متعددة يقف العالم المحسوس في مقدمتها" (3) فيكون على المعنى واللفظ والعبارة أن تأخذ داخل السياق الشعري شكلا فنيا خاصا.(4)وحتى تقوم الكلمة الموحية بوظيفتها الجمالية ودلالاتها المختلفة بنسج علاقات جديدة من خلال إعطاء الصفات المادية الى المعنوية وإعطاء الصفات المعنوية الى المادية من خلال تبادل المدركات بأشكال فنية مختلفة كالتشخيص"وهو إحياء المواد الحسية الجامدة وإكسابها إنسانية الإنسان وأفعاله".(5) وكالتجسيد وهو"تقديم المعنى في جسد شيء أو نقل المعنى من نطاق المفاهيم الى المادية الحسية".(6)
ومن خلال هذه المفاهيم سوف نتعرف على فنية الصور الشعرية في هذا الديوان الشعري "حيفا في يديها سراج أمي"وسأتناول بعض الصور الشعرية شارحا فنيتها الشعرية كنموذج لهذا الديوان.ففي قصيدة"على وقع خطاك يقول الشاعر:
يا وجعا أسمعه نوحا
في صوت البشرى
أين أخبئ لهفة ورد
لملمت الأوجاع,
بكأسٍ
يشربها العطرُ(1)
هنا يقوم الشاعر بحرف نظام اللغة فيعطي للمعنى المعياري تشويشا جميلا فنجد أن هنالك استعارة في إسناد العطر الى الشرب ففيه الصورة تستند الى شيء معنوي فيه الاستعارة الدالة على التجسيد فالعطر معطى معنوي يتحول الى جسد حي يقوم بشرب الكأس كذلك بالنسبة الى الوجع ويحول المعنى من نطاق المفاهيم الى المادية الحسية, وكذلك الأمر بالنسبة الى النوح الذي يسمعه في صوت البشرى.فالشاعر هنا أعطى الصوت للبشرى في استعارة دالة على التجسيد فجعل معنى الوجع نوحا داخل البشرى كذلك أعطى اللهفة للورد في استعارة تالية دالة على التجسيد أيضا وهنا نستطيع القول عن فنية الصورة الشعرية هذه أنها خرجت من ساحة الجانب البلاغي الى مساحة الشعور والوجدان والتعابير الحسية.وفي قصيدة "كيف سأكسر دمعي"يقول الشاعر:
صحت في ظلام المكان
عباءة لبل
فصارت خطاي على الظن
مثل خطا الدمع فوق السراب (1)
تستند فنية هذه الصورة الى مرجع معنوي من خلال الاستعارة الدالة على التجسيد وذلك باستعارة الظلام للمكان واستعارة عباءة لليل واستعارة الخطا للدمع فتشتمل فنية هذه الصورة المحورية كما رأينا على صور متعددة تستند الى مرجع معنوي من خلال الاستعارة الدالة على التجسيد.كما نلاحظ إبداعية التشكيل الجمالي في خطا الشاعر التي تسير على الظنون كما تسير خطا الدمع على السراب.وفي قصيدة "الثلج" يقول الشاعر:
تطل من السماء لأعذوبة بيضاء
تنعف فوق نافذتي
قناديل الضباب(2)
فنية هذه الصورة تأتي من خلال تشخيص الطبيعة(السماء) وتحولها الى ذات الإنسانية تقوم بأفعال إنسانية حيث تقوم السماء وتنعف فوق النافذة قناديل ضباب في حين ان الاستعارة الدالة على التجسيد تظهر في قناديل الضباب إذ أعطى القناديل للضباب فنجد هذه الصورة الفنية تأخذ في سيرها بناء التجسيد من جانب وتحقيق التشخيص من جانب آخر. وفي قصيدة "إذا..أقمت" بقول الشاعر:
وإذا أقمت
وإذا جرت فوق الروابي
دمعة
نبتت على الأحزان
آلاف الورود(3)
نرى في هذه الصورة الشعرية فنيتها من خلال إكساب الروابي صفة إنسانية وفرها التشخيص حيث تم إحياء هذه المادة الحسية الجامدة "الروابي" وإكسابها الصفات الإنسانية وأفعالها فالروابي لها عين تبكي تشارك الشاعر عواطفه فنجح في استخدام استعارة دالة على التشخيص وفي ذات الوقت فقد انتقل المعنى للأحزان من ساحة المفاهيم الى المادية الحسية من خلال استعارة دالة على التجسيد فنرى الصورة الفنية بهذه مبنية على كل من التشخيص والتجسيد.ان هذا الإيحاء في الكلمات قد أعطى فرصة إضفاء الصفات المادية على المعنوية والمعنوية على المادية.إذ اعتمدت هذه الصورة وغيرها من الصور السابقة على عناصر التخيل الابتكاري.وفي قصيدة "حرق الملاك" يقول الشاعر:
أيبكي الطفل؟
أم يلهو لحرق دمائه؟
ماذا سينتظر البكاء
على عتاب الوقت
من فرص أتت؟
وعلى المدائن
يحمل السفاح نيرانا
دموع عواصفي...
قد لفّها وجع الخجل!(1)
نرى في هذا المقطع فنية الصورة المحورية في صور عدة( حرق دمائه, ينتظر البكاء, عتاب الوقت) وهذه جميعها تستند الى مرجع معنوي يتمثل في الاستعارة الدالة على التجسيد من خلال استعارة الحرق للدماء والانتظار للبكاء والعتاب للوقت.فنجد هذه المجازات تقوم بحرف نظام اللغة عن المعنى المعياري فتحدث هذا الجمال الإيحائي. ثم تأتي "المدائن" فتتحول الى إنسان حي يشارك الشاعر عواطفه من خلال الاستعارية التشخيصية فإذا السفاح يشعل فيها نيرانا وهنا تعود الاستعارة الدالة على التجسيد من خلال استعارة السفاح للنيران والدموع للعواصف والوجع للخجل.
فنجد في فنية هذه الصور الشعرية أنها قد ارتبطت بالحالة الشعورية التي يعيشها الشاعر فصورت لنا الأشياء ليس كعادتها الوصفية المباشرة فتوحدت المتنافرات فيها من خلال الاستعارة التي أوجدت مسافة الانزياح بين المعنى والمعنى فجاء التجسيد مرة ثم لحقه التشخيص مرة أخرى ليعود التجسيد مرة تالية في نهاية القصيدة.وهكذا نرى ان الشاعر يعتمد خلال سياقه الشعري على صياغة الصور الفنية من خلال خياله الموحي بها.
• التناص
ان مفهوم التناص الذي يلجأ إليه الشعراء العرب من أجل إثراء ابداعتهم الشعرية والنثرية هو من أهم المواضيع التي يثرون بها نصوصهم الشعرية معتمدين عليها من خلال استدعاء النصوص الدينية والتاريخية والأدبية والأسطورية إذ يجدوا نوعا من التفاعل الإبداعي بين الماضي والحاضر وقد شارك كثير من النقاد والأدباء في تقديم مصطلح التناص.
في البداية علينا أن نعرف المعنى الحقيقي لكلمة (النص) فقد ورد في معجم اللسان لنص: رفعك الشيء.نص الحديث ينصه نصا: رفعه. وكل ما أظهر فقد نص.(1) كما يشرح المعجم الوسيط بعض الدلالات المولدة للنص وهي صيغة الكلام الأصلية التي وردت من مؤلفها والنص لا يحتمل إلا معنى واحدا أو لا يحتمل التأويل والنص من الشيء ومبلغ أقصاه.(2) كما وقد عرفه بول ريكورت لنطلق كلمة النص على كل خطاب تم تثبيته بواسطة الكتابة.(3) أما جوليا كريستيفا فقد عرفت النص تعريفا جامعا إذ قالت "نعرف النص بأنه جهاز نقل لساني يعيد توزيع نظام اللغة واضحا الحديث التواصلي نقصد المعلومات المباشرة في علاقة مع ملفوظات مختلفة سابقة أو متزامنة".(4)
من هنا ولد المفهوم الجديد المتصل بالنص وهو التناص وقد رأينا ورود كلمة التناص في لسان العرب بمعنى الاتصال يقال هذه الفلاة تناص ارض كذا وتواصلها أي يتصل بها.(5) كما يفيد الانقباض أو الازدحام كما يورد صاحب تاج العروس "انتص الرجل"انقبض وتناصى القوم:ازدحموا.من خلال هذا المفهوم ندرك ما يحتويه التناص على المفاعلة لأن تداخل النصوص قريبة من مفهوم ازدحامها.
والتناص اصطلاحا:أن كلمة تناص في النقد العربي الحديث تعني بدقة لترجمة المصطلح الفرنسي ""inter text حيث تعني كلمة "inter" في الفرنسية التبادل بينما كلمة "text" النص وبذلك يصبح معناها التبادل الفني وقد ترجم الى العربية "بالتناص"مما يدل على معنى تعالق النصوص بعضها ببعض.ومفهوم التناص" يختلف عن هذه المفاهيم على صعيد المعالجة النقدية لما يمتلكه من آليات نقدية حديثة وأنظمة اشارية ومستويات مختلفة تجعله بعيدا في الفعل الاجرائي عن تلك المفاهيم ومنفردا في العملية التحليلية والتركيبية أثناء إجراء التطبيق." (1)
من هنا ندرك جيدا أن النص محكوم بالتناص "أي بتداخل مع نصوص أخرى وهذا لا يعني الاعتماد عليها أو محاكاتها بل ان التناص يتجسد من خلال صراع النص مع النصوص أخرى".(2) كما تبين لنا مما تقدم فان التناص يأتي من خلال صراع النص مع غيره من النصوص وهو يأخذ ويعطي في وقت واحد ويعمل على أحداث تفسيرات جديدة لنصوص قديمة ويعطيها دلالات مختلفة.
وتعتبر كتب الأديان السماوية القران الكريم والإنجيل والتوراة رافدا كبيرا استخدمه الشعراء في تناصهم الشعري مما أعطى لهم مجالا واسعا في استحضار آياتها وشخصياتها فأتاح لهم تفجير طاقاتهم الإبداعية.كما كان للتاريخ والأسطورة دورا مهما في تناص الشعراء يعتمدون عليها من أجل إنتاج تجارب شعرية تستوعب الحاضر ودلالاته.
لذا نستطيع القول أن التناص آلية إنتاج أدبي لنص ما, يتفاعل مع نصوص أخرى قد تكون سابقة عليه أو متزامنة معه.ويتم ذلك عن وعي وإدراك وربما بلا وعي وإدراك حيث يعتقد الباحث عبد الجبار الأسدي أن "التناص في الحقيقة هو مجموعة آليات الإنتاج الكتابي لنص ما تحصل بصورة واعية أو لا واعية بتفاعله مع نصوص سابقة عليه أو متزامنة معه".(1) وهذه الآلية تتم من خلال مفهومين أساسيين هما الاستدعاء والتحويل لأن التناص ليس مجرد تجميع ما سبق بطريقة إبداعية تحمل طاقات جديدة ودلالات مختلفة.
• مصادر التناص:
يلجأ الشاعر الى استدعاء النص من مصادر كثيرة أهمها:
أولا الكتب السماوية: إذ يعتبر كل من القران والإنجيل والتوراة مصادر هامة في هذا يستحضرها الشاعر لتقرب نصه من منطقة القداسة والإقناع أو تحويل هذا النص الى عالم مواز للسماء المجال..
ثانيا الأسطورة: يستدعيها الشاعر بوصفها ممارسات دلالية قد تتحاور أو تصطرع أو تخلق معادلا موضوعيا لتجربة الشاعر وهذا الاستدعاء يستحيل في النص الى نوع التفاعل يمشي مع حاضر الشاعر ويلاحقه في مواقفه وتجاربه.
ثالثا التاريخ: يستدعي الشاعر التاريخ كموروث ثقافي يبحث عنه في أصوات الآخرين ليؤكد صوته من ناحية وليؤكد تلاقي التجربة الإنسانية من ناحية أخرى.
رابعا الخطاب الشعري: قد يستدعي الشاعر نصا شعريا لشاعر آخر أو موقف شعري يتوافق وتجربته المعاشة.(2)
الفرق بين التناص والتنصيص: يعتبر التناص من أكبر صفات الإبداع في حين أن التنصيص يعتبر من أهم وسائل التوثيق والاستشهاد. في التناص يتحول الى عنصر داخلي في النص أما في التنصيص فانه يحافظ على استقلاليته وفي التناص يستدعي الغائب بعد أن يعريه من هوامشه التي رافقته في النص الغائب بينما في التنصيص فانه يحافظ على هذه الهوامش ويرافقها عندما يحلّ في النص الحاضر.(1)
• التناص في الديوان الشعري:
اعتمد الشاعر في ديوانه الشعري من أجل إثراء نصوصه الشعرية على استدعاء النصوص الدينية والأسطورية والأدبية والتاريخية,وقد رأينا أنه تعامل مع هذا الاستدعاء من خلال ما يتوافر منه في القصيدة الواحدة كي يتسنى لنا تذوق جمال هذا الاستدعاء.ففي قصيدة "على حبل الغياب" يستدعي الشاعر أسطورة "اوليس" اليونانية,من حيث لا يدري وهو الباحث عن العودة من المنافي والاغتراب حيث يقول الشاعر:
تركت ظلال ذاتي
بين أوجاع المنافي
دمعة...
كيف الانتظار يدوسني
زبدا
أحبل الانهزام
يرد عن قلبي العتاب؟(2)
فكيف يعيش كدمعة حزينة وحبل الاغتراب هو الهزيمة يعيشنا والوقت يلهو به؟حيث يرتقي الشاعر في هذا الاستحضار الى حوار ذاته واغترابه وهزيمته واصفا ذاته:
(كأن ندامتي...ما زال يحرسها السراب)
ويستدعي الشاعر (البرتقال) دلالة على فلسطين المحتلة كما يستدعي القران الكريم في عبارة يهزني شجر من قوله تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) فيجسد الشاعر هذا الاستدعاء رؤى شعرية بطاقات دلالية متفجرة وهو يربط ما بين البرتقال وهزّ الشجر في حضور أوجاع حيفا -يافا ففي يديها سراج أمه هذا السراج ما زال يدعو الشاعر الى الحضور فيقول:
فيا ويحي.. دموع البرتقال.. يهزها الشجر.. على أوجاع حيفا في يديها سراج أمي.
كما يستدعي الشاعر غسان كنفاني في دق جدران الخزان عندما يقول:
على وجع الغياب
دقَّ جدار قلبي
ما زال يذبحني الحساب
فأعطى دلالات جديدة جميلة، إذ جعل وجع الغياب يدق جدار القلب، لأن التاريخ سيحاسبه، على غيابه وعدم عودته.
كما استدعى كلمة( السنابل) من الخطاب الشعري، وكان استدعاء الشاعر لها، بطريقة اكسبها طاقة إيحائية جميلة، بدلالات متميزة. فعرق الشاعر وتعبه وجهده، يبوح على السنابل مثل نبوءة. حيث أعطى للسنابل بوحها، التي توحي في جوابها بالشمس والحرية فيقول الشاعر:-
عرقي على بوح السنابل
يجري
مثل نبوءة
نقشت على وجه المدى
شمس الجواب
ويستدعي الشاعر ( الجلجلة) رمزا للعذاب والصلب والاغتراب، وهو استحضار ديني مسيحي، يجسد عذاب الاغتراب ومتاهاته، وكأنه في هذه الحالة من الاغتراب، مصلوبا على أوجاع الجلجلة.
يقول الشاعر:-
أرى على ذاتي متاهاتي
كجلجلة...
فما اقساك من صحو
يلازمني...
كدمع العين يغفو
في سراديب العذاب!
ان كثافة هذا الاستدعاء وامتزاجه بنسيج الخطاب الشعري للشاعر قد تخلص نهائيا من الاستحضار الأسطوري، وأعطاه جمالية شعرية جميلة.
ويستدعي الشاعر(المخيم) من الخطاب الشعري، إذا أُستخدم كثيرا من قبل الشعراء،ولكن الشاعر في هذا الاستدعاء قد فجر فيه طاقات جديدة، بدلالات متميزة. فيقود حنين الشاعر سراج حيفا ويافا، الى وجع المخيم واغترابه، فيعرف ويتحسس هول الاغتراب وفجيعته ، فيقوم ويرتب فيه الق الخيول، فيقوده الى باب المخيم وطنا جميلا، حيث يجعل من اغترابه اغتراب المخيم، الذي يمشي الى وطن العودة.
يقول الشاعر:-
لا... لا... يزال حنينها
حيفا ويافا
والسراج يقودها وطنا
على باب المخيم
رتبت ألق الخيول.
ويستدعي الشاعر ( أمه) في عدة صور شعرية ومنها يقول:-
وأمي لا تراني غير قنديل
يضيء طريقها
لما على صدر الصدى
صوتي أتى
كرهافة التاريخ
ينقش نجمة طلّت
تقود سراجها
بحرا على قمح
حيث يعطي للأم طاقة ايحائية جديدة، ترى من خلاله القنديل الذي يضيء طريق سراجها، من خلال (نجمة)، وهو هنا يستدعي ( نجمة الميلاد) في الدين المسيحي، هذه النجمة التي قادت المجوس ورعاة بيت ساحور الى مغارة يسوع في بيت لحم. وهذه النجمة تقود الأم والسراج، بحرا على قمح الشاعر، من خلال إطار من رهافة التاريخ الذي يتجدد في الشاعر وحلمه وأمه.
ان هذا الاستدعاء الثنائي، الذي شارك في تكوين النسيج الشعري للشاعر، وامتزج به وتلاشى داخل البناء الشعري الجديد، قد قلب الاستدعاء كي يتوافق وتجربة الشاعر، فأعطى للصور الشعرية، طاقات إيحائية جميلة جديدة.
ويستدعي الشاعر داخل هذه القصيدة مرات عديدة، عبارة ( هزي) من القرآن الكريم، هذا الاستدعاء الذي يغير فيه الشاعر المعاني ويقلب مفاهيمها ، لتكون المعادل الموضوعي لتجربته المعاشة. فمرة يقلب المعنى فيقول( يهزني خجل) ومرة ( هزَّ نخله). ففيه من تجسيد المواقف الشعرية ، بدلالات موحية متميزة، لها أبعادا شعرية جميلة.
وفي قصيدة"" أتسأل من أنا الفلسطيني؟" يقول الشاعر:
وعندما التقت
خطا السماء بالثرى
أنا هناك كنت أوقد الشموع لهفة
أرى السماء في عباءة الشذا
تقبل الصلاة في عيون قدسنا
فالمس الفصول
في عروبة المكان(1)
فالشاعر يستدعي ( الإسراء والمعراج) من القرآن الكريم، فلجأ الى التحوير من اجل إنتاج كتابه، يكسبه معان جديدة تتعلق بعروبة القدس، وهو يقبل الصلاة في عيونها، عندما التقت السماء بالأرض،لأن الشاعر كان هناك. دلالة شعرية وطنية ، تقاوم الاستلاب الذي يهدد مدينة القدس وعروبتها ويستمر في قصيدته مستدعيا نصا توراتيا من سفر التكوين فيقول الشاعر:
منذ قال ربنا الآله
وكانت الثرى
أنا هناك كنت أحمل الندى
ولا يزال في يدي
هنا أنا
فالشاعر يستدعي نصا في سفر التكوين في زمن الخلق يقول ( وقال الله)، وهو في هذا الاستدعاء، قد تفاعل مع هذا النص المتناص، فأعطى للصورة الشعرية جمالية جديدة، وتفسيرات مختلفة أظهرها بصورة شعرية جديدة، لها شفافية الحضور على الساحة الفلسطينية، مؤكدا الحضور الفلسطيني منذ ان خلق الله السماء والأرض كانت فلسطين. وهذا عمق شعري أصيل لم يسبق ان استخدمه شاعر من قبله في هذا الاستدعاء والاستدعاء السابق بتلك الدلالات الروحية والوطنية. مما يؤكد الشاعر على عظمة تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه.
ويواصل الشاعر هذا الاستدعاء الديني فيقول:
وقبل ان تبوح في حضورها البحار
كنت أرسم
الحدود للمياه
في مروج بلدتي
وانثر سنابلي على تلالها
ففاح خبز جدتي(1)
وهذا الاستحضار الديني من التوراة في زمن الخلق، كان الله يرسم حدود المياه والبحار والأرض،وقد استدعى الشعر(الرسم) لينقل من خلاله مشاعره وأحاسيسه، في تجسيد وجوده الفلسطيني،الذي يتعرض للاستلاب والاقتلاع من تاريخه ووجوده فاستخدم الشاعر في هذا الاستدعاء مجموعة من مناهج الإنتاج الأدبي في تحوير الرسم والأرض والمياه فتفاعل معها في تأكيد وجوده الفلسطيني عبر التاريخ.وهي صورة أخرى لم يتطرق إليها شاعر من قبل،بمثل هذا الاستدعاء.
ويواصل الشاعر هذا الاستدعاء الديني التوراتي، وفي هذه الحالة يستدعي أيضا من القرآن الكريم( هزي جذع النخلة...)
ان كثافة هذا الاستدعاء وامتزاجه بنسيجه الشعري قد تخلص فيه من السياق القرآني والتوراتي
يقول الشاعر:
هناك جئت للثرى وللمروج أهلها
أهز نخلها فكيف ألغي حاضري
وأرجع الحضور نحو صبحها أنا هنا
فلثرى بحارها وللطيور عشها أنا القدس(1)
إذ قام الشاعر بتحوير هذا الاستدعاء، معطيا له دلالات جديدة بطاقات خلاقة فهو في الخلق قد جاء للثرى ( زمن الخلق في التوراة) وفي هذا الثرى يهزُّ نخيلها ( من القرآن الكريم)، وهو في هذا الاهتزاز، يرجع الصباح الى الحضور الفلسطيني، ولأرضه البحار، ولعشه الطيور، وهو يسرج هذا المكان ( القدس) على دمه. مؤكدا ان الشاعر هنا على هذه الأرض، وأنه هو القدس.
في قصيدة " فيا الهي أعطنا المطر" ، يقول الشاعر:-
أسيد السماء، تلوذ في بشارة الخبر
قد بسطت دمعتي وألف صيحة الى السماء
على يدي يعطش التراب في همومها
وفي العيون الف صرخة ويظلم القمر.(1)
هنا يستدعي الشاعر صلاة في التوراة تقول" بسطت لك يدي كأرض يابسة".فيقلب اليد الى الدمعة، واليبس الى عطش التراب، ويدخلهما في نسيج شعري، فيه العيون تصرخ، وتلوذ في بشارة الخبر، ويصل الصراخ الى السماء، ومن هموم الظمأ يظلم القمر. فأكسب هذه اللوحة الشعرية في هذا المحور، مستويات شعرية، تبوح بشفافية روح، تخاطب سيد السماء.مع ضرورة الإشارة الى ان الشاعر أيضا في هذه اللوحة الشعرية ، يستدعي أيضا الصلاة الربانية في الدين المسيحي تقول ( أبانا الذي في السموات....). والشاعر هنا يخاطب الله قائلا أسيد السماء).
كما يستدعي الشاعر نداء " وامعتصماه" من التاريخ العربي الإسلامي. هذا النداء الذي استغاثت به المرأة العربية، كي يخلصها " المعتصم بالله" فاستجاب لندائها، حيث تداخل هذا الاستدعاء في النص الشعري وذاب داخله من خلال التحوير الذي أحدثه الشاعر، دون ان يترك ظلالا له.
ونستطيع القول ان هذا الاستدعاء أيضا جاء من الخطاب الشعري " لعمر أبو ريشة" في قصيدته التي يقول فيها:
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم.... لامست إسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
وفي قصيدة " حرق الملاك" الى روح الشهيد علي دوابشة هنا يستدعي الشاعر نشيد السلام من الديانة المسيحية( المجد لله في السماء وعلى الأرض السلام)،فجعل من هذا السلام الذي صحى عليه الطفل علي، هو طريقه وسلام روحه. يقول الشاعر:-
على همس السماء صحا
فأعطاه الإله سلامه بين المُقل(1)
ولكن السماء تصيح غضبا من حرقه بين جفون الطفل علي وروحه.
وهكذا نرى جمالية هذه القصيدة من خلال تداخل واستدعاء نصوص قرآنية ومسيحية واستحضار تاريخي شعري تتلاحم في تداخلها وترتقي أعلى درجات التناص.
الخاتمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده,فقد جاء البحث بعنوان "دراسة موضوعية لديوان حيفا في يديها سراج أمي"
تحدثت فيه عن الصور الفنية وتوضيح الديوان من عدة جهات حيث بدأت بحياته في أكثر من محور قد شملت حياته بشكل عام ومفصل ثم انتقلت الى الدلالة الشعرية وأبرز الموضوعات التي تناولها الديوان وذكرت بعض الأمثلة على كل موضوع ثم انتقلت الى المحور الأخير وذكرت فيه توضيحا للعلاقة بين العنوان وصورة الغلاف والمضمون كذلك وتحدثت قليلا عن الصور الفنية والتناص في الديوان.
ولقد توصلت من خلال هذا البحث الى عدة نتائج منها:
أولا:التزام الشاعر والناقد جمال سلسع بقضيته فلسطين فصور الشاعر القضية خير التصوير.
ثانيا:صور الشاعر الواقع العربي الفلسطيني بعدة صور.
ثالثا:استخدم الكاتب الصورة الاستعارية والتشبيهية بشكل واضح في الديوان.
رابعا:استعمال الشاعر للتناص في ديوانه.







ثبت المراجع:
1. ابن منظور,محمد ابن مكرم:لسان العرب. دار صادر – بيروت,2003.

2. أبو هلال العسكري:كتاب الصناعتين الكتابة والشعر,1952. ط1
3. أحمد ناهم,التناص في شعر الرواد.سلسة رسائل جامعية بغداد,ص 91.

4. الأسدي,عبد الجبار:مجلة الروافد,مارس2000م,ص10.

5. الرباعي,عبد القادر:الصورة الفنية في الشعر أبي تمام ص210.

6. الرباعي,عبد القادر:الصورة الفنية في النقد الأدبي,دراسة في النظرية والتطبيق,دار العلوم.الرياض.,1984.ص85.

7. الزمخشري, محمد بن عمر: أساس البلاغة.دار صادر,بيروت,1992,ص139.
8. باختين, ميخائيل:الخطاب الروائي,ت:محمد برادة,دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع-القاهرة, باريس. ط1, 1987, ص53-54.

9. رائد وليد جرادات,الصور الشعرية.قسم اللغة العربية وآدابها-جامعة الطفيلة التقنية,الأردن-مجلة دمشق-المجلد 29,العدد1-2 ص 522.

10. ريكورت,بول:النص والتأويل.مجلة العرب والفكر العالمي,1998.ص37.

11. عاشور, محمد الطاهر :تفسير التحرير والتنوير.الدار التونسية للنشر,1984-ج22,ص164-148.

12. عبد القاهر الجرجاني:دلائل الإعجاز,تحقيق د.محمد رضوان الداية د.فائز الدايتي.مكتبة سعد الدين ط2 ,دمشق 1965 ص95.

13. عتيق,عمر عبد الهادي:مرايا نقدية في الشعر الفلسطيني.دار أسامة للنشر والتوزيع الاردن.2014.

14. علي بن أبي طالب,د.طالب محمد إسماعيل: مقدمة لدراسة علم الدلالة, كنوز المعرفة .الأردن.ط1, 2011,ص18 .

15. سلسع,جمال:حيفا في يديها سراج أمي.ط1,مكتبة كل شيء,حيفا,2017,ص 370.

16. سلسع,جمال:رسائل تخترق الحدود. ط1,الأندلس مدريد 1990, ص3.

17. سلسع,جمال:رضعنا المجد دينا-أدب المعتقلات,دار الأندلس مدريد 1991.

18. سلسع,جمال:رواية دمعة فوق أبجدية بيت لحم.

19. سلسع,جمال: لقاء مع جمال سلسع.مجلة الأدب والأدباء في الأردن 13- آذار 2017.

20. كريستيفا,جوليا:علم النص.ت:مزيد الزاهي,مراجعة عبد الجليل ناظم,دار تويفال للنشر-المغرب ط1. 1991.

21. لوشن,نور الهدى254س:علم الدلالة, دراسة وتطبيقا- منشورات جامعة فاريونس .بنغازي ط1, 1995 ص 27-28.
22. هلال,محمد غنيمي, دراسات ونماذج في مذهب الشعر ونقده,دار النهضة-مصر للطبع القاهرة د.ت ص 60.

23. مجلة الأدب العربي,3اغسطس 2014.

24. مجمع اللغة العربية:المعجم الوسيط.مكتبة الشروق الدولية-مصر,ط1, 1960.

25. ملحق الخليج الثقافي,التناص في الشعر العربي الحديث.,د.رشا ناصر العلي-تاريخ النشر 12-3-2011.

26. موسوعة ويكيبيديا,الموسوعة الحرة- جمال سلسع.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,000,967,717
- التشكيل الأسلوبي في قصيدة - رفقا بالنساء-
- الشاعر راشد حسين قامة عالية لم ترتق إليها أقلام النقاد
- رؤية نقدية في قصائد الشاعرة عائدة الخطيب
- العناقيد الدلالية بين العنوان ومضمون القصيدة في ديوان -هنا و ...
- ظواهر أسلوبية في مجموعة -مرآة وصور-
- وهج السرد في مجموعة خطأ مطبعي للقاصة إسراء كلش
- ثنائية الصمود والهروب في قصة - ورقة من غزة - لغسان كنفاني
- إشراقات فنية في ديوان الأخوين الشهيدين باسم وحسين لوالدهما ا ...
- تأملات نقدية في نصوص الأديبة سحر أبو ليل
- تأملات نقدية في قصائد سامح يوسف
- قصة قصيرة ( ولم لا ؟ ) بقلم : ضحى عمر عتيق
- قراءة في قصائد للشاعر عصام الديك
- وهج الحقيقة في كتاب ( هواجس أسير ) للكاتب الأسير كفاح طافش
- لمسات فنية في قصائد للشاعر جميل رفيق
- التعالق بين العنوان والقصيدة في ديوان ( دموع الحبق ) للشاعرة ...
- الترجمة والعولمة في سياق التواصل الثقافي
- ومضات نقدية في إبداع غسان كنفاني
- لمسات فنية في مجموعة ( فراشة الحواس ) للأديبة آمال غزال
- تقنيات أسلوبية في قصيدة (بيان الطفل الفلسطيني الثائر ) للشاع ...
- عرش النار


المزيد.....




- الرباح: أهم تحدي للحزب هو ضمان قيادة المشروع الإصلاحي
- صدر حديثا كتاب -بطولة الأورطة المصرية في حرب المكسيك- تأليف ...
- آبل توفر مسلسلات وأفلاما مجانية لمستخدميها
- الثقافة المصرية تحتفل بـ 60 عاما من التنوير
- للأسبوع الثاني على التوالي… تعرف على الفيلم الذي يتصدر إيراد ...
- ابن كيران: الطالبي العلمي قليل الحياء وعيوش وضيع وبنشماش ماك ...
- بتلر يلغي زيارته بسبب خاشقجي والسعودية تعلل بظروف عائلية
- تامر حسني ممنوع من الغناء وجمهوره قلق
- العثماني يرضخ للضغوط والحزب يرشح الشيخي منافسا لبنشماس
- وفاة الممثل القطري عبد العزيز الجاسم وفي رصيده أكثر من 100 ع ...


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر عتيق - دراسة موضوعية فنية في ديوان حيفا في يديها سراج أمِّي للشاعر جمال سلسع