أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد الغني سلامه - إعدام ميت















المزيد.....

إعدام ميت


عبد الغني سلامه
(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 6019 - 2018 / 10 / 10 - 13:40
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هذه ليست قصة الفيلم العربي الشهير "إعدام ميت"، للفنان الراحل نور الشريف؛ هذه قصة حقيقية جرت في كانون الثاني، 2012، في مدينة النجف جنوب العراق، حيث أقيمت محكمة كاملة الأركان، كلّفت خزينة الدولة العراقية 56 مليون دينار.. كان المتهم الأول فيها الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (ت 743 م)، والتهمة قتل "زيد بن علي بن الحسين"؛ جرت وقائع المحاكمة في مقر نقابة المحامين العراقيين، أمام جمهور عريض، وحضرها قضاة المحاكم العراقية الرسمية، ومحامون عن المتهمين عينتهم المحكمة، بعد أن طلبت من نقابة المحامين فرع الأنبار انتداب محامي للدفاع عن المتهم، إلا أن محامي الأنبار رفضوا الاستجابة، ربما خوفا من ردة الفعل الشعبية الغاضبة، في حال تجرأ أحد على الدفاع عن المتهم، أو لقناعتهم أنها محكمة مهزلة.

المهم، بعد أن انتهت مرافعات الدفاع، تمَّ الحُكم على الخليفة الأموي، بالإعدام شنقًا حتى الموت؛ أي بعد 1313 عامًا من ارتكاب جريمته المزعومة.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها الحكم بالإعدام على ميت؛ ففي العام 897م تمت محاكمة الهيكل العظمي للبابا فورموسوس، في روما، وحينها قاموا بنبش قبر البابا السابق، واستخراج ما تبقى من هيكله العظمي، ثم أجلسوه على كرسي، وألبسوه الزي البابوي، ليبدأ البابا "ستيفن السادس" بتوجيه الاتهامات للميت، والتهمة إثارة الجدل ضد البابوية. ثم أخذ يكيل الشتائم ويصب اللعنات عليه.. ولكن، وحتى تكون المحاكمة عادلة، تم السماح للجثة بالدفاع عن نفسها، وذلك من خلال شاب من شماسين الكنيسة، الذي عجز عن الكلام.. وفي نهاية المحكمة تم تجريد الهيكل العظمي من الزيّ البابوي، وإبطال كل القرارات التي كان قد اتخذها فورموسوس في حياته، كما تم قطع ثلاثة من أصابعه، ثم حُكم عليه بالإعدام، وأمرت المحكمة بدفنه بقطعة أرضٍ مجهولة، ويُقال إن قبره تم نبشه مرةً ثانية، وقذفت عظامه في النهر.

تبدو مثل هذه القصص أقرب للخيال، بيد أنها حصلت بالفعل؛ وإذا كانت محاكمة جثة البابا فورموسوس قد جرت في القرن التاسع الميلادي، أي في عصور الظلام، وأصبحت مجرد ذكرى بائسة؛ فإن محاكمة هشام بن عبد الملك قد تمت قبل سنوات قليلة، أي في القرن الحادي والعشرين، في عصر الإنترنت..

وإمعانا في المهزلة، وتماشيا مع مسلسل الانحطاط؛ تكرر المشهد تحت قبة البرلمان العراقي قبل شهر واحد.. في جلسة البرلمان يوم (16/9/2018) ببغداد، والتي كان على جدول أعمالها قمع الخليفة العباسي هارون الرشيد، للإمام موسى بن جعفر الكاظم، وكليهما مات في القرن الثاني الهجري. يعني قبل نحو 1200 عام.

في تلك الجلسة تقدم أكبر الأعضاء سناً، والمنتخب عن التَّيار المدني، ونطق بعبارة "بغداد الرَّشيد والمأمون"، على الفور قفز النائب عن حزب «الفضيلة الإسلامي» محتجا وغاضبا على وسم بغداد بهذين الاسمين، الذي رأى فيهما لعنة ووصمة عار في تاريخ العراق.. وثار هرج ومرج في قاعة البرلمان، وتقاتل الطرفان، كل منهم يدافع عن رأيه في الرشيد، أو في الكاظم..

وفي تسجيل مصور، ظهر فيه "معمم شيعي" وهو يقرّع العراقيين على خروجهم في مظاهرات شعبية تحتج على تردي الأوضاع الأمنية، وتدهور الخدمات، وانتشار الفقر والبطالة.. ويتهمهم بخيانة دم الحسين، لأنهم لم يخرجوا في مظاهرة ضد مقتل الإمام الكاظم، ولم يخرجوا في مظاهرة ضد الخلفاء الأموين والعباسيين.. وأنّ نصرة آل البيت أهم وأولى من المطالبة بالماء والكهرباء..

وحتى لا يظن أحدكم أن مظاهر التخلف والغباء هي فقط عند بعض رموز الشيعة، إبحث في الإنترنت، وستجد عشرات الأفلام التي تظهر "علماء"، ورجال دين من "السًـنّة"، وهم يقارعون الشيعة، ويروجون لخرافات وأساطير من كتب التاريخ الصفراء، أو يدافعون عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، والسيدة عائشة.. حيث باتت هذه القضية هي قضية المسلمين المركزية..

وكما كتب صديقي العراقي "رشيد الخيون": "مرت البشرية بعصور تعاقبت بين نور وظلام، وظلم وعدل، فإذا أصبحت السياسة محاكمة للتاريخ، على طريقة ما حدث في البرلمان العراقي مؤخراً، فلتجرد السُّيوف وتوجه الرِّماح وتُشعل النِّيران.. الشِّيعة يرفعون الثَّأر مِن الأمويين والعباسيين، والسُّنَّة ينادون بالثَّأر مِن الفاطميين والصَّفويين.. إنها حروب بالنيابة عن الأموات".

تعالوا نعيش في كهوف التاريخ، ولتأخذ كل طائفة حصتها من الثأر.. لننتقم من مقتل الحسين، ولنصبّ اللعنات على يزيد.. ولنثأر للسيدة عائشة، ولننتصر للصدّيق، ولنعد تنصيب الإمام علي خليفةً أول، ولنُخرِج الأشتر من جوف الحمار الذي دفن فيه، لنعيد دفنه بطريقة لائقة.. ولماذا نحاكم هشام وحده، ونترك معاوية، والسفاح، والأمين!!

لنهدم تمثال المنصور، لأنه نكّل بآل البيت، ولنحطّم تمثال المعري، لأنه كان زنديقا، ولنغلق شارع أبو نواس، لأنه روج للخمر، أو لنحرق بغداد كلها، لأنها وصلت أوج مجدها في زمن الرَّشيد والمأمون! ولنستدعي كل فرق الدفاع المدني في العالم للبحث عن المهدي، بدلا من الجلوس والانتظار!

ولنترك هذا الغرب (الكافر) متلهيا ومشغولا باختراعاته واكتشافاته.. أما نحن، فأمامنا معارك أهم، ومناظرات فكرية أولى من هموم عالم ما بعد الحداثة..

منذ ألف سنة وأزيد، وأحوالنا تسير من سيئ إلى أسوأ، مسلسل من التدهور والسقوط، وكلما وصلنا القاع، نكتشف قيعان أعمق، فنهبط إليها فرحين!!

ربما يظن البعض أن القيادات السياسية، والنواب، وأصحاب العمائم، هم وحدهم المسؤولون عن تخلفنا وضياعنا، حتى صرنا أضحوكة العالم.. وهذا ليس صحيحا، هذا تهرب من المسؤولية، الذي انتخب هؤلاء النواب، والذي صفّق لهؤلاء القضاة، والذي يجلس في الجامع، يستمع للخطيب وهو يلعن النصارى واليهود والشيعة.. والذي يفزع كمن قرصه عقرب، إذا سمع كلمة "شيعي"، أو يتخفز كمن رأى ثعبانا إذا سمع كلمة "سُـنّي".. والذي يصدّق فتاوى إرضاع الكبير، وتحريم خروج المرأة من بيتها ووو.. هو المواطن العادي..

الذي يحرض على الطائفية هو شخص واحد، لكن من يتبعه كالقطيع ألوف مؤلفة..

في زمن "الإستبداد الصدامي" كان "شارع الرشيد" أهم وأجمل شارع في بغداد، كان تحفة فنية تسر الناظرين، اليوم، في زمن العمائم السود والبيض، تحول إلى كومة نفايات ووكر لعصابات المخدرات، ربما لأن اسمه شارع الرشيد.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,994,016
- الأصوليّة الإسلامويّة الجديدة - تأملات في فكر وممارسات قوى ا ...
- الفقر، والانفجارات الشعبية في العراق
- بوح واعترافات شخصية
- وما زال حرق النساء مستمرا
- خزعبلات المشايخ
- الرجل والمرأة، كراهية أم خوف؟
- إيران تخلع الحجاب
- النيوليبرالية الإسرائيلية
- بماذا نؤمن؟ ولماذا؟
- ماذا يحدث في السعودية؟
- الجيل القادم من داعش
- قضية الأمازيغ
- الفيدرالية هي الحل
- يا مسيحيي الشرق، شكرا لكم
- تحصين التخلف
- انتحار جماعي للحيوانات، وللبشر
- المقدمات التاريخية والسياسية لوعد بلفور - دراسة بحثية
- تصفية آثار جهيمان
- لغز الكون الأعظم
- مواقف غير مفهومة للأزهر


المزيد.....




- بين كنيسة قلب لوزة السورية وكاتدرائية نوتردام 600 عام وكثير ...
- وفاة? ?عباسي? ?مدني? ?مؤسس? ?الجبهة? ?الإسلامية? ?للإنقاذ? ? ...
- الإسلاميون في السودان أقرب التيارات إلى المعارضة بعد تنازل ق ...
- عباسي مدني يرحل.. وفاة مؤسس الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظور ...
- أبانوب ضد صموئيل.. جدل حول غياب الحشد المسيحي باستفتاء مصر
- السودان..المجلس العسكري الانتقالي يعتمد يوم الأحد عطلة أسبوع ...
- سالفيني يثير الجدل مجددا في إيطاليا بقرار مراقبة الجالية الم ...
- شقوق الجدران والتوهج الروحي
- وفاة عباسي مدني مؤسس الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية
- شاهد: أب فقد زوجته وطفلته الوحيدة في تفجيرات سريلانكا يروي ت ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد الغني سلامه - إعدام ميت