أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - محمود رجب فتح الله - اثر المخدرات والمسكرات فى المسؤولية الجنائية لمتعاطيها فى القانون العراقي















المزيد.....



اثر المخدرات والمسكرات فى المسؤولية الجنائية لمتعاطيها فى القانون العراقي


محمود رجب فتح الله

الحوار المتمدن-العدد: 6012 - 2018 / 10 / 3 - 00:35
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


اثر المخدرات والمسكرات فى المسؤولية الجنائية لمتعاطيها فى القانون العراقي
د/محمود رجب فتح الله
دكتور القانون الجنائي
المحام امام الجنايات


لاشك أن العالم اليوم يعاني من كثير من المشاكل التي تعصف به وتكاد بعض هذه المشاكل أن تهدم مجتمعات بالكامل . ومما لأريب فيه أن المخدرات هي واحدة من هذه المشاكل التي عانت ولا تزال تعاني منها الكثير من الأمم وعندما نقول معاناة فهي معاناة بقدر ما تحمل هذه الكلمة من معنى لان أضرار المخدرات متعددة لعل أهمها الجانب الصحي والجانب الاجتماعي والجانب الاقتصادي(1) المتمثلة بانتشار مافيا المخدرات وضياع الأموال المبذولة للتداول بالمخدرات وقد أكد الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على الأضرار المترتبة على تناول كل المواد التي تذهب العقل فقال تعالى ( أنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسا" من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون )(2) . فالله سبحانه وتعالى يصف تلك المواد برجس دلالة على مضارها الكثيرة .
ومادمنا نتطرق إلى الإضرار الناجمة عن المخدرات فسوف ينصب الاهتمام على إحدى هذه الأضرار وهي الجرائم التي ترتكب أثناء تناول المخدرات ومدى مسؤولية مرتكب الجريمة أذا كان في حالة تخدير .
أن الدافع للبحث بهذا الموضوع هو أن اغلب البحوث والدراسات تركز على الأضرار الصحية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن المخدرات ولا تذكر الجرائم التي ترتكب أثناء التخدير على الرغم من خطورة هذه الجرائم لأنها تحمل الشخص مرتكب الجريمة المسؤولية كما أن أضرارها لا تقتصر على الشخص الواقع تحت تأثير التخدير وإنما تمتد إلى الغير ( المجنى عليه في الجريمة ) لذلك نحاول في هذا البحث المتواضع أن نبحث الجرائم التي ترتكب من قبل الأشخاص أثناء تناولهم مواد مخدرة وحتى يكون التركيز بشكل واضح أثرنا أن تقتصر الدراسة على التشريع العراقي .
ومن اجل الإحاطة بهذا الموضوع من جميع الجوانب يتم تقسيم البحث إلى مبحثين الأول نتناول فيه مفهوم المخدرات وموقف التشريعات من منها وهذا المبحث بدوره يقسم إلى مطلبين الأول نخصصه لتعريف المواد المخدرة والثاني لموقف التشريعات من المخدرات وهذا المطلب تم تقسيمه إلى فرعيين الأول بحثنا فيه الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمخدرات والثاني خصصناه للتشريعات الداخلية . أما المبحث الثاني فنكرسه للمسؤولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة أثناء التخدير وفق توجهات قانون العقوبات العراقي ونختم البحث بخاتمة تتضمن أهم الاستنتاجات والتوصيات .



المبحث الأول
مفهوم المخدرات وموقف التشريعات منها
نتناول في هذا المبحث تعريف المخدرات وموقف التشريعات منها وذلك في مطلبين وعلى النحو الأتي :

المطلب الأول
تعريف المخدرات
عند الاطلاع على قانون المخدرات العراقي وقانون العقوبات العراقي نجد أن المشرع في القانونين لم يعرف المواد المخدرة .وحسنا" فعل المشرع العرقي عندما امتنع عن وضع تعريف للمخدرات وذلك لسببين : الأول أن التعريف مهما كان دقيق لا يستطيع أن يشمل كل ما هو مخدر أي أن التعريف لا يمكن أن يكون جامع ومانع . ومن ناحية أخرى فان أيراد تعريف للمخدرات في صلب القانون يودي إلى عدم مواكبة التطور الحاصل بالمجتمع إذ قد تستجد بعض المواد التي تودي إلى التخدير غير منصوص عليها في التعريف الذي أورده المشرع (3).
ولكن ما تقدم لا يعني أن موقف المشرع العراقي سليم من كل الجوانب. فعند اطلاعنا على قانون المخدرات العراقي رقم (68 ) لسنة 1965 لوجدنا أن اغلب مواد هذا القانون تشير إلى تسميات معينة للمواد المخدرة على سبيل المثال ما تذكره المادة الأولى من القانون وهي تعرف بعض المصطلحات حيث تذكر عدد من الكلمات منها ( القنب ،رانتيج القنب ، جنبة الكوكة ،ورقة الكوكة )
وكان الأجدر بالمشرع العراقي عدم ذكره التسميات وإنما يكتفي بذكر كلمات عامة لان هذه الكلمات قد تختلف باختلاف اللهجات بين المدن أو بين العراق ومرتكب جرائم المخدرات إذا كان من الخارج . وهذا التعداد للمواد المخدرة في القانون لم يكن شان المشرع العراقي وحده وإنما توجد بعض التشريعات تسلك الطريق ذاته بل تبالغ في التعداد مثال على ذلك قانون المخدرات اللبناني رقم 673 لسنة 1998والمعدل بموجب القانون رقم 318 لسنة 2001 . حيث تنص المادة الأولى منه على تعريف المواد المخدرة بأنها كل ما يتعلق بالتخدير بالمعنى الواسع المؤثرات العقلية والسلائف وقد صنفت المخدرات إلى ثلاثة جداول ويذكر في كل جدول عدد من المواد المخدرة وعندما يدرك ان هذه المواد لا تجعل من التعريف شامل يختم كل فقرة بكلمة وغيرها(4) .
وثمة تساؤل يثار هو أذا كانت هناك مواد غير التي ذكرها المشرع اللبناني فلماذا أورد تعريفا" يتضمن ثلاثة جداول ؟
وبناء على ما تقدم نرى من الأفضل ابتعاد التشريعات عن أيراد تعريف للمخدرات في صلب القانون يتضمن تسمية المواد وإنما الأقرب للواقع هو أيراد تعريف يذكر فيه الصفات التي تشترك بها المواد المخدرة دون ذكر تسمياتها . وهذا ما ذهب إليه جانب من الفقه عندما عرف المواد المخدرة بأنها تلك المواد التي يودي تعاطيها إلى فقد الوعي للتخدير الذي يحدثه او هو كل مادة ينتج عن تعاطيها فقدان جزئي او كلي للادراك بصفة مؤقتة وتحدث فتورا في الجسم وتجعل الانسان يعيش في خيال واهم فترة وقوعه تحت تأثيرها او حسب المفهوم الطبي لها بأنها كل مادة مخدرة تؤثر على الجهاز العصبي بدرجة تضعف وظيفته او تفقدها بصفة مؤقتة (5)،وهناك من عرفها بعد ان اورد جملة من التعريفات تختلف في صياغتها ولكن متحدة في هدفها وهو محاولة تحديد العقاقير المخدرة ويرى انها مواد طبيعية أو تخليقية (صناعية)يستخدم العديد منها في الاغراض الطبية والعلمية وعندما يساء استخدامها تحدث اضرارا بالصحة العامة للانسان وحصرتها الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية للرقابة على المخدرات في قوائم قابلة للتعديل لتيسر الرقابة عليها ومواجهة تطورها المستمر حماية للبشرية من اخطارها المدمرة(6).

المطلب الثاني
موقف التشريعات من المخدرات
أن التشريعات تنقسم في أطار مكافحة المخدرات إلى قسمين وهما الاتفاقيات الدولية والتشريعات الداخلية وسيتم بحتهما في فرعيين وعلى النحو الأتي :

الفرع الأول
الاتفاقيات الدولية(7)
عقدت الكثير من الاتفاقيات الدولية من اجل مكافحة المخدرات ونذكر أهمها حسب صدورها من الناحية التاريخية :
1 – اتفاقية شانغهاى في الصين عام 1909 برعاية الولايات المتحدة الأمريكية .
2 – اتفاقية جنيف عام 1925 تضمنت تعهد الدول الموقعة يوضع عقوبات وملاحقة تجار المخدرات .
3 - اتفاقية جنيف عام 1931 لتشجيع تبادل المعلومات بواسطة الأمين العام لعصبة الأمم ( في ذلك الوقت ) حول مشكلة المخدرات وجرائمها
4 – اتفاقية جنيف عام 1936 لتحديد جرائم المخدرات وتشديد عقوباتها .
5 – اتفاقية نيويورك عام 1961 تضمنت الأفعال التي يجب معاقبتها في التشريعات الوطنية وانشأت جهازا" خاصا" لمراقبة مشاكل وجرائم المخدرات والاتصال باللجنة الخاصة بالمخدرات التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي المنبثق عن الجمعية العامة للأمم المتحدة .
6 – اتفاقية المؤثرات العقلية عام 1971 واتفاقية لاهاي عام 1972 بشان التعاون الدولي للحد من المخدرات وإنتاجها ومعاقبة المتورطين بشدة وحصر استعمالها بأشخاص معينين .
7 – اتفاقية فينا عام 1988 لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف .
8 – كما صدر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة القرار رقم 179/ 45 بتاريخ 21/ 12/1990 يتعلق بوضع برنامج لضبط أنتاج المواد المخدرة .
من خلال ما تقدم يتضح أن هناك الكثير من الاتفاقيات الدولية التي عقدت وكان هدفها مكافحة المخدرات وهذا يعني أن مشكلة المخدرات لم تقتصر على المعالجة في التشريعات الداخلية كما يتضح لنا أن المعالجة الدولية للمخدرات لم تكن حديثة النشأة وإنما بدأت مع بداية القرن الماضي .

الفرع الثاني
التشريعات الداخلية
تقتصر دراستنا في التشريعات الداخلية على القانون العراقي . وعند الاطلاع على قانون المخدرات العراقي النافذ نجد أن المادة (14 ) منه تنص على تحديد عقوبة التعامل بالمواد المخدرة . حيث جاء فيها ( الفقرة – ب – يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد وبمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة من ارتكب بغير إجازة من السلطات المختصة فعلا" مما يأتي :
1 – استورد أو صدر أو جلب بأي صور من الصور المخدرات المذكورة في المادة الثالثة من هذا القانون أو أنتجها أو صنعها بقصد الاتجار بها أو باعها أو سلمها للغير أو تنازل له عنها بأية صفة كانت ولو كان ذلك بغير مقابل أو توسط في أية عملية من هذه العمليات .
2 – حيازة المخدرات المذكورة في المادة الثالثة من هذا القانون او أحرزها او شراؤها أو تسليمها بأية صفة كانت بقصد الاتجار بها .
3 – زراعة نبات القنب وخشخاش الافيون والقات وجنبة الكوكا ونقل نبات من هذه النباتات في أي طور من أطور نموها هي وبذورها وكان ذلك بقصد الاتجار .
الفقرة –ج – وتكون العقوبة الإعدام أذا عاد المتهم إلى ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفقرة ( ب -1 ) من هذه المادة بعد أن سبق الحكم عليه في جريمة عنها .
الفقرة –د – تكون العقوبة الإعدام أو السجن المؤبد وبغرامة لا تتجاوز عشرة الآلاف دينار ولا تقل عن ثلاثة الآلاف دينار :
1 – أذا كان المتهم قد ترأس جماعة لارتكاب إحدى الأفعال الواردة في الفقرة (ب – 1و2و3 ) من هذه المادة .
2 – أذا كان المتهم من الموظفين العاملين في الكمارك أو الموظفين المناطة بهم مكافحة المخدرات .
3 – أذا كان المتهم من منتسبي القوات المسلحة العراقية أو مستخدما" فيها أو كان يعمل معها أو لمصلحتها )

وينص البند ( ثانيا ") من هذه المادة على أن العقوبة تكون السجن لمدة لا تزيد عن خمسة عشر سنة أو الحبس لمدة لا تقل عن ثلاثة سنوات وغرامة لا تزيد عن ألاف دينار ولا تقل عن خمسة دينار كل من زراعة مادة مخدرة من اجل الاستعمال الشخصي وتكون العقوبة السجن المؤبد أو السجن لمدة لا تقل عن عشرة سنوا ت مع الغرامة أذا كان من يقوم بذلك هو احد منتسبي القوات المسلحة العراقية . وتكون العقوبة الإعدام أذا كان التعاطي أثناء مواجهة العدو .
وفرض البند ( ثالثا" ) عقوبة الحبس أو الغرامة على كل من سمح لأحد بتعاطي المخدرات في مكان عائد له أو كان حاضر في مكان لتناول المخدرات مع علمه بذلك باستثناء زوج المتعاطي وأصوله وفروعه وأزواجهم .وكذلك على من أغوى قاصر على تناول المواد المخدرة .
من خلال ما تقدم يمكن أن نورد الملاحظات الآتية على موقف المشرع العراقي :
1 – أن المشرع العراقي أكثر في تعداد أوجه التعامل بالمخدرات وكان هذا التعداد غير مبرر وهذا ما نستدل عليه من المادة ذاتها التي تشير في نهاية كل فقرة ( 1،2،3 ) إلى عبارة ( بأية صفة أذا توفر قصد الاتجار بالمواد المخدرة ) فعندما يذكر المشرع عبارة (بآية صفة) يعني انه أراد شمول صور أخرى غير المكورة لذلك كان الأجدر بالمشرع العراقي أن يذكر عبارة (كل تعامل بالمواد المخدرة بقصد الاتجار سواء قام الشخص بذلك بصفته فاعلا" أو شريكا" ) بدلا" من تعداد ثلاث فقرات .
2 – أن المشرع العراقي يشدد العقوبة أذا كان الشخص يترأس عصابة للاتجار بالمخدرات وهذا موقف جيد باعتبار أن التعدد داخل العصابات يجعل المسالة أكثر خطورة ولكن كان الأجدر بالمشرع العراقي أن يشدد العقوبة حتى على أعضاء العصابات وليس على رؤسائها فقط لان الخطورة نابعة من العمل الجماعي بل قد يكون عمل أعضاء العصابات الخاصة بالمخدرات أكثر خطر من رؤسائهم .
3 – كذلك يشدد المشرع العراقي العقوبة أذا وقعت أعمال المتاجرة من احد منتسبي القوات المسلحة أو المستخدمين فيها وكان الأجدر بالمشرع العراقي أن يقصر التشديد فيما لو كان العمل أثناء الواجب العسكري أو أن العسكري استغل منصبه أو مكانته للقيام بهذا العمل .
4 – جعل المشرع العراقي العقوبة تتراوح بين السجن لمدة خمسة عشر سنة أو الحبس لمدة لا تقل عن ثلاثة سنوات بالنسبة للشخص الذي يزرع المواد المخدرة لغرض الاستعمال الشخصي وهذا المجال في النص يمنح للقاضي سلطة تقديرية واسعة قد يساء استعمالها في بعض الأحيان .

المبحث الثاني
المسؤولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة أثناء التخدير

نصت المادة (60) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 على الأتي ( لا يسال جزائيا" من كان وقت ارتكاب الجريمة فاقد الإدراك أو الإرادة بسبب تناوله مواد مسكرة أو مخدرة أعطيت له قسرا" عنه أو بغير علما" بها .....)
ونصت المادة (61 ) من القانون ذاته على ( أذا كان فقد الإدراك أو الإرادة ناتجا" عن مواد مسكرة أو مخدرة تناولها المجرم باختياره وعلمه عوقب بالجريمة التي وقعت ولو كانت ذات قصد خاص كما لو كانت وقعت من بغير تخدير أو سكر . فإذا كان قد تناول المخدر أو المسكر عمدا" بغية ارتكاب الجريمة التي وقعت منه عدا ذلك ظرفا" مشددا للعقوبة )
من خلال النصين المتقدمين يتبين لنا أن المشرع العراقي يتعامل مع الشخص الذي يرتكب جريمة وهو في حالة تخدير بثلاثة صور الأولى أذا كان تناوله للمواد المخدرة قسرا عليه أو بغير علم والثانية أذا كان تناوله لهذه المواد بعلم والثالثة إذا كان قد تناولها بغية ارتكاب جريمة ونبحث كل صورة من هذه الصورة في مطلب مستقل وعلى النحو الأتي :
المطلب الأول
تناول المواد المخدرة قسرا" أو بغير علم
اعتبر المشرع العراقي الشخص الذي يرتكب جريمة وهو في حالة تخدير غير مسؤول جزائيا" عنها أذا كان تناوله لهذه المواد بصورة جبرية أو بغير علم كأن يتصور هذه المواد دواء فيتناولها .ومن اجل عدم مسالة الشخص جزائيا" في هذه الحالة لا يكفي كون الشخص مجبور على تناول هذه المواد آو انه لا يعلم بطبيعتها وإنما هناك شرطان آخران هما :
الأول : أن يودي تناول هذه المواد إلى فقد الإدراك والإرادة وذلك لان علة منع المسؤولية الجنائية هي فقد الإدراك والإرادة وعليه أذا تناول الشخص المواد المخدرة قسرا" عليه أو بغير علم وبقى محتفظا" بإدراكه وإرادته يبقى مسوؤل عن الجريمة التي ارتكبها فيما لو ارتكب جريمة بعد تناوله هذه المواد .وحتى تمنع المسؤولية عن الشخص في هذه الحالة يجب أن يكون فقد الإدراك والإرادة بصورة كاملة فإذا كان الفقد جزائيا" لا يمنع من المسؤولية وان كانت مخففة(8) .
أما الشرط الثاني : فهو معاصرة فقد الإدراك والإرادة لارتكاب الجريمة . فلا يكفي لمنع المسؤولية أن يودي التخدير إلى فقد الإدراك والإرادة وإنما يجب أن يكون هذا الفقد معاصرا" لارتكاب الجريمة . وبناء على ذلك يجب أن نحدد وقت ارتكاب الجريمة ثم التحقق من حالة الشخص في هذا الوقت فإذا كان فاقد الإدراك والإرادة تنتفي مسؤوليته
الجنائية وماعدا ذلك يعد مسوؤل جنائيا". وهناك ملاحظة يمكن أن نوردها على المشرع العراقي هي أن المشرع عندما قال بعدم مسالة الشخص في هذه الحالة اقتصر على الجانب الجنائي وهذا يعني إن الشخص يبقى مسوؤل من الناحية المدنية أي ملزم بدفع التعويض . وكان الأجدر بالمشرع العراقي أن يميز بين تناول المواد المخدرة قسرا على الشخص أو بغير علم بها ففي الحالة الأولى (حالة القسر ) إن الأقرب للصواب إعفاءه من المسؤولية الجنائية والمدنية . وتحميل من أرغمه على تناول هذه المواد المسؤوليتين الجنائية والمدنية لان من اجبر على تناول المواد المخدرة كان عبارة عن أداة بيد من اجبره . أما الحالة الثانية ( تناول المخدرات بغير علم ) فالصواب هو ما ذهب إليه المشرع عندما إعفاءه من المسؤولية الجنائية وأبقى عليه المسؤولية المدنية أي ( التعويض ) حتى يتحمل جزء من خطئه وهو التأكد من المواد التي يتناولها ويتم جبر الاضرار الناشئة عن الجريمة المرتكبة .
المطلب الثاني
تناول المواد المخدرة عن علم
تعامل المشرع العراقي مع مرتكب الجريمة المتناول للمواد المخدرة عن علم معاملة الإنسان السوي أي معاملة الإنسان الغير واقع تحت تأثير المخدر .وهنا لابد من الإشارة أن الشخص في هذه الحالة يجب أن يسال عن الجريمة فحسب وإنما يجب أن يسال على تناول المواد المخدرة أيضا والحقيقة أن موقف المشرع العراقي معيب في هذا الصدد سواء في قانون المخدرات أو قانون العقوبات حيث لا توجد نصوص تعاقب على تناول هذه المواد وإنما تكتفي النصوص بالمعاقبة على التجارة بهذه المواد أو زراعتها . وتوجد نصوص أخرى تشير إلى وضع متناولي هذه المواد في مصحات طبية . وكان الأجدر بالمشرع العراقي فرض عقوبات ولاسيما العقوبات المالية لعلها تجدي نفعا" في مجابهة هذه الفئة . وهذه المشكلة يعاني منه حتى الأشخاص العاملين في مكاتب مكافحة المخدرات لذلك يحاول العاملين في هذه المكاتب اللجوء إلى نصوص في بعض القوانين أذا ما تعرض عليهم في مثل هذه الحالة (9).

المطلب الثالث
تناول المواد المخدرة بغية ارتكاب جريمة
في بعض الأحيان يتوجه بعض الأشخاص إلى تناول المواد المخدرة قبل أقدامه على ارتكاب الجريمة التي ينوي ارتكابها وذلك من اجل أن تمنحه هذه المواد اندفاعا نفسيا"
وتنسيه الخوف الذي قد يصيبه ساعة التنفيذ .
لقد تنبه المشرع العراقي إلى هذه الحالة وعدها ظرفا" يستوجب تشديد العقاب ولعل السبب في ذلك حتى يحد من هذا التوجه الموجود لدى بعض الأشخاص .
وعندما نقول ظرف مشدد معنى أن العقوبة المقررة للجريمة تصبح أكثر مما كانت مقررة فيما لو ارتكبت في الحالة الاعتيادية .على سبيل المثال لو أن الجريمة عقوبتها السجن المؤبد فإذا ارتكبها الشخص وهو في الحالة التي نحن بصددها ( تناول مواد مخدرة بغية ارتكاب جريمة ) يجوز للمحكمة إن تحكم بعقوبة الإعدام .
كما أن المشرع العراقي لم يضع عقوبة على المتاجرة بالمواد المسكرة ( الكحول ) على الرغم من أن الخطورة الناتجة عن تناول المواد المسكرة لا تقل كثيرا" عن المواد المخدرة.

الخاتمة
بعد أن انتهينا من كتابة هذا البحث المتواضع لابد من الإشارة إلى الاستنتاجات التي توصلنا إليها وكذلك التوصيات التي نتقدم بها إلى المشرع العراقي أملين الأخذ بها ويكون ذلك قي فقرتين وعلى النحو الأتي :

أولا": الاستنتاجات :
1 – أن مشكلة المخدرات مشكلة عالمية ولم تقتصر معالجتها على التشريعات الداخلية وإنما اهتمت بها الاتفاقيات الدولية . حيث عقدت العديد من الاتفاقيات في هذا المجال .
2 – أن معالجة المخدرات من قبل المشرعين سواء كان ذلك على المستوى الوطني أو الدولي لم يكن حديث النشأة وإنما بدأ إصدار القوانين وعقد الاتفاقيات الخاصة بمكافحة المخدرات منذ زمن بعيد نسبيا" وهذا ما اوضحناه خلال البحث حيث عقدت أول اتفاقية عام 1909 .
3 – أن غلب التشريعات الوطنية بما فيها القانون العراقي ( قانون المخدرات ) قد استخدمت عدة فقرات للإشارة إلى المواد المخدرة .
4 – أن المشرع العراقي عالج الجرائم المرتكبة أثناء التخدير في ثلاثة صور الأولى أذا كان الشخص متناول المواد المخدرة قسرا" عليه أو بغير علم والثانية أذا كان الشخص قد تناول هذه المواد باختياره وعلمه والثالثة أذا كان تناول هذه المواد بغية ارتكاب جريمة ففي الحالة الأولى أعدها مانعا" من المسؤولية الجنائية والثانية اعتبرها جريمة عادية والثالثة عاملها كجريمة عادية مع ظرف مشدد .
5– أن المشرع العراقي لم يفرض عقوبة على متناول المواد المخدرة وإنما يكتفي بفرض العقوبة على زراعة هذه المواد أو المتاجرة فيها .
6 – أن المشرع العراقي يشدد في العقوبة على المتاجرة بالمواد المخدرة ولكن لم يضع عقوبة على المتاجرة بالمواد المسكرة ( الكحول ) على الرغم من أن الخطورة الناتجة عن تناول المواد المسكرة لا تقل بكثير عن المواد المخدرة.

ثانيا" : التوصيات :
1 – نوصي المشرع العراقي برفع التعداد الوارد في قانون المخدرات بشان تعداد الأشياء التي تعد من المخدرات وإنما يكتفي بذكر كل المواد التي من شانها أن تذهب عقل الإنسان .
2 – نقترح على المشرع العراقي فرض عقوبة من يقوم بتناول المواد المخدرة وعدم الاكتفاء بفرض العقوبة على المتاجرة بها أو زراعتها .ونقترح أن تكون العقوبة مالية لعلها تودي إلى سلب الأموال من الشخص الذي يتناول هذه المواد فيكون ذلك حائلا" دون حصوله عليها .
3 – نقترح على المشرع العراقي أن يفرض عقوبة على التعامل بالمواد المسكرة أسوة بالمواد المخدرة وذلك لتشابه هاتين المادتين ( المخدرة والمسكرة )من حيث التأثير على الإنسان .
4 – يعد المشرع العراقي المتاجرة بالمخدرات من قبل العسكري ظرف مشدد بحيث تصل العقوبة إلى الإعدام أو السجن المؤبد ولا نرى هناك ربط بين التشديد وصفة العسكري . فكان الأجدر بالمشرع العراقي أن يشدد العقوبة على العسكري أذا تاجر بهذه المواد أثناء دوامه الرسمي أو استغل صفته لتجارة بهذه المواد .
5 – المشرع العراقي يعفي متناول المواد المخدرة من المسؤولية الجنائية أذا ارتكب جريمة أثناء التخدير متى ما كان تناوله لهذه المواد قصرا" عليه أو بدون علم بها .وهذا يعني أن الشخص في هذه الحالة يبقى مسوؤل من الناحية المدنية عن تعويض الضرر الحاصل . وكان الأجدر بالمشرع العراقي أن يميز بين تناوله المواد المخدرة قسرا"عليه أو بدون علم بها ففي الحالة الأولى يعفيه من المسؤوليتين الجنائية والمدنية ويحمل الشخص الذي اجبره على تناول هذه المواد المسؤولية الجنائية والمدنية لان المجبور على تناول هذه المواد كان مجرد أداة فمن العدل عدم تحميله مسؤولية التعويض .أما في الحالة الثانية وهي تناول المواد المخدرة دون علم فموقف المشرع العراقي موفق حيث حمل الشخص المسؤولية المدنية كنتيجة لقصوره من التأكد من طبيعة المواد التي يتناولها كما لا يوجد شخص أخر يعوض المضرور من الجريمة بعكس الحالة الأولى التي يوجد فيها من يتحمل التعويض (وهو من اجبر الشخص على تناول المواد المخدرة).





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,360,364
- اقتصاديات ثروة المياه فى الوطن العربي ... د/ محمود رجب فتح ا ...
- القتل الرحيم فى القانون المصرى والمقارن ..... د/محمود رجب فت ...
- المخدرات الرقمية ............ د/ محمود رجب فتح الله .....احذ ...
- مشكلة النقص التشريعى قبيل صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المع ...
- المجرم في الجرائم المعلوماتية ودوافعه....................د / ...
- الحماية الجنائية للحقوق الذهنية أو حقوق الابتكار...........د ...
- الادلة في الجرائم المعلوماتية....................... د/ محمو ...
- موقف النظم المقارنة من جرائم تقنية المعلومات...
- الجرائم الجنسية الالكترونية ... د / محمود رجب فتح الله
- صندوق النقد الدولى وسياساته الثعلبية ...... د/ محمود رجب فتح ...
- اليات حماية للطفل .... د / محمود رجب فتح الله
- التسول واثاره الاقتصادية فى المجتمع المصرى ... د / محمود رجب ...
- الملكة القانونية ... ام الملكات الذهنية والفكرية .. ارتقوا ب ...
- ارتفاع معدل الجريمة من قبل من ليس لهم سوابق جنائية د/ محمود ...
- النساء يتحملن الإساءة على الأرجح مع غياب ما يكفي من قوانين ت ...
- المخدرات والمسكرات واثرها على المجتمع ...
- نظرة استطلاعية واقعية لا سياسية الى الوضع الاقتصادي في مصر
- آليات تطبيق القانون الدولى والمسؤولية المترتبة على انتهاكه . ...
- الجريمة الاقتصادية .......................... د/ محمود رجب ف ...
- شرح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وفقا للقانون المصرى ا ...


المزيد.....




- السلمي: تقارير الأمم المتحدة تفيد بنهب الحوثيين للمساعدات ال ...
- السلمي: قرار أمام البرلمان العربي يطالب الأمم المتحدة والجام ...
- عائلات لبنانية في انتظار عودة أبنائها المعتقلين في السجون ال ...
- مصر تعبر عن استنكارها لمطالبة الأمم المتحدة بتحقيق -مستقل- ف ...
- الأمم المتحدة: 71 مليون لاجئ في العالم والدول الفقيرة تستضي ...
- مصر تستنكر مطالبة الأمم المتحدة إجراء تحقيق حول وفاة مرسي
- روسيا وسوريا تتهمان الأمم المتحدة بالتقليل من حجم الكارثة ال ...
- تركيا تشكل آلية لدعم العودة الطوعية للمهاجرين إلى بلدانهم
- وزارة الخارجية ترد على الامم المتحدة بشأن محمد مرسي
- رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين: نركز على إعلان حرية الصحافة وا ...


المزيد.....

- بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - ... / سعيد العليمى
- اللينينية ومسائل القانون - يفجينى ب . باشوكانيس / سعيد العليمى
- السياسة النقدية للعراق بناء الاستقرار الاقتصادي الكلي والحفا ... / مظهر محمد صالح
- مبدأ اللامركزية الإدارية وإلغاء المجالس المحلية للنواحي في ض ... / سالم روضان الموسوي
- القانون والإيدلوجيا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / / محمد رضا
- متطلبات وشروط المحاكمة العادلة في المادة الجنائية / عبد الرحمن بن عمرو
- مفهوم الخيار التشريعي في ضوء قرارات المحكمة الاتحادية العليا ... / سالم روضان الموسوي
- الحقوق الاقتصادية في المغرب / محسن العربي
- الموجز في شرح أحكام قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 / سمير دويكات
- مفاهيم تنفيذ العقود في سورية بين الإدارة ونظرية الأمير ونظري ... / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - محمود رجب فتح الله - اثر المخدرات والمسكرات فى المسؤولية الجنائية لمتعاطيها فى القانون العراقي