أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامى لبيب - فوقوا بقى(1)-الأديان بشرية الفكر والهوى(108)















المزيد.....



فوقوا بقى(1)-الأديان بشرية الفكر والهوى(108)


سامى لبيب

الحوار المتمدن-العدد: 6005 - 2018 / 9 / 26 - 22:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


" فوقوا بقى " هى سلسلة جديدة من كتاباتي تتبع وتدعم سلسلة " الأديان بشرية الفكر والهوى والتهافت " لتعتني بفضح المغالطات والمفاهيم الدينية السائدة , وتبيان لأصولها المجتمعية التاريخية والوثنية البعيدة عن وعى وإدراك المؤمن .
سأتناول فى سلسلة "فوقوا بقى" الكثير من العقائد والمفاهيم السائدة لدى المؤمنين بالإسلام والمسيحية بغية الإنتباه والإستيقاظ والفوقان من الغفلة والوهم , ولندرك خطأ الفهم الديني السائد , ولنثبت أن الأديان بشرية الفكر والهوى والهوية تم إنتاجها من إنسان زمانها وليست رسالات سقطت من السماء كما يتوهمون .
سنبدأ سلسلة "فوقوا بقى" بموضوع الحجاب وخاصة في الإسلام ذلك الوهم والفهم الخاطئ بأنه يعنى العفة والحشمة والفضيلة والأخلاق , كذا القول بأنه فرض إلهي على كل المسلمات البالغات كحكم يتخطى الزمان والمكان .
قبل الولوج في موضوع الحجاب فمن الأهمية بمكان أن أعلن موقفي من الحجاب , فأنا مع الحرية الشخصية في الملبس وهى حرية لا جدال فيها شريطة أن لا يكون هذا الزى تمايزي فوقي ذو صبغة عنصرية تتعالى وتفرق بين البشر , فلا مانع من وجود حالات تمايزية خاصة مُتعارف عليها كتميز العروسة بفستان زفاف أبيض أو زى خاص لكل مجموعة عرقية أو قومية ولكن لا يعنى هذا منع الآخرين من إرتداءه .

* المفهوم المغلوط للحجاب الإسلامى .
- بداية هناك فهم خاطئ بأن الحجاب هو إختراع وإبداع إسلامي أو مسيحي مُتفرد مُتميز , بينما قصة الحجاب قديمة سابقة لتلك الأديان ولم يكن معنياً في أى مرحلة تاريخية بقصة العفة بل التمايز الإجتماعى والطبقى والإثنى فقط .!!
الحجاب عادة قديمة تعاطت معها شعوب كثيرة ولم يعتنى أى موروث ثقافى أو دينى فى تغليف رؤيته للحجاب كوسيلة لدرء المفاتن والحيلولة دون إثارة شهوات الرجل , بل كان المغزى الرئيسى هو خلق حالة من التمايز الإجتماعى والطبقى والإثني , فنجد شرائع آشورية يذكرها لنا جيمس برستيد الباحث فى تاريخ الشرق القديم , بأن شريعة الآشوريين كانت تحتم على نساء الأشراف والأكابر أن يتخمرّنَ ولا يبرزنَ في الأسواق بين الجماهير سافرات بلا نُقُب , ومن هنا نشأت عادة التحجب بين النساء وصار لها أهمية عظيمة في بلاد الشرق منذ القديم وحتى الآن .
من خلال هذا الطرح الذي أورده الدكتور جيمس برستيد وإعتماداً على الشرائع الآشورية التي عثر عليها المنقبون الآثاريون يتبين لنا بأن الآشوريين هم أول من فرض الحجاب على نسائهم وأول من أعتبروا الحجاب فريضة ملزمة على نساء الأشراف والأكابر دون غيرهن من النساء ليدخلوه فى شرائعهم , ولنجد أن الغاية من لبس المرأة النبيلة للحجاب عند الآشوريين القدماء هو لتمييزها عن نساء العامة , ثم إنتقل هذا التقليد من الآشوريين إلى الفرس ليجد طريقه عند العرب وليطبق الإسلام هذه الشريعة بعد أكثر من 2200 سنة من ظهورها في بلاد آشور بنفس المغزى كما سنتعرض له بالتفصيل .

- هناك ميديا هائلة يروجها الخطاب الإسلامى عن الحجاب رمز للعفة والعفاف , وأنه تشريع إلهى يرتقى للفريضة هدفه درء المفاتن والشهوات الذكورية من رؤية شعر المرأة سافراً فهذا ما يتم ترويجه ليصل إلى يقين وإيمان مترسخ فى ذهنية المسلم بحجم المفاسد والشهوات الناتجة من رأس إمرأة مُتبرجة ! .. ولكن هل التراث الإسلامى بما يحمله من نصوص وأحداث ورؤى معنى بقضية العفة تلك ؟!.. التراث الإسلامي جاء واضحاً فى طرحه شأنه شأن أى موروث دينى آخر برؤيته للحجاب كشكل من أشكال التمايز الإجتماعى والإثنى لجماعة بشرية محددة كشرائع آشور القديمة وغيرها من الشرائع التى تعاطت مع أغطية الرأس لخلق هوية إجتماعية خاصة .

- يتم ترويج فهم أن الحجاب فريضة من الله وهنا ليس لدينا توقف شديد بالرغم أن هذا الفهم خاطئ وسنتطرق له , ولكن الإشكالية الكبرى في هذا الفهم الشائع الذي يتم ترويجه بأن الحجاب يعنى العفة والفضيلة والطهارة والأخلاق المتدينة , ليحظى سفور المرأة بالتقبيح والتحقير والدناءة ليصل لتوصيفه بالإباحية والفجور , بينما الحجاب وفقا للإسلام والقرآن لا يعتني على الإطلاق بقصة الفضيلة والعفة كما سنرى .

- نبدأ بالنص الإسلامى الواضح الغير عسير الفهم ولا بأس من تفسيره مع شرح أسباب تنزيله , فالآية القرآنية التى وردت عن حجاب النساء تتعلق بزوجات النبى وحدهن , وتعنى وضع ساتر بينهن وبين المؤمنين أى بمثابة ستارة وليس غطاء للرأس والوجه : ( يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه, ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلك كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لايستحى من الحق وإذا سألتموهن ( أى نساء النبى ) متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهم وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذلكم كان عند الله عظيمًا ) الأحزاب 33 .
هذه الآية تتضمن ثلاثة أحكام:الأول عن تصرف المؤمنين عندما يدعون إلى الطعام عند النبى . والثانى : عن وضع الحجاب بين زوجات النبى والمؤمنين. والثالث: عن عدم زواج المؤمنين بزوجات النبى بعد وفاته .
قيل فى أسباب نزول الحكم الأول من الآية عن تصرف المؤمنين عندما يدعون إلى الطعام عند النبى , فسبب نزول الآية عندما تزوج النبى من " زينب بنت جحش" إمرأة زيد, فدعا الناس, فلما طعموا جلست طوائف منهم يتحدثون فى بيت النبى, و" زينب" مولية وجهها إلى الحائط , فثقلواعلى النبى , ومن ثم نزلت الآية تنصح المؤمنين ألا يدخلوا بيت النبى إذا ما دعوا إلى طعام إلا بعد أن ينضج هذا الطعام, فإذا أكلوا فلينصرفوا دون أن يجلسوا طويلا ًيتحدثون ويتسامرون. تفسير القرطبى .
وقيل فى أسباب نزول الحكم الثانى من الآية والخاص بوضع حجاب بين زوجات النبى والمؤمنين , إن عمر بن الخطاب قال للنبى: " يا رسول الله, إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر, فلو أمرتهن أن يحتجبن ". فنزلت الآية. وقيل إنه إثر ما حدث عند زواج النبى بزينب بنت جحش نزلت الآية بأحكامها الثلاثة تبين للمؤمنين التصرف الصحيح عندما يدعون إلى طعام فى بيت النبى, وتضع الحجاب بين زوجات النبى والمؤمنين, وتنهى عن الزواج بزوجاته بعد وفاته.

- إذن القصد من الآية أن يوضع ستر بين زوجات النبى وبين المؤمنين , بحيث إذا أراد أحد من هؤلاء أن يتحدث مع واحدة من أولئك أو يطلب منها طلباً أن يفعل ذلك وبينهما ساتر فلا يرى أى منهما الآخر, لا وجهه ولا جسده ولا أى شئ منه..هذا الحجاب بمعنى الساتر أو الستارة خاص بزوجات النبى وحدهن, فلا يمتد إلى ما ملكت يمينه من الجوارى ولا إلى بناته, ولا إلى باقي المؤمنات, ومن هنا نلاحظ أن هذه الآية تورد كلمة الحجاب بغير المعنى المتعارف عليه كغطاء للرأس , فالآية تعنى بوجود ساتر أو حاجز بين المؤمنين ونساء النبي , كما نلاحظ هنا خصوصية التحديد بنساء النبي .

- يبدو أن عمر بن الخطاب له تأثير كبير فى تشكيل النص أو إخراجه أو إلهام النبي به , فسبب نزول الآية السابقة جاءت بإيعاز من الفاروق عمر فيحدثنا ‏‏مسدد ‏عن ‏‏يحيى بن سعيد ‏عن ‏‏حميد ‏عن ‏‏أنس ‏قال : قال ‏‏عمر ‏‏وافقت الله في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت مقام ‏إبراهيم ‏مصلى , وقلت يا رسول الله يدخل عليك ‏‏البر ‏‏والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله ‏ ‏آية الحجاب ‏, و‏قال بلغني معاتبة النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏بعض نسائه فدخلت عليهن قلت إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله ‏صلى الله عليه وسلم ‏خيرا منكن حتى أتيت إحدى نسائه قالت يا عمر ‏أما في رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت فأنزل الله عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات -صحيح البخاري .. كتاب تفسير القرآن .
إذن لعمر بن الخطاب تأثير واضح في صياغة وكتابة القرآن فهو المفتخر بأن آية الحجاب جاءت بعد توصياته وإشاراته وقوله : " يا رسول الله, إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر, فلوأمرتهن أن يحتجبن ". فنزلت الآية , كذا فى حديث رواه البخارى ومسلم عن عائشة قالت : كانت أزواج النبي " ص " يخرجن ليلا الى قبل المصانع ، فخرجت سودة بنت زمعة فرآها عمر وهو في المجلس ، فقال : عرفتك يا سودة ، وفى رواية : فنزل الحجاب عقيب ذلك . رواه مسلم في صحيحه : 4 / 1709 كتاب السلام ، والبخاري في صحيحه 7 / 129.
الواضح من سياق الآية السالفة والحديث السابق أن القصد الحقيقى منهما هو وضع فارق أو علامة تمايزية واضحة بين المؤمنين والمؤمنات , وغير المؤمنين وغير المؤمنات , ومعنى ذلك أن الحكم فى كل أمر حكم وقتى يتعلق بالعصر الذى أريد فيه وضع التمييز وليس حكمًا مؤبدًا .

- لنا فى آية الجلابيب بَيان أوفى فهي أكثر وضوحا وتبيانا ونصها: ( يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن جلاليبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يُؤذين ) سورةالأحزاب 33.
سبب نزول هذه الآية أن عادة العربيات وقت التنزيل كانت التبذل, فكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء (الجوارى) , وإذ كن يتبرزن فى الصحراء قبل إستحداث الكُنف (دورات المياه) فى البيوت , ومن هنا كان بعض الفجار من الرجال يتعرضون للمؤمنات على مظنة أنهن من الجوارى أو من غير العفيفات , وقد شكون ذلك للنبى ومن ثم نزلت الآية لتضع فارقاً وتمييزاً بين الحرائر من المؤمنات وبين الإماء وغير العفيفات بإدناء المؤمنات لجلابيبهن , حتى يُعرفن فلا يؤذين بالقول من فاجر يتتبع النساء دون أن يستطيع التمييز بين الحرة والجارية أو غير العفيفة. أنظر لكل كتب التفسيرات وأسباب التنزيل . إذن الحكم فى هذه الآية أو القصد من إدناء الجلابيب أن تعرف الحرائر من الإماء والعفيفات من غير العفيفات , حتى لا يختلط الأمر بينهن ويُعرَفن , فلا تتعرض الحرائر للإيذاء وتنقطع الأطماع عنهن .

- مما سبق يتضح أن تشريع الحجاب جاء لنساء النبى حصراً وعندما تم تعميمه على نساء المؤمنين قصد به إيجاد حالة متميزة للمسلمات عند الخروج للتبرز فى العراء" فيُعرفن فلا يُؤذين" فليس المقصود تلك الهالات التى ترسم العفة والفضيلة والحشمة والأخلاق القويمة للمحجبة , والدليل على ذلك مشهدين أحدهما عن عمر بن الخطاب الذى كان يضرب الأماء اللاتى تتحجبن , والدليل على ذلك أن عمربن الخطاب كان إذا رأى أمة قد تقنعت أو أدنت جلبابها عليها, ضربها بالدرة محافظة على زى الحرائر وهذا تجده فى الكثير من الأحاديث الصحيحة وفى كتاب ابن تيمية ـ حجاب المرأة ولباسها فى الصلاة .
المشهد الثانى هوالتعامل الفاجر للمجتمع الإسلامى الوليد مع الأماء , فالأمور لم تكتفى بإجبارهن على كشف الوجه والشعر بل تعرية نهودهن وأفخادهن فى سوق الجواري بل معاينتها و ملامستها!! , فلا يوجد فى قاموس الفكر الإسلامى مفاهيم الحشمة والعفة والتعفف ودرء الشهوات ليأتى الحجاب فى الإسلام غير متضمناً فى مفهومه ومغزاه إلا خلق حلة تمايزية للمسلمات حتى ُيُعرفن فلا يتعرضن للتحرش والأذى .

- إذا كانت القاعدة حسب علم أصول الفقه أن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً , فإن وُجِد الحكم وُجِدَت العلة , وإذا انتفت العلة انتفى أى رُفِع الحكم , فإذا كانت القاعدة كذلك , فإن علة الحكم المذكور فى الآية وهى التمييز بين الحرائر والإماء , قد إنتفت لعدم وجود إماء وجوارى فى العصر الحالى , وإنتفاء ضرورة قيام تمييز بينهما, بعدم خروج المؤمنات إلى الخلاء للتبرز وإيذاء الرجال لهن , ونتيجة لإنتفاء علة الحكم فإن الحكم نفسه ينتفى أى يرتفع فلا يكون واجب التطبيق شرعاً .

- بعد إنتفاء الظرف الخالق للحجاب الذى يتمثل فى التمايز بين الحرائر والإماء والذى لم يعد موجوداً فهكذا صار الحجاب ليس له معنى , فمفهوم الحجاب هو مفهوم وقتى ذو صبغة عنصرية فوقية يعتنى بالتمييز بين الحرائر والأماء فى حالة التبرز بالعراء , وطالما أنه لم يعد هناك أماء وجوارى فى مجتمعاتنا تستدعى التمييز والتمايز فلا معنى ولا جدوى من الحجاب , كذا وجود حمامات ودورات مياة خاصة لن تطلب خروج النساء لقضاء حاجتهن فى العراء فلا داعى لغطاء يعلن أن تلك المرأة حرة مسلمة فلا تقترب منها , بالرغم أن المتحرشين المسلمين فى عصرنا لا يتركون مسلمة مُحجبة أو مُنقبة دون أن يتحرشوا بها .

- يمكن ملاحظة شئ جدير بالإهتمام أن مجمل الحركات والتيارات الإسلامية معنية بصورة أساسية فى خطابها بالترويج لحجاب ونقاب المرأة بالرغم من إنتفاء أسبابه , ليعلو هذا الخطاب على أي خطاب آخر فهم لا يتحدثون عن الفقراء والمطحونين ولا يقتربون من أصحاب الكروش الذين يمتصون دماء الغلابة بل يباركون أرزاقهم ولكن كل ما يعنيهم الحجاب والنقاب ! .. أرى أن خطاب التيارات الإسلامية يأتى مروجاً لغايتين الأولى تأتى فى سياق مشروع الهيمنة الذكورية المنشودة فهم معنيون بتأسيس مجتمع ذكورى ولتأتى الشعارات السياسية إن وجدت كتسويق لهذا المشروع .. والثانى هو خلق وتكريس حالة تمايزية , فبإنتفاء عصر الإماء والجوارى أصبح الحجاب الإسلامى هوية تميز الإسلام عن سائر الملل والأعراق , كرغبة منهم فى خلق خطاب ومجتمع إسلامى ذو صبغة فوقية تمايزية يكونون هم قادة مسيرته وهذا له معنى وغاية تصب فى التشرنق داخل الدين ليجد الإنسان الإنتماء له بتمسكه برموزه كالحجاب أو تعليق أيقونة وصليب فى رقبته , ليخرج الدين هنا من دائرة قناعات وفكر مطروح قابل للتعاطي والنقد إلى وجود وهيمنة وهوية طاغية يتشرنق فيها المؤمن ليعلن عن تشبثه و تعصبه فهو يحمل راياته ولتنتفي فى الداخل الإنساني أي قدرة على المراجعة والتفكير .

- من الطريف أن نجد الآيات والنصوص تأتى من هذا المنحى ولكنها ستتخلص من طرافتها وحرجها عندما ندرك بأننا أمام نصوص وفكر بشرى دماً ولحماً , فالحجاب فى الإسلام غير معنى بقصة عفة وعفاف المرأة كما يتردد كثيرا والدليل هو تحديد الآيات لزوجات النبى ونساء المؤمنين , فإذا كان الحجاب هو لصون المجتمع الإسلامي من المفاسد فحرياً أن تتحجب الإماء والجواري فهن نساء وسيجلبن الفتنة , ولكن النص الإسلامى غير معنى إلا بقضية التمييز والتمايز لذا نرى عمر بن الخطاب كان يتعدى على الأماء والجوارى بالضرب عندما يجدهن يضعن حجاب على رؤوسهن بل كان يقوم بنزع حجاب الإماء إن ارتدينه في محاولة منهن للتشبه بالحرائر , فمن كتب تفاسير القرآن: وَكَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِذَا رَأَى أَمَة قَدْ تَقَنَّعَتْ ضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ، مُحَافَظَة عَلَى زِيّ الْحَرَائِر ) . تفسير القرطبي سورة الأحزاب !!
ويذكر لنا أيضا كتاب مجموع فتاوى ابن تيمية " الآداب والتصوف " تفسير سورة النور الجزء الخامس عشر أن الحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال أتتشبهين بالحرائر أي لكاع فيظهر من الأمة رأسها ويداها ووجهها .!!

- هكذا هى فكرة الحجاب منزوعاً عنه الزيف الذى يسوقه الشيوخ فهو لا يرمى للعفة والحشمة ودرء الشهوات الذكورية المتأججة من رؤية الشعر المكشوف بل هى قضية خلق حالة من التمايز فقط يتم به معرفة هوية المرأة .. لذا من يردد أن الحجاب هو للعفة وأمر إلهى هو إما مَخدوع أو مُخادع , فمُبدع النص لم يعتنى بهذه الحالة البتولية المفعمة بالعفة والطهارة والحشمة لمن تضع حجاب على رأسها لينزعه عن تلك التي تواجه الحياة بشعرها ويقلل من شأنها كسافرة متبرجة وما يصاحب هذا من تحقير وإزدراء .

* الحجاب فى المسيحية .
- الحجاب فى المسيحية غير معنى أيضاً بقصة العفة والعفاف والحشمة بل معنى بخلق حالة تمايزية للرجل عن طريق إتخاذ الكهنوت والطقس وسيلة لإبراز الفارق وتكريس التمايز الذكورى .. فبالرغم أن المسيحية لا تحمل ميراث كبير من النظرة الدونية للمرأة لكونها تنحدر من بيئة زراعية يتطلب فعل إنتاجي للمرأة , علاوة على تأثير المجتمع الزراعي فى صياغة علاقات إجتماعية أكثر رفقاً وليونة وهو ما أشرنا له فى بحث سابق وسنؤكده ببحث أكثر إستفاضة عن تأثير الطبيعة فى تشكيل السلوك وخلق الميثولوجيا , إلا أنها لم تتخلص على الإطلاق من هيمنة الفكر والمجتمع الذكوري لتظل مقولتنا السابقة بأن الأديان التي يطلق عليها سماوية أو إبراهيمية هى لتكريس وتحقيق الذكورة ومن هنا نجد اقتصار الحجاب فى المسيحية وتركيزه فى أداء الطقوس .
المسيحية غير معنية بشكل لحوح بخلق شكل تمايزي للنساء المسيحيات عن غيرهن وإن إرتبطت فئة الراهبات أو المكرسات بوجود غطاء للرأس مميز منذ القدم ولكن يبقى التراث المسيحي معنياً أكثر بخلق حالة تمايزية للرجل على المرأة يتحقق وجوده ويتم تكريسه في مشهد أداء الطقوس .

- بعض آيات الكتاب المقدس : (ولكن اريد ان تعلموا ان رأس كل رجل هو المسيح واما رأس المراة فهو الرجل ورأس المسيح هو الله) - ( كل رجل يصلي أو يتنبأ و له على راسه شيء يشين راسه ) - ( و اما كل امراة تصلي او تتنبأ ورأسها غير مغطى فتشين رأسها لأنها و المحلوقة شيء واحد بعينه ) - ( اذاً كانت المرأة لا تتغطى فليقص شعرها وإن كان قبيحا بالمراة أن تقص او تحلق فلتتغط ) - (فان الرجل لا ينبغي ان يغطي رأسه لكونه صورة الله ومجده وأما المرأة فهي مجد الرجل ) - (احكموا في أنفسكم هل يليق بالمرأة ان تصلي الى الله و هي غير مغطاة) - ( ام ليست الطبيعة نفسها تعلمكم ان الرجل ان كان يرخي شعره فهو عيب له) .
كما هو واضح من الآيات السابقة أن الحجاب فى المسيحية يتم ممارسته فى حالتين فقط وهما الصلاة والتنبؤ بينما فى حياتها العادية فهي مكشوفة الشعر على حين أنه من الفخر للمرأة أن تعفي شعرها لأن الشعر جعل غطاء لرأسها بل مدح المسيح المرأة التي مسحت قدميه بشعرها فى انجيل لوقا:( ثم التفت الى المراة وقال لسمعان اتنظر هذه المراة اني دخلت بيتك وماء لاجل رجلي لم تعط واما هي فقد غسلت رجلي بالدموع و مسحتهما بشعر ثم قال لها مغفورة لك خطاياكى .

- من هنا نرى بأن حجب شعر المرأة ليست عورة أو مداراة الفتنة أو تعاطي مع العفة وإلا كانت كسمة عامة فى صلاتها وحياتها العادية فإذا كانت معنية بالعفة فليس من المنطقي أن يهتم الله بغطاء الرأس أثناء الصلاة ونزعه عنها فى حياتها اليومية , فالشهوة والفتنة ستكون قائمة على الدوام , ولكن لماذا نرهق أنفسنا فى هذا التعليل إذا كان النص نفسه غير معنى بفضيلة الحجاب كدرء للمفاتن والشهوات !! .. ولكن يمكن أن نسأل ما الذي جعل الشعر المكشوف غير جائز أثناء الصلاة بينما هو جائز بعدها فهل الرب يهتم بمثل هذه القضية ويزعجه بأن تصلى المرأة أمامه كاشفة شعرها ؟!! ..ا أم هو من أجل خلق حالة تمايزية فقط يتم من خلالها تمرير وتكريس السيادة الذكورية فالرجل هو المسيح على الأرض .

- "فوقوا بقى " إذا كنا سنتعامل مع الحجاب أنه مُرضاة الإله وهكذا هى فريضته وأمره فهذا سينال من فكرة الإله ذاته الذى يطلب ويبحث عن الرضا , فلن تمنحه أى مصداقية كونه دخل فى إطار الغاية والحاجة , ومن المنطقي أن غطاء الرأس أو الشعر العاري هما مظهران لايعنيان أى شئ بالنسبة لله , بل حتى ظهور المرأة عارية وليست مكشوفة الرأس فقط فى صلاتها لن تزعج الإله ولن تثيره فهو من خلق الشعر والجسد فرضاً , إلا إذا كان يرى أن هناك خلل ما فى صنيعته ينبغي حجبها , لذا لن تستقيم مقولة أن الحجاب هو لطلب رضا الإله لذا سيحاول المؤمنون ترويج أنه مرضاة الله فى درء الشهوات والمفاتن لترجع الفكرة إلى جذورها الإنسانية التى تبحث عن غايات تتلحف بالمقدس لتمريرها .

* عمق الفكرة .
- من البديهى أنه لا يوجد شئ اسمه فتنة أو شهوة داخل أى شئ أو فى محتواه المادي فهذا هو الهراء بعينه , فالفتنة هى صفة وحالة كشأن أي حالة , فلا توجد فى ذات الشئ جزيئات إسمها الفتنة بل نحن من نصبغ الأشياء بمدلولات ونمنحها رؤيتنا حسب هوانا ومزاجنا وظرفنا الموضوعي وحالتنا النفسية .
الشعر ليس فتنة فى حد ذاته ( وبالنسبة لى على الأقل لا يثير شهوتى شعر المرأة لأراه جميلا فحسب ) بل الفتنة هى فتنة عقل منح فى الشئ رغباته ورسم فيها هواه وفقا لظرفه الموضوعي وتركيبته النفسية لتتفاوت الرؤية بين البشر , فما نراه فاتناً مثيراً لن يراه غيرنا بنفس الإحساس .. فلن نجد أن الشهوة تتحرك فى نفوس ملايين الرجال الذين إعتادوا رؤية المرأة بدون حجاب , فهل نحن هنا أمام نوعية من الرجال تتحرك شهوتهم الجنسية عند رؤية الشعر ورجال آخرون تنعدم شهوتهم عند رؤيته .!!.. كما لن نجد شهوتنا تتحرك عند رؤية شعور أمهاتنا وبناتنا , وهذا يعنى أننا نطفي على الأشياء شهوتنا وقادرين في نفس الوقت أن ننزعها عنها .

- لا يوجد شئ اسمه باعث للشهوة إلا من خلال ثقافة ورغبات نفسية عميقة أصلتها وخلقت منها فعل الشهوة .. فنحن نرى مثلاً أن جسد المرأة العاري فتنة بينما النساء فى البدايات الأولى للإنسانية كن عراة ومازالت قبائل فى إفريقيا وحوض الأمازون شبه عاريات حيث النهود المكشوفة , فلا نجد فعل شهوات منطلقة على الدوام , بل يمكنك أن تجرب رؤية نساء عاريات فى منتجعات سياحية أو شواطئ للعراة لتجد أن المشهد سيلفت انتباهك في البداية بحكم حداثته ثم ما يلبث أن تعتاده دون أن يحرك فيك شيئا بعد ذلك .

- حجب الأشياء هو الذى يخلق الشهوة لأنها تخلق حالة من الفضول فى إكتشاف ما وراء الشئ المُخبئ وترتفع أسقف الشهوة عندما يسود الحجب بتعمد ويُسيج حوله التحريمات والتابوهات فى مجتمعات منغلقة ليظهر شبق وهوس لما تم حجبه ... فالإنسان لم يغطى جسد المرأة لحمايتها من تقلب الظروف المناخية فحسب بدليل أنها عاشت آلاف السنين وهى عارية ومازال الأفارقة يعيشون في الأدغال شبه عراة ولكن لخلق حالة شغف بالجسد .. خلق حالة من الفضول المثير فى كشف ما وراء الشئ المُغطى , وتأجيج وتزيين حالة من الهوس الجنسى تجعل الرغبة فى الجنس شبقة دوماً لتخرج من كونها حالة واحتياج طبيعي إلى وجبة يتم الإعداد لها وتزويقها وتمنى النفس بإلتهامها والإستمتاع بالتفكير فيها على الدوام .
الإنسان تعامل مع نظرية الحجب والمنع والفضول فى تصعيد الرغبة وخلقها , فهاهم مبدعى الموضة حريصون دائماً على حجب جزء من الجسد أو حجب أجزاء بطريقة تثير الإنتباه لخلق حالة من التخيل والرغبة فى معرفة ما وراء المحجوب , ولو تم التعرية بالكامل فلن تخلق أى رغبة فسنجد جلد وشحم وعظام وستبور تجارتهم .

- أرى ان من يغطوا مساحات كبيرة من جسد المرأة ليس لبحثهم عن العفة ودرء الشهوة كما يوقنون أو يتوهمون ولكن لأنهم الأكثر شبقاً ورغبة فى تصعيد الشهوة لتنال كل بوصة فى جسد المرأة الرغبة والهوس فى إكتشافها ورؤيتها , فتحقق متعة الفضول والشغف لتكون كل بوصة ذات قيمة !... هم بالفعل لديهم حالة من الهوس الجنسى نحو جسد المرأة ليصبح كل جزء من جسدها مَطلوب ومُشتهى ومُتصاعد حتى ولو كان وجه أو شعر .. إنها رغبة فى تصعيد الشهوة والخيالات الجنسية لأعلى أسقفها وليس لدرءها كما يزعمون لنجد المجتمعات التى تتعاطى بهذا النهج يسودها حالة من الهوس الجنسى ليغزو ويحتل كل تلافيف خلايا الأدمغة .
حالة الشبق والهوس الجنسى المحموم الذى يعترى الرجل نحو الأنثى هو من يخلقه ليؤجج مشاعره ويجعل رغباته الجنسية حاضرة على الدوام فيداعبها بخلق خيالات تبنى على الحجب ليصبح الشعر أو الوجه بعد أن غطاه حالة تمايزية للمرأة فى البدء ثم يصير مصدر لمداعبة خيالاته وتأجيج فضوله ورغباته , فلن تؤجج مجموعة من الخيوط الرفيعة الخشنة أو الناعمة الشهوة , فالشهوة بالداخل الإنساني الجائع المحموم المهووس بالجنس فى أى رمز من رموز الجسد حتى لو أوصل الحالة إلى إشتهاءه لكعب قدم إمرأة .. ومن هنا علينا تهذيب هذه النفوس الجائعة التى ستثار من بعض الشعر المكشوف , فهى لن تكتفي فى حالة هوسها هذا أن تشتهى أجساد البنات الصغيرات لإفتقاد هوسهم لأى بوصلة تحكمها .

- "فوقوا بقى " فالحجاب لا يعتنى بالعفة والفضيلة والحشمة والأخلاق الإسلامية فهذه الأمور ليست فى قاموسه فلا تعيشوا وهم الفضيلة والأخلاق والتدين .

- "فوقوا بقى" عندما تجدون أن كل آيات القرآن جاءت لمعالجة مشهد خاص واجه محمد ولتتأكدوا من هذا فى كتب التفسير وفقه أسباب التنزيل , فهنا يجب عليكم التوقف والتأمل فى بشرية النص الذى لم يبعد عن التفصيل والخصوصية والهوى , فكيف تظنون وتؤمنون أنه صالح لكل زمان ومكان بينما هو خاص بشخوصه وزمانه وبيئته .

دمتم بخير .
"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,157,531,086
- تأملات فى الإنسان والحياة والوجود
- تأملات فى الإنسان
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها
- ثقافة تحتفى بالجهل والإنبطاح والبلادة والتهافت
- آن الأوان لتبديد وهم المصمم..إهداء للأخ مروان
- ما الجدوى وكيف - 300 حجة تُفند وجود إله
- المغالطات المنطقية التى تنحرف بنا عن الفهم الصحيح للحياة
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود
- رقصة الكيكى تفضح مجتمعاتنا الهشة وثقافتنا البائسة
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية
- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته
- تتمة مائتان حجة تُفند وجود إله
- العقل الدينى فى محنه,كيف يعتقدون بهذه السذاجة المفرطة .
- تأملات فى لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون
- بحث فى أسباب إنهيار الإتحاد السوفيتى والأحزاب الشيوعية
- ليست منظومة فاشلة فحسب بل مُخربة مُدمرة
- أوهام بشرية ومفاهيم مغلوطة وأقوال خاطئة
- وهم المطلق-مائتان حجة تُفند وجود إله من178إلى190
- مجلتى- العدد الثانى- تسالى رمضانية
- أسئلة للتفكير والتمعن – تسالى رمضانية


المزيد.....




- قلق في البرازيل من تداعيات نقل السفارة إلى القدس على صادرات ...
- قلق في البرازيل من تداعيات نقل السفارة إلى القدس على صادرات ...
- الأردن يدين نصب سلطات الاحتلال الإسرائيلية أعمدة وهياكل قرب ...
- الإفتاء: الأب والأم باب يصل به الإبن إلى الجنة
- البرازيل: قرار نقل السفارة إلى القدس قد يؤثر على صادرات اللح ...
- البرازيل: قرار نقل السفارة إلى القدس قد يؤثر على صادرات اللح ...
- بوتين يكمل لوحة فسيفساء للسيد المسيح في بلغراد
- قوات سوريا الديمقراطية تتعهد بتصعيد العمليات ضد الدولة الإسل ...
- متحف إسرائيلي يقرر إزالة تمثال مسيء للسيد المسيح
- قوات سوريا الديمقراطية تتعهد بتصعيد العمليات ضد الدولة الإسل ...


المزيد.....

- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامى لبيب - فوقوا بقى(1)-الأديان بشرية الفكر والهوى(108)