أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد اللطيف أحرشاو - الثقافة كمفهوم حيوي وصورة حية للمجتمع















المزيد.....

الثقافة كمفهوم حيوي وصورة حية للمجتمع


عبد اللطيف أحرشاو
الحوار المتمدن-العدد: 5999 - 2018 / 9 / 19 - 00:26
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الثقافة كمفهوم حيوي وصورة حية للمجتمع
● مسألة الثقافة: سؤال شغل منذ سنوات عديدة فكر السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين وأصبح ينظر لها من زاوايا كثيرة ولايزال لحدود اللحظة غامض رغم ما ردد بأنها لحظة ما بعد الطبيعة، ولأنها كذلك فهي طريقة في معرفة الأشياء وإدراكها عبر إنتاج صور ذهنية لها غاية ، حتى أن
هذا المفهوم أنتجت حوله عمارة معرفية متشعبة، فالثقافة لاتوجد إلا بوجود المجتمع أي بوجود عناصره المتمثلة في الأفراد وهذا المجتمع لايستمر إلا بالثقافة وعليه فإن الثقافة طريق خاص ومتميز لحياة الجماعة فبأي معنى؟
ورد المفهوم اللغوي لمادة "ثقف" في لسان العرب كما يلي "ثقف الشيء ثقفا وثقوفا أي حذقه، رجل ثقف أي حاذق الفهم ويقال ثقف الشيء وهو سرعة التعلم ، وتعود جذور كلمة culture إلى لفظين لاتينين وهما cultura التي تعني حرث الأرض وزراعتها agricultura ولفظ coler الذي
يحمل مجموعة من المعاني كالسكن والتهذيب والحماية والتقدير إلى درجة العبادة les cultes ثم أخدت هذه الكلمة تتوسع في اللغات الانجليزية والفرنسية والألمانية لتشمل تنمية الأرض بالمعنى المادي أو الحسي، وتنمية العقل والذوق والأدب بالمعنى المعنوي، ثم طورها فلاسفة العصور
الحديثة فأصبحت تعني مجموعة عناصر الحياة وأشكالها ومظاهرها في مجتمع من المجتمعات.
بالنسبة لكلمة ثقافة، فإذا أردنا أن نفهم المعنى الراهن لمفهوم الثقافة كان من الضروري تركيب صيرورته الاجتماعية، فاللسان الفرنسي كانت لديه الثقافة لفظا قديما في عام 1700 منحدرة من cultura التي تعني العناية الموكولة للحقل وللماشية وذلك للإشارة إلى قسمة الأرض المحروثة، في
بداية القرن السادس عشر كفت الكلمة عن المعنى القديم وأصبحت تعني فلاحة الأرض غير أن هذا المفهوم لم يحظى باعتراف أكاديمي وظل بذلك المعنى السائد حتى منتهى القرن السابع عشر، في القرن الثامن عشر كان للحركة الفكرية دور مهم بحيث بدأت الكلمة تفرض نفسها في معناها
المجازي فتم إدراجها في قاموس الأكاديمية الفرنسية dictionnaire de l’académie français فأصبحت بذلك مضافة إلى فعل معين وهكذا كان يقال "ثقافة الفنون" "ثقافة الاَدب" "ثقافة العلوم" إذا كان من الضروري أن يحدد الشيء المعتنى به تثقيفا، تدريجيا بدأت الكلمة تتحرر من
متمماتها المضافة منفردة للتدليل على "تكوين" "الفكر" "التربية"، ومع مرور الوقت انتقلت الكلمة بوصفها فعلا إلى ثقافة بوصفها حالا (حالة الفكر) ، فكان مفكروا عصر الأنوار يتصورون بذلك الثقافة كخاصية مميزة للجنس البشري وظلت مستخدمة في فلسفة الأنوار إلى حد اعتبرت
ايديولوجيا الأنوار كليا، إذا اقترن اللفظ بأفكار التقدم والتطور والتربية والعقل وكانت كلمة ثقافة تحظى بنجاح كبير كالذي تعرفه كلمة حضارة، فأصبح ينظر للثقافة كتقدم فردي والحضارة كتقدم جماعي.
الثقافة والحضارة حتى وإن كانتا تنتميان إلى الحقل الدلالي نفسه ولكن ليستا مترادفتين تماما، إذ سرعان ما تحولت لدى الفلاسفة الإصلاحيين إلى تهذيب الآداب، فكان غرض المفكرين البورجوازيين الإصلاحيين يعوز النفوذ السياسي بتحويل كلمة حضارة إلى أنها تجويد للمؤسسات والتشريع
والتربية التي يمكن عليها بناء الدولة. فكانت بذلك الحضارة قوية الصلة بهذا التصور التقدمي للتاريخ إلى الحد الذي دفع بمن أبدى حيال المفهوم تشككا شأن روسو وفولتير، وتفادي استخدام بذلك هذه الكلمة فلم يكونوا قادرين بفعل أقليتهم على فرض مقصد أخر لها أكثر نسبية. فثنائية الحضارة
والثقافة استقطبت كتابات كثيرة، فالثقافة لم تكتسب معناها الفكري في أوروبا إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بحيث اتخذت منحنى يعبر عن التكوين الفكري عموما وعن التقدم الفكري للشخص خاصة. هذا هو المعنى الموجود في المعاجم الكلاسيكية، ولكن انتقال الكلمة إلى الألمانية
في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أكسبها لأول مرة وقبل رجوعها إلى فرنسا مضمونا جماعيا، فقد أصبحت تدل على التقدم الفكري الذي يتحصل عليه الشخص بصفة عامة أما الجانب المادي في الأشخاص والمجتمعات أفردت له الألمانية كلمة حضارة. ومع ذلك فان مفهوم الثقافة سوف
يمر بتحول أخر عند انتقاله من اللغة الألمانية إلى اللغة الإنجليزية بحيث وصلت الأنثروبولوجيا في الولايات المتحدة إلى الذي عرفت فيه نفسها كعلم للثقافة .
تناول العلماء مفهوم الثقافة بتعاريف مختلفة، حسب تخصصاتهم واتجاهاتهم الاجتماعية والمعرفية وتوجهاتهم الفكرية المسايرة للتقدم الفكري والحضاري، وبناء على ذلك فقد جاء مفهوم الثقافة على شكل مجموعة من الآراء والأفكار. مثلا نجد العالم الأنثروبولوجي إدوارد تايلور يعتبر الثقافة
بأنها " ذلك المركب الذي يشتمل على المعرفة والفن والأخلاق والقانون... وغيرها من القدرات والعادات والإمكانات المادية وغير المادية التي يحصل علها الفرد باعتباره عضو في المجتمع" ، وعرفها رالف لينتون بأنها كل مركب يشمل على ما صنعته يد الإنسان، وعلى المعتقدات والفنون
والعادات التي يكتسبها الفرد وكل ما ينتجه من الأشياء التي يتخذها الأفراد والجماعات لتلبية حاجاتهم الحياتية وتحقيق أهدافهم . لعل هذه اللمحة التاريخية عن تطور مصطلح الثقافة يساعد في تحديد المفهوم الذي أخد من اللغة الفرنسية ثم أعيدت ترجمته من اللغة الألمانية إلى اللغة الإنجليزية،
وكان يضاف اليها في كل مرة مضمون جديد سواء بطريق التعميم أم بطريقة القياس دون أن يفقد معناه الأصلي وإنما يكسب معاني جديدة تكون دائما أكثر بعدا عن المعنى الأول. إذا فالثقافة التي تحيل على لفظ المثقف في خطابنا المعاصر ليست كما يفهم معناها في اللغة الأوروبية القديمة
والخطاب العربي القديم، لقد تطور استخدام الكلمة إلى أن اصبحت مفهوما له دلالات معرفية خاصة وأبعاد فكرية متعددة. لاشك في أن أقدم تعريف وأكثر شيوعا حتى الآن هو تعريف الأنثروبولوجي الإنجليزي تايلور ومنذ ذلك الحين طرحت العشرات من التعريفات بحيث أصبحت القائمة
طويلة جدا ويمكننا أن نقول أنها تجاوزت أكثر من مائة وستين تعريفا ونوجز لذلك بعض التعريفات للذكر لا للحصر:
تعريف غي روشي اكثر شمولا وعمقا: "الثقافة هي مجموعة من العناصر لها علاقة بطرق التفكير والشعور والفعل وهي طرق صيفت تقريبا في قواعد واضحة والتي اكتسبها وتعلمها وشارك فيها جمع من الأشخاص" ومن الواضح أن هذا التعريف استعان بصيغة دوركايم (طرق التفكير
والشعور والعمل)
التعريف الماركسي: "الثقافة كل القيم المادية والروحية… التي يخلقها المجتمع من خلال سير التاريخ" أهم ما يميز هذا التعريف أنه يرى الثقافة كظاهرة تاريخية فيعطي تعبيرا ماديا وظيفيا للثقافة
تعريف كروبير وكلوكهن: "الثقافة تتكون من نماذج ظاهرة وكامنة من السلوك المكتسب والمتنقل بواسطة الرموز" من هنا تبرز النظرة السيكولوجية والبنيوية للثقافة وتظهر الأولى من قولها الثقافة مكتسبة والثانية من خلال نظرتها للثقافة كنماذج من السلوك.
إن قدرة الإنسان على إنتاج الثقافة أهم خاصية تميزه وينفرد بها على باقي المخلوقات فالتقاليد والعادات ومختلف التجارب التي تشملها الحياة الإنسانية والتي يمر بها وتستقر في نفوسه هي ما يتحول إلى قيم وأفعال يتوارثها المجتمع من جيل إلى جيل اخر على سبيل الذكر، الأعراف والقوانين
التي تحكم الأفراد أو القيم والقواعد التي تحدد طبيعة العلاقة بين بعضهم البعض.
خلاصة تعتبر الثقافة موروثا إنسانيا ماديا أو غير مادي اكتسبه الفرد ممن سبقوه وعلموه على تلك القيم والمعايير والفنون والسلوكات، ويتم ذلك بواسطة اللغة التي تعتبر وعاء الثقافة التي تنتشر بها وتضمر بدونها، كما يمكن للإنسان أن يكتسب المزيد من الثقافات بواسطة الاحتكاك والممارسة مع بقية بني البشر، فيأخذ منهم ويعطي لهم، وقد يسمح بإدخال ثقافة جديدة في مجتمعه ويتبناها ذلك المجتمع، كما قد يزيح شيئا من ثقافته والتي يعتقد أنها غير مواكبة للعصر والمجتمع.









المراجع
- عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الثقافة: المفاهيم والإشكالات...من الحداثة إلى العولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، سنة النشر، الطبعة الأولى، (بيروت)
- جمال الدين محمد بن مكتوم بن منظور: لسان العرب، مادة "ثقف"، نصه خالد رشيد القاضي، دار الأبحاث، الجزء الثاني، الجزائر، الطبعة الأولى 2008
- بلالي عبد المالك، محاضرات في “مقياس: مدخل إلى علم الاجتماع الثقافي"، السنة الجامعية 2015- 2016
- دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الإجتماعية، ترجمة منير السعيداني، مراجعة الطاهر لبيب، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت آذار (مارس) 2007
- غي روشيه، "مقدمة إلى علم الاجتماع العام"، ترجمة مصطفى دندشلي، الجزء الثاني، الطبعة الثالثة، (بيروت: مكتبة الفقيه،2002) ج1: الفعل الاجتماعي





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,002,089,684
- الثقافة كمفهوم حيوي وصورة حية للمجتمع


المزيد.....




- الأمير هاري وميغان ينتظران مولودهما الأول
- ترامب عن إعداد السعوديين تقرير عن خاشقجي: حتى الآن مجرد شائع ...
- رصاص البحرية الإسرائيلية يطال 32 فلسطينياً على شواطئ غزة
- هجوم سيبراني على شبكة مياه في ولاية نورث كارولاينا
- رصاص البحرية الإسرائيلية يطال 32 فلسطينياً على شواطئ غزة
- الرئيس هادي يقيل رئيس الوزراء ويحيله للتحقيق
- إسبانيا تنجو من فضيحة أمام إنجلترا
- سفارة السعودية بواشنطن تلغي الاحتفال باليوم الوطني
- بعد فتح المعبر مع الأردن.. سوريا تتجه لفتح معبر للعراق
- بعد إعلان حملها... غضب عارم من ميغان ماركل وزوجها الأمير هار ...


المزيد.....

- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي
- القرامطة والعدالة الاجتماعية / ياسر جاسم قاسم
- مفهوم الهوية وتطورها في الحضارات القديمة / بوناب كمال
- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني
- الحركة القرمطية / كاظم حبيب
- لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغر ... / ادريس أقبوش
- الطقوس اليهودية قراءة في العهد القديم / د. اسامة عدنان يحيى
- السوما-الهاوما والسيد المسيح: نظرة في معتقدات شرقية قديمة / د. اسامة عدنان يحيى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد اللطيف أحرشاو - الثقافة كمفهوم حيوي وصورة حية للمجتمع