أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة تفكيك الواقع المتأزم في مصر 1/5















المزيد.....


لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة تفكيك الواقع المتأزم في مصر 1/5


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 5977 - 2018 / 8 / 28 - 00:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


-1-
الديموقراطية
تُعْتبَر الديموقراطية في الوقت الراهن على الأقل أفضل نظام حُكْم، توصلت إليه قريحة البشر، فأصبحت جميع دول العالم - المتقدمة والمتخلفة على حد سواء - تزعم بأنها دولٌ ديموقراطية، ماعدا تلك التي تحمل سمات الحكم الديني (الثيوقراطي)، حيث يتحكم رجال الدين والكهنة في الشؤون الحياتية لمواطنيها بشكل رسمي، مثل مملكة آل سعود وجمهورية إيران (الإسلامية) وباكستان وميانمار وبروناي والفاتيكان، كذلك هناك أفغانستان والسودان وموريتانيا والتي تخضع لحكم ثيوقراطي، اضافة لنيجيريا حيث توجد ولايات في شمال البلاد سُمح لها بتطبيق الشريعة الإسلاموية على المسلمين بها فقط.
فما هي إذن الديمقراطية؟
وهل جميع دول العالم ديموقراطية بالفعل؟
والسؤال الأهم هو: هل تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية المتخلفة، مثل مصر تحديدًا؟
الديموقراطية - بإيجاز - هي نظام حكم يشارك فيه جميع المواطنين (المؤهلين) على قدم المساواة - إما مباشرة أو من خلال ممثلين (نُوَّاب) عنهم مؤهلين ومنتخبين، بهدف العمل على تطوير واستحداث القوانين واللوائح التي من شأنها تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وبذلك تتاح لهم الإمكانية بالتساوي لتقرير مصيرهم السياسي بحرية، ودون أدنى إحساس بالقهر أو الإكراه المادي أو المعنوي.
ويطلق مصطلح الديمقراطية أحيانا بمعنى ضيق لوصف نظام الحكم في دولة ديموقراطية، لكنه يطلق أيضًا بمعنى أوسع وأشمل لوصف ثقافة مجتمع بكامله، فتكون الديمقراطيّة بهذا المعنَى نظامًا اجتماعيًا مميزًا، يؤمن به ويسير عليه المجتمع ويشير إلى ثقافةٍ سياسيّة وأخلاقية معيّنة تتجلَّى فيها مفاهيم إلزامية أهمها:
حكم الأكثرية أو الأغلبية
فصل السلطات وتجزيء الصلاحيات
التمثيل والانتخاب
المعارضة الموالية للشعب والوفية لمبادئ الديموقراطية
سيادة القانون
اللامركزية في تحمل المسؤولية
تداول السلطات سلميا وبصورة دورية.

• محطات في تاريخ الديموقراطية
الديموقراطية الاجتماعية
يعود منشأ ومهد الديمقراطية إلى القرن الخامس قبل الميلاد في اليونان القديم؛ للدلالة على النظم السياسية الموجودة آنذاك في ولايات المدن اليونانية، وخاصة مدينة أثينا، حيث نشأ فيها أول حكم ديمقراطي في تاريخ البشرية.
وقد اشتق التعبير من المصطلح الإغريقي δ---η---μ---ο---κ---ρ---α---τ---ί---α--- (باللاتينية: dē---mokratí---a) ويعني "حكم الشعب" بنفسه ولنفسه، وتمت صياغته من شقين---ῆ---μ---ο---ς ( ديموس ) " الشعب" و κ---ρ---ά---τ---ο---ς--- ( كراتوس ) "السلطة" أو " الحكم "، ليناقض تعبير (الأرستقراطية Aristocracy) الذي يعني (حكم النخبة أو الصفوة أو الوجهاء أو الأشراف ...)، الذين يتمتعون بحق ممارسة الديمقراطية وحدهم، بصفتهم الفئة المميَّزة من الرجال الموسومين بالأحرار، ويستبعد العوام والعبيد والنساء من المشاركة السياسية. وبالفعل، ظلت جميع الممارسات الديمقراطية للحكومات تتشكل على مر التاريخ من تلك الفئة حتى فُرِض، في القرنين التاسع عشر والعشرين في معظم الديمقراطيات الحديثة، حق العتق الكامل من العبودية لجميع المواطنين وتحرير المرأة، ففُسِح بذلك المجال للشعب بكامله كي يمارس حقوقه السياسية.
ولكن الحرب العالمية الأولى أدَّت إلى ظهور الدول القومية في أوروبا والتي كان معظمها ديمقراطيات فاشلة كمجمهورية فايمار التي نشأت في ألمانيا في الفترة من 1919 إلى 1933، ومكَّنت الزعيم النازي أدولف هتلر من إحكام سيطرته على مقاليد الحكم في برلين بعد توليه منصبي المستشارية ورئاسة الجمهورية، مما جعل المؤرخين يعتبرن هذا الحدث نهايتها. في البداية لم يؤثر ظهور الدول القومية على الديمقراطيات التي كانت موجودة حينئذ في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وسويسرا والتي احتفظت بأشكال حكوماتها، إلا أن تصاعد مد النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا ونظام الجنرال فرانكو في أسبانيا ونظام أنطونيو دي أوليفيرا سالازار في البرتغال في ثلاثينيات القرن العشرين، ساهمت جميعها في تضييق نطاق الديمقراطية، وأعطت انطباعًا بانه "عصر الحكام الدكتاتوريين". ومن جرَّاء الحرب العالمية الثانية، حدثت انتكاسة شديدة للتوجه الديمقراطي في دول أوروبا الشرقية، إذ ضُمَّت قسريًا تحت سيطرة النظام الشيوعي، فيما عُرِف بالاتحاد السوفييتي. بينما كانت الدول المستعمَرة في ذلك الوقت (ومنها مصر) فاقدة لهويتها القومية وتسعى إلى التحرر. بعد الحرب تمت إزالة الاستعمار تدريجيًّا من العالم، فسادت في معظم الدول المستقلة دساتير لديمقراطية مزيفة أو لا تحمل من الديمقراطية سوى الإسم فقط، وراحت تشهد انتخابات معيبة وأشكالاً كثيرة من الاعتداء على حقوق المواطنين والتحايل عليهم وخداعهم.

الديمقراطية الليبرالية
أدرك منظروا السياسة الأوروبيون في العصر الحديث أن الحقوق السياسية للمواطنين وحدها لا تكفي لبقاء الديموقراطية واستمرارها، مما يتطلب توسيع نطاق ممارساتها وتعميق مفهومها، وذلك بإضافة عناصر جديدة إليها، لتصبح ديمقراطية ليبرالية (دستورية)، حيث يضع الدستور قيوداً على إرادة الأغلبية والتصدي لطغيانها، وعدم تعديها على الأفراد أو الأقليات العرقية والدينية وغيرها في المجتمع. وهي شكل من أشكال الديمقراطية التمثيلية التي تعمل وفقًا لمبادئ الحرية والمساواة للجميع دون تمييز. وتلتزم للوصول للحكم بانتخابات نزيهة وحرة وتنافسية بين الأحزاب السياسية، والفصل بين السلطات في مختلف فروع الحكومة وسيادة القانون في الحياة اليومية كجزء من مجتمع مفتوح، وضمان الحماية المتساوية لحقوق الإنسان والحريات المدنية والسياسية لجميع الأشخاص. وغالبا ما يحدد الدستور صلاحيات الحكومة ورئيس الدولة وتكريس العقد الاجتماعي Social Contract بين الحكام والمحكومين. لقد أصبحت هذه الديمقراطية هي الشكل الغالب للحكم في القرن الحادي والعشرين، حيث تعتبر العديد من الأحزاب خاصة في أوروبا الغربية داعمة لها، رغم أن تلك الأحزاب لا تحمل كلمة الليبرالية. مثل أحزاب المحافظين وأحزاب الديمقراطية المسيحية والأحزاب الديمقراطية الاشتراكية.
وعلاوة على المبادئ الأساسية للديمقراطية الاجتماعية فإن الديموقراطية الليبرالية تعتمد أيضًا على:
تحقيق الأمن الشخصي والاجتماعي والاقتصادي لجميع المواطنين دون تمييز.
ترسيخ قيم الصدق والأمانة والتعايش السلمي.
مشاركة الشعب في اتخاذ القرار.
احترام المال العام والمحافظة عليه.
احترام حقوق الانسان.
محاربة الشطط في استعمال السلطة.
العمل الدؤوب والصادق على تثقيف الشعب سياسيًّا من خلال وسائل الإعلام المختلفة، لتشكيل رأي عام جمعي حول الأحداث الجارية محليًا وعالميًا.
عدم محاولة التحكم في إرادة الشعب، من خلال قوانين، يمكن أن تؤدي بالحكومات إلى إصدار قرارات غبية.
وبالإضافة إلى التداول السلمي للسلطة وحكم الأكثريّة أو الأغلبية، يتم التأكيد في الحكم الديموقراطي الليبيرالي على حماية حقوق الأفراد والأقليات، بمعنى تقييد الأكثرية أو الأغلبية في التعامل مع الأفراد والأقليات.
إن الديمقراطية الليبرالية تتناقض تمامًا مع أشكال الحكم التي يمسك فيها شخص واحد بزمام السلطة، أو يستحوذ على السلطة عدد قليل من الأفراد، كما هو الحال في نظام الحكم الملكي، ونظام حكم الأوليغارشية (حكم الأقلية Oligarchy). ومع ذلك، يندرُ أن نجد دولةٌ أو مجتمعٌ ما يستحوذ علَى مفاهيم الديمقراطية الليبرالية كلها كاملةً وغير منقوصة، بل أنّ عدَداً من هذه المفاهيم خِلافِيّ لا يَلقَى إِجماعاً بَين دعاة الديمقراطية المتمرّسين، فالكثير من الحكومات المعاصرة قد تحتوي على عناصر من الديمقراطية والملكية والأوليغارشية مختلطة معاً.
ومن ناحيته عرَّف الفيلسوف النمساوي الأصل كارل بوبر (1902- 1994) الديمقراطية الليبرالية في آخر كتبه: (خلاصة القرن، ترجمة: الزاوي بلورة ولخضر مذبوح، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2002) بأنها النقيض من الديكتاتورية أو الاستبداد، وبالتالي فهى تركز على الفرص المتاحة للناس للسيطرة على قادتهم وحكوماتهم والاطاحة بهم دون الحاجة إلى ثورة، فالديموقراطية في نظر بوبر ليست حكم الشعب كما هو رائج ومفهوم خطأً، ولكنها هي القدرة على محاكمة الحكومات والقدرة على منع قيام طاغية بإسم شعبية أو أغلبية مهما كانت. الديموقراطية تقتضي إقالة الحكومات والدفاع عن المعوزين والمعوقين والمحتاجين وكبار السن والأطفال بوجه خاص، وحمايتهم من عنف الكبار.
ونظرًا إلى أن مصالح الأكثرية المسيطرة تتعارض بالضرورة مع مصالح الأقليات والأفراد، لذلك فإن أهم واجب تقوم به الديمقراطية الليبرالية هو إحداث توازن دقيق ومستدام بين تلك المصالح المتضاربة من خلال المقومات الاشتراكية، كما يتمدَّد عملها لتشملَ التوازن بيَن السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائِيّة، وبين المناطق والقبائِل والأعراق (من هنا جاءت فكرة اللامركزيّة)، وبين السلطات الدينيّة والدنيوِيّة (من هنا جاءت فكرة العلمانية).

الديمقراطية الاشتراكية
يعود أصل الديمقراطية الاشتراكية أو الديمقراطية الاجتماعية إلى ستينات القرن التاسع عشر، مع ظهور أول تنظيم اشتراكي من هذا النوع في ألمانيا هو: "الرابطة العامة للعمال الألمان"، والتي كانت بقيادة فرديناند لاسال (1825 - 1864). وعلى الرغم من عدم كونه ماركسياً، كان لاسال متأثراً بنظريات ماركس وأنجلز، لكن سياسته كانت بشكل رئيسي إصلاحية وانتخابية. وكانت صحيفة الرابطة تصدر باسم "Die Sozialdemokrat" ("الديمقراطي الاشتراكي"). ضمَّت الرابطة بعض الاشتراكيين الماركسيين كفيلهيم ليبكنخت وأوغست بيبل، مما أدى إلى نشوب خلافات بين الجناح اللاسالي الذي أيَّد الدولة البروسية وتتطلع إلى التحالف مع الإقطاع والمستشار بيسمارك، وبين الجناح الماركسي الذي عارض بشدة هذه المواقف والتوجهات. انشق كل من ليبكنخت وبيبل، ومعهم الجناح الماركسي عن الرابطة، وأسسو في عام 1869 "حزب العمال الديمقراطي الاشتراكي (SPD)". ولكن لم يكن هذا الحزب ماركسياً بشكل رسمي، بيد أنه كان أول منظمة عمالية بقيادة ماركسية، وكان كل من ماركس وإنجلز على علاقة مباشرة به.
الديمقراطية الاشتراكية تتبنَّى إيديولوجية سياسية تدعو إلى تدخل اقتصادي واجتماعي من قبل الحكومات لترسيخ العدالة الاجتماعية ضمن إطار النظم الرأسمالية، وفيها تتم صياغة سياسات للدفع باتجاه الدولة الرفاه أو دولة الرعاية، والعمل على ترتيب المفاوضة المشتركة بين أرباب العمل ومجموعة من الموظفين التي تهدف إلى التوصل إلى اتفاقات حول تنظيم ظروف العمل ومستوى الأجور، وساعات العمل، والتدريب وصحة وسلامة العمال والموظفين والعمل الإضافي، وآليات الشكاوى، والحقوق في المشاركة في أماكن العمل أو قضايا الشركة، وتنظيم الاقتصاد العام والخاص بما يخدم المصلحة العامة، وإعادة توزيع المداخيل والثروات، والإلتزام بالديمقراطية التمثيلية.
الديمقراطية الاشتراكية تتبنى نظام الاقتصاد المختلط واقتصاد السوق الاجتماعي. وتهدف إلى تحسين حالات المساواة والديمقراطية والتضامن المجتمعي في المجتمع الرأسمالي.
ويمكن القول دون مبالغة بأن الديموقراطية بشقيها الليبرالي والاشتراكي ترسخت في الوقت الراهن وبشكل كبير في الدول الإسكندنافية (النرويج والسويد والدنمارك)، وبشكل أقل في دول الاتحاد الأوروبي وإنجلترا. بينما دول أخرى في العالم تطبق الشق الليبرالي في ديمقراطيتها، وتتجاهل الشق الاشتراكي، كالهند والولايات المتحدة الأمريكية وأغلبية دول أمريكا الجنوبية، مما يبقي على نسبة كبيرة من المواطنين يعانون من الفقر والحاجة.
إن الديمقراطية الاشتراكية مشتقة من الأفكار الاشتراكية في نطاق تقدمي - تدريجي وديمقراطي - دستوري.
العديد من الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية في العالم تعد نسخاً متطورة من الأحزاب الثورية التي توصلت - لأسباب أيديولوجية أو براغماتية - إلى تبني إستراتيجية التغيير التدريجي من خلال المؤسسات الموجودة أو من خلال سياسة العمل على تحقيق الإصلاحات الليبرالية قبل إحداث التغييرات الاجتماعية الأعمق، عوضاً عن التغيير الثوري الراديكالي المفاجيء. وهي، أي الديمقراطية الاشتراكية، قد تتضمن أفكارًا تقدمية، إلا أن معظم الأحزاب التي تسمي نفسها ديمقراطية اشتراكية لا تنادي بإلغاء الرأسمالية، بل تنادي بدلاً من ذلك بتقنينها بشكل كبير. وعلى العموم فإن السمات المميزة للديمقراطية الاشتراكية هي:
تنظيم الأسواق والتحكم في الأسعار
الضمان الاجتماعي ويعرف كذلك بدولة الرَّفاه.
مدارس حكومية وخدمات صحية ممولة أو مملوكة من قبل الحكومة.
نظام ضريبي تقدمي بيِّن وغير متحيِّز.
علاوة على ذلك، وبسبب الانجذاب الأيديولوجي أو لأسباب أخرى، فإن غالبية الديمقراطيين الاشتراكيين يلتقون مع أنصار حماية البيئة وأنصار تعدد الثقافات والعلمانيين.

• الديموقراطية والشرعية السياسية
في المحصلة دائما، يجب على كل أشكال الحكومات أن تعتمد على شرعيتها السياسية، أي على مدى قبول الشعب بها، لانها من دون ذلك لا تعدو سوى كونها طرف في صراع اجتماعي أو حرب أهلية، طالما ان سياساتها وقراراتها تلقى معارضة كبيرة، قد تلجأ لرفع السلاح في وجهها في وقت ما. ولكن في المقابل، وباستثناء المتحررين (Libertarians) والمنادين بالدولة الاسلطوية الأناركية anarchism)، تترجم خَطَأً أحيانًا بالفوضوية)، فإن معظم الناس مستعدون لقبول حكوماتهم إذا دعت الضرورة إلى ذلك. فإذا زالت الضرورة، يجب على الحكومات أن تعيد النظر في شرعيتها من جديد.
وعادة ما يرتبط الفشل في تحقيق الشرعية السياسية في الدول الحديثة بالصراع الطبقي والنزاعات العرقية والدينية بين مواطنيها، مما يؤدي لاحقًا إلى الانفصالية (السودان مثلًا) أو بالاضطهاد والقهر وليس بالاختلافات السياسية وحدها. لذلك تتطلب الديمقراطية ضبط العلاقة وإحداث توازن مستدام بين الأكثرية والأقليات المختلفة في المجتمع لتحقيق درجة عالية من الشرعية السياسية؛ فالانتخابية الدورية تقسِّم المجتمع إلى معسكرين "خاسر" و"رابح". لذلك فإن الثقافة الديمقراطية الناجحة تتضمن قبول الحزب الخاسر ومؤيديه بحكم أغلبية الناخبين والسماح بالانتقال السلمي للسلطة، فيعتاد الخاسر على تهنئة خصمه بالفوز، ليس تأدبًا منه فحسب، ولكن فِي المقام الأول لأنه ومن أيده يلتزمون بمفهوم "المعارضة الموالية" للشعب و"الوفيّة" لمبادئ الديموقراطية. فمن الطبيعي أن يختلف المتنافسون السياسيون ولكن لابد أن يعترف كل منهما للآخر بدوره الشرعي. كذلك يجب على الثقافة الديموقراطية أن تشجع المجتمع على التسامح والكياسة في إدارة المنقاشات بين المواطنين على كافة المستويات.
إن الشرعية السياسية في النظم الديموقراطية تنطوي بداهةً على أن كافة الأطراف تتشارك في القيم الأساسية المعلنة لحكم البلاد وتسييس العباد. وعلى الناخبين أن يعلموا بأن أي حكومة جديدة لن تتبع سياسات قد يجدونها بغيضة، لأن القيم المشتركة ناهيك عن مبادئ الديمقراطية نفسها تضمن عدم حدوث ذلك.
كذلك لا يمكن للانتخابات الحرة والنزيهة وحدها أن تكون كافية لكي يصبح بلد ما ديمقراطياً، مالم تتغير فيه ثقافة المواطنين والمؤسسات السياسية والخدمات المدنية. فالجميع في ظل الديمقراطية لا يتمتعون بالحقوق فحسب، بل أن عليهم مسؤولية المشاركة في النظام السياسي، الذي يحمي بدوره حقوقهم وحرياتهم. هذا التغيير يعد نقلة نوعية هائلة في تاريخ الشعوب المتقدمة، ويصعب تحقيقها خاصة في الدول المتأخرة (والإسلاموية)، والتي اعتادت تاريخياً أن يكون انتقال السلطة فيها عبر العنف البدني والذهني.

• محاسن الديمقراطية
من النقاط التي تُحسب للديمقراطية هو أنها تخلق نظامًا يستطيع فيه الشعب أن يستبدل الإدارة الحاكمة من دون تغيير الأسس القانونية للحكم أو القيام بالثورة أو اتباع أساليب العنف، فهدفها هو تقليل الغموض والغضب الشعبي وعدم الاستقرار السياسي، وطمأنة المواطنين بأنه مع كل امتعاضهم من السياسات الحالية، فإنهم يحصلون على فرص منتظمة في موعدها لتغيير حكامهم أو تغيير السياسات التي لا تتفق وآرائهم. الاستقرار السياسي مرتبط دائمًا بارتياح المواطنين وثقتهم في الحكومة التي انتخبوها برضا الأغلبية منهم، فتستمد الحكومة من ذلك شرعيتها.
إن الديمقراطية تمنع الحكام من القيام بمغامرات عسكرية قد تدمر جيوشهم أو تؤثر سلبًا على اقتصاد بلادهم، فكما يظهر من تعريفها تعني أن السلطة لا مركزية أي موزعة على المستويات الحكومية المختلفة، وليست مركزة في أيدي فصيل أو شخص بعينه. وفي حالة الحرب حيث يتطلب الأمر رداً سريعاً وموحداً، يتعين عادة على البرلمان موافقته قبل الشروع بعملية عسكرية هجومية، ولكن بإمكان السلطة التنفيذي (الحكومة) في بعض الأحيان وفِي حال تباطؤ البرلمان أن تتحرك بقرار خاص وإطلاع البرلمان على ذلك. وإذا ما تعرض البلد الديمقراطي إلى هجوم عسكري فالموافقة البرلمانية لا تكون ضرورية للشروع بالعمليات الدفاعية عن البلاد. وبإمكان الشعب أن يصدر قرارًا بتجنيد الناس للخدمة في الجيش. أما الأنظمة الدكتاتورية فتستطيع من الناحية النظرية في حالات الحرب التصرف فوراً وبقوة. ولكن مع ذلك تشير البحوث الواقعية إلى أن الديمقراطيات مهيأة أكثر للانتصار في الحروب من الأنظمة غير الديمقراطية (الحرب العالمية الثانية والحروب العديدة بين بعض العربان بقيادة مصر ودويلة إسرائيل). والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى شفافية نظام الحكم واستقرار سياساته حال تبنيه الحرب، وإلى مقدرة الديمقراطيات أكثر من غيرها على التعاون بشكل ما مع شركائها في خوض الحروب. هذا فيما تُرجع دراسات أخرى سبب هذا النجاح في خوض الحروب إلى التعبئة الأمثل للموارد المادية والبشرية والمعنوية أو اختيار الحروب التي فيها فرص الانتصار كبيرة.
وبحسب الإحصائيات، هناك علاقة تبادلية بين ازدياد الديمقراطية وارتفاع معدلات إجمالي الناتج القومي للفرد وازدياد الاحترام لحقوق الإنسان وانخفاض معدلات الفقر. ولكن مع ذلك هناك جدلًا دائرًا حول مدى ما يمكن أن يُنسب من فضل للديمقراطية في هذا المضمار.
ومن ناحية الفساد تشير الدراسات التي أجراها البنك الدولي إلى أن نوعية المؤسسات السياسية مهمة جداً في تحديد مدى انتشار الفساد في الدول المختلفة، فوجود الأنظمة البرلمانية والأحزاب السياسية والاستقرار السياسي وحرية الصحافة كلها عوامل ترتبط بإنخفاض مستويات الفساد في الدول الديمقراطية.
كذلك تشير البحوث العلمية إلى ان الإرهاب أكثر انتشاراً في الدول التي لا تتمتع بالحريات السياسية. وأقل الدول معاناة من الإرهاب هي أكثرها ديمقراطية.
ومما لا شك فيه أن الديمقراطيات الليبرالية التي التزمت بها دول أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ساعدت إلى حد كبير حتى الآن على الآقل في عدم اندلاع حروب بينها، كما أنها شهدت أيضًا عددًا قليلًا من الحروب الأهلية.
أخيرًا تفيد بحوث عديدة إلى أن الأمم الأكثر ديمقراطية يتعرض مواطنيها إلى القتل بدرجة أقل من قبل حكوماتها، قياسًا بالدول الخاضعة لحكومات ديكتاتورية. كذلك كلما إزدادت جرعة الديمقراطية في دولة ما، ارتفع معدل السعادة بين مواطنيها.
المقال القادم سوف يتناول بعض المآخذ على الديموقراطية وحكم الأقلية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,476,603,920
- هل (دحية الكلبي) هو (جبريل محمد)؟!
- مجرد رأي بخصوص الوثيقة الفرنسية
- معركة صفين
- الخلاصة
- الزنادقة أو الهراطقة
- الحجر الأسود كان سيِّد الموقف!
- الإسلام والتأسلم القهري!
- مقدمة (كتاب الإسلام جاء من بلاد الفرس)
- هل مكة الحجازية أم القرى؟
- الإسلاموية وتدمير النفس البشرية
- المؤمرة ونظرية المؤامرة
- المتأسلمون بين نظرية المؤامرة والشوفينية
- وجة نظر في البحث عن ثقافة التنوير والحداثة
- ياسين المصري - كاتب وباحث علماني من مصر، يهتم بشؤون الإنسان ...
- عن الذين يقتاتون من تسويق الأوهام!
- العبث بالديانة الإسلاموية!
- إمرأة واحدة تلتهم أمة بكاملها!
- التنوير والحداثة واضطراب الثقافة الإسلاموية 1/2
- محاولة لفهم علاقة المتأسلمين بالأقباط
- التأسلم وتشكيل العقل الأرهابي


المزيد.....




- هيئة الانتخابات التونسية تحذر من استغلال المساجد ودور العباد ...
- ترامبي مهاجما: أنا لم أعتبر نفسي المسيح المخلص.. والـ CNN كا ...
- -قامر بأموال الفلسطينيين لصالح الإخوان-.. حبس نجل نبيل شعث 1 ...
- مقتل 12 شخصا في هجوم لـ -بوكو حرام- استهدف قرية في النيجر
- إعلامية لبنانية تثير الجدل بعد مطالبتها باستقدام اليهود إلى ...
- اليوم في مقر “التجمع” : الأمانة العامة تجتمع برئاسة سيد عبدا ...
- تقرير رسمي : “الإخوان” ترمي بأفرادها في الهلاك ثم تتنصل منهم ...
- ملحدون في الأردن... من التدين الظاهري إلى الشك
- “الإفتاء” تحدد شرطا يجعل “التاتو” حلالا
- الفاتيكان يدعو الحكومة الإيطالية لتحكيم صناديق الاقتراع


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة تفكيك الواقع المتأزم في مصر 1/5