أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شوقية عروق منصور - الزائر الفلسطيني دفنه الحنين والزائر الاسرائيلي شبع من الترحيب















المزيد.....

الزائر الفلسطيني دفنه الحنين والزائر الاسرائيلي شبع من الترحيب


شوقية عروق منصور

الحوار المتمدن-العدد: 5974 - 2018 / 8 / 25 - 15:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



يستطيع المرء أن يبعثر الصور ، ويرمي بعض من ذاكرته في أقرب صندوق للقمامة، ولكن هناك أبجدية التفتيش التي تتحدى النسيان والهدوء ، حين تبدأ الأصابع في تقليب الصفحات المحشوة بالمسامير ، ما عليك سوى نزع المسامير لتخلف وراءها حفراً صغيرة . تنبعث منها أشعة الوجوه الغائبة .
في يوم استيقظت على الحاح بصوت كالرعد من طرف أحد أقاربي ، الزائر للوطن بعد غربة قسرية استمرت عشرات السنين في إحدى الدول العربية، وبعد تقديم عدة طلبات للزيارة، كان خلالها يحاول إيقاف خطوات الموت، لعله يرانا ونراه " ويشبع منا كما كانت تردد جدتي " ولولا الواسطات وتدخل أحد أعضاء الكنيست لما كانت الزيارة لوطنه الذي هُجر منه عام 48 .
استقبل الزائر الغائب الأقارب الذين توافدوا الى بيت شقيقه ، ووقعوا فوق ذاكرته حكاياتهم واشتياقهم، كان أحياناً يتذكر الوجوه التي تسأله بفرح – عارفني - وأحياناً يتأمل ويجر النسيان لعله يفتح له الأبواب ولكن هيهات ويخجل.. ويردد يلعن أبو الغربة ، يلعن أبو النكبة .
الزائر الغائب احتضن وقَبل وبكى بحرقة وحكى عن لجوئه وألمه وخوفه من الموت قبل أن يضمنا ويشمنا ويتنفس هواء بلاده ، وسار بهدوء على ضفة نهر حياته حين سألناه عن الوضع السياسي في بلده ، ورأيت بريق عدم الثقة يلمع في عينيه، أنه لا يثق بنا .. وردد بسخرية " أه يا ليل يا عين " كأنه أراد بهذه العبارة الموسيقية إنهاء الحديث ، وعذرناه .. لأن الجدران المصنوعة من العيون والآذان قد أوسعته رعباً من كل شيء .
الحاح هذا الزائر الغائب في الصباح المتوهج بصحون الفطور التي تمتد على المائدة المليئة بما لذ وطاب، كان يصب في عبارة واحدة ، أريد رؤية بيتنا في المجيدل – مجدال هعيمق حالياً .! وطلبنا منه تناول الفطور .. رفض وأصر أن يتناول فطوره في ساحة بيتهم.
لم نرد أن نكسر أحلامه ، ونحطم ما تبقى في خياله من بقايا صور عن بيتهم ، قلنا سنأخذه الى هناك ويرى ما رأيناه منذ زمن طويل ،وحشرنا في زاوية من الذهول الممزوج بالبكاء الصامت .
حين دخلنا الى الطريق المؤدية الى قرية المجيدل، لم يصدق ، كل شيء اختلف ، كنت أرى ملامح وجهه تتجهم وتغرق في عرق أخذ ينبت من حيرة وعدم تصديق ، ومع الشرح الذي كان يسقط على أرض أصبحت تبتعد عنه ، كان أبي يقول ، هنا كان بيت فلان ، وبيت فلان .. والمطحنة .. بيت المختار .. وهنا بيتكم .. وقفت السيارة بعيداً، مع صمته كنت أعرف أنه يرسل رسائل الى أحاسيسه التي كذبت عليه وقامت بتشويه سنواته ، حين احتفظت بصورة لبيتهم ، وبجدرانه العالية ، سمعت صوت صمته وهو يتساءل ، ثم همهم ، كيف صغر – العقد الكبير – وتحول الى بيت تحيط به حديقة مسيجة بقضبان تدلت من أطرافها نباتات خضراء ، وأين اختفت الساحة الكبيرة وبئر الماء الذي كان يتوسطها ، لسخرية الأقدار رأى الدلو – تنكة صدئة - الذي كانت والدته تنشل بواسطته الماء من البئر، مرمياً بعيداً ، الظاهر أن الدلو – التنكة - كان سابقاً قد تحول الى حاوية للنفايات ، لقد عرف الزائر الدلو من الذراع الحديدي الذي قام والده بتركيبه لكي يسهل ربط الحبل عند نشل الماء من البئر .
أراد أن يلف حول البيت ويأخذ الدلو المرمي بعيداً ، لكن منعناه خوفاً من اتهامنا بالسرقة، واذا امسكوا بنا كيف نفسر هذه السرقة الساذجة في زمن السرقات الكبيرة.
من بعيد ، كنا مجموعة برفقة الغائب الزائر، نتأمل البيت ولا نستطيع الاقتراب ، مع إصرار الزائر على الدخول ، كان لا بد أن يقترب أحدنا ويقرع الجرس ، لكن قبل الاقتراب خرج صاحب البيت ، وأخذ يشتمنا ، ويصيح بأعلى صوته ، ماذا نريد ؟ ولماذا نراقب بيته ، حاولنا توضيح موقفنا أن مالك البيت الحقيقي يريد رؤية بيته ، فقد جاء من بعيد، وأمنيته رؤية بيتهم القديم من الداخل .
وكأننا أشعلنا النار في ثيابه ، أخذ يصرخ ويشتمنا هذا بيتي .. اطلعوا من هون يا لصوص ، ووصل صوته إلى الجيران الذين قدموا وأخذوا يشاركون في الشتم وفي رمي الحجارة علينا ،حتى هربنا من أمامهم .
حين وصلنا الى بيتنا ، نظرت الى وجه الزائر ، شعرت أن التجاعيد في وجهه قد ازدادت عمقاً ، وأن الزمن قد ركض به وأصبح عجوزاً ، وتساءلت كيف كبر فجأة ؟ أم أنني لم أكن أراه جيداً ؟ .
استمرت زيارته عدة أيام ، لم يعد ذلك الزائر الذي كان يحمل الكلام على أجنحة الضحكات ، ويحاول تمرير الابتسامات حتى لو تحدث عن الصعوبات والسجون والمذابح التي عايشها ، وعندما ودعناه ، حاول ترويض شفتيه على الابتسامة ، لكن الدموع سبقت الترويض وسالت بين التجاعيد ، هذه آخر صورة له ، من خلف زجاج السيارة التي كانت تسير بسرعة كأنها تريد أخذه الى مكان بعيد .. وبعد عدة أشهر توفي، وما زالت نظراته الأخيرة تتهم الأقدار بأن أمنيته برؤية بيته لم تتحقق .
الزائر الآخر " آفي غباي " رئيس حزب العمل الإسرائيلي سافر مع زوجته وأولاده الى المغرب ، لكي يزور مسقط رأس والده وأخوته – هو من مواليد إسرائيل - فوالديه ينحدران من المغرب ، الدار البيضاء ، مع أن " آفي غباي " صهيوني يميني الى حد الانصهار ، ويُصرح خلال مقابلاته بأنه ضد قيام فلسطينية ، وضد السلطة الفلسطينية ومع استمرار الاستيطان ، ويتباهى بالمستوطنات ..وو من الشعارات الصهيونية العنصرية الرنانة التي أصابتنا بالتخمة السياسية من كثرت تكرارها .
هذا " الغباي " بكل وزنه العنصري ، يلقى الترحيب والاحتضان في المغرب ، حتى أنه – غباي – من شدة دلاله يعتب على " غوغل " الذي تجاهل القرية الصغيرة التي ولد فيها والده ، و التي تقع نواحي مدينة " دمنات " المغربية ، والتي بقي يفتش عنها ، حتى وجدها ، وهناك قابل الجيران الذين عرفوا والده ، وقد تحدث معهم بلغتهم المغربية، وقد قاموا بواجب الضيافة المغربية اتجاهه، لم يطرده أحد ، ولم يُشتم ويضرب بالحجارة، وعاد الى دولته منتصراً شامخاً مفتخراً بالاستقبال المغربي.
قد تكون طرق الوصول الى الوطن عمياء ، لا ترى الخطوات ، ولا تجاعيد الزمن ، ولا تقرأ الوجوه ، لكن مخالب الحنين تخرمش وتترك أثراً ، حنين الفلسطيني الى بيته تحول الى خوف وهروب وموت أمل ، حنين اليهودي الى بيته تحول الى سحر وفرح وانتصار وولادة أمل .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,517,271,413
- قانون القومية يرقص رقصة الكيكي في ذكرى المجزرة
- ما زلت انتظر عودة ساعة جدي
- ريفلين وليبرمان لن يجدوا أنفاق الاصرار
- بدنا نلعن أبوه
- قتله لكن فقراء
- الشهيد نجمة في السماء والاسم المجهول لى الارض
- قانون العنزة السوداء في حذاء نتنياهو
- عذراً من أقدام الشهداء
- الكاتوشوك لنا والمرايا لنا وليس لهم الا الصمت
- الشجاعة تؤدي الى المرحاض الذهبي
- ماذا سنقدم لمرغريت وفيكتور وفانيسيا
- انحني تقديساً لأم أحمد جرار
- خمس دقائق تلخص وجع وعد بلفور
- عهد التميمي ليست فلسطينية
- أموت في أمك يا تميم
- الموت وقبعات السحرة
- شادية وشوقية والجد حسن
- زمن ياسمين زهران
- رؤساء برائحة النفتالين
- تقبيل اليد التي ضربت الخد الأيمن


المزيد.....




- روحاني: هجوم "اليمنيين" على موقعي أرامكو بمثابة &q ...
- ليندسي غراهام يصف الهجوم على السعودية بـ "عمل حربي&quo ...
- واشنطن: الهجوم على أرامكو يهدد السلم و الأمن الدوليين ويستدع ...
- مسابقة تصوير تعرض روح الدعابة لدى الحيوانات البرية
- ليندسي غراهام يصف الهجوم على السعودية بـ "عمل حربي&quo ...
- واشنطن: الهجوم على أرامكو يهدد السلم و الأمن الدوليين ويستدع ...
- الانتخابات التونسية تغري الجزائر بانتظار -قيسها-
- روحاني: هجمات أرامكو مبررة وهي رسالة تحذير من اليمنيين
- استشهاد فلسطينيّة بعد إطلاق النار عليها شمال القدس
- بالفيديو والصور... سلاح إيراني مرعب يهدد الجيش الأمريكي في ا ...


المزيد.....

- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي
- مصطفى الهود/اعلام على ضفاف ديالى الجزء الأول / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شوقية عروق منصور - الزائر الفلسطيني دفنه الحنين والزائر الاسرائيلي شبع من الترحيب