أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عامر الدلوي - السيدة زارو الخياطة















المزيد.....

السيدة زارو الخياطة


عامر الدلوي

الحوار المتمدن-العدد: 5973 - 2018 / 8 / 24 - 15:35
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


في سنوات الخمسينات و الستينات و ما قبلهما إشتهرت في بغداد أسماء أمتهنت حرفا ً كثيرة لمعت فيها و في صنعتها , تناول الكثير من الباحثين العديد منها بالتعريف و الشرح , و ظلت تلك الأبحاث أسيرة أعداد مجلات و بطون كتب لم تتيسر لعامة الناس ليطلعوا عليها .
هذا ما يخص تاريخنا الحديث و الذي أحتوى من بين الكثير من تلك الأسماء , أسماء لشخصيات أرمنية برعت في تلك المهن للحد الذي صارت أسمائها علامة مميزة للمهنة ذاتها .
برع في مجال التصوير كل من المصور الصحفي الرائد امري سليم لوسينيان شيخ المصورين الصحفيين العراقيين الذي صور ملوك وزعماء العراق وارشف جزءاً كبيراً من تاريخ العراق، والمصورين الفوتوغرافيين المعروفين ارشاك (صاحب ستوديو ارشاك) وجان (صاحب ستوديو بابل للزعماء والرؤساء ) , المصور السينمائي خاجيك ميساك كيفوركيان، وهو من أوائل الرواد في مجال التصوير السينمائي ومن الرواد القلائل في تقنية التصوير في العراق والوطن العربي .
و في مجال التأليف و الكتابة برزت أسماء , شانت كندريان و هو كاتب أرمني عراقي و يعقوب سركيس، كاتب عراقي أشهر مؤلفاته كتاب المباحث العراقية و كذلك يوسف عبد المسيح ثروة(سارويان) اديب ومسرحي من مؤلفاته اصول ادب الحداثة وتراجم كثيرة اخرى و شكري كرابيت بيروسيان الذي كان عضو نقابه الصحفيين وناشط يساري .
أما في مجال الفن فقد تلألأت أسماء كل من , فنانة الشعب الرائدة آزادوهي صموئيل وعازفة البيانو الشهيرة بياتريس اوهانسيان و الموسيقار الشهير آرام ارميناك بابوخيان و الغنية عن التعريف مطربة الذوق المرهف في سبعينات القرن الماضي سيتا هاكوبيان التي تعيش الآن في كندا , و الرسام ارتان مالاكيان , المقيم حاليا ً في الولايات المتحدة الأمريكية.
هذا على صعيد من تألق منهم و أكتسب صيتا ً و شهرة , أما الناس الذين عاشوا في قاع المدينة فلا يكاد يعرفهم من أبناء الأجيال الجديدة أحدا ً , أما من ابناء أجيال الستينات و السبعينات فلا يكاد اليوم يتذكرهم إلا النزر اليسير ممن عايشوهم و شاركوهم العيش في قاع المدينة .
أذكر منهم رجل عجوز تخطى السبعين من العمر كان يوميا ً يخترق شارع الرشيد من ناحية الميدان سيرا ً على الأقدام و حتى الباب الشرقي ثم يقفل عائدا ً بعد أن تكون بضاعته قد نفذت , كان يحمل تلك السلة المصنوعة من خوص سعف النخيل ويدة حملها مصنوعة أيضا ً من خيوط الليف الذي يغلف سعف النخيل و التي يدعوها عامة الناس بـ " الزنبيل " و في وسطها قدر من الألمنيوم حاويا ً بضاعته , التي لم أر أحسن منها و أنظف , لكونه هو كان يقطر وردأ ً و عطورا ً من شدة نظافته , و مازال صدى ندائه يرن في أذني بتلك اللكنة المميزة التي تتكسر فيها الحروف العربية لتخرج النغمة المعتادة و الخاصة به رغم مرور قرابة الخمسة عقود على ترددها في أجواء الحيدرخانة و هو يمر نحو هدفه اليومي .
" لئم بأجين " .. " لئم بأجين " كانت تنساب من بين شفتيه كنغمات الموسيقى لتعزف لحن الإباء و الشمم و الكفاح من أجل العيش الكريم الذي يحول بين الإنسان و بين مد يده مستعطيا ً من الآخرين . كان هذا الرجل يبيع " اللحم بالعجين " الذي أشتهر بصنعه ابناء جلدته الذين سكنوا الموصل , و الذي أمسى اليوم له مطاعمه الخاصة في بغداد و أربيل و أعني بذلك سلسلة مطاعم " لحن بعجين الجندول " .
و أذكر منهم ذلك الرجل الشامخ كشموخ الجبال و هو يقف أمام عربته التي يركنها أمام مسكنه في المربعة / سيد سلطان علي داخل المنطقة السكنية و ليس على جهة الشارع , تلك العربة التي كان يقصدها البغداديون من كل حدب و صوب ليتمتعوا بأطيب وجبة من " الروست " المصنعة من أجود اللحوم الطرية للعجول المحلية حيث لم يكن هناك على أيامها لحوم مستوردة ... مَنْ مِنْ أبناء جيلي و لم تحصل له الفرصة في زيارة العم " أبو مانو " فقد خسر خسرانا ً مبينا ... هههههههه .
كانت سنوات السبعينات من أجمل السنين التي مرت على تاريخ العراق .. فكان الإنفتاح و التفتح و التمدن صفة العصر البينة , و يمها لم يكن هناك محرمات كالتي جاء بها إلينا إسلاميوا ما بعد 2003 , فصارت محرماتهم الغير مستندة لدليل ثابت هي الطاغية , طغيان أفكارهم الظلامية على أجواء العراق .
في تلك السنوات كان العراق يمثل قلعة للثقافة و التمدن تجسدت في متابعة نسائه لآخر صرعات الموضة في العالم و التي كانت تصلهن عن طريق مجلة " بوردا " الألمانية نظرا ً لعدم وجود البث الفضائي و الأنترنت على أيامها , و كانت بنات الطبقة " العليوي " كما يسميها أخوتنا المصريون و الكثير من بنات الطبقة المتوسطة في بغداد يحلمن بإرتداء الملابس المخاطة حسب تصاميم المجلة الشهيرة و التي كانت تلحق معروضها من الأزياء بتصاميم ورقية يمكن تفصيل القماش حسب الموديل المختار و كانت تسمى " الباترونات " .
أشتهرت في بغداد خياطة أرمنية تقطن منطقة البتاويين في المنطقة المقابلة للكنيسة عند بداية شارع النضال , تخيط الملابس حسب باترونات مجلة " بوردا " بشكل لا يكاد المرء أن يعقله و كأنه مصنع في معامل الإنتاج الواسع , مثل ما نشهده اليوم من ملابس كلها تأتينا مستوردة بحكم توقف معامل مصلحة الخياطة العامة عن الإنتاج منذ الغزو الأمريكي لبلادنا .
السيدة " زارو " كانت خياطة العائلة تقريبا ً حيث معظم أقاربنا كانو يخيطون لديها , حتى جاء موعد زواجي فأخذت كافة أقمشة زوجتي إليها بما في ذلك فستان العرس , الذي أنجزته في الموعد المحدد على أمل أن تكمل بقية الفساتين بعد عودتنا من سفرتنا إلى شمال الوطن .
لكن ما حصل أنه عند عودتنا كانت الأقمشة في البيت دون خياطة , مع إعتذار شديد منها لعدم تمكنها من خياطتهن لظرف أستجد في حياتها , و تفصيل ذلك الظرف هو :
أن أحدى الفتيات المسيحيات طلبت منها خياطة فستان لها لتحضر فيه حفلة عيد ميلاد إحدى بنات الرئيس اللواتي تعمل هذه الفتاة في خدمتهن في القصر الجمهوري , و عندما رأته إبنة الرئيس إنبهرت إعجابا ً بما يحمله من دقة و أناقة في الصنعة تفتقدها ملابسهن التي يتبضعن أياهن من أشهر الماركات العالمية في أسواق أوربا , سالت البنت عن مصدره فقالت لها أنه من صنع خياطة أرمنية أسمها " زارو " , لتبدأ قصة جديدة إذ أخذت بنات الرئيس بأرسال " مانيكانات " على شكل مقاساتهن مع أفراد الحماية مع الأقمشة و الموديل المطلوب خياطته , ليعود بعد ذاك أفراد الحماية لأستلام الملابس محملين بالنقود و الهدايا للسيدة " زارو " .
وعندما تزوجنا نحن في العام 1981 لم تعد بنات الرئيس تحتملن أن تخيط السيدة " زارو " لهن و و للآخريات من النساء فصدرت أوامرهن بأن تصبح السيدة " زارو " خياطتهن الخاصة , كما فعل أباهن للخياط " هاروت " الذي كان يخيط له بدلاته قبل أن يصبح نائبا ً للرئيس ثم رئيسا ً للبلاد , فأمر السيد " هاروت " بغلق محله في " رأس القرية " بشارع الرشيد و الإنتقال إلى الدور المحاذية للقصر الجمهوري في كرادة مريم ليصبح الخياط الخاص به .
و من يومها إنقطعت أخبار السيدة " زارو " عنا لأسباب عديدة أولها إقامتها هناك و ثانيها وفاة العديد من أقاربنا من النساء اللواتي كن على صلة بها .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,078,265
- الأرمن العراقيون كما عرفتهم
- - عروس الثورات -
- لروح الشهيد الخالد - عماد الدين سليم الجراح -
- يوم إغتيال الحلم
- هل سيستجيب لكم
- العيد العالمي للطبقة العاملة
- 11 عاما ً من الإنتصار لحقوق المرأة العراقية
- يوم المرأة العالمي ... نضال لا يستكين
- نصرة قضايا المرأة ما بين الأمس و اليوم - الزهاوي مثالا ً
- - سراب بري - رواية من نمط الواقعية الإشتراكية
- الخامس و العشرين من شباط 2011 الذكريات و الدروس و العبر
- بيان تجمع - كفى -
- في ذكرى ليلة المجد
- عندما تعمي الطائفية المقيتة البصر والإبصار
- في الذكرى السادسة والستين لإعدام قادة حزبنا الأبطال يتجدد ال ...
- الذكرى الثانية والخمسين لإغتيال وطن
- في ذكرى يوم المرأة العالمي
- ماذا جرى و يجري في محافظة لحج من جمهورية موزمبيق يا مالكي ؟
- أي دولة قانون هذه يا مالكي ؟
- على هدى الذكرى الثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي


المزيد.....




- لماذا تعتبر السمنة خطيرة جدا؟
- تركي آل الشيخ يزف نبأ سارا للنادي الأهلي المصري
- الحوثي يوجه طلبا للشعب السوداني
- حرائق عديدة تجتاح بلدات في لبنان و-تلامس منازلها-
- عقوبات أمريكية على مسؤولين أتراك وترامب يطلب وقفا فوريا للعم ...
- البيت الأبيض: وفد أمريكي رفيع المستوى يزور أنقرة قريبا لمناق ...
- الحكومة اليمنية توافق على دخول 10 سفن وقود إلى ميناء الحديدة ...
- فظاعات الموالين لتركيا في الشمال السوري
- تحديات تواجه بغداد.. عراقيون يدقون ناقوس الخطر
- The Insider Secrets of How Write Chem Lab Report


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عامر الدلوي - السيدة زارو الخياطة