أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبد الكريم يوسف - الموت في أدب شكسبير















المزيد.....


الموت في أدب شكسبير


محمد عبد الكريم يوسف
الحوار المتمدن-العدد: 5933 - 2018 / 7 / 14 - 11:08
المحور: الادب والفن
    



كثيرا ما يمتدح الناس شعراء البارد Bardلشعرهم الجميل و وصفهم الرومانسي وخيالاتهم التي تتضمنها مسرحياتهم ولكنهم يشتهرون أيضا بالوفيات المرعبة والمبدعة التي ينزلونها بشخصيات أعمالهم .ومن هؤلاء الشعراء العظام يمكن أن نذكر شكسبير. تؤخذ بعض الشخصيات في مسرحياته من التاريخ وبعضها من الأسطورة و البعض الآخر من بنات أفكار شكسبير وخياله. يستخدم شكسبير السم أو الغرق في قتل شخصياته . ويبدو أنه يمتلك عشرات الطرق المثيرة في التخلص منها وفي هذا المقال سنذكر باختصار عددا من حالات الموت الشهيرة لأبطال المسرحي الرائع شكسبير:

الملك هاملت :
تعد مسرحية هاملت الأطول بين مسرحيات الرجل العظيم شكسبير وهي تحتوي الكثير من حالات الموت المدهشة ، وربما كان أكثرها إثارة هو موت الملك هاملت والد الشاب هاملت . يموت الملك في بداية المسرحية لكن شبحه يظهر لعدد من الحراس في تقليد شكسبيري فريد ، ويبدو أنه على وشك أن يروي لنا كيف توفي لولا صياح الديك عند الصباح. كان القاتل هو كلوديوس شقيقه المقرب الذي قام بسكب السم في أذنه وهو نائم . نعم في أذنه. السم يتم عن طريق الطعام أو الشراب لكن أن تسكب قطرة سم في أذن الملك ولا يستيقظ . تلك هي العبقرية .
لا يتراجع الشبح عن وصف موته ، ويبدو أن هذا الحديث يريح الميت كثيرا ونجد أن شكسبير يكرس خمسين سطرا لرواية حادثة التسميم حيث يبدأ المفتاح لكل الأسرار هنا :
فيما كنت في قيلولتي
كعادتي بعد ظهر كل يوم
تسلل عمك إلي في ساعتي الأمينة تلك
وفي يده عصارة الأبنوس اللين
وسكب منه في أذني
تلك العصارة ولمفعولها
عداء كبير ضد دم الإنسان
فهي تجري بسرعة الزئبق
من خلال بوابات الجسم و ممراته الطبيعية .
***
عصارة الأبنوس اللعين.....يا لها من طريقة .....يا هاملت المسكين!

جورج ، دوق كلارينس في مسرحية ريتشارد الثالث
تعد مسرحية ريتشارد الثالث لشكسبير الثانية من حيث الشهرة والأهمية والصعوبة لأنها عصية على الفهم لمن لا يعرف جيدا السياسة البريطانية في العصور الوسطى. الشكر كبير لمن يحملون أسماء متشابهة وينتقلون من جانب إلى جانب آخر بأسلوب مثير للقلق . يمكننا أن نركز هنا على شخصية دوق كلارينس وهو نفس اسم أخيه الصغير.
وعلينا أن نشعر بجورج . لقد وصل أخواه إلى الحكم وصارا ملكين . ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟ لقد سجن في برج لندن بتهمة ملفقة ثم قـُتل بوحشية في نهاية المطاف. موت جورج لا يمكن أن يُنسى فقد مات بطعنات غادرة ثم أغرق في برميل من النبيذ. كان الجلادون يخبروه كل يوم أن يستعد للموت وكانوا يؤكدون له أن يستعد وهم يحادثونه يوميا. ثم يتعرض الرجل لمشهد موت طويل في حين يكرر الجلادون اخباره بالاستعداد للموت و كان الرجل يتحدث لنفسه ويتأمل الموقف إلى أن يقرر أحد القتلة أن يفعلها . فيطعنه قائلا : خذ هذه .خذ تلك (ثم يطعنه) سأغرقك في برميل من نبيذ مالامسي .وداعا يا كلارينس."
الخلفية التاريخية :
كانت الأختان نيڤل الوريثتان الشرعيتان لإقطاعات والدتهما الكبيرة، وكان زوجاهما يتنافسان مع بعضهما للسيطرة على أكبر قدر ممكن من تلك الأراضي، وكانت الغلبة في النهاية لريتشارد. وفي تلك الفترة، قُبض على جورج وأودع السجن في برج لندن بتهمة التآمر على أخيه الملك إدوارد، ثم أدين بالخيانة العظمى وحُكم عليه بالإعدام، ونُفذ فيه الحكم في عام 1478 "بشكل انفرادي". وقد ساد الاعتقاد بين الناس لفترة طويلة أنه أعدم غرقًا في برميل من النبيذ. يُحتمل أن هذا الادعاء لم يكن إلا سخرية في حينها، بما أن صيت جورج پلانتيجينيه كمعاقر للخمر كان ذائعًا ومنتشرًا بين العامّة، على أنه يُحتمل أن يكون فيه شيء من الصحة ، فالبراميل المستخدمة لتخزين النبيذ في حينها كانت سعتها تبلغ 477.3 ليترات، أي أنها كافية حتى يغرق فيها إنسان بالغ. أظهرت إحدى الجثث المفحوصة، والتي اعتُقد بأنها جثة جورج پلانتيجينيه إشارة تدلّ على قطع رأسها، وهو أسلوب كان شائعًا في إعدام ذوي الجذور النبيلة في ذلك الزمن. يُحتمل أن تكون رفات جورج أرسلت إلى الدير في برميل نبيذ، تمامًا كما حصل عندما أُرسلت رفات القبطان هوراشيو نيلسون إلى مسقط رأسه في برميل براندي، ولربما كان هذا هو السبب الذي جعل الناس تعتقد أنه قُتل غرقًا في برميل. وصف وليام شكسپير طريقة مقتل جورج پلانتيجينيه في مسرحية "ريتشارد الثالث" بأنه طُعن من قبل أحد القتلة، بعد أن أقنع الآخر بألا يطعنه، ومن ثم أُغرق في برميل نبيذ، وفي فيلم ريتشارد الثالث من عام 1955 صُوّر بأنه ضُرب على رأسه من الخلف وفقد وعيه، ومن ثم أغرق، وفي نسخة عام 1995 من نفس الفيلم صُوّر بأنه ذُبح أثناء استحمامه.
السيدة ماكبث:
السيدة ماكبث شخصية في مسرحية ماكبث لشكسبير، فهي زوجة بطل المسرحية الذي يدعى ماكبث وهو رجل اسكتلندي. كما أنها أصبحت ملكة اسكتلندا بعدما دفعت زوجها إلى قتل الملك ، ولكنها عانت بعدها من الشعور بالذنب لكونها جزء من الجريمة. وصارعت الموت في الفصل الأخير والذي بدا كأنه حالة انتحار.
مسرحية ماكبث حافلة بالموت والشخصيات تموت بطريقة غريبة جدا ونجد أن شكسبير يستمتع بهذه الغرابة . يُخبر ماكبث بموت الملكة في الفصل الخامس ، المشهد الخامس بطريقة غامرة :" لقد قضت الملكة يا مولاي." فيجيب الملك قائلا : " لدي الكثير من الأعمال الآن " ويبدو من الحديث أنه لا يكترث كثيرا لموتها . لقد كان موتها غريبا وحتى الآن لا يعلم أحد كيف ماتت و هناك من يقول أنها قد انتحرت ( رمت نفسها من سور القلعة ) بعد أن أصابتها لوثة جنون . ما رأيكم بهذه النهاية لشخصية هامة جدا مثل السيدة ماكبث؟
من هي السيدة ماكبث؟
تعتبر السيدة ماكبث ذات حضور قوي في المسرحية و خاصة في أول فصلين. وبعد قتل الملك دنكان ، بدأ دورها يتقلص في المسرحية. وأصبحت عنصرًا منفصلًا في مسرحية ماكبث كما أصبحت ضيفة منفرة غير مرحب بها في الوليمة التي هلوس بها زوجها. ويعتبر مشهد سيرها خلال النوم في الفصل الخامس نقطة تحول في المسرحية ، وكذلك مقولتها "هيا زولي أيتها البقعة اللعينة" التي أصبحت معروفة لكثير من متحدثي اللغة الإنجليزية. وأثار موتها في الفصل الخامس خطاب ماكبث "غدًا .. غدًا .. غدًا".
ويرى المحللون أن شخصية السيدة ماكبث عبارة عن صراع بين النسوية والذكورة، كما أثارت إعجابهم في الأعراف الثقافية. فقد قمعت السيدة ماكبث جميع غرائزها الخاصة بالعاطفة والأمومة والرقة المرتبطة بالأنوثة في سبيل الطموح والقساوة والتفكير المتمركز حول الوصول للسلطة.
انطلقت شخصية السيدة ماكبث لتقدم تركيبة من شخصيتين يرجع سبب بروزهما إلى الملك دوف والملك دنكان في سجلات هولينشد . فقد عانى أحد قادة الملك دنكان من موت أحد أقاربه بأمر من الملك نفسه. ثم فكر دونالد في قتل الملك كما وجهته زوجته باطلاعه على الوسائل التي تساعده على تحقيق المهمة أينما ذهب. ورغم أنه استنفر كل شيء للإقدام على هذا الفعل ، فقد خضع في النهاية لمحاولات زوجته المزعجة. وبعد إلهاء خوادم الملك بالطعام والشراب ودفعهم للخلود إلى النوم، سمح الزوجان لشركائهم بالدخول إلى غرفة الملك حيث يمكنهم قتله بسهولة. وكان الانتقام هو الدافع الرئيس وراء هذه الجريمة أكثر من الطموح.
وعلى الرغم من أن نظيرة السيدة ماكبث في العالم الحقيقي هي جروتش ملكة اسكتلندا فإن الشخصية الخيالية التي ابتدعها شكسبير لا تجمعها روابط كثيرة بالشخصية الحقيقية بدرجة كبيرة.
وكان أول ظهور للسيدة ماكبث في آخر المشهد الخامس من الفصل الأول عندما حصلت على رسالة من زوجها يبلغها فيها أن ثلاث ساحرات قد تنبأن بأنه سيكون ملكًا. وفي حين كانت مستضيفة للملك دنكان ليلًا استغلت الفرصة لتقتله. ولأنها تعلم بطبع زوجها "المعروف بعطفه الإنساني" الذي لن يسمح لها بقتل الملك، فقد دبرت تفاصيل جريمة القتل كاملة ، ثم واجهت جميع حججه واعتراضاته، وذكرته بأنه أول من تطرق إلى هذا الأمر وقللت من شجاعته و رجولته مما دفعه إلى الانصياع لخططها.
وفي ليلة أوى الملك إلى فراشه بعد الاحتفال، ثم خدرت حاشيته وجهزت الخناجر لتنفذ الجريمة. وقُتل ماكبث الملك النائم بينما كانت تنتظره السيدة ماكبث في الخارج. وعندما أحضر الخناجر من غرفة الملك أمرته بأن يعيدها لمسرح الجريمة مرة أخرى، لكنه رفض، فحملتها هي إلى الغرفة ولوثت أيدي الحراس الذين خدرتهم من قبل بدم الملك. ثم عاد الزوجان ليغسلا أيديهما.
وبعد مقتل الملك دنكان، تقلص دور السيدة ماكبث في المسرحية. وعندما هرب أبناء دنكان للحفاظ على حياتهم، تم تعيين ماكبث ملكًا على البلاد. وبدون استشارة زوجته أو ملكته، دبر ماكبث سلسلة أخرى من جرائم القتل للحفاظ على عرشه. وفي أثناء إحدى الولائم الملكية، بدأ ماكبث يهلوس بما ارتكبه من جرائم مما دفع زوجته إلى طرد الضيوف. وفي آخر ظهور لها، كانت تسير أثناء نومها شاعرة بالألم الشديد نتيجة الإحساس بالذنب. ولم تمت على خشبة المسرح بل ماتت في الكواليس ولكن تبين أنها انتحرت بعد أن أعلن مالكولم أنها ماتت على "أيدي عنيفة مثل يديها ."
يعتبر مشهد السير أثناء النوم هو أحد أبرز المشاهد في ماكبث بل في أعمال شكسبير جميعها، ولم يقابله نظير في تاريخ بريطانيا ، المصدر الذي لجأ إليه شكسبير في كتابة المسرحية لم يكن إلا من وحي خيال الشاعر.
روميو وجولييت
روميو وجولييت شخصيتان لقصة تحكي عن عاشقين صغيرين قدر لحبهما الانتهاء نهاية مدمرة. لم يخيل إليهما قط أن حبهما سيكون السبب في نهايتهما المأساوية تلك. هذان الحبيبان لم يفعلا شيئا خطأ قط ، إلا أن هناك ثلاثة عوامل ساعدت على نهايتهما وهي الشقاق بين عائلتيهما و خيانة الممرضة لجولييت وأهم عامل هو القدر. فالشقاق بين العائلتين كان عاملا ساعد على إنهاء حب روميو وجولييت. فالعائلتان مونتاجيو وكوبليتس كان بينهما العديد من المشكلات وكان بينهما كراهية شديدة ، وتلك الكراهية كانت سببا في العديد من المشكلات بين روميو وجولييت. وكان العاشقان على علم بتلك الكراهية، لذلك أخفيا زواجهما لأنه إذا علمت عائلتيهما بزواجهما فسيجعلان حياة أطفالهما بائسة، ولن يتمكن روميو وجولييت من رؤية أحدهما الآخر، فكلتا العائلتين كانتا تتصفان بعناد شديد وكان من المستحيل مصالحتهما في النهاية، والشيء الوحيد الذي قد يجمع العائلتين هو موت روميو وجولييت، ولأن روميو وجولييت قد أخفيا زواجهما عن عائلتيهما فقد لجآ إلى أناس آخرين طلبا للمساعدة، فأحيانا كان هؤلاء الأشخاص يقدمون لهما نصائح خاطئة أو يقومون بخيانتهما أحيانا أخرى، فالممرضة على سبيل المثال خانتهما على الرغم من أنها كانت مقربة من جولييت، فقالت لها إنه من الأفضل الزواج في باريس، لذلك تُركت جولييت وحيدة في ذلك الموقف ولم تساندها. جولييت كانت فتاة عاقلة، لكن كان من الأفضل أن تجد شخصا ما بجانبها، لذلك هربت واتخذت بعض القرارات الحاسمة، ولو بقيت الممرضة معها لكانت الأشياء تغيرت ولم تنته بتلك الطريقة المأساوية.
عند النظر إلى نهاية روميو وجولييت، نجد أن العامل الأساسي فيها كان هو القدر، فالقدر فوق كل شيء دمر روميو وجولييت، ومنذ البداية كان من الواضح نهاية العاشقين المأساوية. قد يقول البعض إنه من المستحيل تغيير القدر، وقد يكون مقدرا لروميو وجولييت تلك النهاية المأساوية كي ينتهي الخلاف بين عائلتيهما. من الأشياء التي تثير السخرية حفلة الأقنعة، التي جعلت جولييت تقع في حب روميو دون أن تعرف من يكون، فلو كانت قد عرفت مسبقا من هو، فربما ما وقعت في حبه على الإطلاق. منذ بداية القصة يتضح أن حب العاشقين سينتهي نهاية مأساوية. إنه من المحزن أنه كان عليهما الموت بتلك الطريقة. هناك جملة قيلت في المسرحية وهي تلخص هذه القصة " لا توجد قصة بها حزن أكثر من قصة روميو وجولييت."
تيمون الأثيني
تيمون الأثيني مسرحية لشكسبير، وتعد من مسرحياته الأكثر إبهاما وتعقيداً. تدور أحداثها كما هو واضح من الاسم في أثينا.
يقوم تيمون بعمل مآدبة طعام يحضرها تقريبا جميع أفراد المسرحية. يبذر تيمون المال بسخاء ويتسابق كل المدعويين لنيل رضاه ما عدا أبيمانتس "الفيلسوف والشاعر"، والذي مذهبه الفلسفي لم يلفت انتباه تيمون بعد فهو يقبل الفن من الشاعر والرسام والجواهر من الجواهرجي . يغضب أحد الأثينيين الكبار السن لأن خادم تيمون ، لوسيليس, يغازل ابنته ، ولكن تيمون يدفع له ثلاثة مقادير نقدية ، لأن سعادة خادمه تساوى الثمن الذي دفعه . عند ظهور تيمون الأول في الحفلة ، يُخبرنا أن صديقه فينتيديوس في السجن بسبب الديون و يبعث بالنقود لفك سجن صديقه الذي يصل في وقت لاحق إلى الحفلة . فيلقي تيمون خطبة عن أهمية الصداقة وتبدأ الحفلة التنكرية يتبعها الرقص . وعندما تنتهي الحفلة يقوم تيمون بإعداد خيوله استعدادا لليوم التالي .
فلافيوس "المدير المالي لدى تيمون" حانق بشدة بسبب تبذير تيمون لكل ثروته فهو يبالغ في سخاءه بالغدق على الكتاب و الفنانيين وينقذ أصدقاءه المشبوهين من الضيق المالي ، يعود تيمون من رحلة الصيد ويغضب لأنه لم يخبر بذلك من قبل ثم يلقي باللوم على فلافيوس الذي يخبره بمحاولاته العديدة لتنبيهه في الماضي دون جدوى ; وهو الآن في النهاية حيث بيعت أرضه . يأتي الدائنون ليطالبوا بديونهم فيرسل تيمون خادمه لاستدعاء من يعتبرهم أصدقائه المقربين.
يعود خدم تيمون واحداُ تلو الآخر ليكتشف أن كل الأصدقاء مزيفين ولا يهمهم إلا المصالح الخاصة فيدعوهم لوليمة ويحاول أن يعاقبهم .
ثم يرحل تحت ضغط الدائنين إلى خارج المدينة حيث يعيش حياة بائسة يسكن في كهف منعزل ويتغذى على الجذور والأعشاب البرية ويكتشف بالصدفة وجود كنز من الذهب في مكان ما من الكهف . يستدعي تيمون صديقه الثائر ألكيبيادز ويعرض عليه أن يدعم هجومه على المدينة ويستعيد مكانته في الدولة والمجتمع.
إن موت تيمون الأثيني يجعلنا نفكر مليا في حالات الموت التي يستحضرها شكسبير من دون أن يرف له جفن . فتيمون حكاية رجل كريم يعطي بسخاء ومن دون قيود ويستدين بغير حدود ليحل مشكلات الناس وينتهي بدين كبير يعجز عن سداده . ولهذا السبب يقرر أن يبتعد عن الناس ويعيش في كهف بعيدا منسيا . لقد أراد أن يكتب على شاهدة قبرة الأبيات التالية :
هنا يستلقي الجسد البائس صاحب الروح البائسة
لا أحد يعلم باسمي ، لم يبق لي إلا الديون
هنا أستلقي أنا تيمون الذي في حياته كره جميع البشر.
هكذا مات تيمون بمرارة شديدة بعيدا هناك في كهف معزول. فكيف كان شكسبير يخترع تلك الميتات القاسية ؟
هكتور في ترويلوس وكريسيدا :
هكتور من أبطال مسرحية ترويلوس وكريسيدا . تُوصف هذه المسرحية عادة بإحدى مسرحيات شكسبير التي تحفل بالمشاكل ، وهي ليست بمأساة تقليدية ، حيث أن بطلها ترويلوس لا يموت ، ولكنها تنتهي بطريقة كئيبة حيث يموت النبيل هكتور، ويتدمر الحب بين تريلوس وكريسيدا.
من الصعب تحديد إن كانت المسرحية مأساة أم ملهاة لأنها تناقش قضايا الحب والحرب والموت بطريقة مضحكة . وفي النهاية الغريبة نجد الانفصال بين ترويلوس وكريسيدا ونجد أن كريسيدا تخون ترويلوس مع شخص آخر. ولا نجد حلا حقيقيا في أي مكان لتلك المسألة ثم يموت هكتور قتيلا في النهاية و نجد أن الجمهور يصاب بالإحباط عندما تغادر الشخصيات المسرح . وأي نوع من الموت هذا ! يموت هكتور على يد آخيل الذي يجلس في خيمته بينما يُجر جسده المربوط بذيل حصان حول الخيمة في رسالة يريد أن يوصلها للطرواديين . يقول آخيل في نهاية المسرحية:" تعالوا اربطوا جسده بذيل حصاني/ جروه في الميدان حتى يأتي الطرواديون." قد يكون هذا الموت محبطا لكنه موت بطل أسطوري.
كليوباترا في أنطوني وكليوباترا:
في قصة أنطوني وكليوباترا نجد نوعا آخرا من حالات الموت غير العادي حيث تنتحر كليوباترا بسم أفعى . في نهاية الفصل الخامس من المسرحية ، تشعر كليوباترا بالإحباط بعد انتحار أنطوني واقتراب وصول قيصر إليها ليأخذها ويجرها أسيرة في شوارع روما في استعراض عسكري مذل . ووسط هذه الأجواء تقرر كليوباترا اختيار الانتحار بدل الهزيمة . تفشل محاولتها الأولى في الانتحار بسكين ولكن محاولتها الثانية الناجحة تحدث في أسلوب مسرحي فريد.
ترتدي كليوباترا أفضل ثيابها وتوافق على مقابلة صديق ريفي تصفه نصوص شكسبير بأنه مهرج. يحمل الضيف سلة تين مميزة تحتوي في داخلها "دودة النيل الجميلة" وهي أفعى سامة جدا تكفي لسعة واحدة منها أن تقتل ضحيتها بلحظات. تضع كليوباترا تاجها فوق رأسها ثم تقبل خادمتها التي تسقط ميتة ثم تقرب الأفعى من صدرها قائلة :" حلي هذه العقدة بأسنانك الحادة / افصليني عن هذه الحياة ." ثم نجد وصفا للأفعى بأنها الطفلة المدللة وتقربها من معصمها ثم تموت . تقترب الخادمة الثانية وتتبادل سطورا شعرية جميلة مع خادم قيصر حيث يجري الحوار التالي:
دولابيلا : كيف حال من في الداخل؟
الخادمة الثانية : كلهم أموات.
لقد كان شكسبير بحق سيد الكلمات .
عطيل
مسرحية تراجيدية لشكسبير. تتألف المسرحية من خمسة فصول. تدور أحداثها بين البندقية وقبرص. يُعتقد أنها كتبت في سنة 1603 وهي مستوحاة من قصة إيطالية بعنوان "النقيب المغربي" كتبها سينثو تليمذ جيوفاني بوكاتشو. نشرت المسرحية لأول مرة في عام 1565 م. تدور كل المسرحية حول أربع شخصيات رئيسة: عطيل الجنرال المغربي في الجيش البندقي و زوجته ديزدمونة و الملازم كاسيو مساعد عطيل و حامل الراية أياغو المنافق . تتنوع مواضيع المسرحية بين العنصرية والحب و الغيرة و الخيانة والموت .
شخصية عطيل تقدم بنحو إيجابي رغم عرقه المختلف ، وهو أمر غير مألوف في الأدب الإنكليزي في زمن شكسبير، حيث كان من المعتاد وصف العرب وغيرهم من ذوي البشرة الداكنة كأشرار متوحشين. كما تجنب شكسبير أي مناقشة حول الإسلام في المسرحية.
تجري معظم أحداث المأساة في مدينة البندقية، مثلها مثل "تاجر البندقية" (1600) ، ولكن قسماً آخر من أحداثها، يجري في قبرص، موضوعها الأساسي هو الغيرة القاتلة ، غيرة زوج مخدوع على زوجته البريئة الشريفة ، وغيرة صديق من صديقه.‏
أياغو حامل علم لعطيل ، الذي هو مغربي شريف، قائد جيوش في خدمة البندقية، وكذلك في هذه المأساة كما في "تاجر البندقية" شخصية مغربية ، فهناك أمير مغربي، وهنا قائد جيوش من أصل مغربي، ويتبع أياغو سيده عطيل المغربي فقط لكي ينتقم منه ، وله وجهان، وجه مطيع، وآخر يخفي حبّ الثأر والانتقام ، ويخاف أن يحصل عطيل على ديزدمونة ابنة أحد أعيان البندقية واسمه برابانتيو، ويعتمد أياغو في الوصول إلى غاياته على الدسيسة ، وعلى معرفته العميقة بشخصية ضحيته ، وهو يجسد الشر، وكان يضمر الأذى ، ولا تظهر عليه علامات الإنسان الشرير، ولا يعرف الارتباك ، لا يعرف الخوف إلى قلبه طريقاً ، وذو إرادة صلبة قوية ، وأناني إلى أبعد الحدود ولا يؤمن بوجود الحبّ والضمير والشرف ، ومن يؤمن بهذه المفاهيم فهو ساذج أبله برأيه ، فهو يقف خارج عالم الأخلاق نهائياً. يتلذذ بتعذيب ضحيته ، وهو شديد الحساسية لأي شيء يمس كبرياءه، لأنه يعي تفوقه على الآخرين، إنه يكره عطيل لأنه جعل كاسيو ملازمه، وهو أيضاً ينزعج من كاسيو لأن عطيل فضله عليه، وهو يرغب في الحصول على منصب يليق بإمكانياته الكبيرة، يتعاون مع رودريغو وهو وجيه من وجهاء البندقية، لا يرغب به برابانتيو زوجاً لابنته ديزدمونه، فيبلغ أياغو ورودريغو والد ديدمونة أن عطيل يلتقي بها، ويتزوج عطيل ـ الذي هو سليل بيت من البيوت المالكة ـ ديزدمونة لأنه أحبها وأحبته. فيقوم أياغو بإعلام أبيها بالخبر ويدله على منزل العاشقين . يخرج الأب مسلحا بفرقة جيش لمعاقبة عطيل وعند ساعات الصباح الأولى يلتقي والد ديزدمونة بعطيل الذي يطلب من عمه أن يعيد سيفه إلى غمده حتى لا يصدأ من ندى الصباح. وعندها يبدأ أياغو بمحاولة تخريب بيت عطيل، إذ يحاول إقناعه أن ديزدمونة خائنة، التي كانت ترافق زوجها في قبرص حيث جرت معارك انتصر فيها عطيل على الأعداء وأغرق سفنهم، فيقول أياغو لعطيل أنّ ديدمونة غشت أباها، ولديها الاستعداد لخداع زوجها: "تزوجتك دون أن تحصل على موافقته ، وقد تغشك" ويبحث عن وسيلة يحاول فيها تخريب بيت عطيل بيد عطيل نفسه، ولأنه لا يستطيع تنفيذ المؤامرة بمفرده، يطلب من زوجته إميليا مساعدته، دون أن يشرح لها أنه يحيك خيوط مؤامرة. فيطلب من زوجته إميليا سرقة منديل زوجة عطيل، ديزدمونة، دون أن يشرح لها الأسباب، أو أنه يضمر الشر لأسرة عطيل، فتقول إميليا: "هذا المنديل هو أول تذكار أهداه المغربي إليها، وزوجي الغريب الأطوار، قد لاطفني، وطلب مني أن أسرقه لـه، غير أنها تحبّ هذه الهدية حباً جماً، لأن عطيل أوصاها ملحاً بالاحتفاظ بها أبداً ولهذا هي تحملها بلا انقطاع وتقبلها وتخاطبها"
وتسرق إميليا المنديل وتعطيه لزوجها أياغو الذي يرميه في غرفة كاسيو.‏
ويقول لعطيل: "إنني كنت بائتاً منذ ليال مع كاسيو... تبينت أن كاسيو يرى حلماً.. سمعته يقول وهو مستغرق في رؤياه "حبيبتي ديزدمونة لنكن حذرين ولنخف حبنا".. وحينئذ يا سيدي أمسك بيدي يشدها ويصيح "يالك من حسناء شهية" ثم طفق يلثمني بقوة.. ثم ألقى بساقه على فخذي وتنهد وعانقني وصاح: "لعن الله الحظ الذي وهبك للمغربي". ويقول لعطيل أنه رأى المنديل بيد كاسيو.‏ ويطلب عطيل من ديزدمونه المنديل متظاهراً أنه مصاب بزكام قوي، وهذا المنديل وهبته امرأة مصرية لأم عطيل، وكانت المصرية ساحرة، وقالت لها ما دام المنديل معك فزوجك يحبك وإن فقدته فقد تفقدي حبّ زوجك. وحافظت عليه إلى ساعة زفافها وأعطته لعطيل وأوصته أن يعطيه لزوجته، فلا يجوز فقدانه. وهو من الحرير الطبيعي.‏
ويقول أياغو لعطيل إنّ كاسيو اعترف لـه بفعلته، وأتفق وإياه أن يسمع حديثاً بينه وبين كاسيو ويكون عطيل مختبئاً، ووافق عطيل، وسمع الحديث دار حول امرأة أخرى كانت خليلة كاسيو، وظن عطيل أن الحديث يدور حول زوجته ديزدمونة.‏
ويسأل عطيل إميليا زوجة أياغو عن ديزدمونة، ويتهم زوجته بالخيانة وكان أياغو يأخذ من رودريجو مجوهرات بحجة أنه يعطيها لديزدمونة، ولم يعطها فيريد التخلص من رودريجو لكي لا يطالبه بالمجوهرات، ويريد أيضاً التخلص من كاسيو، فقال لرودريجو إنّ وفداً جاء من البندقية ويريد تعيين كاسيو مكان عطيل، فالأفضل التخلص من كاسيو، الذي سيكون في منتصف الليل عند خليلته. ويضرب كل منها الآخر رودريجو وكاسيو، ويضرب أياغو كاسيو ويكسر ساقه، كل هذا في الظلام ويهرب وبعد ذلك يعود في الظلام ويضرب رودريجو ويقتله.‏
يخنق عطيل ديدمونة بتهمة الخيانة مع كاسيو ولكن إميليا زوجة أياجو تكشف الحقيقة لعطيل أنّ المنديل هي أخذته وأعطته لزوجها دون أن تعلم أنه يبيت أمراً خبيثاً وإجرامياً فيطعن عطيل نفسه حزناً على ديزدمونة بعد أن يكون قد طعن أياغو وجرحه ، ولكنه لم يقتله ، ويصف عطيل نفسه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: ".... رجل لم يعقل في حبه، بل أسرف فيه ،... رجل رمى بيده (كهندي غبي جاهل ( لؤلؤة، أثمن من عشيرته كلها ، رجل إذا انفعل درت عيناه دموعا ، وإن لم يكن الذرف من دأبها، دموعاً غزيرة كما تدر أشجار العرب صمغها الشافي.." ولعل هذه الأوصاف التي وصف بها نفسه أصدق من كل تحليل لشخصيته.‏
أما كاسيو الذي تسلم زمام الأمور، بعد موت عطيل فهو شاب طيب معجب بشخصية عطيل، ومخلص لـه، وأما زوجة أياغو إميليا فهي تشبه كاسيو في طيبها، هي تحب ديزدمونة، وإن كانت دون أن تدري قد شاركت في المؤامرة التي أحاكها زوجها الشرير. وديزدمونة إنسانة طيبة شريفة مخلصة لزوجها، صادقة لا تعرف الخداع وبالتالي فالصراع في هذه المأساة بين شخص شرير هو أياغو إلى أبعد الحدود وبين أشخاص لا يعرفون الشر هم عطيل وديزدمونة وكاسيو.
للموت نكهة خاصة في أدب شكسبير نظرا لغرابته وغرابة أفكاره . تلك هي الحياة قصص نرويها للناس لعلهم يتفكرون .

المراجع

A. D. Cousins :The Shakespeare Encyclopedia: The Complete Guide to the Man and His Works (Book by A. D. Cousins) Originally published: 2007





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,842,410,828
- الشعور بالكمال يَعْدِلُ الشعور بالموت
- الممنوعات في شبكات التواصل الاجتماعي
- تطبيقات الذكاء البصري المكاني
- أنظمة الحكم الكبرى من الديموقراطية إلى الرشوقراطية
- جمالُ الزهرة يَجني عليها
- الغبار الذكي بين المزايا والرزايا
- نشوء علم الذكاء البصري
- لحظة الأوج ولحظة الحضيض
- التفكير البصري ومجالاته في الحياة
- بوح ربيع خمسيني
- العظماء والمرأة
- مجتمع المخابرات الأمريكي
- مصادفات غيرت مجرى التاريخ
- لودفيغ فان بيتهوفن - الجزء الأول
- مستقبلنا المشترك
- موزارت الإنسان - الجزء الثالث
- موزارت الإنسان 2 - دراسة موسيقية سياسية اقتصادية لأوبرا الفل ...
- موزارت الإنسان - الجزء الأول
- ستمطر ماء النار
- مهارات الإصغاء


المزيد.....




- العثماني: تعميم التعليم الأولي ورش وطني طموح
- دعوة مخزية من عضوي كونغرس لاستجواب مترجمة ترامب
- زوج معجبة يبطش بالممثل التركي نجات إشلر ليس غيرة منه وإنما.. ...
- طلبة في جامعة مانشستر يمحون قصيدة للشاعر الإنجليزي كيبلينغ ي ...
- كرة القدم: جرعة عالية من الأدرينالين أم فن ما بعد حداثي أم ع ...
- عبدالله السمطي: اليوم أكملتُ القصيدةَ ...
- بناجح وسيلفي السقوط: جماعة تتقن التمثيل !
- -ابنة فرعون- على مسرح البولشوي من جديد
- الممثلة الهندية ديشباندي توصم بأنها -نجمة إباحية- بعد نشر مق ...
- عراقي يروي قصة الاحتلال الأمريكي في أغنية مصورة (فيديو)


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبد الكريم يوسف - الموت في أدب شكسبير