أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الحياة السياسية المصرية قبل وبعد يوليو1952















المزيد.....


الحياة السياسية المصرية قبل وبعد يوليو1952


طلعت رضوان
الحوار المتمدن-العدد: 5931 - 2018 / 7 / 12 - 14:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



يميل أغلب المُـتعلمين المصريين المحسوبين على الثقافة السائدة إلى تفضيل الحياة السياسية التى جاء بها ضباط يوليو1952على الحياة السياسية قبل هذا التاريخ..فما مصداقية هذا التفضيل فى ضوء الحقائق الدامغة والمعلومات المُـوثــّـقة التى تــُـظهرالفرق بين المرحلتيْن؟ وقد استشهدتُ بمؤرخ يتميـّـزبدرجة من الموضوعية..خاصة فى ثلاثة كتب الأول: كتابه (الأقباط والمسلمون فى إطارالجماعة الوطنية) الذى أثبت فيه أنّ شعبنا (خاصة أثناء ثورة برمهات/ مارس 1919) انصهرفى بوتقة النضال الوطنى..ولم تفلح محاولات الإنجليزفى ضرب الوحدة الوطنية..والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد على أساس دينى..وبالتالى قـدّم شعبنا الدليل على عمق فهمه بحقيقة التدين..وأنّ الدين حقيقة ذاتية بينما الوطن هو(الموضوع) الذى يجمع أبناء أى شعب فى أعطافه..والكتاب الثانى (الحركة السياسية فى مصر1945-52) حيث قـدّم خريطة أمينة للأحزاب السياسية..وتعريته لدورالإخوان المسلمين فى تخاذلهم أمام الإنجليزوتواطؤهم مع القصر..وإنشغالهم بالاغتيالات وتربية الكوادرالمسلحة..وبث روح العداء لمفهوم الوطن كما ذكرحسن البنا ((إننا نعتبرحدود الوطنية بالعقيدة وليس بالتخوم الأرضية)) والكتاب الثالث "الديمقراطية ونظام يوليو52ـ كتاب الهلال ـ ديسمبر1991"
وقد اخترتُ الكتاب الأخيرلأنه زاخربالمعلومات عن مرحلة ما قبل ومرحلة ما بعد يوليو52ومن خلال هذه المعلومات تبرزأمام القارىء الحقيقة بلا رتوش وبلا تزويرلتأكيد أفضلية الحياة السياسية عن الفترة السابقة على يوليو52وبمقارنتها بما حدث بعد هذا التاريخ، يتبيـّـن أنّ الحياة السياسية بعد سيطرة الضباط على الحكم هى الأسوء وفقــًـا للخط البيانى الذى عقد المقارنة بين المرحلتيْن..ودلــّـل على ذلك بالمعلومات المُـوثقة، والتى ذكرها كثيرون من المؤرخين.
السبب الثانى لاختيارى كتاب طارق البشرى "الديمقراطية ونظام يوليو" أنّ مؤلفه ليس من أعداء عبدالناصرأوالناصرية، بل إنه ردّد كلام الناصريين بالحرف عن مقولة "الايجابيات والسلبيات" فكتب "على مدى ثمانية عشرعامًـا هى فترة حكم عبدالناصرتجلــّـتْ ايجابياتها، ليس باجلاء المستعمرالانجليزى فقط ، وليس برفض دخول مصرفى تكتلات وأحلاف مع الدول الكبرى..ولكنها تجلـّـتْ فى تحريرالارادة الوطنية..والتجاوب مع الطموح الشعبى لبناء مجتمع ناهض ومستقل..إلخ"ـ ص158، 159، 162ومن 377ـ 379"
وبالتالى فإنّ ما أورده البشرى من معلومات عن فساد الحياة السياسية وعن الطابع الدكتاتورى الذى برزمنذ سيطرة الضباط على مصر..يكون له مصداقية ويصعب الطعن أوحتى التشكيك فيما أورده من معلومات.
وعلى سبيل المثال ذكرأنه على مدى73سنة منذ احتلال الإنجليزمصرـ ولأسباب داخلية ودولية عديدة ـ بقى جهازالدولة المصرى واستمرّجهازًا مصريًا فى صميمه ـ ص99وفى انتخابات مجلس النواب يناير1950فازالوفد بأغلبية5ر71%فى تجربة حرة نزيهة..وأنّ عدد الناخبين وصل ـ حسب الاحصاء الرسمى ـ إلى نحو4مليون ناخب أى أكثرمن نصف عدد المقيدين بجداول الانتخاب ـ ص47، 48وفى وزارة الوفد فى يناير1950واجهتْ الحكومة الوفدية سلطات الملك ـ على خلاف ما كان يحدث من قبل..وأطلقتْ حرية الجماهيرإلى أقصى حد..وعرفتْ مصروقتها فترة من أخصب فترات تاريخها السياسى..فكرًا ونشاطــًـا عمليـًـا..وتكلــّـل ذلك بإلغاء حكومة الوفد لمعاهدة1936فى 8أكتوبر1951بتأييد شعبى منقطع النظير..وكان توقيع الملك على قانون إلغاء المعاهدة قمة العمل الديمقراطى، الذى تحوّل به الملك إلى رمزيملك ولايحكم ـ من ص64ـ 66ولكن البشرى اكتفى بما ذكره..ولم يذكرأهم قراراتخذه فؤاد سراج الدين وزيرالداخلية، عندما أمربفتح مخازن السلاح بالوزارة وامداد الفدائيين المصريين بالأسحة والذخيرة، لمواجهة الإنجليزفى مدن القناة..وهو ما أشارإليه البشرى اشارة عابرة فى ص174.
وذكرمعلومة مهمة عن النقابات المهنية حيث أنّ معظمها نشأتْ قبل يوليو52مثل نقابة المحامين عام1912ونقابة المهن الطبية عام1939ونقابة الصحفيين عام1941 ونقابة المهن الهندسية عام1946ونقابة المهن الزراعية عام1949ونقابة المهن التعليمية عام1951ـ ص280.
ولعل البشرى أحد المؤرخين النادرين الذين ذكروا أنّ عناصرمن الضباط الذين شكلوا حركة الجيش فى يوليو52كانت لهم اتصالات مع الألمان فى المغامرة التى قادها عزيزالمصرى..وكذلك إنشاء خلايا سرية لقتل من يعتبرونهم سياسيين منحرفين. بل إنّ هؤلاء الضباط عرضوا على رئيس الديوان الملكى قتل مصطفى النحاس احتجاجـًـا على حادث4فبراير1942..وأشارالبشرى إلى أنّ الرغبة فى اغتيال النحاس جمعتْ بين الضباط وحزب مصرالفتاة عام1937وهوالحزب الذى تولى أحد أعضائه اغتيال أحمد ماهرباشا رئيس الوزراء عام1945ـ من ص109ـ 112.
ومن المعلومات التى ذكرها كثيرون ـ بما فيهم محمد نجيب ـ وذكرها البشرى أنّ الملك كانت لديه معلومات بتنظيم الضباط السرى ومنشوراته ضد السراى..وأنّ أجهزة الملك الخاصة بالأمن تمكــّـنتْ من كشف أسماء12ضابطــًـا أغلبهم أعضاء اللجنة التأسيسية..وأنّ عبدالناصرقال لإبراهيم الطحاوى: إنّ الملك كشف أمرنا ـ ص124، 125ولكن البشرى ـ مثل غيره الذين ذكروا تلك المعلومةـ لم يسأل السؤال الذى سأله العقل الحر: لماذا لم يتخذ الملك أى موقف ضد الضباط الذين يعتزمون طرده من مصر؟ وهذا السؤال يتجاورمعه موقف الإنجليزالذين كان لهم 80ألف جندى فى منطقة القنال ولم يـُـطلقوا رصاصة واحدة ضد حركة الجيش..كما ذكرمحمد نجيب فى مذكراته..فلماذا هذا الموقف السلبى من الملك والإنجليزمن حركة ضباط الجيش؟
ما سبق مجرد نماذج قليلة عن الحياة السياسية قبل يوليو52بخلاف الحراك الاجتماعى الذى صنعته الجماهيرالشعبية..والذى تجسّـد فى المظاهرات والاضرابات..من مختلف شرائح المجتمع مثل عمال المصانع والمدرسين والأطباء والموظفين..إلخ، بل وصل الأمرلدرجة اشتراك "كونستابلات البوليس" فى الاعتصامات..والتى كانت ذروتها الاعتصام الأعظم الذى بدأ يوم18فبراير1946 حيث تجمع بميدان عابدين نحو40ألف متظاهربخلاف نحو15ألف بجامعة القاهرة. ووُزعتْ المنشورات المطالبة برحيل الاستعمارالبريطانى..ومهاجمة الرأسماليين المصريين..وتجمع مئات من العمال فى الموسكى وبولاق وغيرها يهتفون بالجلاء والثورة..واستمرالتظاهرحتى يوم21فبرايرـ طارق البشرى فى كتابه: الحركة السياسية فى مصر:1945ـ 1952ـ دارالشروق عام1983ص100 مع ملاحظة أنّ يوم 21فبرايرهوالشهيرباسم "لجنة الطلبة والعمال" وكان من نتائجه أنّ تقاريرالإدارة الأمركية أشارتْ إلى احتمالات تغييرنظام الحكم فى مصر..ونتيجة الحراك الاجتماعى المُـشتعل كتبتْ صحيفة الايكونومست اللندنية "إنّ ماهوحادث الآن فى مصرليس إلاّثورة، أوقد تنحرف جانبـًـا وتغلى مراجلها أوتتولى زمامها يد قوية، ولكن اندلاعها لابد واقع مع الأيام ـ نقلا عن صحيفة الأهرام21/8/1947.
000
وعن الاختلاف بين المرحلتيْن ذكرالبشرى فى كتابه "الديمقراطية ونظام يوليو" أنّ عبدالناصراستبعد الحياة الحزبية فأصدرفى10ديسمبر1952"أى بعد6شهورمن السيطرة على مصر"قرارإلغاء دستور1923وبعد أيام أصدرفى16يناير53قرارحل جميع الأحزاب..وهنا التقى فكرعبدالناصرمع فكرالإخوان المسلمين..وبمراعاة أنّ دعوة الإخوان كانت من أشد الدعوات جذبـًـا للضباط فى بداية الأربعينيات..وكان لعبدالناصرصلات وثيقة بهم..وكانوا التنظيم الوحيد الذى أخطره عبدالناصربالثورة قبل قيامها..ولذلك أيـّـد الإخوان كل قرارات الضباط المُـعادية للديمقراطية ولحزب الوفد ـ ص148، 149..ولم يكتف نظام يوليوبتصفية الأحزاب والجماعات المُعارضة لسياسته..وإنما وجـّـه نيرانه الكثيفة إلى الأحزاب الشعبية التى ظهرتْ فى الثلاثينيات والأربعينيات ـ ص151.
امتد بطش عبدالناصرحتى وصل إلى رفاق السلاح..حيث تم اعتقال معارضيه الضباط من سلاح المدفعية فى يوم15يناير53لأنّ هؤلاء الضباط وجـّـهوا له الكثيرمن الانتقادات عن السلطة المنفردة وطالبوا بضرورة البحث عن آلية تسمح بعدم سيطرة فرد واحد على الحكم..فتـمّ القبض على بعض الضباط وأودعوا فى سجن الأجانب فى15يناير53..فتجمّـع حوالى400ضابط فى ميس المدفعية مُـقررين الاعتصام حتى يـُـفرج عن زملائهم..وفى شهريناير53بعد نحوستة أشهرمن حركة الجيش..شهدتْ مصرحملة اعتقالات للسياسيين المدنيين..وأنّ اعتقال الكثيرمن الضباط لم يقض على معارضة كثيرين من أسلحة الجيش المختلفة..وظلّ التوتربينهم وبين قادة يوليوإلى أنْ كانت الذروة عندما اشتدتْ معارضة ضباط سلاح الفرسان فى مارس54ـ من ص152ـ 157.
نزعة التسلط وترسيخ آفة الحكم الفردى لخــّـصها البشرى فى فقرة كتبها بأسلوب جمع بين تقريرالواقع والسخرية فقال: مما يلفت النظرأنّ رئيس الجمهوريةـ عبدالناصرـ لم يعد حاكمًـا فردًا فقط..وإنما صارفردًا يحمل على كتفيه أمة بحالها، من السياسات العربية إلى السياسات الداخلية..ومن الأمن إلى رغيف العيش. وتوحـّـدت السياسة فى شخصه..من رسم الخطط والأهداف السياسية العليا إلى تحديد العملة التذكارية أوتقريرمعاش استثنائى أوتوسيع ترعة..وتمتد صلاحياته لدرجة تعيين كافة موظفى الدولة فى الدرجات العالية..وكافة أعضاء الهيئات القضائية والسلكيْن السياسى والقنصلى والشرطة واتحاد الإذاعة والتليفزيون وأساتذة الجامعات..وتعيين مجالس إدارة الهيئات والمؤسسات وشركات القطاع العام..وكانت القوانين تصدرمنه بغض النظرعن القنوات الدستورية..وقد صدرفى شهرواحد104 قانون فى شهرمارس1964ويمكن الرجوع إلى مجموعة القوانين والقرارات لإدراك خطورة التوسع فى اختصاصات رئيس الجمهوريةـ ص282، 283.
فهل ماحدث كان اختيارًا عشوائيـًـا أم ضمن رؤية مُـحددة؟ إجابة هذا السؤال عند موقف عبدالناصرمن مشروع دستور1954الذى شارك فى إعداده خمسون شخصية من عناصرتــُـمثل الغالب الأعم من الاتجاهات السياسية..من بينهم على ماهر..وأربعة من كبارحزب الوفد وثلاثة من الإخوان المسلمين..وبعض أساتذة القانون الدستورى والسياسيين المستقلين..إلخ. رفض عبدالناصرمشروع الدستور. لماذا؟ لأنّ المشروع رسّـخ لمبدأ "الجمهوريه البرلمانية" وأطلق الحريات والضمانات ولم يـُـقيدها إلاّفى حالات مُخصصة مثل حالة التلبس..وأطلق مشروع الدستورحرية الصحافة والطباعة ومنع تقييدهما بأى قيد..ومنع فرض الرقابة عليهما..وحظرإنذارالصحف أووقفها أوإلغاءها أومصادرتها بالطريق الإدارى..وأباح حرية الاجتماع ومنع الشرطة حضورالاجتماعات..وأباح تكوين الجمعيات والأحزاب دون سابق إخطارأواستئذان ـ من ص192ـ 194.
كما تبنى مشروع دستور1954منهج دستور1923مع تغييرالمواد التى أباحتْ السلطة المنفردة للملك..مع النص ـ فى مشروع دستور54ـ على أنّ الأمة مصدر السلطات..والتأكيد على استبعاد أية امكانية دستورية لقيام قطب دستورى يـُـناوىء سلطة الأمة..ونصّ مشروع الدستورعلى أنّ رئيس الجمهورية رئيس برلمانى وليس رئاسيـًـا..ومدة رئاسته خمس سنوات لاتتكررأكثرمن مرة واحدة..ورئيس الجمهورية لايملك سلطة منفردة..ويتولى سلطاته بواسطة وزرائه..وتوقيعاته ـ على أى قرارـ لاتــُـنفذ إلاّبعد أنْ يـُـوقع معه رئيس الوزراء والوزيرالمختص ـ ص196.
وفيما يتعلق بالسلطة القضائة حرص مشروع الدستورعلى استقلالها..ومنع تولى القضاة مناصب وزارية إلاّبعد مضى سنة على تركهم منصة القضاء..والأهم أنّ مشروع الدستورسدّ ثغرة خضوع النيابة العامة للسلطة التنفيذية..وجعل النائب العام منتدبـًـا من مستشارى محكمة النقض..وأوجب أنْ يتولى التحقيق فى الجنايات والقضايا السياسية وقضايا الرأى ـ والفكرـ والصحافة قضاة..وجعل لمجلس الدولة ولاية عامة فى المنازعات الاداريةـ ص197.
كان تعقيب البشرى عن أسباب رفض عبدالناصرمشروع دستور54أنّ اللجنة التى صاغته حرصتْ على جملة من الاعتبارات الاجتماعية والتاريخية والسياسية، فجاء مشروع الدستوروفق توجه ليبرالى صرف..ولعلّ هذا التوجه الليبرالى سببه أنّ من بين أعضاء اللجنة الخمسين..فإنّ ثلاثة أرباعهم من عناصرالنخبة السياسية والثقافية قبل يوليو52..ولأنّ مشروع دستور54هوتنقيح لدستور23لذلك جاء المشروع المُـقترح بصياغات رفيعة المستوى..وضـَـمـَـنَ للبرلمان أنْ يكون مؤسسة مستقلة تدورحولها كل سلطات الدولة..كما أنه سدّ كل الثغرات التى نفذ منها الملك. ووقف المشروع فى وجه أية محاولة لرئيس الدولة للتغلب واحكام قبضته على سلطات الأمة..ممثلة فى مجلس النواب..وكان هدف المشروع الجديد سد ثغرات دستور23ولم يبال بالقوى السياسية التى طردتْ الملك..ولكن استلهم روح القوى التى تصارعتْ مع الملك قبل يوليو52، أى القوى الوطنية التى شاركتْ فى أحداث ثورة 1919، التى ترتب عليها صدوردستور23ـ ص189، 199.
وذكرالبشرى معلومة مهمة وهى أنه بالرغم من وجود ممثلين عن الإخوان المسلمين فى لجنة إعداد مشروع دستور54..فإنّ القارىء للمشروع لايلحظ أى أثر لأفكارالإخوان المسلمين..سواء فى رسم أبنية الحكم..أوفى الصياغات النظرية لنسق الحقوق والواجبات السياسية المُـنعكسة فى أحكام المشروع..أوحتى فى المصطلح القانوى والفقهى الذى جرى التعبيرعنه فى أحكامه ـ ص199.
وأضاف البشرى ملحوظة غاية فى الأهمية وهى أنّ القوى التى صاغتْ مشروع دستور54وضعته فى صورة لاتدع لضباط يوليودورًا يؤدونه فى أبنية الحكم الدستورية، لابوصفهم قادة حركة الجيش..ولابمراعاة المؤسسة التى انحدروا منها وهيمنوا على مقاليد الأمورمن خلالها، أى المؤسسة العسكرية..ومن هنا كان حرص المشروع النص على "الجمهورية البرلمانية" كما حرص المشروع على عزل الجيش عن رئاسة الجمهورية..وربطه بالبرلمان فقط..كما جعل المشروع من القوى السياسيةـ الدافعة لمؤسسات الدستوركلها ـ هى الحركة الحزبية..وكانت أهم ضربة شعربها ضباط يوليوهى المادة التى أوجبتْ أنْ يكون رئيس الجمهورية المُـنتخب لاتتجاوزسنه الخامسة والأربعين..وهى لاتنطبق على الضباط الذين سيطروا على مصرباستثناء محمد نجيب ـ ص200، 201.
وكان تعقيب البشرى: ومن كل ذلك يظهرأنّ واضعى مشروع دستور54قد استهدفوا اقصاء ضباط يوليومن أنْ يكون لهم وجه من وجوه المشاركة فى السلطة، كما استهدفوا إبعاد المؤسسة العسكرية من أنْ يكون لها دورفى العملية السياسية. لقد عملتْ لجنة الدستورعلى أنْ يتحوّل نظام الحكم من نظام تتنازعه مؤسستان دستوريتان هما رئاسة الدولة، ملكــًـا أورئيس جمهورية والهيئة النيابية، إلى نظام يدورعلى محورواحد هوالمجلس النيابى..وللحركات السياسية والحزبية أنْ تتنافس على شغل هذا الموقع..ومن المجلس النيابى تتشكل الوزارة..وتــُـصدرالقوانين التى تــُـطبقها المحاكم..ومن الوزارة الخاضعة للمجلس تجرى الهيمنة على أجهزة الإدارة والتنفيذ والشرطة والجيش والأمن ـ ص201، 202.
وذكرالبشرى أنّ نية الضباط كانت مع التسلط الفردى منذ الدستورالمؤقت فى فبراير53 الذى أطلق يد "قائد التورة" لاتخاذ ما يراه من تدابيرلحماية "الثورة" ومنحه الدستورحق تعيين الوزراء وعزلهم..ومنح مجلس الوزراء السلطة التشريعية بجانب سلطته التنفيذية..وكان تعقيب البشرى: ويظهرمن ذلك أنّ السلطة التشريعية لم تفقد استقلالها فقط بل فقدتْ وجودها نفسه..واندمجتْ فى السلطة التنفيذية..وبذلك فإنّ السلطتيْن التشريعية والتنفيذية أصبحتا رهينتين لمشيئة "قائد الثورة" الذى يتولى "أعمال السيادة العليا" ـ ص206.
ترتب على ما سبق توجيه الضربة القاضية للسلطة القضائية..حيث أنّ أصل الوجود المستقل للقضاء إنما ينشأ من قيام التوازن بين سلطتىْ التشريع والتنفيذ..فإذا فقدتْ السلطلة التشريعية استقلالها..فسينعكس على القضاء..واستقلالية القضاء لاتنهدرفقط بتلك الصورة الفجةـ صورة التدخل المباشرـ ولكنها انهدرتْ أكثرفى صورة المحاكم الخاصة التى ابتدعها ضباط يوليوللتخلص من خصومهم السياسيين..كما تم منع المحاكم من النظرفى قضايا معينة..وقد تحقق كل ذلك بموجب الدستورالمؤقت الذى نصّ على إنشاء "محكمة الثورة" و"محكمة الغدر" فى سبتمبر53 بخلاف المحاكم العسكرية..كما حدث فى محاكمة عمال كفرالدوارـ ص207.
وذكرالبشرى معلومة مهمة حول استغلال الفقيه الدستورى السنهورى ليكون بداية ظاهرة "ترزية القوانين" حيث ساعد الضباط "بفتوى قانونية باطلة" وهى الحيلولة دون عودة حزب الوفد للحكم..ودون تقريرأى وضع دستورى يـُـمكــّـن الوفد من الحكم..وأهم مثال على ذلك الفتوى التى أصدرها مجلس الدولة برئاسة السنهورى فى أغسطس1952بعدم جوازدعوة مجلس النواب الوفدى الذى تم حله قبل يوليو52..وكان تعقيب البشرى أنها كانت فتوى أملاها الموقف السياسى. ومخالفة للتفسيرات القانونية..وكان السياسى سليمان حافظ وزيرالداخلية فى وزارة محمد نجيب هوالشخص الثانى الذى اشترك مع السنهورى ولعب معه دورًا بارزًا للحيلولة دون عودة الوفد للحكم ـ ص144، 145.
ومن بين الأمثلة على جرائم ضباط يوليومخالفتهم لأبسط قواعد الدساتيرالمُـتفق عليها دوليـًـا..حيث أصدرعبدالناصرفى3نوفمبر53القانون رقم264لسنة1952 لتخويل اللجنة العليا للإصلاح الزراعى تفسيرأحكام القانون..وتــُعتبرتفسيراتها تفسيرات تشريعية ملزمة، تـُـنشرفى الجريدة الرسمية كشأن القوانين..وبهذا ضمّتْ اللجنة إلى وظيفتها التنفيذية وظيفة تشريعية..ومارستْ اللجنة هذه الوظيفة فى عدد كبيرمن القرارات..وهيمنتْ بها على نشاط الجهات الأخرى، سواء جهات القضاء أومؤسسات الدولة أوالأفراد..وألزمتهم جميعًـا بوجهة نظرها فى تفسيرالقانون.
وذكرالبشرى أنه صدرفى7إبريل53قانون يمنع المحاكم ـ سواء المدنية أوالإدارية من النظرفى المنازعات الخاصة بملكية الأراضى الزراعية التى استولى عليها النظام..وصدرالقانون رقم131لسنة53وتضمن إضافة جديدة للجنة العليا للإصلاح الزراعى حيث ضمّـتْ إليها الأراضى المُـستولى عليها "بحجة حتى يتم توزيعها على الفلاحين" ولا أحد يعرف مصيرهذه الأراضى" وكان تعقيب البشرى أنّ اللجنة العليا للإصلاح الزراعى اغتصبتْ حق الفلاحين فى أنْ يكون لهم تنظيم شعبى..خاصة وأنّ الجمعيات الزراعية خاضعة للسلطة التنفيذية ـ ص172.
ومن بين أسباب فشل شركات القطاع العام أنّ أى قراريتخذه مجلس إدارة الشركة لابد من الرجوع إلى المؤسسة التابعة لها الشركة..والمؤسسة بدورها لابد أنْ ترجع إلى رئيس الدولة أومن ينوب عنه..ووصل الأمرلدرجة أنه لايجوزتعيين أحد من العاملين إلاّبقرارمن رئيس الجمهورية..وكان لرئيس الجمهورية سلطة عزل أى موظف فى أجهزة الحكومة أوالقطاع العام بغيرالطريق القانونى..ولتنفيذ ذلك صدرالقانون رقم 31 لسنة1963يحظرعلى المحاكم النظرفى أى دعوى ضد قرارصدرمن رئيس الجمهورية بفصل أحد العاملين..وتــُـعتبرقراراته من أعمال السيادة التى يمتنع على المحاكم مراقبتها..وبعد صدورقانون الإصلاح الزراعى فى سبتمبر52صدرالقانون رقم181 بفصل الموظفين بغيرالطريق القانونى..ونصّ على فصل "من تتعلق به بعض الشبهات"..ومنع المحاكم من نظرأى طعن فى قرارات الفصل ـ ص179، من245ـ 247.
وعن فترة "تصفية الاقطاع" عام1966شهدتْ أوسع حملة اعتقالات ومصادرة للأموال وإبعادًا ماديـًـا لعناصرالمخالفين وأسرالمُـلاك عن قراهم وأقاليمهم..وخلال فترة عمل اللجنة العليا لتصفية الاقطاع حتى5يونيو67تمّ فرض الحراسة والاستيلاء على200ألف فدان و94قصرًا وعشرين ألفــًا من الماشية و363من الخيول الأصيلة و1613من آلات الزراعة "ولا أحد يعرف مصيرالأرضى المصادرة ولامصير المواشى والخيول، ناهيك عن مصيرالقصور" وتـمّ إبعاد ما يزيد على220من أسر كبارالملاك..وفصل مئات من القوات المسلحة والشرطة والقضاء والسلك السياسى.
وأضاف البشرى أنّ هذه الاجراءات كانت بالغة الخطورة..خاصة أنّ اللجنة العليا لتصفية الاقطاع كانت برئاسة عبدالحكيم عامر..وإثتيْن وعشرين عضوًا غالبيتهم من المخابرات العامة والمباحث العامة والشرطة العسكرية والمخابرات الحربية..وأعضاء من الاتحاد الاشتراكى..وكانوا أصلامن رجال المخابرات العامة، الذين سبق نقلهم منها إلى المناصب المدنية..وقال عبدالحكيم عامرأنّ قرارات اللجنة "ثورية" وغيرمرتبطة بالقوانين ـ من ص309ـ 311.
ونقل البشرى ما كتبه أمين هويدى الذى شغل منصب مديرالمخابرات العامة ثم وزارة الحربية فى عهد عبدالناصرـ حيث أشاراشارات واضحة عن تقصيرالقيادة العسكرية فى تجهيزالخطط وفى التدريب المستمروقت السلم..وذكرأنه من الثابت لم يـُـخصص من البنزين لأغراض التدريب إلاّ 5% من حجم الوقود المخصص للقوات المسلحة..وأنّ عبدالناصرلم يكن يعرف أية معلومات عن حالة القوات الجوية المصرية، التى عجزتْ عن تدريب الطيارين..
والمعلومة الأكثرأهمية التى ذكرها هويدى هى المقارنة بين سلاح الطيران المصرى وسلاح الطيران الإسرائيلى..حيث كان عدد الطيارين المصريين150 طيارًا فى حين أنّ الطائرات القاذفة والمقاتلة يبلغ عددها154طيارة ـ أى وجود عجز4طيارين ـ أما سلاح الطيران الإسرائيلى فكان لديهم ألف طيارللعمل على376طياره، أى بوجود احتياطى 624طيارًا..وأضاف أنّ قيادة الجيش فرّطتْ فى الأمانة التى وضعها الوطن فى أعناقهم..كما أشارإلى المعلومات داخل الجيش المصرى فقال إنها لم تكن متيسرة، سواء عن مطارات العدوأوأرضه أومستودعاته..ولم يكن فى المقدورتمييزطائرات العدو.
ونقل البشرى معلومة مهمة ذكرها محمود رياض ـ وزيرالخارجيةـ فى مذكراته وهى أنه فى ذروة أحداث مايو1967وسحـْـب قوات الأمم المتحدة من شرم الشيخ ـ بناءً على طلب عبدالناصرـ إلى آخرأحداث مايوالتى أدت إلى5يونيو67..فى هذه الذروة طلب عبدالحكيم عامرمن عبدالناصرأنْ ينقل إلى وزارة الخارجية عشرة من قيادات الضباط الذين فوجىء محمود رياض بأسمائهم لسابق معرفته بأنهم من القادة الأكفاء..وكان فى مقدمتهم اللواء أحمد إسماعيل ـ الذى قاد فيما بعد حرب73ووافق عبدالناصرعلى طلب المشيرـ من ص350ـ 355.
فلماذا لايوجد فى مصرسيناريست واحد "واحد فقط" يمتلك موهبة كافكا ليـُـبدع عملا فنيـًـا خالدًا عن الكابوس الذى بدأ فى يوليو1952وذروته فى يونيو67خاصة أنّ به كافة عناصرالدراما العبثية/ الكوميدية/ السوداوية؟
***








رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,091,777,084
- الشهورالسابقة على يوليو1952 ثقافيا وسياسيا
- هل أخطأ الزعيم الفلسطينى فى حق اليهود؟
- لماذا كانت ظاهرة التكرار فى القرآن؟
- لماذا غير حزب الله موقفه من إسرائيل؟
- درس التحالف السعودى الأمريكى الإسرائيلى
- ما مغزى المغازلة السعودية للصهيونية؟
- لماذا خالف الفقهاء القرآن
- شحن المصريين من اليمن إلى سيناء
- ما مغزى التخويف من نار جهنم ؟
- هل الانشقاق عن الإخوان يعنى الانشقاق عن الإسلام؟
- محمد بن عبد الوهاب: موضوعية النقل وتحجر العقل
- هل تتستر الأنظمة العربية بعد أنْ عرّاها ترامب؟
- إخوان الصفا والموقف العدائى من فلسفتهم
- مغزى تحرش قطر بدولة الامارات
- ما مغزى ترحيب الأنظمة العربية بتدميرسوريا؟
- أيديولوجية الانتماء العروبى لنفى خصوصية الشعوب
- هل شباب الإخوان المسلمين غير شيوخهم؟
- الدفاع عن الليبرالية وخطورة الأيديولوجية
- ما سر التعتيم على تبديد موارد مصر؟
- قساوسة وشيوخ البنك الدولى


المزيد.....




- بشار جرار يكتب عن زيارة بابا الفاتيكان: الأمل يتجاوز حدود ال ...
- رأي.. بشار جرار يكتب عن الزيارة المنتظرة لبابا الفاتيكان: ال ...
- بافاريا الكاثوليكية تتوسع بتدريس الدين الإسلامي للتلاميذ الم ...
- مقتل جنديين في هجوم لجماعة بوكو حرام بنيجيريا
- رئيس الحكومة الجزائرية يستقبل مبعوث بابا الفاتيكان
- بوروشينكو يستنجد بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية
- بابليون يعترض على تعيين مسيحية في مكتب الرئيس دون اخذ رايه
- بقيادة وزير إسرائيلي... عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأق ...
- إسرائيل تطالب ألمانيا بوقف تمويل المتحف اليهودي في برلين
- الداخلية المصرية تقتل -مسلحين تورطا في هجوم على مسيحيين-


المزيد.....

- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الحياة السياسية المصرية قبل وبعد يوليو1952