أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يوحنا بيداويد - الحداثة وما بعد الحداثة















المزيد.....

الحداثة وما بعد الحداثة


يوحنا بيداويد

الحوار المتمدن-العدد: 5929 - 2018 / 7 / 10 - 00:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الحداثة وما بعد الحداثة
بقلم يوحنا بيداويد

بدأت فلسفة الحداثة في القرن السابع العشر والثامن العشر على يد عمالقة الادباء والفلاسفة والفانين في أوروبا من أمثال فواتير وجان جاك روسو، وديفيد هيوم، وعمانوئيل كانط وهيجل وماركس وسورين كيركغارد وغيرهم، واكبت الحداثة عصر الانوار الذي كان يتمحور نشاطه حول موضوع واحد هو الانسان، فكأنما كان فكر الإنساني كله كقطرات ماء امطار أينما تسقط لابد ان تتجاذب وتتلاصق معا، فكانت تتوجه عبر جداول وانهار لتلتقي في بركة واحدة عنوانها الانسان ومشاكله.
كانت مقالة كانط المنشورة في 1784 تعد الوصف المختصر لعصر الانوار والحداثة معا حيث كتب يقول: "ان جوهر مشروع التنوير والحداثة، تحرير الانسان من كل قوى الاستلاب التي تقف بينه وبين حريته في ممارسة اختياراته واعمال عقله وتحديد مصيره، وتشكيل تصوراته عن العالم، فالحرية باعتبارها عملية إعادة الاعتبار للإنسان في هذا العالم ورفع اغلال القوى التي تسلب وجوده وذاتيته".
جاء عصر الانوار بعد عصر النهضة الذي لم يختلف من حيث طموحه بالقضاء على النظام الاقطاعي والسلطة الروحية والمماليك التي كان كانت بيد البارونات.
في عصر الحداثة او الانوار اعتبرت الحرية الشخصية نقطة الارتكاز لجميع المفاهيم والايدولوجيات والحركات، فأصحبت المبدأ المقدس، ولازالت شعوب دول العالم الثالث تعطش وتناضل من اجلها. اما في الغرب أصبحت الحرية الفردية او الذاتية أصبحت جزء مهم من حضارتها، بدا الفرد الاعتماد عليها لوحدها، لان امنوا بمقولة عمانوئيل كانط ، أي للإنسان العقل الذي يستطيع يصنع التاريخ من خلال نشاطه.
هذه الفردية التي انقلبت تحولت الى مرض جديد اسمه الفردانية، أصيبت به الإنسانية رغم كل المصدات والحواجز التي عملها، وأصبح في القرن الحادي والعشرين هذا المرض مستعصي جدا، حيث فتحت النهضة افاق ممارسة حرية الفكر والعمل والتنقل والتملك والتنافس كما يشاء، فكانت النتيجة التسلط التام على الطبيعة، هكذا بدا عصر جديد في الفلسفة دعاه رواده بعصر ما بعد الحداثة.

فلسفة ما بعد الحداثة (1)
هي الفلسفة التي ترفض أفكار الفلسفات القديمة كلها، لأنها تميل الى ممارسة الطغيان الفكري في ادعائها انها تمتلك الحقيقة او تبلغها.
بدأت أفكار هذه المرحلة على يد الروائي الفرنسي جورج باتيلي (1897-1962) الذي دعى الى موت دفن الموضوعية وإعلان طغيان الذاتية، من خلال عملية تفكيك القضايا عوضا من بنائها او ربطها معا. فدعى تغير اتجاه فكر من القديم، الذي كان دائما نحو التمركز والوحدة في القضايا التي كانت تعالجه (الانسان ومشاكله)، الى تفكيك المواضيع او القضايا عن بعضها، او إقامة فصل واستقلال كي يتم خلق مجال (فسحة) أكبر امام الانسان لممارسة حريته والتخلص من القيود التي تركتها القيم الأخلاقية والروحية والفكرية على مسيرة تقدم الانسان، والتي أصبحت حسب آرائه (فلاسفة ما بعد الحداثة) حجر عثرة امام سعادة الانسان. لم يكن جورج باتيلي هو الوحيد دعى الى تغير نهج البحث والتقصي عن الحقيقة فقط، بل تغير المسلمات (مثل الموضوعية الى الذاتية) وانما رافقه كل نخبة من العلماء والفلاسفة والمصلحيين الاجتماعيين وعلماء النفس.
حاولت جميع المدارس الفكرية (الفلسفية والعلمية) الى كسر القيود القديمة والمنطق الارسطوطالي والاولويات التي ناضل من اجلها كل العاملين في المعرفة البشرية في جميع حقولها (الأديان والعلوم والفلسفة) قبل فترة الانوار( القرن السابع العشر)، فقد سبق جورج باتيلي الفيلسوف الكبير فريناد دي سوسير( 1857-1913) في وضع أساس الفلسفة البنيوية، ومن بعده جاء هوسيرل الذي وضع أسس الفلسفة الظاهراتية، الذي بدوره ترك اثرا كبير على الفيلسوف الانتثروبولوجي ليفي دي ستروس( 1908-2009) الذي طور مفهومها الى حد الشك في كل المعرفة الإنسانية وإعادة التفكير في نظامها.
ولدت هذه المدارس الفكرية من بعد حصول الهزة القوية على المعرفة الإنسانية بكافة حقولها، على يد الفلاسفة العقلانيين أمثال ديكارت، والتجريبيين أمثال جون لوك وديفيد هيوم، المثاليين جورج بيكلي وكانط وهيجل، و الماديين كارل ماركس والوجوديين سورين كيركغارد وهيدغر.
كانوا يريدون ان يقودوا المجتمع الى التحرر من العبودية وظلمة الكهف الذي تحدث عنه افلاطون قبل 2400 سنة ا
لى النور ورؤية وملامسة الحقيقة، لكن لم يكن يدركوا كلما حفروا كلما زادت سعت حفرتهم، صعب الامر معالجة الامر عليهم.
فلسفة ما بعد الحداثة كانت تعارض بل تحاول ان تهدم كل مؤسسة لديها السلطة، او النفوذ الامر الذي أدى في النهاية الى استسلام جميع المعارضين لنظام القديم وقبول القرار الجديد، الذي كان بمثابة ثورة على الميتافزيقية (دفن الموضوعية والاستسلام للذاتية)، فكانت تطلعات الثورة الطلابية في عام 1968 التي حصلت في فرنسا إشارة الى بدا عصر ما بعد الحداثة عمليا، من خلال إعادة التأكيد على شعارات الثورة الفرنسية بثوب جديد (لا للإمبريالية، لا للتمييز، ولا لتقيد حرية المرأة).
الفيلسوف جاك دريدا والفلسفة التفكيكية(2)
من أشهر فلاسفة الذين علموا على تفكيك النصوص وإعادة تحليلها واثبات بعدم صحة موقف القدماء من خلال نظرية الجديدة (نظرية عدم وجود نص متكامل)(3).
جاك دريدا هو الفيلسوف الفرنسي (جزائري الولادة جاك دريدا (1930-2004) (4).
كان دريدا متعطش كبير الى المعرفة، سافر كثيرا، وكتب أكثر من 40 كتابا. برز صيته حينما صدرت كتبه الثلاثة (علم الكتابة، والكتابة والاختلاف، والكلام والظواهر) بحدود عام 1967م. كان موضوع هذه الكتب دراسات عن عمالقة الفلاسفة في عصر الانوار (الحداثة) من أمثال جان جاك روسو، وفرديناند دي سوسير وادموند هوسرل، ومارتن هيدغر وهيجل وميشيل فوكو وديكارت، وفرويد وكلود دي شتراوس، أسس مع مجموعة من اصدقائه الأكاديميين الكلية الدولية للفلسفة، وانتخب رئيسا لها.
كان دريدا مثل مارتن هيدجر يرفض فكرة فلاسفة القدماء وميتافيريقيتهم في تحويل قيمة الانسان الى المادة (ممتلك) عوضا عن رفعه الى الكائن الأسمى، ويحول التشكيك في المقولات التي بنيت عليعا الحضارة الغربية.
دريدا ادعى ان نظرية اسبقية الكلام على الكتابة هي نظرة غير صحيحة، حيث لا يوجد فرق بينهما، كانت هذه نتيجة أخرى مهمة لافكار دريدا حيث احدث انقلاب في نظرة المفكرين حول احد المقولات المهمة في الحضارة الغربية.
دريدا أصر على فكرة عدم وجود نص متكامل يحمل معنى واحد فقط، بل ادعى يمكن لاي نص له اكثر معنى يعتمد على معرفة وطريقة او حالة المفسر. وفي النهاية صرح:" من المستحيل تيجاد نص منضبط المعنى".

نقد وتعليق
كثير من الأحيان يظهر للإنسان المتأمل في مسيرة تطور فكر الانسان من خلال الصراع الذي حصل بين المدارس الفكرية فكأنها كانت أشرس من ساحة الحرب.
يبدو من مقارنة عصر التي تطورت فكرة الفلسفة التفكيكية لدى دريدا ذو الفكر اليساري في بداية حياته، انه تأثر بطريقة تفكير عمالقة الفلاسفة الانفة الذكر في المدرستين الظاهراتية والبنيوية.
التفكيكية تحاول القضاء النظام الثنائي الذي كان متبع في المدارس القديمة الى نظام التشظى والاستقلال الامر الذي قد لا توافق عليه قيود الطبيعة نفسها بسبب خطورته.
ان ما عمله دريدا في فلسفته التفكيكية او ما بعد الحداثة هو محاولة اكتساب الشرعية بتأسيس عصر جديد من الفلسفة مبني على الفكرة التي طرحها: " من المستحيل وجود نص متكامل يمكن ان يقرأه كل القراء ويفهمون بنفس المعنى." بكلمة أخرى ان أي نص له أكثر من تفسير، بل حتى مدلولات كلمات تتغير حسب الشخص. (هذه ما قاله القديس اوغسطينوس والسفسطة)
انها ثورة على القواميس والمعرفة الإنسانية كل حقول المعرفة التي بدأت تتأرجح معانيها ومدلولاتها، ثورة ضد الطريقة الكلاسيكية في التفكير (جعل المعرفة شاملة ومترابطة)
في الختام لا نستطيع ان ننكر ان هذا الصراع ادخل الانسان في مأزق كبير في نهاية مسيرته، فبعدما نجاح رواد مرحلة الانوار في جعل الانسان وحريته هدف لكل حكومة او مؤسسة او حزب او مجموعة بشرية، جاءت مرحلة ما بعد الحداثة لتفكك وتشظى المعرفة الإنسانية التي خزنها وبرمجها في مقولات أساسية، فتوصل البشرية وحضارته الى مرحلة العدمية او عدم وجود ضرورة للاستمرار في الحفاظ على التقاليد والعادات والقيم وتعاليك الدينية بحجة انها تسلب حرية الفكر.
فأزاحت الانسان الذي كان مركز (الموضوعية) وتسلمه الى للسوق وقوة الاقتصادية وتاثيرها بين المتصارعين، دون إعطاء أي أهمية للإنسان وحريته وحقه في الاختيار والتنقل والعمل والتفكير بصورة شبه سرية.
............
1- فلسفة ما بعد الحداثة هو مصطلح يعبر التشكيلة الحديثة في السياقات التي شملت المعمارية، والرسم والادب، ومن جانب الفكر الفلسفي كما قلنا كانت مرحلة مكملة لفترة الانوار التي سعت الى تفكيك طرق المعرفية لدى الفكر المؤدية الى الحقيقة واستبداله بطرف ومنطق والفكر جديدة.
2- تشترك فلسفة ما بعد الحداثة بنفس الأفكار مع الفلسفة التفكيكية بحيث من الصعب إيجاد أي اختلاف بينمها.
3- تحتوي مجموعة اعلام (فلاسفة ما بعد الحداثة) على ميشيل فوكو، وجيل دولوز، وبولندا بارئيس، وجوليا كريستيقا، جان بورديارد.
4- طبعا هذه المقولة من ناحية التاريخية تعود الى استنتاجات القديس أوغسطينوس حينما قال ان كلمات عاجزة عن نقل الحقيقة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,609,983,491
- هل ستحصل انتخابات ديمقراطية في العراق؟
- الفلسفة الظاهراتية Phenomenology
- رسالة معكوسة الى د. شاكر جواد بخصوص رسالته عن سيرة الشهيدة ا ...
- هل الله منتوج عقلي؟
- الفلسفة البنيوية
- القانون الجديد لأحوال الشخصية في العراق من منظور علماني!
- لماذا اصر السيد مسعود البارزاني على الاستفتاء؟ / دراسة تحليل ...
- ارسطو وفلسفته الواقيعة
- العراق يقترب من تابوته؟!
- ما بين الثورة الفرنسية 1789م والثورة العراقية 2015 م
- بمناسبة ثورة 14 تموز ..... لو قدر لي ان أكون...
- العراق بحاجة الى صدام جديد؟!!!
- سقوط الحضارة!!
- دراسة تحليلة لسبب لظهور الدواعش في المنطقة.
- الحق هو ما تنطق به فوهة البندقية اليوم ؟!!
- هل اصبحت الفردانية مرض العصر؟؟
- ايها فقراء العراق اسندوا الدكتور العبادي قبل فوات الاوان مرة ...
- هل سقط المجتمع العراقي اخلاقياً؟!!
- صراع الالهة في سماء مدينة الموصل!!!
- النائبة فيان دخيل: لقد قتل اله الداعشيين الهنا!!!!!


المزيد.....




- -صاحب الكل ليس له أصدقاء-... دراسة تكشف أن صداقة مواقع التوا ...
- لماذا أرسلت روسيا قواتها إلى سوريا؟ جواب أمريكي!
- التصور الصيني عن نقاط الضعف الروسية؟
- فيديو لسقوط متظاهر بالرصاص الإيراني الحيّ
- بينهم مسؤولون.. -أدلة قوية- تقود 18 شخصا إلى السجن في السعود ...
- أحدها يتأهل للمرة الأولى.. 20 منتخبا يحجز بطاقة يورو 2020
- تقرير للبنتاغون: داعش يرصّ صفوفه بعد الهجوم التركي
- مساءلة ترامب: محادثة الرئيس الأمريكي مع رئيس أوكرانيا -غير ل ...
- إسرائيل تستهدف -عشرات المواقع التابعة للحكومة السورية وإيران ...
- ترامب أرسل مزيدا من القوات إلى الشرق الأوسط.. حاملة طائرات أ ...


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يوحنا بيداويد - الحداثة وما بعد الحداثة