أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - مجدي الجزولي - السودان الجديد: الإنسان من أجل الدكان















المزيد.....

السودان الجديد: الإنسان من أجل الدكان


مجدي الجزولي

الحوار المتمدن-العدد: 1496 - 2006 / 3 / 21 - 11:40
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


لا أقصد بالعنوان أعلاه مشروع "السودان الجديد" الذي يعدنا بتحقيقه طليعيو الحركة الشعبية لتحرير السودان، فتلك دلالة أخرى، لكن قصدي السودان الذي يتشكل أمام أعيننا بضغط الوقائع لا رغبة الرؤى، والذي سيكون. والمراد تنبيه المزاج الاجتماعي والسياسي إلى أحوال المستقبل القادم، مستقبل يتصل فيه الماضي بحمولاته القاسية، وهي ليست من ذنب القادمين أو من صنعهم، لكن تسقط على أكتافهم بما لم تكسب أيديهم قدراً غير موفق. ظني أن مكروه "التسليع" هو القاسم المشترك الذي يسم حياة السودانيين الجديدة في عديد من أوجهها، ومعنى ذلك تحول المادي والمعنوي إلى سلعة تخضع لقانون البيع والشراء، وتتحدد قيمتها حصراً في السعر الذي تدره، والمكسب المرتجى منها، ما ينتهي إلى إفقار الحياة من كل مقصد "علماني" أو "ديني"، دنيوي أو أخروي، وإجهاض كل محتوى لها غير الملكية، واختصار ذات الإنسان في مقتنياته، وسجنه بين جدران الأشياء التي يملك أو أوهام الأشياء التي لا يملك لا فرق. للسودانيين في هذا المعنى قول بسيط ومختصر "العندو قرش بساوي قرش"، نخبر معنى تحقيقه على الكمال الآن فقط.

منذ توقيع بروتوكول مشاكوس بين حكومة السودان والحركة الشعبية في يوليو 2002 والرأي العام في بلادنا مفتون بسؤال مركزي: هل يبقى السودان موحداً أم ينقسم إلى سودانين؟ السؤال مبرر لكن الواقع أوسع منه، والأسئلة كما نعلم تحتم الأجوبة وتشرطها. فالسودان قد لا يستمر على الإطلاق ككيان سياسي إذا فشل أهله في شد بعضه إلى بعض بحسنى الفعل والقول. لكن بغض النظر عن مستقبله السياسي موحداً أو مجزءاً الثابت أن مستقبل الحياة فيه تحدده، ومنذ زمن، قوى لا وسيلة لغمار الناس عليها، وقد خرجت من صندوق "باندورا"، مرادها الربح بأي وجه أتى وإن كلف ذلك إبادة إنسان السودان جماعياً أو فرداً فرداً بحضاراته الممتدة إلى الأبد الماضي وتاريخه وممالكه وتراثه وكل كسبه على هذي الأرض أياً كان تقسيمها السابق أو اللاحق، في الجنوب وفي دارفور وفي الشرق وفي الشمال النوبي وفي جبال النوبة وفي الأنقسنا وكذلك في الجزيرة والبطانة وسهول كردفان وعلى ضفاف الأزرق والأبيض وأينما حل وكد واجتهد. ولعل من تجويد المعارضة أن نعي ما نعارض، فالتحول التسليعي الذي نعيش لن يرده عنا فقط توزيع السلطة والثروة بين الأقاليم بحسب إتفاق سياسي يكتب بشد المانحين والوسطاء وجذبهم، رغم أولوية القضية وضرورة العدل بين الأقاليم وتفكيك المركزية القابضة، لكن ليس ذلك منتهى الحكاية، إذ أن مواجهة "التهميش" بأي صورة كان يقتضي بالضرورة وضع البنية الاقتصادية الاجتماعية التي جاءت به ونتجت عنه موضع سؤال وتشكيك وفي الحقيقة "ثورة". لن تبلغ الإرادة السياسية للقسمة، وإن توفرت، أهل السودان هكذا على الفور أهداف الحرية والديموقراطية والمساواة الاجتماعية، بل ربما تزيد في ضلالنا عنها بتناسل نخب حاكمة بإسم "التهميش"، تأهيلها الديموقراطي لا يزيد عن كونها سليلة هذا العرق أو هذه الجهة. بمعنى آخر، إن مجرد طيب معشر وحسن نية ونقاء سلالة وبعض تعليم أو كثير تعليم إبنة أو إبن قرية الطليحة مثلاً ليست أسباباً كافية لأن تتولى هي أو يتولى هو أمر أهل الطليحة. بل الأهم هو البرنامج الفعلي الذي تطرحه هي أو يطرحه هو لتحقيق رفاه هؤلاء واختبار تطبيقه على الواقع؛ إذا كان يعني بيع أراضي القرية لرتل من المستثمرين أجانب أو محليين يأخذون بيد أضعاف أضعاف ما ينفقون بالأخرى، وتحقق أعمالهم فوائد ملموسة لصفوة مختارة بينما يستبد الجهل والفقر والمرض بالبقية، ولا تتيح مشاريعهم لا وظيفة ولا تدريب ولا تأهيل لأهل الأرض، ولا تستجيب لأولويات حياتهم ولوازم تنميتها، لكن ربما قاعة للطعام أو داراً للمؤتمرات أو نزلاً للخبراء الاستراتيجيين، فقد خاب أمل الطليحة لا محالة. في هذه الحالة لن يفيد أهل الطليحة كثيراً إن كفل لهم الدستور موقعاً لإبنتهم أو إبنهم في مؤسسة الرئاسة أو مجلس الوزراء انتقالاً كان ذلك أو ديمومة، فالذي يجمعها أو يجمعه بجهاز السلطة وذات أدوات "التهميش" أشد وثاقاً من أناشيد "النضال" ضد التهميش، بل يكون الحصاد إزالة غبن تهميش فردي، وإرضاء غرور فردي؛ خطوة نعم، لكن لا تصيب منه "الجماعة" سوى وجود "سمسار" جديد بينها والأسياد في الخرطوم وشريك لهم، وربما حق التفاخر عند لقاء أهالي الطلحة وأم طلح وطلحة جارات الطليحة. شاهد ما سبق نجده في التفاؤل الذي عم ربوع بلادنا بمقدم الراحل د. جون قرنق حيث أكد للجماهير تمسكه بقضاياهم وطرح عليهم رؤية للسودان تقوم على تأكيد أولوية التنمية والعدالة الاجتماعية، والنظر إلى السياسة من حيث هي باب لخدمة الناس وتحريرهم وليس "خم" الناس واستعبادهم. وقد أكد الراحل في خطاب تنصيبه نائباً أولاً للرئيس أن هنالك من دنقلا البعيدة وغيرها جماعات خفت لاستقباله في الخرطوم لا يصدها كونه إبن بور "الدينكاوي" و"النصراني"، بل أرادت الحركة الشعبية إبراز هذا المعنى بتصوير الراحل وعلي عبد اللطيف "المنبت عرقياً" و"المسلم" على بوستر الاستقبال لتأكيد كون "البنج" الناطق بهم السودانيين اليوم كما كان علي عبد اللطيف أباً للجنسية السودانية في ماض ليس ببعيد. لم يدم التفاؤل طويلاً إذ اختارت الحركة الشعبية بعد أيام "البنج" المعدودة في الحكم حرف إتفاق السلام على دلالات التحول فيه، طوعاً ربما أو كرهاً أو عجزاً. على أية حال، هلك غمار الناس في الجنوب بالكوليرا بينما طابت الحياة لعليتهم، رغم تحويلات عائد البترول، ورغم أن أمر الصحة في المركز الإتحادي والهامش الجنوبي بيد كادر الحركة الشعبية لتحرير السودان.

في اليوم الذي خرج فيه الإسلاميون للناس وشعارهم "القرآن دستورنا" اختلط الأمر عليهم وعلى الناس، فما غاب عن علم خاصتهم أن بين القرآن والدستور ما بين السماء والأرض، لكن حفزتهم نخوة لا ننكر صدقها عند البعض، ولا نصمت عن انتهازيتها. طرح الإسلاميون على الناس شعاراً علموا له جاذبية قصوى، لا مثيل لها في الأدب السياسي السوداني إلا ربما جاذبية شعار "السودان للسودانيين" الذي طرحه حزب الأمة في سبيل الاستقلال، مع الفارق أن شعار حزب الأمة كان مفهوم المحتوى والهدف واضح الدلالة، بينما كان شعار الإسلاميين غلافاً لسلعة لا يعلم لا البائع ولا المشتري ما هي. في شأن "تجديد الدين" وهو أس دعوتهم اختار الإسلاميون تحديثاً يشابه تحديث الاستعمار لحياة "الشعوب الهمجية" سوى أنه "وطني" اللباس حيث أنكروا على السودانيين المسلمين سابق دينهم المتوطن في نفوسهم دافعين إليهم بقائمة من المحرمات والممنوعات تقابلها قائمة من العقوبات ككتابي المرض والعلاج ظنهما العسكري جملة الطب بحسب النكتة الرائجة، بالإضافة إلى قواعد للسلوك النمطي والإشارات والرموز "الإسلامية". إفقار الإسلاميين لإسلام السودانيين جاء تحت راية مكافحة "الشرك" المبطن في الإسلام الشعبي، دون انتباه محب لمكامن الخير فيه من زهد ومساواة وتضامن اجتماعي وكل ما طورته "الخلوة" السودانية من تقاليد للمجتمع المدني السوداني خارج قسر الدولة واملاءاتها وفي منافسة تصحيحية نقدية لها، يشهد على ذلك تاريخ الممالك السودانية المسلمة – الفونج والفور، وبالطبع ثورة السودانيين المهدية.

من هذه الخلوة خرجت ثورة التحرير "المهدية" التي وصف الخليفة عبد الله التعايشي عهدها الباكر قائلاً أن الناس تقاطروا إلى المهدية تباعاً لأنهم فقراء وتطلعوا إلى تأييدها لمصالحهم بينما ابتعد عنها الأغنياء وميسورو الحال (ضمن سمرنوف، ترجمة هنري رياض، 1993: 36). الواقع أن المهدية كثورة تقدم مثالاً تاريخياً لديالكتيك مرهق بين المجتمع المدني والدولة في السودان، فقد خرجت من رحم مجتمعنا الغني ’آيديولوجية معبرة عن آمال الملايين التي حاربت من أجل الحرية والتحرر من ربقة الحكم الأجنبي، لكن ما إن أضحت الطبقة الإقطاعية العليا جزءاً من نسيج الدولة المهدية وأضحت آيديولوجية المهدية تعنى بمصالح الطبقة الإقطاعية العليا الحاكمة حتى انقلبت دولة المهدية إلى أداة للقهر والظلم الطبقي، ولم يعد بمقدور المهدية أن تحظى بتأييد قومي واسع في صفوف الشعب‘ (المصدر السابق: 102). الكفار عند المهدي هم "الترك"، وهي عبارة تشير إلى جميع الحكام الأجانب مسلمين ومسيحيين من أتراك ومصريين وبريطانيين وغيرهم، ويشمل التكفير جهاز دولتهم الغاشم، الذي وصف المهدي مساوئ حكمه قائلاً: ’إن الترك كانوا يسحبون رجالكم ويسجنونهم في القيود ويأسرون نساءكم وأولادكم ويقتلون النفس التي حرمها الله بغير حقها وكل ذلك لأجل الجزية التي لم يأمر الله بها ولا رسوله‘ (منشورات المهدي، تحقيق م. إ. أبو سليم، 1979: 41 – 42). يجد القارئ لمنشورات المهدي المطاعة تصديقاً لنزوع الثورة أول عهدها، وهي بعد شعبية لا تربكها مغانم السلطة، لإنصاف أنصارها بتحرير أرضهم من الإقطاع وتحسين ظروف حياتهم وشروطها، وربما للناقد المتفائل نواة تصور سوداني لديموقراطية الاجتماع والاقتصاد، حيث شرع المهدي وأثبت مبادئ جد "حديثة" في المنفعة العامة و علاقات الملكية. مثال ذلك حكمه بمشاعية الانتفاع بالأرض حيث قرر أن ’من كان له طين فليزرع فيه ما استطاع زرعه وإذا عجز أو لا احتاج إليه لا يأخذ فيه دقندي (ضريبة عينية يدفعها الزارع لصاحب الأرض) لأن المومنين كالجسد الواحد يكون له في ميزانه دايما بدرجات علا عند الله وليست المسابقة من المؤمنين إلا فيما يبقى وإن كل مومن ملكه من الطين له، ولكن من باب إحراز نصيب الآخرة فما لا يحتاج إليه يعطيه لأخيه المومن المحتاج خير له من نفع دقندي يفنى عن قريب‘ (منشورات المهدي: 196 – 197). لأستاذنا محمد إبراهيم نقد في هذا الخصوص كتاب محكم بعنوان "علاقات الأرض في السودان: هوامش على وثائق تمليك الأرض" أحيل إليه كل مهتم. كتب المهدي أيضاً كلمة ضافية في تهذيب التجارة حيث أوصى كل من بلغه منشوره أن ’لا يفتري على الله كذباً ولا يغش أحداً ولا يمكر ولا يخادع ولا ينقض عهداً ولا يحلف يميناً فاجرة لاستجلاب حطام الدنيا الساحرة ولا يبخس ميزاناً أو مكيالاً ولا يطففه وأن يتخذ بين ذلك سبيلا، ويلزم الصدق في اخذه وعطايه وبيعه وشرايه وجميع معاملاته دون خيانة‘ (منشورات المهدي: 274). كما كتب يمنع التعدي على حقوق الناس بأخذ أموالهم باطلاً، وتجاوز المقرر من زكاة، وتغنيم ما ليس بغنيمة، وأخذ الزيادة على قدر الغنيمة: ’قد بلغني كثيراً من أفواه الناس حصول التجارى من بعض المندوبين للخدامات على أخذ الزيادة المذكورة وشق علي ذلك وكدر خاطري (..) فألزموا الأدب مع الله في رعاية خلقه واتقوه تعالى ولا تتعدوا على أحد بأخذ الزيادة ولا إبرة ما دام الذرة لا مسامحة فيها عند الله والزكاة لها نصاب معلوم (..) وأعلموا أنه إذا بلغنا من الآن فصاعداً مثل ما سبق فلا بد أننا نجري جلب المتعدي وإقامة الحق عليه ردعاً له وعبرة لغيره إذ لا تأخذنا رأفة ولا لومة لايم في دين الله وقد أذنا لجميع المظلومين في أخذ حقوقهم الزايدة على نصاب الزكاة وقدر الغنايم أن يحضروا لطرفنا ويبدوا شكواهم‘ (منشورات المهدي: 281 – 282).

بإسم التجديد إرتد "الأفندية" الإسلاميون عن هذا التراث الوطني والتقدمي في المساواة والعدالة وبسط حكم القانون، وبإسم التأصيل وجهوا معاولهم الهادمة نحو "حداثة" السودانيين الأصيلة. فقد سعى السودانيون قدر طاقتهم إلى تحديث حياتهم "وطنياً" بطلب نقدي لمعينات ذلك من تقاليدهم ومعتقداتهم وتاريخهم الخاص، بل سبقوا في ذلك المستعمر "الرسالي" حتى في شئون تعتبر ذات خصوصية و"حرمة" اجتماعية. ذكر حسن نجيله في كتابه الفريد "ملامح من المجتمع السوداني" وهو يؤرخ لتعليم البنات ’أن الشيخ بابكر بدري لم يجد المعارضة من السودانيين فحسب، بل أن مصلحة المعارف نفسها كانت تتوجس خيفة من فتح مدرسة للبنات في ذلك الأوان ولكنها تحت إلحاح الرجل العظيم بعثت بخطاب التصديق ممهوراً من جيمس كري أول مدير للمعارف يقول ما نصه: عليك أن تفتح المدرسة في بيتك الخاص وبإسمك الخاص‘ (طبعة دار عزة، 2005: هامش 94). إنه لمن كسب السودان المتميز أن يقوم فيه تعليم المرأة الحديث وتحريرها بجهد وطني خالص رائده شيخ صاحب جبه ومحارب من "الدراويش" وليس بفرض الاستعمار وعبء الرجل الأبيض أو بذل الأفندية التابعين. تسلسل جهاد الشيخ الفذ منذ عام 1903 بمدرسة للأولاد في رفاعة، دعمها أهالي رفاعة بإضافة قرش واحد للعشور؛ ثم عام 1907 أول مدرسة للبنات في السودان برفاعة، على حسابه الخاص دون دعم من أي جهة حكومية؛ وعام 1930 أول روضة أطفال أهلية ووطنية في رفاعة؛ عام 1932 الكتاب والروضة في أم درمان؛ 1933 المدرسة المتوسطة للأولاد؛ أول مدرسة ثانوية أهلية ووطنية للأولاد بأم درمان عام 1943؛ 1951 المدرسة المتوسطة للبنات وقد أنشئت لاستيعاب الطالبات المكملات للكتاب ولا تستطيع المدارس الحكومية استيعابهن. هذا في حياته حيث توفى الشيخ الجليل في يوليو 1954، ومن بعده إتصل الجهد بافتتاح المدرسة الثانوية بنات، وكانت أول مدرسة ثانوية أهلية للبنات، والثانية لمدرسة أم درمان الحكومية التي بدأت عام 1945؛ ثم عام 1966 بإنشاء كلية الأحفاد الجامعية للبنات، مع التنبيه إلى أن العميد يوسف بدري كان قد شرع في إنشاء فصل إعدادي للكلية الجامعية عامي 1957 و1958 لكن عقبات وضعها وزير التربية آنذاك بجانب قلة الإقبال حالت دون ذلك (مذكرات العميد يوسف بدري، 1996: 46 – 48). إستن الشيخ بابكر بدري سنة إتبعها من بعده السودانيون والمستعمرون البريطانيون حيث ارتفع عدد المدارس الأولية للبنات من خمس مدارس كان بها 164 طالبة في عام 1919 إلى عشرة مدارس كان بها 694 طالبة في عام 1927، وأسست في العام 1928 وحدها سبع مدارس أولية للبنات حتى بلغ عدد مدارس البنات 23 مدرسة في العام 1931 ضمت 2095 طالبة كإنعكاس لاضطراد حاجة الآباء ورغبتهم في تعليم بناتهم (محمد عمر بشير، 1983: 169). هكذا ولج السودانيون أبواب تحريرهم وحداثتهم على قواعد لهم راسخة، بما في ذلك تثوير الشريعة التي جعلها الإسلاميون آلة للمزايدة السياسية بإسم الدين، حيث إنكب عليها نساء ورجال وطنيون ينتصرون بها للمرأة بحسب مستجدات المكان والزمان، وصفتهم المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم رئيسة الإتحاد النسائي السوداني، في تقريظها لكتاب البروفسورة كارولين فلوهر- لوبان "الشرع الإسلامي والمجتمع في السودان" (الطبعة العربية، ترجمة محجوب التجاني، 2004)، بأنهم أصيلون طبقوا مبادئ الإسلام الحقيقية. زادت المناضلة أن من سمات الكتاب ’توفير الفرصة للمقارنة بين هؤلاء القادة الإسلاميين وبين قيادات الجبهة الإسلامية المتربعة على الحكم الآن، والمتدثرة برداء الإسلام زوراً من أجل الوصول إلى السلطة، ومن أجل تطبيق آرائهم المتخلفة والرجعية حول المرأة، وتوجهاتهم المعادية للديموقراطية والمنتهكة لمبادئ الإسلام نفسه، والتي أدت إلى تجريد المرأة السودانية من معظم الحقوق التي اكتسبتها بفضل نضال الإتحاد النسائي وسلامة خططه وتكتيكاته‘.

قولي إن الإسلاميين قد تنكروا لأصالة بلادهم وأشاحوا بوجههم عن حداثتها، وهم بذلك طلقوا درب التحرير السوداني، على علاته، الذي من رحمه خرجوا كغيرهم من التيارات السياسية مناكفين باغضين على عمى وصمم، فهو درب سار عليه معظم الوطنيون السودانيون يطلبون تنوير مواطنيهم ونفعهم بواسطة مشاريع تختلف واجهاتها السياسية نعم، لكن ترتبط في معظم الأحيان بقضايا عامة الناس وأحوالهم، ولا تحول عن تقاليد سودانية في العمل الجماعي والكسب الجماعي والمنفعة الجماعية والنجاة الجماعية متوطدة في تراثهم "الثوري". لهذا السبب ربما وجدت الماركسية في السودان قبولاً خلاقاً جعلها كما قال د. عبد الله علي إبراهيم ذات ’تأثير غالب، دون سواها، في بلورة المشروع السياسي الفريد لمستضعفي السودان منذ منتصف الأربعينات سواء من جهة التحرر الوطني أو التغيير والعدالة الاجتماعيين‘ (الرأي العام، فبراير 06). البديل الذي أنفذه الإسلاميون في بلادهم وأهلهم كان بالضبط ما يضاد ويهدم هذا المشروع برماح رأسمالية طفيلية فجة "لا تخاف الله ولا تختشي" منهجها استغلال واستعباد غمار الناس لصالح طبقة عليا لا يشبع جشعها ثراء ولا تخجل من إتيان فاحشة بما في ذلك تهجير الخلق وإبادتهم بالجملة إذا ما كان ربح قتلهم أكثر من ربح حياتهم. في ذلك تعددت وسائل الإسلاميين بين حرب يشنونها على مواطنيهم في كل جبهة بالسلاح الناري، وحروب متصلة بالسلاح الرأسمالي. غزوات الرأسمال لم تقف عند حدود الخدمات العامة والأراضي والمساكن ومصالح الناس، بل طالت حتى قيم الناس ومعتقداتهم التي خرج الإسلاميون ظاهراً لحمايتها، من ذلك ما نسمعه يومياً في الراديو من إتصال المديح بالدعاية التجارية، فقد أذهلني أن تتضمن قصيدة مادحة للرسول الكريم عبارات تشيد برعاية شركة إتصالات لقناة إذاعية. بذلك يصبح المديح وهو تراث جليل لشعبنا ومستودع قيم نبرها وسيلة لجذب المستمعين إلى قناة إذاعية ربحية وشركة ربحية راعية لها. على منوال قريب اختلاق جديد إسمه "المقابر النموذجية" وهو تعريف بدعة لبعض المقابر الأحسن تنظيماً ونظافة تجده مكتوب على لافتات جميلة الخط موضوعة قبالة هذه المقابر المختارة. لا عيب طبعاً في رعاية المقابر وتنظيمها ونظافتها، فهي فضيلة محمودة عرفها وداوم عليها السودانيون في أحيائهم وأماكن سكناهم فهم يكرمون الميت ويكرمون مدفنه تبرعاً وتطوعاً إذ سبقهم وهم اللاحقون، لكن العيب في الإعلان والترويج لذلك بإسم يفاخر بالتمييز بين قبور وأخرى، فهذه "نموذجية" والأخرى أوضع درجة!

كم هي صادقة إبنة السودان البارة المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم، وللزيادة، فإن أعظم الذي يهددنا ليس "الخارج" بل سوس الرجعية والتخلف في "الداخل"، وليس تقسيم البلاد إلى شطرين أو أكثر، بل تفككها التام وإجهاض تواريخها وحضاراتها وبيعها "جملة وقطاعي"!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,467,609,193
- أميركا اللاتينية: اليسار هَبْ نَسِيما - الأخيرة
- أميركا اللاتينية: اليسار هَبْ نَسِيما 2
- أميركا اللاتينية: اليسار هَبْ نَسِيما
- السياسة الدولية في دارفور: كش ملك
- خصخصة المثقفين: أقول الحق واتعشّى في بيتنا
- عن ثقافة الرأسمالية
- الكونغو الديمقراطية: متحزم وعريان
- غربة الحق: المانفستو الشيوعي في طبعة جديدة
- النيباد: سنار من عماها يبيعو ليها ماها
- بعد الاستعمار قبل التحرير: في الذكرى الخمسين لاستقلال السودا ...
- ثورات بوليفيا
- عن نضال المزارعين
- ملاحظات ما قبل المؤتمر: حول مصائر اليسار الجذري - الأخيرة
- ملاحظات ما قبل المؤتمر: حول مصائر اليسار الجذري - الأخيرة
- ملاحظات ما قبل المؤتمر: حول مصائر اليسار الجذري 4
- العدالة الانتقالية
- ملاحظات ما قبل المؤتمر: حول مصائر اليسار الجذري 3
- ملاحظات ما قبل المؤتمر: حول مصائر اليسار الجذري 2
- ملاحظات ما قبل المؤتمر: حول مصائر اليسار الجذري
- المؤتمر الوطني حزب وطبقة


المزيد.....




- وزير خارجية إيران لولي عهد الكويت: نحن وأنتم باقون في المنطق ...
- مقتل 63 شخصا بانفجار انتحاري في كابل
- داعش يعلن مسؤوليته عن هجوم حفل الزفاف بكابول
- السودان من حركة الاحتجاج الى توقيع الاتفاق حول الانتقال السي ...
- رغم الأمطار.. احتجاجات عارمة مناهضة للحكومة في هونغ كونغ للأ ...
- لماذا غضب الفلسطينيون من لقاء محمود عباس بحفيدة رابين؟
- بريكست: -فوضى وغلاء وشح في الطعام والدواء- حال خروج بريطانيا ...
- السودان من حركة الاحتجاج الى توقيع الاتفاق حول الانتقال السي ...
- دراسة تكشف سببا للعقم بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- تحت المطر.. هونغ كونغ تتظاهر طلبا للديمقراطية


المزيد.....

- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي المصري
- الفلاحون في ثورة 1919 / إلهامي الميرغني
- برنامج الحزب الاشتراكى المصرى يناير 2019 / الحزب الاشتراكى المصري
- القطاع العام في مصر الى اين؟ / إلهامي الميرغني
- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - مجدي الجزولي - السودان الجديد: الإنسان من أجل الدكان