أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علاء رشيدي - مسرحية (صاحب الصورة المشهورة ) : تماهي المتلقي بين المنقذ والقاتل















المزيد.....

مسرحية (صاحب الصورة المشهورة ) : تماهي المتلقي بين المنقذ والقاتل


علاء رشيدي

الحوار المتمدن-العدد: 5872 - 2018 / 5 / 14 - 01:38
المحور: الادب والفن
    


مسرحية (صاحب الصورة المشهورة ) : تماهي المتلقي بين المنقذ والقاتل



(صاحب الصورة المشهورة )
مسرح دوار الشمس – بيروت، 2015. نص المادة ينشر لأول مرة
أداء وتمثيل : ريتا عيراني، بسام بو دياب.
اخراج : هاني الخطيب.


القسم الأول : ( رحلة ثنائي بعيداً عن الموت )

( هروب إلى بر الأمان… إلى السعادة… إلى الأمل… الهروب من مكان مليء بالضجيج الحرب والقتل… من مكان مليئ بصور الكولولنيل صاحب النياشين والأوسمة، والبذلة العسكرية الفاخرة، والقبعة الشامخة… من ملامح وجهه التي غطتها غبار القنابل والانفجارات )

نتابع رحلة ثنائي ( الرجل أداء بسام بو دياب، والمرأة أداء ريتا عيراني) بما يشبه الفضاء السينوغرافي في مسرحيات اللامعقول التي تستلهم المسرحية من نصوصها، نصاً ليوجين يونيسكو والآخر لفرناندو أرابال. سينوغرافيا توحي بالدمار، والواقع تحت القصف والتفجيرات. في هذه الرحلة، إلى مكان آمن ومجهول، يحاول الرجل إنقاذ المرأة التي تتناوب في دورها، بين الجريحة بطعنة سكين وماتزال قادرة على التعبير والتواصل، وبين الجثة التي فقدت الحياة قبل بدء المسرحية، حيث لا نشهد الآن إلا فانتازياها تنطق.

بالتأويل المفتوح للمكان وأحداث الماضي، يمضي القسم الأول والمتلقي ينصت إلى مونولوجات الجثة الناطقة، والرجل الذي يحاول ابقاءها على قيد الحياة، ويحاول نقلها بعيداً عن القصف والتفجيرات التي تعم المدينة. نفهم، أن الكولونيل، أو صاحب الصورة المشهورة، يتعرض إلى تمرد من قبل ثوار، ويتم الإشارة إلى ربيع، وكأنه الربيع العربي. والثوار بدورهم سيتحولون إلى مجرمين وقتلة، وصانعو تفجيرات، ولينهش بعضهم بعضاً، وينشب الصراع فيما بينهم الذي سيفرح الديكتاتور.

تقول الجثة الناطقة في الجملة الافتتاحية للعرض : ( هناك أمور تتغير في البلاد، صار بيشبه عالم تاني، بس خلص، طلع كل شي نور كاذب، سقط كل شي بجورة عميقة. الأمل، تعلقنا بالأمل، بس هلق أنا تعبانة، هم ماتوا، ماتوا كلهم، ورح يموتوا كلهم، أنا مت ومارح يتذكرني حدا )، بينما يقول لها الرجل التي يحملها ليحيمها : ( أنا ما بدي ياكي تموتي )، وهكذا يمضي القسم الأول من المسرحية، في تواصل أحياناً ناجح، وأحياناً يبدو عبثياً بين الرجل والجثة التي ينقذها، والتي نكتشف أن هذه المرأة قتلت من قبل الكولونيل نفسه، بعد أن تواجهه بأسئلة عن حكمه، وغطرسته، وانتشار صورته في كل مكان، فيطعنها صاحب الصورة المشهورة بسكين في صدرها وقلبها.

القسم الثاني : ( مغامرة ثنائي في قتل كل منهما الآخر )

( قمت ثورة من بين الناس الذين رفضوا لغة الدم والقتل، وكانت ثورة على المجرم… ثورة على صاحب الصورة المشهورة ذات الملامح الغير معروفة… فحاربوا إلا أن دخلوا في دائرة القتل… دائرة الظلام التي اجتاحت عقولهم…

يبرع القسم الثاني في قلب المعطيات السردية، وبالتالي قلب الشخصيات المجسدة من قبل الرجل والمرأة، ويغير الزمان والمكان في الحدث المتابع من قبل المتلقي. فيبدأ القسم الثاني مع مجريات تحقيق قاسي مع المرأة، حيث يناديها المحقق بأسماء متعددة، منها الدكتور ( عادل )، لكن الأسماء ليست لها، وإنما لثوار أرقوا الكولونيل وشغلوا ذاكرته، حتى تتعرف المرأة المحتجزة من بين الأسماء المتتالية، اسم ابنت عمها، فتقول : ( إنها ليست أنا، بل ابنة عمي )، فيقول المحقق : ( أنت لست هي، بل ابنة عمك، لا فرق. ذلك أن العائلة التي تضم من بين أفرادها خائناَ، عليها أن تباد بالكامل، بهذه الطريقة وحدها بإمكاننا تطهير البشرية )، تجيب المرأة : ( أتعتقد حقاً أنك تطهر البشرية ؟ )

تتدرج الحبكة شيئاً قشيئاً لتوضح لنا معطيات جديدة، وهكذا نكتشف أن التفاصيل التي نراها، هي الحوار الأخير بين الكولولنيل والمرأة، اللحظة التي سترتكب جريمة طعنها، وتتحول إلى المرأة المدماة على وشك الموت ، أو الجثة الناطقة التي تعرفنا إليهما في القسم الأول : ( من هو ؟ من صاحب تلك الصورة ؟ … من المجر؟ من القاتل ؟ في هذه الدائرة الهستيرية من القتل والاغتصاب )


هذي هي أسئلة القسم الثاني من المسرحية، حيث البراعة في البنية السردية للنص، تحول البطل الراغب بإنقاذ المرأة في القسم الأول، إلى الكولونيل، وبالتالي إلى قاتل المرأة نفسه، فنسمع هلوسات هلوسات الكولونيل، مونولوجاته الذاتية المتساءلة عن وحشيته ؟ يتساءل عن العنف الذي وصل إليه في تصرفاته، يقول الكولونيل لنفسه : ( أتقتل بالسكين ؟ بالسكين تخصلت من هذه المرأة ؟ )، وهكذا بسردية مدروسة ينتقل المتلقي من التماهي مع ( بسام بو دياب ) المنقذ العاشق، إلى ( بسام بو دياب ) الكولونيل القاتل، الديكتاتور، صاحب الصورة المشهورة، التي تفتح خفاياها، وتسقط ببرجكتور على خلفية المسرح لتكشف لعين المتلقي التماثل بين صورة الممثل - المنقذ في القسم الأول، وصورة الكولونيل - القاتل في النصف الثاني. وهاهي اللعبة تكشف، فشخصية الرجل رسمت بدقة بين القسمين الأول والثاني من المسرحية، لتكونا ما يقارب النقيضين، منقذ هارب مع حبيبته، وكولونيل قاتل.

يتميز في العرض المسرحي ثنائي الممثلين : (بسام بو دياب)، و(ريتا عيراني). فيؤدي بسام شخصية متوازنة براغماتية تارةً، مدافعة وراغبة في الحياة، وقادرة على اختلاق الأسباب للبقاء والاستمرار رغم كل الدمار، والمأساة التي تطلعنا عليها المسرحية في القسم الأول، ويؤدي دول التحول التدريجي من المنقذ إلى المحقق وأخيراً الكولونيل. كل هذا الانتقال مرسوم بتصاعد متدرج، مرسل إلى المتلقي عن طريق مونولوجات مكتوبة بدقة، ومؤداة ببراعة بسام في تحويل البمنقذ إلى شخصية عصابية تتالى أفكارها الداخلية حتى اللحظة الأخيرة في العرض، حيث تتخذ الجثة الناطقة، المرأة المقتولة، موقفاً فاعلاً، وتطعن بنفسها الكولونيل بسكين في نهاية العرض، وهكذا تتحول القتيلة إلى قاتلة، وتنتقم للجميع، ولنفسها أولاً من الكولونيل، صاحب الصورة المشهورة، وتكتمل دائرة السرد عودةً إلى نقطة البداية.

( ريتا عيراني ) تبرع في اختيار طريقة النطق، طبقة الصوت وأسلوب التنفس، كما توحي بوضعيات جسدها، وعلاقة الأطراف فيما بينها، بالجثة الناطقة التي يصعب أداؤها بدون اللجوء إلى حركة جسد قريبة من وضعيات الجسد الآلي، مع أسلوب في النطق يلعب على مستوى الصوت، ولفظية الكلمات لتوحي للمتلقي بتلك الثنائية الصعبة بين المرأة المطعونة بسكين والمشرفة على الموت، وبين الجثة التي فقدت الحياة سابقاُ، تنطق بالحكمة وتروي قصة الماضي، وتتساءل عن أحداث المستقبل.




حكاية جريمة مفردة في عالم من الحروب :

( إلى متى سوف يبقى الإنسان يقتل ويدخل في حالة الحروب ؟ ألم يتعلم من تجارب الحروب السابقة ؟ … ألم يتعلم إن القتل يولد القتل وإن الدم يولد الدم ويجب عليه البحث عن السلام، أم أن الحروب والقتل شيء ضريوي وحتمي في الحياة البشرية ؟ )

يقترح المخرج ( هاني الخطيب ) في عرضه ( صاحب الصورة المشهورة ) هذه الأسئلة، ويجيب بأن يروي لنا حكاية جريمة، جريمة يرتكبها الكولونيل ويقتل امرأة لا تخبرنا المسرحية عن الرابط بينهما، ولكنها تخبرنا بلا إنسانية كل جريمة انسانية، بفظاعة اللحظة التي تتحول فيها الضحية إلى نسيان مؤبد، ويصبح فيها القاتل منتصراً لن ينسى، ويكرر أن القتيلة أيضاً تتحول قاتلة، لتصبح كل جريمة جريمتين في الحدث المسرحي، وكل جريمة كل الجرائم بالرمز.

( هاني الخطيب ) يقدم عرضاً متماسك العناصر من سرد متميز في تقسيم الحكاية وبنيتها، وتركيب مونولوجات وحوارات بين ثنائي الرجل والمرأة،ويحسن استعمال الفضاء المسرحي في سرد الأزمنة والأمكنة المتنوعة التي تمر عبرها أحداث الحبكة المسرحية.

يذكر أن ( صاحب الصورة المشهورة ) عمل مسرحي مستوحى من نصين هما : ( سفاح بلا كراء ) للكاتب الفرنسي ( يوجين يونيسكو، 1909-1994 )، والنص الثاني ( وفاندو وليز ) للكاتب الاسباني ( فرناندو أرابال، 1932- ).


علاء رشيدي





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,423,929,370
- فيلم - الآن: نهاية الموسم -، محطة المهاجر بين البياض والماء
- القصة الروسية الساخرة
- المغامرة السريالية


المزيد.....




- إسبانيا .. أزيد من 273 ألف مغربي مسجلين بمؤسسات الضمان الاجت ...
- شاهد: افتتاحية مبهرة لمهرجان الكرَّامين السويسري بحضور 7 آلا ...
- ساحة النوم والراحة والسياسة: 13 معلومة من تاريخ السرير
- إيران تبث لقطات -تدحض- الرواية الأمريكية بشأن إسقاط طائرتها ...
- الإعلان الترويجي لفيلم Cats يسبب رعبا جماعيا على شبكة الإنت ...
- 21 سنة من الرموز التعبيرية.. هل يمكن أن تكون أول لغة عالمية ...
- معرض فنان تشكيلي نرويجي يحقق نجاحا مبهرا في موسكو
- شاهد.. واقعة مستفزة لعازف يجلس على أغلى بيانو في مصر ووزارة ...
- قنوات إيرانية تبث لقطات تدحض الرواية الأمريكية بشأن إسقاط طا ...
- فيديو كليب يعرض الفنان محمد رمضان لغرامة


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علاء رشيدي - مسرحية (صاحب الصورة المشهورة ) : تماهي المتلقي بين المنقذ والقاتل