أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - نبيل عبد الأمير الربيعي - سجن نقرة السلمان أول جمهورية شيوعية حرّة في عمق الصحراء















المزيد.....

سجن نقرة السلمان أول جمهورية شيوعية حرّة في عمق الصحراء


نبيل عبد الأمير الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 5865 - 2018 / 5 / 5 - 14:07
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


سجن نقرة السلمان أحد أقدم السجون في العراق يقع في محافظة المثنى في مدينة السماوة ناحية السلمان في منطقة صحراوية بدوية بالقرب من الحدود العراقية السعودية...أسس السجن من قبل القوات الإنكليزية المحتلة في عشرينيات القرن الماضي، لكون المنطقة نائية وهي منفى في ذلك الوقت حيث اختار الإنكليز منخفض السلمان أو ما يعرف بنقرة السلمان، لتكون مقرا لهذا السجن علما ان هنالك سجنين في نقرة السلمان أولها هو السجن الذي بناه الإنكليز والذي نتحدث عنه والآخر بني على أحد تلال السلمان في ستينيات القرن الماضي من قبل الحكومة العراقية، وهو أكبر من سابقه بكثير.
نقرة السلمان يعتبر واحد من اشرس السجون التي عرفها تاريخ العراق لذا كان دائما يتم ترحيل المثقفين والسياسيين الذي يعارضون الدولة وخاصة أولئك المنتمين لـ الحزب الشيوعي العراقي. وقد أصبح السجن رمزاً للنضال فكتب عنه الشاعر العراقي الكبير الراحل كاظم إسماعيل الگاطع وقتها قصيدة لا تزال متداولة إلى الآن على لسان ام قادمة لزيارة ولدها الشيوعي السجين هناك وتصف القصيدة بتصوير مميز مدى صعوبة الأوضاع في ذلك السجن.
صدر عن دار المكتبة الاهلية في البصرة للكاتب والباحث والأديب جاسم المطير كتابه الموسوم (نقرة السلمان) بـ (557) صفحة من الحجم الوزيري ذات الطباعة الجيدة, اهدى الكاتب الكتاب إلى سجناء نقرة السلمان ورفاقه العاملين في المنظمة الحزبية وفي الهيئة الادارية داخل السجن وإلى كل من سامي احمد العامري وعبد الوهاب طاهر وناصيف الحجاج وخضير عباس ومحمد الملا عبد الكريم ومحمد السعدي وعباس المظفر وسليم اسماعيل وكاظم فرهود وكنعان العزاوي وعباس بغدادي, الكتاب قسم إلى (50) موضوعاً و(7) ملاحق وكل ملحق هو عبارة عن رسالة, ولكل موضوع يذكر الكاتب حالة من حالات سجناء نقرة السلمان وواقعهم المرير, الكتاب عبارة عن مذكرات الباحث جاسم المطير في سجن نقرة السلمان ابان انقلاب 8 شباط 1963 والاطاحة بالجمهورية الاولى وزعيمها ومؤسسها عبد الكريم قاسم بدعم من القوى الاستعمارية والرجعية والاقطاعية, إذ يصف الكاتب حياة السجين الشيوعي وعلاقته مع إدارة السجن ورفاقه في السجن حاملي الفكر الشيوعي والماركسي, وقد احتوى الكتاب على مجموعة نادرة من صور السجناء والشهداء داخل سجن نقرة السلمان وخرجها.
المؤلف المطير من مواليد البصرة عام 1934, يقيم حالياً في هولندا, صدر له اكثر من (15) كتاباً بين رواية وقصة قصية وبحثاً ومذكرات وعشرات المقالات في الصحف والمواقع الالكترونية, الفَّ العديد من المسرحيات السياسية التي اخرجها الفنان توفيق البصري وكانت اولى مجموعته القصصية عام 1952, كما صدر له كتاباً يصف فيه حياة السجين في سجن الحلة المركزي, وفي عام 2010 صدر له كتاباً تحت عنوان مشاهدات في السينما العالمية من منشورات دار الفارابي/ بيروت.
أما هذا الكتاب (نقرة السلمان) فهو وثيقة تاريخية مهمة وثقها المطير من خلال مذكراته اليومية داخل السجن ليصف لنا حقيقة العلاقات الديمقراطية داخل مجتمع صغير اسمه السجن, التي تولدت داخل هذا السجن فكرة الحكم الذاتي من خلال مجلسه الذي يتألف من كل سجين وتحت شعار (كل سجين يخدم كل سجين), فسجن نقرة السلمان تجاوز عدد نزلائه عام 1963 حوالي ثلاثة آلاف سجين ومحتجز بلا محاكمة, وقيل أن السجن ضم أكثر من أربعة آلاف سجين ومحتجز قبل عام 1963, لا يثبت عدد السجناء على رقم واحد فهو في حركة دائبة صعوداً ونزولاً, يدخله يومياً عشرات السجناء وينقل منه يومياص بالعشرات, السجن كما عبرَّ عنه الكاتب في ص29 قائلاً هو : (أول جمهورية شيوعية حرّة في عمق الصحراء تحاول ان تجرب المساواة والديمقراطية بعذاب مشترك واحد وبسعادة مشتركة محدودة بنفس الحدود لجميع مواطنيها).
سجن نقرة السلمان هو أول اسطورة من اساطير الديمقراطية في الظروف القاسية وتركيبتها الاجتماعية القاسية المتوفرة في النقرة, أراد الانقلابيون من وضع هذه الشريحة المثقفة في هذا السجن الصحراوي حقاً هو الانقطاع عن العالم, ولما يجري على أرض العراق وفي الكرة الارضية كلها, ومسح ذاكرة السجين الشيوعي وأن تكون ارادته عاجزة عن كل تخطيط من اجل مستقبل مغاير, فالسجانون لا يعرفون ان السجناء ارادوا ان يواصلوا اشادة حضارة لبلادهم متجددة بفعالية الافكار المتجددة, فالسجناء والسجانون يتقاسمون ازمات ونوائب العيش الصحراوي المرّ, فكان السجانون يبحثون ويجوبون الصحراء ليوفروا للسجناء أماكن آبار الماء العذب, ويخالفون أوامر الحكومة في اشياء أخرى منها : تزويدهم بالأقلام والأوراق والكتب الممنوعة والراديوات والمسجلات والصحف والمجلات, يقول المطير في ص34 (لا حضارة للسجناء من دون وسائل الاتصال بالعالم الخارجي), كما أن مدير السجن نفسه والاداريين كانوا يتحاشون فرض قساوة السجان على السجين.
أشاد السجناء الشيوعيين أنفسهم بداخل السجن وبموجب تخطيط هندسي مدروس قام به بعض السجناء المهندسين ومن ذوي الخبرة مبانٍ عديدة, (المطبخ, المستوصف, قاعة صغيرة للاجتماعات الحزبية, مقراً لتحرير واستنساخ الجريدة اليومية التي يصدرها السجناء, الحمامات, ساحة نظامية لكرة القدم والسلة والطائرة, ساحة لكرة الريشة والمنضدة, ومكان مخصص لكمال الاجسام, صفوف دراسية, زراعة اليوكالبتوز في اطراف ساحات السجن لصد العواصف الرملية, هذه كلها تعتبر ظاهرة عمرانية في أول جمهورية شيوعية حرة.
كانت الطبابة المنتشرة في قاعات السجن هي الطريقة البدائية في التطبيب من خلال طب الاعشاب وبعض الروحانيات الذي يقوم به كاكه عمر, فضلاً عن ذهاب السجين لغرض مراجعة الطبيب في مستشفى الديوانية الجمهوري.
الحكام والحكومات يتصورون أن وجود السجين بين الجدران ينجز عملية تعقيل المتمردين ضدهم, لكنهم تناسوا أماني السجين في الحياة الحركة الكريمة, وطموحه في التعلم من خلال دروس العقل والعقلانية والبحث عن امكانية المواءمة بين الحق والحب, بين الحق والجمال, بين الحرية والصدق, بين العمق والصفاء, بين السجن والنضال, الكثير من السجناء العاشقين للأدب وضروب الشعر الشعبي تطورت قابليتهم في كتابة الشعر ومنهم "الشاعر والمغني سعدي الحديثي والشاعر مظفر النواب, والشاعر الغزلي الشعبي زهير الدجيلي, والشاعر والمحامي هاشم صاحب, والشاعر الفريد سمعان, وشعراء القصيدة الحسينية.
ان العقلانية المعززة بالخيال هي وحدها التي تستطيع أن تحول الحلم إلى نور يحتقر التزمت الذي لا مبرر له في علاقة الانسان بأخيه الانسان, فالسجين في أية لحظة ربما يواجه الموت غدراً كما هو حال سلام عادل وجمال الحيدري وابو سعيد وعدنان البراك وحمزة سلمان وآخرين.
الكتاب عبارة عن وثيقة تاريخية أرخت مرحلة وحقبة من تاريخ السجين الشيوعي والمنظمة الحزبية والصحافة الشيوعية في سجن نقرة السلمان, فسجن نقرة السلمان بعد تجربة تنظيمات الحزب ابان حقبة الجمهورية الاولى 1958 كان يغلي بالمناقشات والافكار السلبية والايجابية حول اسباب فشل الثورة والقضاء على منجزاتها بسبب تدخل العامل الخارجي العربي والاجنبي, والعامل الداخلي المتمثل بالإقطاع والرجعية ورجال الدين وحزب البعث العربي والقوميين العرب, فكانت آراء كثيرة تؤكد أن انتكاسة ثورة تموز 1958 مرجعها الاساسي هو الفعل الامريكي المحموم ضد الشيوعية في العراق وفي الوطن العربي وضد حركة التحرر الوطنية كلها.
وينقل لنا الكاتب جاسم المطير من خلال كتابه (نقرة السلمان) واقع حال السجين السياسي وواقع حال الصراع داخل السجن الذي اصبح العامل السياسي يتدخل في العلاقات بين صفوف السجناء وفي حياتهم ايضاً, اصبح هذا العامل مؤثراً في سيرة حياة كل سجين وفي مستقبله, وقد استغلت نفس العامل مجموعة من النفوس اليائسة في تبرير مواقفها الانهزامية أو التراجعية, كما تستغله نفوس أخرى لتبرير اخطائها, فقد تداخلت الخيوط مع بعضها, مما زاد أحياناً في تخبط وقلق وفوضى الكثير من الآراء المطروحة وهي حالات استثنائية, إلاّ أن السجين الشيوعي ظل على مبادئه وعلى احترام المجتمع لمواقفه الصلبة وتصرفه الهادئ العقلاني المتزن.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,823,469,563
- في ذكرى رحيل الصحفي الساخر شمران الياسري
- حزب الزعيم عبد الكريم قاسم الذي لم يرى النور
- محطات من سيرة حياة المناضل والمفكر عامر عبد الله (الحلقة الث ...
- يهود العراق والتمسك بالهوية الثقافية
- محطات من سيرة حياة المناضل والمفكر عامر عبد الله (الحلقة الث ...
- الروائية تسيونيت فتال تبحث عن جذورها العراقية
- محطات من سيرة حياة المناضل والمفكر عامر عبد الله (الحلقة الأ ...
- برزان التكريتي ومذكراته (السنوات الحلوة والسنين المرّة)
- العقيد الركن الطيار جلال الأوقاتي.. الوطني الذي اهملهُ التار ...
- مجلة الحكمة ودورها في نشكر الفكر التنويري في مدينة الحلة
- علي الحسيني وملاحظات حول الشعر الحر والأدب
- موقف الحزب الشيوعي العراقي من إسقاط الجنسية عن يهود العراق
- المحامي يعقوب عبد العزيز... رجلٌ تسامى في عالمٍ متهالك
- يهود العراق والهوية الوطنية.. حقبة العهد الملكي / الحلقة الخ ...
- يهود العراق والهوية الوطنية.. حقبة العهد البابلي /الحلقة الث ...
- يهود العراق والهوية الوطنية .. حقبة العهد الآشوري / الحلقة ا ...
- من فناني المهجر العراقي الفنان المبدع البير الياس أو (آريه ا ...
- المسرح المسيحي في العراق. دراسة توثيقية
- رحلة في كتاب معجم المراقد المزيفة في العراق
- مجلس النواب العراقي بين السادية الجنسية وقانون زواج القاصرات


المزيد.....




- رياح معاكسة تواجه الاشتراكي والمحافظين في استطلاعات الرأي
- بيروت: تظاهرة عمالية احتجاجاً على نظام الكفالة
- حفل العشاء السنوي لمجلة -النداء-
- ماركس ضد سبنسر /التنويع في المنطقة العربية: المهمة المستحيلة ...
- مونديال 2018... توقعات بهطول أمطار خلال مباراة إسبانيا والمغ ...
- فيلتسيا لانغر.. وداعاً
- ثقافة عربية لا خليجية
- من وحي الأحداث: لمن ينشر البخور؟
- كلمة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب في يوم الش ...
- أنشطة متواصلة للجان دعم حراك الريف بأوربا


المزيد.....

- نحو نظرية علمية للثورات الشعبية / خليل كلفت
- من الثورة الى التحالف الأحزاب اليسارية في أوروبا / مؤسسة روزا لكسمبورغ
- الخطّ الإيديولوجي و السياسي لبشير الحامدي و من معه ليس ثوريّ ... / ناظم الماوي
- العلم و الثورة الشيوعية - فصول و مقالات من كتابات أرديا سكاي ... / شادي الشماوي
- مقدّمة الكتاب31: العلم و الثورة الشيوعية - فصول و مقالات من ... / شادي الشماوي
- الماركسية والنسوية / كريس هارمان
- ماركس الإنسان، ماركس عقل العالم الحلقة الأولى / الشرارة
- دراسات في الفكر الاقتصادي / ابراهيم كبة
- مكانة روزا لكسمبورج في التاريخ / توني كليف
- الوضع السياسي ومهام اليسار / حسن الصعيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - نبيل عبد الأمير الربيعي - سجن نقرة السلمان أول جمهورية شيوعية حرّة في عمق الصحراء