أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آرام كربيت - التمرد 3















المزيد.....

التمرد 3


آرام كربيت
الحوار المتمدن-العدد: 5823 - 2018 / 3 / 22 - 02:03
المحور: الادب والفن
    


كان الشارع الرئيسي لمدينة رأس العين طويلًا يبدأ من شارع المحطة وينتهي في الطريق العام المؤدي إلى الحسكة على طرفيه دكاكين ومطاعم وأفران ومكتبات وماسحي الأحذية وكراج الباصات ويتقاطع مع شارع الأمل أو شارع الكنائس والمدارس الخاصة. يمكن للمر أن يمشي بين صفين من البيوت الترابية المتقابلة، المهترئة أو المتأكلة بفعل ضربات الزمن بالرغم من عراقة هذه المدينة وقدمها.
ربما يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من ألفي سنة. عاش الآراميون هنا مدة طويلة من الزمن، وبسطوا وبسطت سيطرتهم على المنطقة كلها. تمكن هؤلاء من الاستيطان والاستقرار على ضفاف نهر الخابور وعند مجرى الفرات الأوسط في المنطقة التي عرفت باسم آرام النهرين. وبدؤوا يؤسسون إِمارات ودويلات.
أسسوا على ضفة الخابور في تل حلف على بعد ثلاثة كيلومترات من رأس العين عاصمتهم وامتدادهم إلى نصيبين وماردين وانتشروا إلى أن وصلوا حلب وجبال الأمانوس وحوض العاصي وحماه وانحدروا إلى الجنوب في سهول البقاع ووادي برى في دمشق وعنجر وسفوح الحرمون وبحيرة طبريا وسفوح قاسيون والغوطة وحوض نهر الأعوج.
تابعت السير وحدي على الرصيف، محاولًا تجنب المطر وعلى الرصيف المقابل لي كان والدي يمشي مثلي بشكل موازي. تخلل هذه البيوت بعض الأبنية المشيدة من الحجارة البازلتية، مكونة من طابقين. أنها لأغنياء المدينة العتيقة تندلف على أدراج يربط البيت بالشارع. وهناك بعض السيارات الجاثية على أطراف البيوت، صامتة كالأموات. والأرصفة المكسرة تلتهم أشجار التوت والسرو، والدلب. وعلى طول الشارع والأرصفة يمكن للمرء أن يرى الكثير من أكياس الزبالة مركونة في الزوايا المعتمة، تلعب الكلاب والقطط الشاردة بهم، تلتقط بعض الأطعمة المرمية هنا وهناك أو بعض الخبز المعفن.
أنها مدينة هرمة، شوارعها وبيوتها وناسها، الحفر والجور تملأ أغلبها، وجوه الناس شاحبة في ضوء الشمس خاصة في منتصف النهار.
وقفت عند براكة أبو العباس، بائع المعجنات الذي كان يبيع سندويشات لحم بعجين، والجبنة والنخاعات والمخ، ملقيًا التحية عليه، ولأقي نفسي من المطر. عندما رأني وحدي، طلب مني أن أدخل براكته، قلت له:
ـ المكان ضيق يا ابو العباس ولا أريد أن أسبب لك أذى. إنه محل رزق والناس يذهبون ويأتون ويشترون ويتحدثون معك فلهذا لا يجوز أن أكون ضيفًا ثقيلصا عليك.
ـ أدخل يا رجل. الرزق على الله ومن وضع هذا الرأس، وهنا أشار إلى شعره وعنقه ورأسه لا بد أنه يتكفل بطعامه.
عندما دخلت رحب بي ترحيبًا حارًا، ووقف على قدميه وفتح لي الطريق لأخذ مكاني، وسأل عن أحوالي، وسألت عن أحواله.

تبادلنا الحديث بشكل سريع عن المنتخب الوطني لكرة القدم. ذكر لي أن نادي الأهلي الحلبي المتصدر للدوري في قمة قمم في الدوري الممتاز. وإن أغلب لأعبيه أضحوا في المنتخب الوطني كحارس المرمى عمر سواس واللأعب وائل العقاد وجمعة الراشد. وتحدثنا عن اللأعب بوشكاش وبيليه وأوزبيو وحارس المرمى ليف ياشين.
ثم أردف بصوت واضح:
تعال إلى هنا وأشار إلى كرسي القريب من مخرج البركة. أدخل، واقترب من المدفأة. تدفئ قليلًا. البرد لا رحمة فيه. لنتكلم بعد قليل بعد أن أحضر سندويشة لحم بالعجيب لهذا الزبون القادم. أجلس وانتظرني.
جاء إلى المحل أربعة رجال وامرأة وطلبوا خمسة وعشرين سندويشة لحم بعجين وعشرة نخاعات وسطل عيران. نظر إلي وقال لي وجهك فال خير علي يا آفو. أرجو أن تنتظرني بيننا حديث طويل حول كرة القدم والسلة.
كان المحل صغيرًا لا يتجاوز التسعة أمتار مربعة مصنوع من الخشب الصلب، ومغلف من الخارج بطبقة رقيقة من التوتياء. والمحل مرتب، وكل شيء في مكانه، العيران فوق الدزكة في مكان مغلق ونظيف، صفائح اللحم بالعجين، المصطبة. السخانة، رائحة الطعام كانت شهية. ووجه أبو العباس الودود والمريح يدفع الإنسان للجلوس معه وفتح حوارات مفتوحة تتعلق بالرياضة والطعام والحياة.
كان أبو العباس يتحرك كالمكوك في محله، يداه تتحركان بسرعة، يتناول الحامض من فوق الرف والخبز من اسفل المصطبة ويقطع البندورة والخس والمخلل ويضع مجموع القطع فوق السندويشة ويتبعها بالتوابل المتنوعة ويلفها ويقدمها للزبون بربع ليرة لكل واحدة. وبعد أن أنتهى التفت إلي قال خلاله:
ـ أسف على التأخير، لحظة وأعود لك.
نسيت والدي والموسيقى والرقص والمدرسة واندمجت في المحل والحديث عن كرة القدم.
وعندما عاد أبو العباس، سألني عن أحوالي وعن آخر إنجازاتي في كرة القدم كوني موهوبًا فيها. قلت له:
ـ أي انجازات وأي لعب؟ أنا مدمر يا أبو العباس. لا يوجد أي نشاط لكرة القدم في مدينتنا ولا دعم من الأهل والمشرفين على المدارس. ما نفعله هو عبارة عن اجتهادات فردية سرعان ما تذبل وتذوب ثم تموت.
عندما أخرج من المدرسة، وأرى أطفال في مثل عمري يلعبون كرة القدم في مكان ما، أحشر نفسي بينهم وألعب.
قبل أسبوع ضربني مدير المدرسة شدهان عطفة، وكسر العصا على ظهري وسط صراخي وبكائي ولم يشفع لي أحد من أجل أن يوقفه أو يمنعه من ضربي. تصور أنه توقف لوحده لأنه تعب من الضرب، حجته أنني مقصر بالدراسة ومخي ملتصق بالكرة.
ـ معه حق يا آفو. الرجل يريد مصلحتك. إنه مربي ويريد لك الخير. إن الكرة لا تطعم الخبز في بلادنا. عليك ان تلتزم بدروسك وواجباتك قبل أي شيء آخر.
ـ حتى أنت يا أبو العباس؟ كنت أظنك ملجأ آمن ومشجع قوي لكرة القدم. لماذا تقف في صف المدير. وقبله بأيام تناولني القسيس كيفورك، الله لا يوفقه بالضرب المبرح. ضرب رأسي في الجدار، وكسر العصا فوق رأسي وظهري، ثم جلس يبكي بعد أن نتف شعر رأسه، قال لي:
ـ أنت لست أرمنيًا صالحًا، لست أرمنيًا أصيلًا. أنت أرمني تقليد، نخب ثاني. تترك الكنيسة والمسيح والأنجيل لتلعب كرة القدم. أنت خائن.
ـ قال لك خائن؟
ـ نعم. كرر الكلمة أكثر من مرة. هذا الرجل مجنون، كيف يقبل الله مجنونًا يدير كنيسة؟ تصور، يريد جميع الأطفال ان يتحولوا إلى شمامسة.
ـ ما معنى شمامسة؟
ـ الا تعرف معنى كلمة شماس؟ ألست أكبر مني سنًا، فكيف لم تسمع بهذا؟
ـ أنا مسلم ولا يوجد عندنا هذا المنصب الذي تسميه شماسًا.
ـ يريدني أن استيقظ يوم الآحد صباحًا في الساعة الخامسة، أفطر وأرتدي أجمل وأنظف ثيابي مع حذاء لامع ومصبوغ وأخرج من البيت في السادسة لأصل إلى الكنيسة في السادسة والنصف، نوقد المدافئ أنا وبقية الأطفال في مثل عمري، ونلبس ثياب الصلاة.
ـ وهل لديكم ثياب خاصة للصلاة؟
ـ أبو العباس؟ الكنيسة تبعد عن محلك مئة متر، ألم تدخل كنيسة في حياتك؟
ـ لا. ولماذا أدخل الكنيسة؟ أنا لا أذهب إلى الجامع فكيف سأذهب إلى الكنيسة؟
ـ ولماذا لا تذهب إلى الجامع؟
ـ أنا مؤمن بالفطرة. ثم أن عملي لا يسمح لي أن اتفرغ للتعبد وتأدية فرائض الصلاة.
ـ حسنًا، سأشرح لك طقوس المسيحيين في الصلاة. أننا نرتدي في يوم القداس في يوم الأحد ثوب أبيض طويل يبدأ من أول الكتفين ويصل إلى أسفل القدمين، على الظهر قماش أزرق عليه إشارة الصليب.
نقف وراء القس في المحراب عندما يبدأ القداس من السابعة والنصف إلى العاشرة والنصف.
ـ وهل تصلون مع القسيس؟
ـ نحن جوقة المرددين. كومبارس كما يقولون في السينما والمسرح. أو ديكور مكمل للشكليات نستطيع القول أننا مجرد واجهة. بصراحة، أنا لم أتعلم الصلاة ولا أعرف أصلي ولا احب أن أصلي. يا أخي لا أحب طقوس الصلاة أنها مملة. رائحة البخور مقرفة بالنسبة لي تشبه رائحة الموتى والمقابر. أنفي وذهني يربط رائحة عظام الموتى والبخور والصلاة ببعضهم. ثم أن هذا القسيس المجنون يريدني أن أترك الحرية والشمس والطبيعة والرياضة وينابيع الماء الصافي الزلال والعطلة الأسبوعية وبقية واجبات الحياة وأذهب لأخدم الله وكنيسته. أنا لا أحب أن أضيع وقتي في الصلاة. أريد أن استثمرها في اللعب. هذا حقي. هل تعرف ما هي المأساة الكبرى؟
ـ بالطبع لا أعرف، ما هي؟
كان أبو العباس قد دخل في سرداب الذهول. فتح فمه دون إرادة منه، واسترخت بيضاته وأسنانه وفكه الأسفل وراح في واد لا قرار له. الاستغراب أكل رأسه وعينيه وعقله وسيطر على ملامحه بالكامل.
كان المطر غزيرًا حنونًا صديقًا محبًا فكك العلاقة بيني وبين أبي وذهب كل واحد في طريق. انتقل ذهني من اليأس إلى الفرح خاصة انني ألقن رجلًا كبيرًا في السن أفكاري وهواجسي.
وقبل أن أن اعود إلى الأرض سمعت أبو العباس يتمتم:
ـ أنت إنسان غريب يا آفو، لم يسبق لي ان ألتقيت مع إنسان مثلك. وراء الضحكة الصافية إنسان آخر. بصراحة أنت مخيف، لديك أفكار قد تحولك إلى مجرم. لست صغيرًا، تبدو كذلك، بيد أن ما تقوله لا يمكن لرجل بالغ أن يفهمه أو يقوله. كان الله في عونك ويسدد خطاك.
ـ المأساة الكبرى، أن هذا القسيس يتغاضى عن ضربنا عندما تمتلئ الكنيسة بالمصلين ويمتلأ صحنها بالمال. ثم ليأخذه لنفسه. هو ومن على شاكلته.
ـ وماذا بعد؟ وهل يأخذ القسيس المال الذي يجمعه.
ـ لا يا ابو العباس. عندما تنتهي الصلاة الربانية بالأرمني، هذه الأخيرة أعرفها جيدًا لأنها تشير إلى أنتهاء الطقوس الوثنية. في هذه اللحظة القلقة كقلق الزمن، تأتي الملائكة من السماء وتشق السقف وتدخل وتأخذ النقود التي يضعها المؤمنين المتبرعين في الصحن ثم ترفرف بأجنحتها وتطير عائدة إلى الله.
كان أبو العباس قد أصبح أبو العباس آخر. تغير لونه بسرعة خاطفة كالبرق والرعد ليتحول إلى الأصفر فالوردي فالأحمر والأخضر. شعرت أن عينيه أصبحتا ترقصان كالمرجوحة في ثنايا محجرهما. وبعد عناء طويل ونثر الماء على وجهه استيقظ من غيبوبته ونظر إلي ثم صرخ بصوت عالي:
ـ تذكرت الأن يا آفو أنك قلت أن الملائكة حطت على صحن الكنيسة وعادت أدراجها؟ ثم ماذا بعد ذلك. بربك اكمل حديثك. صحيح أن ما قلته مخيف لكن إرادة الله فوق كل اعتبار. هل أنت متأكد أنك رأيت الملائكة يأخذون النقود من الصحن؟
ـ طبعًا يا أبو العباس. طبعًا.
ـ سبحان الله. إنه على كل شيء قدير. آفو، ربما أنت مخطأ أو أن عيناك زاغتا أو أصابك بعض التعب من شدة الوقوف؟ ما هو عدد المرات التي رأيت فيها الملائكة؟
ـ الكثير من المرات يا أبو العباس.
هزب ألو العباس رأسه مرات متعددة. أخذ كأس ماء بارد وشرب وتمتم ورفع يديه إلى الأعلى:
ـ سترك يا رب. سترك. نحن نحتاج إلى حمايتك من الظالمين
وحدق في عينا آفو:
ـ آفو أنت من الاتقياء يا صديقي. الاتقياء وحدهم يرون الملائكة. ولا يوجد مثل الأطفال اتقياء انقياء القلب لهذا فإن الله يرسل ملائكته لهم.
ـ وأحيانًا يضعون الكثير من النقود في الصحن. كنت أسمع صوت النقود المعدنية تتزايد كخلايا النحل. وأشاهد كيف كانوا يبتسمون في وجهي.
ـ وهل يأخذ القسيس بعض من هذه النقود؟
ـ أساسًا تبقى عينه في الصحن عندما يجمع النقود، نصف عينه على الناس والنصف الآخر على الصحن ويردد الصلاة كالببغاء، لأنه يكرر الصلاة ذاتها كل يوم أحد.
ـ عند المسلمين لا يوجد صحن، لدينا الزكاة، يجمع من المؤمنين أو من تبرعات المؤمنين.
ـ أنكم مثلنا. كلكم مثل بعض. وبالتأكيد ترددون الصلاة ذاتها.
ـ ومن أين سنجلب صلاة جديدة كل يوم؟ الله أنزل رسالته ووضعها بين يدي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهى مهمته وأصبحت مهمتنا أن نحافظ على ديننا.
ـ أنتما متشابهان في الجوهر، مختلفان في الشكل.
ـ في هذه الحالة عندما يطل علينا القسيس في يوم الأثنين في المدرسة يكون منتعشًا مملوءًا بالسعادة والحبور، ولا يضربنا فيما إذا تغيبنا عن القداس، أما إذا كانت الكنيسة فارغة والدخل قليل أو نسيت الملائكة زيارة الكنيسة ووضع النقود في الصحن، فإننا نعلم ذلك من خلال وجهه الغاضب والحزن الساكن عليه. نجهز أنفسنا للضرب في درس الديانة. مرات كثيرة بكيت من الوجع والألم، بيد أن إرادتي لم تنكسر. بقيت على موقفي، وسألعب وأذهب إلى الينابيع وسأسبح وأمشي مع أصدقاء لي اختارهم. وجلهم من المسلمين.
ـ بارك الله فيك. رد أبو العباس. وأضاف:
ـ أنا كمسلم أحب أن يكون لك أصدقاء من ديني. الإسلام دين محبة وسلام وتقوى وإيمان. وأدعوك أن تصبح مسلمًا مثلنا. والله يا آفو الدين الإسلامي نعمة من الله للبشرية.
ـ أنا أريد أن أهرب من الكنيسة لألعب وأقضي أوقاتًا جميلة في حضن الحياة والطبيعة وأنت تريديني أن أسيج نفسي في بوتقة دين آخر لا أعرف عنه شيئًا. كيف يصح هذا؟
ـ لا تزعل يا صديقي. طول بالك.
ـ البارحة ذهبت إلى نبع عين حمزة في ظل البرد قارس وتسلقت أكثر من شجرة. لم يكن هناك ناس أو حيوانات بالقرب من الينابيع بإستثناء العصافير الشاردة. جلست فوق شجرة عارية، عاريًا من الدفئ. والبرد القارس أكل عظامي. ومددت نظري حول السماء والأرض لارتقي بنظري فوق المدى الطويل. كانت الطبيعة عاجزة وحزينة وكئيبة. وكانت تبكي وتصرخ. صوتها كان حزينًا موجعًا، أدخلت الكآبة إلى نفسي. رأيت الينابيع تعانق الينابيع والماء يعانق الينبوع ويشد أزره ويرتمي في حضنه. ينبوع ذكر وينبوع أثنى كانا في بعضهما البعض يتأوهان بصوت صارخ أقرب إلى الذهول. وعلى مسافة قريبة مني كان هناك قطيع غنم يقترب مني في حضور الكلب والراعي وشبابته.
قاطعني أبو العباس، قال:
ـ ماذا تقصد بشبابته؟
ـ أبو العباس مضى على وجودك في رأس العين مدة طويلة جدًا ألم تتعرف على موسيقانا، آلاتنا الموسيقية؟
ـ لا تنفعل علي بسبب ودون سبب. الرجاء كن هادئًا.
ـ حسنًا سأشرح لك. الشبابة يا صديقي، باختصار شديد هو مزمار من القصب. الراعي في بيئتنا الجزراوية يمسكها ويضعها في فمه ويعزف موسيقاه الحزينة عليها. على سطح المزمار عدة ثقوب لتمرير الهواء في القصب. عندما يكون في البراري لوحده وسط الصمت المطبق في محاولة البحث عن العشب والماء والسهول يخرج مزماره وينفخ فيه فيخرج النغم حزينًا.
ـ وماذا بعد ذلك؟
ـ عزف الراعي بالقرب مني بدد الوحشة والغربة عن نفسي وأدخل الألفة إلى قلبي. ورحت أصغي السمع لمقطوعته التراثية القديمة جدًا. حتى الكلب والحمار والغنم كانوا منسجمين معه ومعنا.
أنا ولدت حرًا يا أبو العباس، ولا أريد القيد. أكره المدرسة لأن جدرانها مغلقة نفسي. وتسجن عقلي وجسدي وروحي. أريد العيش في الهواء الطلق وسط رنين النسيم والهواء والبرد.
أريد أن أفك القيد الداخلي الذي يسري في داخلي. إن اتحرر منه بعد أن أطبق أحكامه علي. سأبحث عن حلمي أنا. الحرية التي أنشدها، لإخرج من بحر مخاوف البشر من الحياة، ولقمة الخبز والخوف من المستقبل.
ـ وهل هناك إنسان في هذا العالم لا يخاف من المستقبل؟
ـ لهذا وجد القسيس.
ـ كيف؟
ـ طرحت على نفسي الكثير من الأسئلة ولكن دون جواب. كما تعلم، أبي إنسان أمي لا يحسن القراءة والكتابة، لهذا لا أعرف لمن التجأ ليجيب على اسئلتي. وسألت نفسي مرات كثيرة،كيف السبيل إلى الحرية بعد أن ولدنا في مكان جاهز بأفكاره وأحلامه واسئلته وأجوبته؟ إن أحكام الاخرين أطبقت علي وكأنها حقائق ثابتة.
ـ من تقصد؟
ـ الكتب المدرسية، أبي وأمي والقسيس، المعلمين، الناس. كلهم متشابهين. كل شيء مكرر.
ـ وإذا تحررت، هل تعلم إلى أين ستذهب؟
ـ لا. لهذا أفكر في حلم يكون لي، حلم أن أذهب إليه. أريد أن لا أخاف.
ـ من ماذا تخاف يا آفو، اسئلتك مرهقة ولا جواب لها. عقل الإنسان محدود يستطيع طرح الاسئلة ولكن الإجابة صعبة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,931,807,045
- لماذا الغرب متسامح مع الإسلام؟
- التمرد 2
- من ذاكرتي في القامشلي
- إعادة هيكلة الدولة
- التمرد
- استانبول
- من ذاكرة الجزيرة السورية 3
- الخروج من الذاكرة 2
- الحسكة
- أمي
- سعرت باتمان والسلطنة
- السفينة والبطيخ
- ثانوية ابن خلدون
- في المناجير
- في رأس العين
- في ضيعة تل كيفجي
- دبانة
- العودة للجذور
- في ظلال الليل
- سراب بري


المزيد.....




- عمر روبير هاملتون يفوز بجائزة الأدب العربي لعام 2018، عن روا ...
- صدر حديثا ديوان «بعض الورد يخنقني عبيره» للشاعر إياد المريسي ...
- كتاب «مفهوم الشر في مصر القديمة» للدكتور علي عبد الحليم
- عودة يوسف شاهين
- العثماني يلزم أعضاء حزبه بعدم الرد على تصريحات الطالبي العلم ...
- إطلاق وتوقيع كتاب -حياة في عنق الزجاجة- للكاتب الفلسطيني هما ...
- مؤسسة عبدالحميد شومان تعلن أسماء الفائزين بجائزة أدب الأطفال ...
- الشارقة تهدي أبناء الإمارات 138 فيلماً عالمياً في مهرجان سين ...
- مصطَبة الآلهة السومرية: هل سترحل من لندن إلى أبو ظبي؟
- الشارقة تهدي أبناء الإمارات 138 فيلماً عالمياً في مهرجان سين ...


المزيد.....

- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آرام كربيت - التمرد 3