أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد القنديلي - الدراما في الشعر العربي المعاصر















المزيد.....


الدراما في الشعر العربي المعاصر


أحمد القنديلي

الحوار المتمدن-العدد: 5810 - 2018 / 3 / 9 - 19:19
المحور: الادب والفن
    


" حاولت دائما أن أعلن المسؤولية التاريخية للأشكال ... هناك تاريخ للأشكال وللبنيات وللكتابات تاريخ له زمنه الخاص، أو على الأصح له أزمنته الخاصة، تاريخ متعدد يحاول البعض أن يتجاهله. "
رولان بارت (1)

قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أن علاقة الشعر بالدراما علاقة تنابذ، على الرغم من أن الشعر اليوناني ـ كما انتهى إلينا كان دراميا . وهذا الشعر هو الذي أولاه أرسطو كامل اعتباره كما هو معروف. غير أن نقد أرسطو ـ الذي تبلور في سياق تطور المدينة اليونانية وتبلور الوعي الديمقراطي اليوناني ـ لم ينصب على الشعر الدرامي باعتباره شعرا ممتازا، إلا لأنه يعتمد لغة ممتازة تمارس التخييل كأية لغة إبداعية. ولذلك ركز ـ في معرض تحليله لمكونات الشعر الدرامي ـ على الحدث المفعول فيه بذوات ولغات متعددة.
وهنا بالضبط يختلف منحى التحليل الأرسطي عن المنحى التحليلي العام الذي سار فيه نقد الشعر العربي، وعن المنحى الذي يأخذه تحليلنا. و لقد انتبه ابن سيناء قديما إلى هذا الاختلاف حين أشار إلى أن الشعر اليوناني " إنما كان يقصد به في أكثر الأمر، محاكاة الأفعال والأحوال لا غير. وأما الذوات فلم يكونوا يشتغلون أصلا بمحاكاتها كاشتغال العرب. " (2)
إن موضوع تحليلنا هو القصيدة الدرامية، أو الدراما الشعرية كما تبلورها القصيدة العربية المعاصرة. " فإذا كان القول بأن الدراما قد بدأت في عصورها الأولى شعرية صحيحة، فإن عودة الشعر إلى الدراما غايته إغناء هذا الشعر بالعناصر الدرامية والقصصية والسردية التي يرتفع فيها هذا الشعر إلى مستوى التعبير الموضوعي في لغته وصوره وإيقاعه وبنائه المتكامل والمعقد . " (3)
منذ امرئ القيس إلى حدود ما قبل السياب استمر الشعر العربي غنائيا تتمحور فيه القصيدة حول الشاعر باعتباره المتكلم، والآخر باعتباره المخاطب وموضوع الخطاب. ومع انتقال القصيدة العربية من طبيعتها الشفوية إلى طبيعتها الكتابية، ومن الوزن إلى الإيقاع، ومن البيت إلى القصيدة، انتقلت تدريجيا من المفرد إلى الجمع، ومن الغنائية إلى الدرامية، ومن الشكل الفني البسيط والنمطي إلى الشكل المعقد والمتنوع، فتعقدت أمامها السبل. " ومن هنا فإن التجديد الشعري العربي لم يكن مجرد تنسيق جديد لبنية الإيقاع الشعري. لقد مس التغيير بنيات أخرى هي الوعي الشعري وبنية الصورة الفنية والبنية اللغوية والشكل الفني حيث تم التحول من الشكل الغنائي الصرف إلى الشكل الغنائي الدرامي. " (4)
وإذا كان الإنسان بمختلف أبعاده هو محور الشعر على الدوام، فقد كان مع القصيدة العربية الشفوية إلى حدود ما قبل السياب كائنا نموذجيا متعاليا سواء بالمعنى الكلاسيكي أو بالمعنى الرومانسي. ويعتبر ت . س إليوت أول من وضع اليد على هذا التطور النوعي للشعر العالمي حين نبه إلى خاصيته الدرامية الجديدة. ففي الشعر هناك ثلاثة أصوات : " صوت الشاعر وهو يتحدث إلى نفسه أو لا يتحدث إلى أحد، والثاني صوت الشاعر وهو يتحدث إلى جمهور صغيرا كان أو كبيرا. أما الثالث فهو صوت الشاعر وهو يحاول خلق شخصية درامية تتحدث... وتخاطب أخرى." (5)
كيف تتطور القصيدة العربية المعاصرة ؟ ما الاتجاهات التي تسير فيها الآن ؟ وما المناحي التي يمكن أن تأخذها في مستقبلها ؟
1 ـ القصيدة العمودية ونمطية البناء :
يشكل البيت الشعري أساس الشكل الهندسي للقصيدة العربية العمودية. ولهذا فالشاعر لا يتكلم ويتكلم، بل يتكلم ويصمت. ولكنه لا يصمت في كل وقت ممكن، بل في وقت محدد وبانتظام. وما يجعل لفعلي الكلام والصمت إيقاعا متوازنا هو القافية من حيث هي جوهرة البيت الشعري وخاتمته البلورية. ولذلك يعتبر العروضيون العلم بالعروض علما بها والعكس بالعكس. فلا يجوز على سبيل المثال الإقواء (6) أو الإيطاء (7) أو التضمين (8) ...
بحضور الكلام والصمت المنتظمين، وبحضور القافية كموعود منتظر تكاد القصيدة تنتهي ما أن تبدأ، أو تكاد تكتب من نهايتها. ذلك لأن بنيتها النموذجية جاهزة سلفا في ذهنية الشاعر المحترف، وفي ذهنية المتلقي المنمط والمتعود على أعراف وتقاليد الكتابة. غير أن ما يسم هذا المتلقي أنه غير قارئ. إنه مستمع جماعي شكلا، فردي مضمونا، يشارك الشاعر المنشد في عملية الإنشاد عبر الإصغاء الذي يرافقه التثمين، ويتواصل معه عبر قناة رئيسية حاضنة للحمولة الشعرية بمختلف مستوياتها هي الوزن الشعري المنتظم.
وبهذه العملية ينتفي المكان كلية ليحضر الزمان. " فالزمان باعتباره البعد المهيمن على العلامات السمعية ( الإنشاد أو الإلقاء ) يصبح وقتئذ تجريدا فعليا للمكان، وهو البعد المهيمن على العلامات المرئية." (9) وإذا كانت عملية التلقي في جوهرها عملية إنتاج للخطاب المتلقى، فإن إنتاج المتلقي للقصيدة العمودية يبقى هامشيا ما دام يقتصر على التثمين سلبا أو إيجابا .
وهذا معناه أن القصيدة العمودية تتمركز حول عمود هو الشاعر باعتباره لسانا أي باعتباره حكمة. أما المتلقي / المستمع فيبقى مجرد أذن مطالبة بالإصغاء والتثمين والتنفيذ، وإلا تحول صاحب هذه الأذن إلى صعلوك. ومؤكد أن كل خروج عن المتواضع عليه يعتبر صعلكة سواء كان من قبل الشاعر أو المتلقي. فحين تتمحور هذه القصيدة حول الشاعر تفرض حضورها كنوع شعري غنائي سواء بالمعنى الاصطلاحي، أو بالمعنى اللغوي كقصيدة لا يكتمل وجودها إلا بالإنشاد.
وتعتبر هذه الخاصية جوهرية ليس في الثقافة العربية فحسب، بل في الثقافة الإنسانية بوجه عام . (10) وهي خاصية إيجابية؛ لأنها تجسد حيوية الكتابة وحيوية الإنسان وحاجة كل منهما إلى الدراما، أي إلى التجسد الفعلي في الواقع المادي وفي الحياة. غير أن تلك الحيوية ظلت ناقصة. ذلك لأن التواصل الشعري بواسطة الشاعر/ المتكلم الواحد والوحيد كان يحول عملية التلقي إلى احتفال يتمازج فيه الانفعال الموسيقي بواسطة الوزن ، بالانفعال النفسي / الجسدي بواسطة الألفاظ والمعاني والصور. ولكن هذا الاحتفال بقى مشروطا بوجود الشاعر وجودا مركزيا، ولذلك بقى احتفالا شكليا تاليا لاحتفال أول هو احتفال الكتابة المميزة عاطفيا والمفردة أسلوبيا.
ومن هنا كانت القصيدة العمودية فعلا إبداعيا يبحث عن انفعال النفس العاقلة التي تصغي وتتعظ . وفي عملية الاتعاظ تكرس المرعي اجتماعيا وأخلاقيا وسياسيا وذوقيا. إن الحفاظ على نمطية البناء الفني ـ هو بمعنى ما ـ حفاظ على نمطية الوجود القائم على مختلف الأصعدة اجتماعيا وسياسيا وقيميا . . . ولهذا السبب ثبتت هذه الكتابة الشعرية البعد الشفوي على حساب البعد الكتابي، والبعد الزماني على حساب البعد المكاني.
لقد هندست القصيدة العمودية شكلها هندسة أريد لها أن تستمر مقدسة إلى الأبد، حتى إذا ما ذهب إنسان وأتى آخر استمر المكان كما كان، وإلى ما لا نهاية.
2 ـ القصيدة الرومانسية ودائرية البناء :
قبل الحديث عن هذا النمط من الشعر لابد من الإشارة إلى تطور لافت سابق عرفته القصيدة العربية. إنه التطور الذي تجسد في الموشحات والزجل بالأندلس والمغرب، وفي فن المواليا في المشرق. وإذا كان الشعراء في هذه الأشكال وغيرها قد أعادوا تشكيل المكان بطريقة جديدة ترتبت عليها إعادة النظر في العلاقة باللغة والوزن والدلالة والصورة الشعرية والتلقي، فإن تشكل المكان في قصائدهم بقيت له " صلة بالقديم. . . مع فارق بسيط يتمثل في توزيع مجموعات الأقفال والأبيات " (11).
ونعتقد أن الأسباب ترجع ـ فيما ترجع إليه ـ إلى استمرار حضور الصوت الغنائي ـ من حيث هو صوت كلاسيكي ـ بمعنييه اللغوي والاصطلاحي كما أسلفنا. لقد ارتبط الموشح بالغناء الباذخ ، ولذلك كان الوشاحون يكتبون تحت ضغط دوخة البذخ بهدف تدويخ المتلقي بسحر الخمرة أو سحر الطبيعة أو سحر المرأة. إن هذه التيمات وغيرها لم تكن موضوع معرفة أو تأمل، بل موضوع لذة. وتبعا لهذا، فعوض أن يتحرر الوشاحون من سلطة العروض الخليلي ابتكروا عروضا جديدا بقيود لا سابق لها جعلت الموشح يقنن البياضات ليس خضوعا لإرادة كتابة شعرية جديدة، بل خضوعا لمقام التلقي من حيث هو مقام انتشاء ذو مراتب متتالية.
ولهذه الاعتبارات بدأ الموشح ليتوقف ـ كما توقفت المقامة على صعيد الكتابة النثرية ـ، ولتستمر القصيدة العمودية بسلطتها القاهرة إلى حدود العقد الثالث من القرن العشرين على الأقل. وحين بدأت القصيدة الرومانسية تمارس حضورها لم ترفض الصوت الغنائي بل كرسته بصورة مضاعفة جعلته ليس منطلق الكتابة فقط، بل مآلها أيضا. إن الذات في القصيدة الرومانسية هي ذات الشاعر من حيث هي المرسل والمرسل إليه ومن حيث هي موضوع الخطاب . لقد أصر " الرومانتيكيون على أن الشعر الغنائي هو الشعر في معناه الصحيح لاعتماده على لغة الفطرة . " (12)
لم يكن أمام القصيدة الرومانسية العربية ـ في ضوء هذا التصور ـ أن تفكر في البناء الفني، وفي شكل توزيع المكان داخله. لقد ظلت هي الأخرى قصيدة زمانية ولكن بصوت خافت مبحوح، تبحث عن شكلها دون بوصلة، ولذلك لم تجده. وصل بعض أقطابها إلى الشعر المرسل، ووصل البعض الآخر إلى الشعر الحر (13)، ولكن دون أن يستوعب أبعاده لاعتبارات فنية ونظرية وتاريخية.
لقد ظلت القصيدة الرومانسية تنتهي قبل أن تبدأ. وحين تبدأ تدور دورتها الكاملة حول " شعور وفكرة معينين قد يستوفي الشاعر التعبير عنهما وقد لا يفعل. " (14) ولأن الشاعر الرومانسي ذوًت الواقع الموضوعي، فإنه لم يتمكن من رؤية تناقضاته المعقدة، ولذلك ابتعد عنه باحثا عن قيم انسانية وروحانية متعالية على الزمان والمكان، لم يجدها إلا في شكل دائري بسيط، أو في شكل حلزوني في أحسن الأحوال، يدور ثم يدور حول الفكرة باحثا عن اكتمالها. ويتمحور هذان الشكلان معا حول الذات التي يتم تشخيص شعورها تشخيصا ينتهي من حيث يبدأ؛ ليترك في نهاية المطاف نفسا عميقا في المتلقي يذكره بكينونته المفتقدة .
3 ـ القصيدة الدرامية وإشكالية البناء:
حين اهتدت القصيدة المعاصرة إلى شكلها الجديد ـ الذي حاولت نازك الملائكة عبثا تقعيده ـ خلخلت نظاما شعريا بكامله، وفتحت مجالات رحبة للقول الشعري لم تكن متوفرة إلا في حدوس الشعراء الكبار منذ تأبط شرا. ومع هذا الفتح انتقلت القصيدة العربية من موجة النهضة إلى موجة الحداثة، فتعقدت أمامها السبل. فمن حداثة منفتحة على التراث العربي الإسلامي، ومن خلاله على التراث الإنساني انفتاح تناص وتخييل، إلى حداثة هاربة نحو المستقبل الهارب من ذاته. وكل ذلك في ارتباط مع الحداثة الشعرية الغربية، ومن " وضع يتجاوز اللغة من اللغة، إلى وضع يتجاوز اللغة من اللا لغة . . . الشيء الذي أدى إلى حداثة تسعى إلى التعبير على حساب تغييب الأداة نظما وصرفا وبلاغة. " (15) يتعلق الأمر إذن بانعطافة شعرية هائلة . ولأنها انعطافة حداثية، فقد تعددت أمامها السبل في سياق تاريخي كان لا يحتاج إلى ضباب تفتقد فيه بوصلة كل شيء .
وإذا كان السياب قد فتح باب الحداثة الشعرية العربية فتحا عمليا دون لغط نظري، وبصورة تجعل ذلك الباب يلتقط من الأشعة ما هو ممكن، بحيث لا يجعل البصر دائخا يرى ولا يرى، فإن نازك الملائكة ـ التي حاولت وضع حدود محرمة " كما هو الشأن مع التفعيلة الخماسية والتساعية " (16) . . . أوكما هو الشأن مع قصيدة النثر " (17) ـ سعت ، من حيث لا تدري إلى خنق فاعلية الحداثة الشعرية العربية . ولذلك نال كتابها الشهير من النقد ما يحتمل أحيانا وما لا يحتمل أحيانا أخرى. وعلى الرغم من كل شيء ، تبقى لهذا الكتاب قيمته الخاصة. لقد فتح الباب للحديث عن شعر آخر امتلك شرعية وجوده كشعر هارب من الشكل المقدس، ويبحث باستمرار عن شكله الممكن في سياق ثقافي أقل ما يقال عنه أنه كابح، وفي سياق تاريخي كان يريد أن يكون دافعا.
غير أن قيمة الشعر العربي المعاصر بقدر ما تكمن في قدرته على تجاوز شكل شعري قاهر، بقدر ما تكمن في رؤيته الجديدة لكل شيء: الوزن، الإيقاع، الرمز، الأسطورة، البناء، المضمون، الرؤية. . . وإذا كانت ملامح التجاوز في القصيدة العربية الحداثية كثيرة، فإن الملمح الأساسي المرتبط بموضوعنا يتمثل في تحريرها للمتلقي من سلبية الاستماع إلى إيجابية القراءة. لقد أدخلته عنوة إلى حلبة الكتابة عنصرا فاعلا. ومن هنا " أمكن القول أن هذا النوع من القصيدة الكتابية يمثل انزياحا مضاعفا، أو هو انزياح على انزياح: ينتصب الأول في الكلام نفسه، وينتصب الثاني في ظرف الكلام ولبوسه: في طريقة الكتابة وتشكيل الكلام تشكيلا معينا على الصفحة . " (18)
وهذا ما دفع الشاعر الحداثي إلى تحمل مسؤولية جديدة، بحيث لم يعد صوت القصيدة الأوحد الذي به توجد لتلقى من قبله سواء كان حيا أو ميتا. لقد أضحت القصيدة صاحبة صوت هو صوتها هي. هي التي تبنيه من خلال الأصوات المتعددة التي تشكل كيانها. وبهذا تشكلت لأول مرة تشكلا دراميا مفتوحا. غير أن دراميتها هذه شعرية بامتياز تقدم كل شيء بصورة غير كاملة: ينقصها الحدث المتكامل والحكي المتكامل والحوار المتكامل واللغة المتكاملة .
ولهذا السبب وجد الشاعر العربي الحداثي نفسه في حاجة ماسة ليس إلى الوزن فقط، بل إلى الإيقاع أيضا، وليس إلى الاستعارة وحدها، بل إلى الرمز والأسطورة أيضا؛ ليتكلم كلاما شعريا خالصا " لا يمكن قوله بشكل آخر " (19). إنه القول الشعري الذي يمرره عبر شخوصه الظاهرة أحيانا، الغائبة أحيانا أخرى. وبعودته إلى الرمز والأسطورة دار دورة كاملة؛ لينتقل من الكتابة باللغة من حيث هي " زمن بعدي اصطلاحي " إلى الكتابة بالكلام من حيث هو " زمن بدئي " (20). وبهذه العملية حافظ للشعر على شعريته أي على مطلقه الأسطوري دون أن يفرط في البناء الفني المعقد الذي يفرضه منطق الحداثة المعقد ومنطق الواقع الموضوعي الأكثر تعقيدا. وهكذا دخل في علاقة جدلية مع الواقع ومع اللغة. فبالرمز حول اللغة في مستواها الأول فبدت انحرافا، وبالأسطورة حولها في مستواها الثاني فبدت انحرافا مضاعفا يصلح أن ننطلق منه لنعيد تفسير لغتنا التي ابتعدنا عنها إلى الأبد .
وإذا كان الشاعر العربي الحداثي قد نحا بالقصيدة العربية في هذا الاتجاه الدرامي ، فإنه انتقل ـ على مستوى رؤيته للكتابة ـ من مستوى وصف العالم إلى مستوى تركيبه." كل كتابة عرس للعين والأذن والباطن " (21). وبذلك خلخل قدسية البناء الفني، وكسر البعد الزماني ليحتفل بالبعد المكاني. لقد سعى إلى امتلاك هذا " الكائن / الصامت / الناطق الذي يدعى المكان. . . ليدخل بدوره مملكة الدلالة، وليصبح من ثمة بعدا من أبعاد النص المقروء المرئي " (22). ولكنه توسل إلى ذلك بالرمز والأسطورة، أي بالكلام الأول ليحافظ على شعرية قصيدته . فالأسطورة " تحول دائما المضمون إلى شكل وبناء. ولا تبقى إلا درجة الكتابة الصفر في مأمن " (23). ولذلك بقي أمين سر الصوت الغنائي الذي لا كينونة للكلام الشعري بدونه. ففي هذا الصوت يقيم صوت الشاعر إقامة من نوع خاص. ومتى مات هذا الصوت مات الشاعر وماتت القصيدة .
لقد انتبه الشاعر الحداثي إلى أنه لكي يكتب قصيدة درامية جديدة عليه ألا يفرط في صوته المميز، وإلا فقد كينونته. ولكي يفعل ذلك عليه ألا يتكلم باللغة، بل بالكلام الخاص. ففي كيمياء الكتابة الشعرية " نوع من هيمنة الكلام على اللغة. فاللغة تتحول لكي تعطي للكلام معنى. " (24) ولكي يكون الكلام الشعري دراميا: أي لكي تكون الدراما شعرية، يجب أن يكون الكلام استعارة ورمزا وأسطورة. ولكي يكون الكلام كذلك وهكذا في ذات الوقت يجب أن يكون كلام البدء، أي كلام الكلام الأول الذي يقيم فيه المطلق الأسطوري الذي يقيم فيه الصوت الغنائي.
إن القصيدة لا تكف عن كونها كلاما، ولكنها ترتقي إلى عالم أسمى من الكلام " الذي لايدرك إلا بالكلام " (25) . لقد وجد الشاعر ليموت في الصوت الدرامي، وليحيا في الصوت الغنائي إلى الأبد. في موته يوجد وجودا مجردا أو ضمنيا أو نموذجيا (16)، وفي حياته يوجد وجودا فعليا يبدع كلاما لا يبدعه شاعر آخر، ويقول قولا " لا يمكن قوله بشكل آخر " (27) .
يجب إذن قلب الأسطورة التي كثيرا ما رددها رولان بارت، فلكي نقرأ القصيدة لا بد من أن نحيي الشاعر ليس من حيث هو إنسان، بل من حيث هو شاعر يسقينا بقطرات من الكلام الأول. فمن الشاعر/ الصوت البدء المستحيل، وإلى الشاعر/ الخط المنتهى الممكن.




الهوامش :
(1) رولان بارت: " درجة الصفر للكتابة " ترجمة: محمد برادة، دار الطليعة، بيروت 1980، ص: 11
(2) ابن سيناء: " تلخيص فن الشعر " أورده محمد العمري في مقالته " تلخيص الكليات في قراءة الشعر" مجلة: فكر ونقد. المغرب ع : 8 س : 1988، ص : 101 وما بعدها .
(3) د . محمود جابر عباس:" مملكة الأصوات ومرآة الفتوحات " سلسلة عالم الفكر، ع: 2، المجلد 30 أكتوبر / ديسمبر: س: 2000 ص: 160 .
(4) د . سعد الدين كليب: " جمالية الرمز الفني في الشعر الحديث " مجلة الوحدة ع : 82 / 83 يوليو/ أغسطس. سنة: 1991، ص: 38.
(5) ت . س . إليوت: مقالات في النقد الأدبي " أورده عبد الله راجع في كتابه: " القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد " ص: 198.
(6) الإقواء هو ضم القافية تارة وكسرها تارة أخرى.
(7) الإيطاء هو إعادة كلمة القافية أكثر من مرة .
(8) التضمين هو تعليق القافية بما يليها .
(9) محمد المهدي المقدود: " في تكوين شعرية النص المكتوب ". مجلة الوحدة: م. س، ص: 101.
(10) ونحن هنا نخالف وجهة نظر أدونيس الذي يكاد يعتبر الطبيعة الشفوية ظاهرة عربية. انظر كتاب " الشعرية العربية " دار الآداب ، ط : 2 ، س : 1989 .
(11) محمد بنيس " ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب : مقاربة بنيوية تكوينية " ط : 2 ، س : 1985، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، والمركز الثقافي العربي، البيضاء، ص: 99.
(12) عبد الله راجع : " القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد " منشورات عيون، دار قرطبة للطباعة والنشر والتوزيع، البيضاء، س : 1987، ص: 172.
(13) انظر في هذا الصدد: نازك الملائكة: " قضايا الشعر المعاصر"، دار العلم للملايين، بيروت، ط: 5، س: 1978، ص: 14 وما بعدها، حيث تقف الدارسة على الشعراء العرب الذين كتبوا قصائد حرة منذ سنة 1932 في مصر، وقبلها في العراق، ولكنها تعلق على هذه التجارب بما يجعلها عابرة .
(14) عبد الله راجع: م. س، ص: 180.
(15) محمد السرغيني: الشعر والتجربة، بتصرف. مجلة الوحدة: م. س ص: 133.
(16) أحمد المعداوي: " أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث "، منشورات دار الآفاق الجديدة، المغرب، س : 1993، ص:56.
(17) نازك الملائكة: م. س، ص: 213 وما بعدها.
(18) محمد المهدي المقدود: " في تكوين شعرية النص المكتوب " مجلة الوحدة، م. س، ص: 99.
(19) جون كوهن : " بنية اللغة الشعرية " ت. محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، ط: 1، س : 1986، ص: 155.
(20) د. أمينة غصن: " كونية الأسطورة وتحولات الرمز " مجلة الفكر العربي المعاصر، ع: 13، س: 1981، ص: 94.
(21) عبد الله راجع: " الجنون المعقلن " مجلة الثقافة الجديدة / المغرب، ع: 19، س: 1981، ص: 58.
(22) المرجع السابق، ص: 58.
(23) roland barth « mytologie >> ed :seuil .p : 218 ـ1957 .
(24) جون كوهن، م. س، ص: 109.
(25) أكتافيو باث: " الشعر والقصيد " مجلة الفكر العربي المعاصر"، ع: 13، س: 1981، ص: 168.
(26) انظر روبرت هولب: " نظرية التلقي " ت: عز الدين إسماعيل، كتاب النادي الأدبي الثقافي بجدة، س: 1994، ص: 204.
(27) جون كوهن: بنية اللغة الشعرية . م . س، ص: 155.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,516,860,938
- لعبة المرايا في رواية -أوراق- لعبد الله العروي
- النص والتلقي
- عجائبية الحكي والمحكي في قصص أحمد بوزفور من خلال قصتي -سرنمة ...
- شعرية الحكي في المجموعة القصصية -نصف يوم يكفي- للقاصة المغرب ...
- شهوة الدم المجازي في -شهرزاد- توفيق الحكيم
- جغرافية اليباب
- الخوصصة النقابية
- المثقف والصراع الطبقي
- قراءة أولية لمشروع قانون الإضراب بالمغرب
- الأنساق الدلالية في مسرحية -بجماليون- لتوفيق الحكيم
- الشظايا المتجاذبة في رواية -سوق النساء ، أو ص .ب 26 - للروائ ...
- سيمياء البدء
- جمالية المكان في رواية عبد الرحمان منيف - الآن .. هنا أو شرق ...


المزيد.....




- بريطانيا تجدد دعمها الكامل للمسلسل الأممي ولجهود المغرب -الج ...
- ماجدة موريس تكتب:الجونة… مدينة السينما
- تاج ذهبي وفيلم سينمائي احتفالا بعيد ميلاد رئيس وزراء الهند ( ...
- وفاة المخرج السينمائي الجزائري موسى حداد
- طبيبة تحت الأرض.. فيلم عن معاناة الغوطة يفوز بجائزة مهرجان ت ...
- رحيل المخرج السينمائي الجزائري موسى حداد
- بنشماس ينفي مصالحة المعارضين له
- متحف الإرميتاج يعتزم فتح فروع له داخل روسيا وخارجها
- أمير الغناء العربي يصدح بـ -مصر أجمل شيء-
- وهبي يسائل الداخلية: هل حقا منعتم هذا المؤتمر؟


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد القنديلي - الدراما في الشعر العربي المعاصر