أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناجح العبيدي - الميزانية العراقية وعقدة حصة الإقليم















المزيد.....

الميزانية العراقية وعقدة حصة الإقليم


ناجح العبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 5693 - 2017 / 11 / 9 - 13:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




لا تزال تداعيات "معركة" استفتاء إقليم كردستان تفرض نفسها على المشهد السياسي العراقي، ولكن هذه المرة في الجانب المالي. فبعد أن حُسمت سياسيا و"عسكريا"، أصبح الجدل يتركز الآن على حصة الإقليم في ميزانية العام المقبل. وهذا بحد ذاته يعتبر تطورا إيجابيا لأن الصراع بات يدور حاليا حول أرقام ملموسة، وليس حول قضايا "عاطفية" تختلط فيها المصالح بمشاعر قومية ووطنية. صحيح أن الحكومة العراقية لم تعلن رسميا حتى الآن عن مسودة ميزانية الدولة لعام 2018، إلا أن تسريب وسائل إعلام لهذه المسودة أثار تضاربا كبيرا في الآراء وفي المواقف. وعلى الرغم من أن الأرقام المسربة تشير إلى استمرار الاختلالات الهيكلية في الموازنة وفي مقدمتها تدني النفقات الاستثمارية والعجز المالي التقديري الكبير الذي يزيد عن عشرين في المائة، انصب الاهتمام على الجوانب المتعلقة بإقليم كردستان.
يتمثل أهم فرق في المسودة الجديدة مقارنة بميزانيات الأعوام السابقة في تخفيض حصة الاقليم من 17 % إلى 12,67 % من النفقات الجارية والاستثمارية وذلك بعد خصم النفقات السيادية. ومن دون شك فإن خفض هذه الحصة بأكثر من 4 نقاط مئوية (أو بما يقارب السدس) يمثل تراجعا لا يستهان به وضربة قوية لحكومة الأقليم. لم تُقدم المسودة تبريرا لهذا التخفيض ولم تذكر المعايير التي تم الاستناد عليها. بيد أنه من الواضح أن هذه الخطوة تأتي في سياق الصراع المحتدم بين بغداد وأربيل وتُجسد محاولة لاستخدام الميزانية كورقة ضغط لإجبار حكومة الإقليم على تقديم تنازلات في ظل ميزان القوى الجديد الذي نشأ بعد وصول مغامرة الاستفتاء إلى طريق مسدود. وهذا يعني بأن البعض لا يريد الالتزام بقاعدة "لا غالب ولا مغلوب".
حتى الآن كانت الميزانية تخصص نسبة 17% لكردستان، ولكن في كل عام كانت عملية الاتفاق على ذلك تخضع لتجاذبات ولخلافات ومساومات عديدة نظرا لعدم وجود قواعد قانونية واضحة وتفصيلية تحدد كيفية توزيع الموارد المالية بين السلطات والمناطق المختلفة. غير أن اعتماد النسبة المذكورة لسنوات طويلة جعل منها ما يشبه العرف القانوني الثابت، وبما يضع قيودا على إمكانية تعديلها من طرف واحد. في نفس الوقت أبدى رئيس حكومة الإقليم نيجرفان بارزاني نوعا من المرونة من خلال الموافقة على تسليم المركز إيرادات النفط والمعابر الحدودية والمطارات شريطة الالتزام بنسبة 17% الأمر الذي يساعد في التوصل إلى حل وسط. بيد أن هناك نقاط اختلاف أخرى ومنها دفع مرتبات الموظفين الحكوميين. بموجب المعلومات التي يذكرها ممثلو الإقليم يقارب عدد الموظفين في كردستان 1,4 مليون يستلمون شهريا رواتب بقيمة 880 مليون دولار. وهي أرقام ينطبق عليها القول: (إذا كانت مزيفة فتلك مصيبة، وإذا كانت صحيحة فالمصيبة أعظم)، لأنها تعني بأن أكثر من ربع إجمالي سكان الإقليم يعملون لدى الدولة!. وهي نسبة يصعب هضمها حتى في دولة مثل العراق حيث يعتبر تضخم العمالة الحكومية والبطالة المقنعة وترهل الجهاز البيراقراطي من أهم مظاهر تبديد المال العام. ومن هنا يمكن تفهم تشكيك رئيس الوزراء حيدر العبادي بهذه الأرقام.
كل هذه الخلافات ونقاط الجدل تطرح بقوة ضرورة استحداث نظام قانوني واضح لتوزيع الموارد المالية (وعلى رأسها النفط)، ليس فقط بين المركز والإقليم وإنما أيضا بين المركز والمحافظات، ولتنظيم العلاقات المالية بين هذه الكيانات، وذلك بالاستناد على أحكام الدستور ومبادئ الحوكمة الرشيدة وبالاستفادة من تجارب دول أخرى سبقت العراق في هذا المضمار.
من دون شك شكّل اعتماد دستور البلاد بعد 2005 مبدأ اللامركزية في إدارة الدولة نقلة نوعية غير مسبوقة في تطور النظام السياسي في العراق. فقد كفل الدستور للسلطات المحلية استقلالية كبيرة وصلاحيات واسعة، وبما يُمثّل صمام أمان للحيلولة دون عودة النظام الشمولي. غير أن هذه الاستقلالية الإدارية تبقى حبرا على ورق دون توفر الاستقلالية المالية ودون حصول هذه الأجهزة على إيرادات تكفل قيامها بأعبائها ومسؤولياتها. لهذا الغرض تؤكد المادة 112 من الدستور على توزيع عائدات النفط والغاز بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد. ولو أخذنا آخر تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء حول توزيع السكان حسب المحافظات فإنها تشير إلى أن نحو 14% من العراقيين يعيشون في محافظات أربيل ودهوك والسليمانية التابعة للإقليم. من الواضح أن هذه النسبة تقع في الوسط بين نسبة 17% المعتمدة حتى الآن وبين نسبة 12,67 % المقترحة في مسودة ميزانية 2018. غير أن بيانات الجهاز المركزي للإحصاء تبقى مجرد تقديرات يصعب الحكم على مدى دقتها بسبب الفشل في إجراء تعداد للسكان منذ عام 2004. ولا يستبعد أنها تختلف كثيرا عن الواقع بسبب التغيرات الديموغرافية الكبيرة، ليس فقط نتيجة الولادات والوفيات والهجرة الطبيعية، وإنما بالدرجة الأولى جراء أعمال العنف وموجات النزوح والتهجير التي طالت مناطق واسعة من العراق.
من جهة أخرى منح الدستور السلطات المحلية في الإقليم والمحافظات الحق في زيادة إيرادتها بشكل مستقل عن طريق فرض الضرائب والرسوم وإنشاء المشروعات وتنفيذها طالما أنها تتماشى مع القوانين الاتحادية. لكن الواقع يبين بما لا يدع مجالا للشك بأن الحكومات المحلية لم تولي اهتماما كبيرا لتطوير الاقتصاد المحلي، وبقيت تعتمد أولا وأخيرا على المدفوعات المالية من ميزانية الدولة الاتحادية في تمويل نفقاتها، الأمر الذي يعني غياب علاقة متكافئة بين المركز والأطراف. كما لا يوفر هذه الوضع حوافز كافية لكي تؤدي كل جهة الدور المطلوب منها في حشد الموارد المالية المتاحة والحرص على ترشيد الإنفاق ومحاربة التبذير في المال العام.
تشير تجارب السنوات السابقة إلى أن النظام الفيدرالي في العراق يبقى أعرجا ويقف على قدم واحدة طالما أنه يفتقر لأسس مالية متينة. وتكمن المشكلة الأساسية في عدم تطبيق نظام مالي فيدرالي يقوم على مبادئ العدالة والتضامن والحوكمة الرشيدة على المستويين الاتحادي والمحلي.
لا تكفي المادة 111 من الدستور العراقي التي تنص على "أن النفط ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات" لحل هذه المشكلة. صحيح أن هذه المادة تراعي العدالة في تقاسم عائدات النفط. لكن مبدأ العدالة نفسه يتطلب أيضا مكافأة المحافظات المنتجة للنفط التي تساهم بقسط أكبر في رفد الموازنة العامة للدولة. هذه المشكلة بالذات بقيت دون حل عملي واضح. فعلى الرغم من أن قوانين ميزانيات الأعوام السابقة وكذلك مسودة ميزانية 2018 تنص على منح المحافظات 5% من إيرادات النفط والغاز المستخرج من أراضيها، إلا أن هذا النظام لم يجد طريقه إلى التطبيق العملي الأمر الذي يعزز شعور هذه المحافظات بالغبن.
من جانب آخر يتعين استخدام النظام الضريبي كحافز للسلطات المحلية للعناية بالاقتصاد المحلي. ولن يتحقق ذلك دون إعطاء المحافظات نسبة معينة من الضرائب التي تُجبى في مناطقها. بهذه الطريقة تحصل السلطات المحلية على مورد مالي ذاتي بعيد عن سطوة المركز، وتكون لها في نفس الوقت مصلحة في دعم الشركات والمشاريع والأنشطة الصناعية والتجارية والسياحية في مناطقها.
كما تبين تجربة الدول التي سبقت العراق في تطبيق النظام المالي اللامركزي، يمكن لاعتماد المبدأ الفيدرالي في توزيع الثروات والموارد أن يساهم في تخفيف حدة الصراعات السياسة والمذهبية والقومية والمناطقية الدائرة في البلاد وفي إرساء مبدأ العدالة وكذلك في تعزيز المنافسة بين المناطق المختلفة، وبما يصب في النهاية في مصلحة الجميع.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- عندما يحلم العراقي!
- فخ المديونية في العراق
- الدين: محرك أم معيق للتنمية الاقتصادية؟
- أرصدة كردستان المالية في الخارج: من أين لك هذا؟
- التصعيد التركي والصمت الكردي!
- كردستان: استفتاء أم استطلاع؟
- عراق ما قبل الانتخابات: اصطفافات جديدة فوق رمال متحركة!
- وسكتت الجزيرة عن الكلام المباح!
- عقلية الراعي والقطيع بين الماضي والحاضر
- مجلس .’’التآمر’’ الخليجي!
- الأزمة القطرية: وزراء عدل للبيع!
- اللغة التجارية في القرآن (2 / 2)
- اللغة التجارية في القرآن (1 / 2)
- ماذا لو غرقت قطر؟
- آمال الأوبك تتحطم على منصات النفط الصخري!
- قطرتتلقى درسا بليغا في الأخبار الملفقة!
- أغلى يوم في التاريخ!
- طريق الحرير مزروع بالألغام!
- عملات صعبة وحلول ’’سهلة’’!
- الاقتصاد السياسي للعنف


المزيد.....




- أمريكي أفرجت عنه كوريا الشمالية قبل سنوات يقتل في ظروف غامضة ...
- حملة.. #ليبيون_ضد_العبودية
- رئيس وزراء قطر: بالحوار فقط تحل الأزمة الخليجية
- شكوى سعودية ضد كلب أمريكي
- الصين ترغب في توطيد علاقاتها بجيش ميانمار
- هجوم تكساس.. سيشنز يأمر بمراجعة سجل حيازة الأسلحة
- بالفيديو ...نجمة خليجية تعترف: والدي كان عامل نظافة ثم أصبح ...
- السعودية توافق على شراء ذخائر دقيقة التوجيه من شركات أمريكية ...
- العراق يتطلع لخط أنابيب للغاز يمتد إلى الكويت
- بوتين يعلن عن خطة لعقد مؤتمر حوار وطني لحل الأزمة في سوريا


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناجح العبيدي - الميزانية العراقية وعقدة حصة الإقليم