أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - لوقا - كنموذج للتزوير المقدس















المزيد.....

لوقا - كنموذج للتزوير المقدس


حسن محسن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 5683 - 2017 / 10 / 30 - 20:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



في كتابه المسمى (يسوع)، كتب تشارلز غايغنبيرت (Charles Guignebert) عن كاتب إنجيل لوقا وعن ما ورد في إنجيله عن حوادث ولادة يسوع، بعد أن أدى النقد التاريخي إلى إثبات مناقضتها للتاريخ الروماني بل وحتى للتسلسل التاريخي لأي سياق منطقي طبيعي:
"إن الاشتباه، أو بالأحرى الحكم النهائي الذي يفرض نفسه علينا من النظرة الأولى على كاتب إنجيل لوقا هو أنه كان يبحث عن أية وسيلة حتى يُصوّر يوسف ومريم بأنهما ذهبا لبيت لحم لولادة يسوع. إن هذا النوع من المؤرخين الدينيين لا يهتمون إطلاقاً حتى للمنطق السليم البسيط في اختراع أي ظرف هم يرغبون فيه".
[Charles Guignebert, Jesus, London: Kegan Paul, 1935, pp. 99]

إنجيل لوقا بالذات ضمن الأناجيل الثلاثة الأولى، التي تُعرف بـ (Synoptic Gospels) بسبب تماثلها في الإطار العام، يُمثل إشكالية خطيرة فيما يتعلق بسرده للحوادث وتسلسلها الزمني. هذه المشكلة هي من الشهرة بحيث أصبح لها اسماً يُشار لها به في المراجع النقدية والتاريخية المتعددة، فأصبحت تسمى بـ (مشكلة التاريخ عند لوقا) (The History Problem of Luke). إذ من الثابت أن كاتب إنجيل لوقا كان يعتمد على نسخة مكتوبة لإنجيل مرقس في نقله للحوادث، تماماً مثله مثل كاتب إنجيل متّى، ولكنه في نفس الوقت كان (يتعمد) تغيير التسلسل الزمني للحوادث بشكل شبه كلي وشامل وتقريباً من دون استثناء، وذلك في نفس الوقت الذي يتعمد فيه (تحوير) القصص الواردة في مرقس بواسطة (الإضافة والاختراع والتعديل والإلغاء)، وكأنه بذلك كان (يطعن ضمناً في مصداقية إنجيل مرقس) الذي ينقل عنه، هذا إذا صدقنا تسلسل لوقا للأحداث وتفاصيلها، أو ربما أنه كان لديه (هدفاً محدداً) يريد أن يؤثر من خلاله على قناعات قرائه حتى ولو اضطره ذلك للتزوير والاختراع. فـ (إنجيل لوقا) من أسهل كتب الأناجيل الأربعة المُعترف بها من الكنيسة الذي يُمكن للباحث من خلاله أن يُثبت تزويرها واختراعها للأحداث والتلاعب في تسلسلها وتفاصيلها. وإنْ كان نقد إنجيل لوقا ينتمي في كلياته لِما يُعرف بـ (النقد الأكاديمي) [انظر على سبيل المثال: New Testament History and Literature, Dale Martin, Yale university press] وليس إلى (النقد العقائدي اليهودي) واللاهوت المصاحب له، إلا أن النقاد اليهود استخدموا تلك المادة الأكاديمية بدون شك، وأضافوا لها في بعض الأحيان، ولذلك لا أرى بأساً من التطرق لبعض جوانب هذا النقد هنا مضافاً لها إسهابات متشعبة توليتها أنا في جزئيات متعددة.

قبل البدء في عرض الأمثلة، لابد من إشارة تعريفية مهمة فيما يخص إنجيل لوقا. كاتب إنجيل لوقا هو، بالطبع، شخص مجهول الهوية، لا أحد يعرف مَنْ هو على الحقيقة، اسمه ليس "لوقا" بالتأكيد، على عكس ما يصر عليه اللاهوت المسيحي من إنه "رفيق" بولس في أسفاره. ولم يتم تسمية هذا الإنجيل بـ (لوقا) إلا في نهاية القرن الثاني الميلادي، وكان قبل هذا التاريخ يتم تداول كتاباته من دون نسبة لأي أحد. وهو بالتأكيد لم يكن شاهد على الأحداث التي كتبها كما يعترف هو في بداية إنجيله. وكاتب إنجيل لوقا المجهول هو (نفس الشخص) الذي كتب سفر (أعمال الرسل). والحقيقة هي أن إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل كان يتم تداولهما كمادة واحدة متصلة ذات سياق تسلسلي واحد، وإنما تم الفصل بينهما بعد استقرار الكنيسة على الكتب المعترف بها كنصوص مسيحية مقدسة. فبالتالي سفر (أعمال الرسل) يُمثل أيضاً قلم ورأي وممارسات ومشكلات نفس الشخص الذي كتب (إنجيل لوقا). وأيضاً، كاتب إنجيل لوقا مثله مثل كاتب إنجيل متّى، كان أمامهما نسخة مكتوبة من إنجيل مرقس وكانا ينقلان من هذه النسخة حرفياً في معظم الأحيان مع تحويرات وتبديلات وحذف وإضافة. وأخيراً، هذا الشخص كان يملك هدفاً محدداً وواضحاً وهو ابراز (أممية) دعوة يسوع وبأي ثمن كان، على عكس باقي الأناجيل، حتى وإن اضطره ذلك للتزوير والاختراع والتلاعب في السياق والأحداث والعبارات التي تم نسبتها لإلهه الجديد يسوع. كاتب إنجيل لوقا هو أحد الأمثلة المبكرة للتطبيق العملي الصارخ لمبدأ بولس في الترويج لهذا الإله الجديد: (إن كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده، فلماذا أدانُ أنا بعد كخاطئ؟!) [رسالة بولس إلى أهل رومية 3: 7]

أهم ما يُميز كاتب إنجيل لوقا هو (جهله الواضح) بتفاصيل نصوص العهد القديم وبصورة تلفت النظر. فمثلاً هو يضع على لسان القديس (إستفانوس) في سفر (أعمال الرسل) بأنه يقول لرئيس كهنة اليهود عن إبراهيم:
(فخرج حينئذ من أرض الكلدانيين وسكن في حاران. ومن هناك نقله، بعد ما مات أبوه) [أعمال الرسل 7: 4]
أي أن إبراهيم خرج من حاران (بعد) موت أبيه تارح، بينما سفر التكوين يقول صراحة بأنه عندما كان عمر تارح سبعين سنة وُلِدَ له إبراهيم [تكوين 11: 26]، وأن عمر تارح عند موته هو (مئتين وخمس سنين) [تكوين 11: 33]، وكان عمر إبراهيم عند خروجه من حاران (خمسٍ وسبعين سنة) [تكوين 12: 4]. أي عند هجرة إبراهيم من حاران كان عمر أبيه تارح، على حسب نصوص العهد القديم، مئة وخمسٌ وأربعين (145) سنة وكان لا يزال أمامه ستين سنة أخرى ليعيشها بعد خروج ابنه إبراهيم كما تقول نصوص سفر التكوين. وكمثال ثان، نصوص العهد القديم، وفي ثلاثة مواضع مختلفة [تكوين 46: 26-27] و [خروج 1: 5] و [تثنية 10: 22]، تؤكد أن يعقوب أتى لمصر بعدد إجمالي هو (سبعين نفساً)، إلا أن كاتب إنجيل لوقا يضع على لسان إستفانوس أيضاً في سفر أعمال الرسل بأن العدد الإجمالي هو (خمسة وسبعين نفساً) [أعمال الرسل 7: 14]. ومثال ثالث، وأيضاً على لسان إستفانوس [ملاحظة: في الحقيقة أنا أشفق على إستفانوس هذا، فلقد صوره كاتب إنجيل لوقا وكأنه جاهل تماماً ولا يدري ما يقول. تخيل فقط نظرات كهنة اليهود له وابتسامات شفاههم وسخريتهم منه وهو يتفوه أمامهم بهذه الأخطاء الساذجة. بالطبع الواقعة التي يتولى بطولتها إستفانوس هي كلها من نسج خيال كاتب إنجيل لوقا، ولذلك في كل المصادر التاريخية والنقدية لا يُعتبر سفر (أعمال الرسل) كـ "مصدر تاريخي" ولا يتمتع بأية مصداقية في بناء تاريخ وأحداث المسيحية الأولى، فنصوص هذا السفر ليست إلا أسطرة متعمدة وواضحة لشخوصها]، فإستفانوس نراه يقول في هذا السفر لكهنة اليهود بأن (يعقوب) مات بمصر ونُقِلَ إلى (شكيم) ودفن في القبر الذي اشتراه (إبراهيم) من (بني حمور أبي شكيم) [أعمال الرسل 7: 15-16]، إلا أن كاتب إنجيل لوقا هذا قد اختلط عليه الأمر تماماً وبصورة تدعو للسخرية. فالعهد القديم يقول صراحة بأن إبراهيم اشترى (المغارة) كمدفن من (عفرون بن صوحر) [تكوين 23: 8 و 16] وليس من (بني حمور أبي شكيم) ويعقوب دفن فيها [تكوين 50: 13]. بني حمور أبي شكيم هؤلاء قصتهم مختلفة تماماً مع يعقوب، إذ يعقوب (ابتاع قطعة الحقل التي نصب فيها خيمته من يد بني حمور أبي شكيم بمئة قسيطة. وأقام هناك مذبحاً ودعاه إيل إله إسرائيل) [تكوين 33: 19-20]، فكاتب إنجيل لوقا خلط الرجلين (عفرون) وأبناء (حمور) مع بعضهما البعض من دون أن يعي ذلك، ثم وضع هذا التخليط على لسان المسكين إستفانوس، وهو يدل بالضرورة على جهل مدقع في تفاصيل العهد القديم. الأنكى من ذلك والمثير للسخرية في الحقيقة هو أنه يضع هذا (الجهل الفاضح) على لسان أحد (قديسي المسيحية وشهداؤهم الأوائل) وهو يتم استجوابه من جانب المحكمة اليهودية (السنهدرين) والتي تتكون من إحدى وسبعين عضواً من أحبار اليهود وعلمائهم وحفظة نصوصهم المقدسة مما يدل على (تزوير الواقعة برمتها) وإنها لم تقع على الحقيقة، أو على أحسن الأحوال، أنها لم تقع كما يسردها كاتب السفر، والأكثر عجباً أن هذا الذي كتبه كاتب إنجيل لوقا يُعتبر (نصاً مقدساً مؤيداً بروح القدس، الثالوث الثالث في ثلاثي الآلهة المسيحية). هذا الاستعراض المختصر يُبيّنُ بوضوح نوعية التزوير الذي يمارسه كتبة الأناجيل والنصوص المقدسة المسيحية ويَصِمهُ بأنه (تزوير ساذج) من أسوأ معيار.

ولنستعرض مثال ثان:

جزئية بدء دعوة (كرازة) يسوع عند كاتب إنجيل لوقا التي سنتطرق لها أدناه بشيء من التفصيل، ونشير إلى ملاحظة تدعو للابتسام والسخرية بحق، فهي تكشف محدودية معرفة كاتب إنجيل لوقاً بالنصوص اليهودية المقدسة. ففي إنجيل لوقا الذي كان يريد كاتبه أن يُثبت (أممية) دعوة يسوع لقرائه، نقرأ بدء الدعوة في (الناصرة) هكذا: (وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى. ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ. فدفع إليه سفر إشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه: روح الرب علي، لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم، وجلس، وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه. فابتدأ يقول لهم: إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم) [لوقا 4: 16-21]. سوف نتجاوز هنا عن النقد اللغوي، ربما لمقالة قادمة، ونركز انتباهنا على ما قرأه يسوع كما قال لنا إنجيل لوقا. كان ذلك اقتباس، محوّر قليلاً، من سفر إشعياء [إشعياء 61]، ولكننا سوف نتجاوز هذا أيضاً. إلا أن (الطريف المضحك) هو أن هذا الأصحاح من سفر إشعياء كان يُبشر اليهود بأن (الأمم) عند قدوم المسيح اليهودي سيكونون (خدماً) لهم. إذ كاتب إنجيل لوقا عزل النص (متعمداً، أو ربما جهلاً بتمام النص وهو الأرجح) عن سياقه، كعادة الاستدلال المسيحي بصفة عامة، ولم يُكمل الاقتباس. إذ الأصحاح في سفر إشعياء يسترسل بعد ذلك ليقول لليهود: (ويقف الأجانب ويرعون غنمكم، ويكون بنو الغريب حراثيكم وكرّاميكم. أما أنتم فتدعون كهنة الرب، تسمون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتأمرون) [إشعياء 61: 5-6]. هذا كاتب يريد أن يؤكد (أممية) دعوة إلهه الجديد وعدم حصرها في اليهود، فإذا به يستخدم نص كان يبشر اليهود بأن أبناء الأمم سيكونون خدماً عندهم وأنهم سوف يستولون على ثرواتهم ويتأمرون عليهم :)

أنا متأكد بأن القارئ الكريم بعد انتهائه من الفقرة أعلاه قد بدأ يضحك. ولكن، لنحاول أن نستمر في النقد النصي بجدية أكبر الآن.

تُمثل حادثة استهلال "كرازة" يسوع، على حسب رواية كاتب إنجيل لوقا بالذات في تسلسل الأحداث، في مدينته "الناصرة"، وفشله الكامل في إقناع أهلها، وذلك بعد استهزائهم بنسبه (أليس هذا ابن يوسف؟!) [لوقا 4: 22] و [مرقس 6: 3-4] و [متى 13: 55-56]، ومعرفة يسوع القاطعة بأنهم كانوا يستهزؤون بشخصه بالذات بسبب معرفتهم السابقة فيه: (فقال لهم: على كل حالٍ تقولون لي هذا المثل: أيها الطبيب اشفِ نفسك) [لوقا 4: 23]، ومن ثم تحديهم له بعمل معجزات فإذا به يفشل فشلاً ذريعاً في ذلك: (لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة، غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم) [مرقس 6: 5]، ثم إلقاء القبض عليه وإخراجه بالقوة [الترجمة الحرفية للكلمة اليونانية التي يترجمها المترجم العربي بـ (وأخرجوه) هي (thrust him) أي (دفعوه بقوة)، وفي ترجمة (World English Bible) يتم ترجمتها (threw him out of the city) أي (ألقوه)] إلى (خارج المدينة، وجاءوا به [الترجمة الحرفية للكلمة اليونانية: (واقتادوه)] إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه إلى أسفل) [لوقا 4: 29]، ثم هرب يسوع منهم بطريقة ما لا توضحها الأناجيل المختلفة وإنما تتعمد إبهام الواقعة وتغطيتها [لوقا 4: 30]، تُمثل هذه الأحداث كلها نقطة فارقة في تاريخ المسيحية المسكوت عنه. تلك الأحداث، في إطارها العام، تُمثل إشكالية (شهيرة) ومُحرجة جداً في الضمير الجمعي للمسيحيين الأوائل وكان (لابد) لهم من ذكرها بسبب شهرتها على ما يبدو، ولكن، وفي نفس الوقت، يجب عليهم (تبريرها) بطريقة ما. إذ لابد أن قصة إخراج يسوع بطريقة (مُهينة جداً) من جانب أهل مدينته التي تربى فيها ونشأ، والتي جميع أفراد سكانها يعرفونه حق المعرفة الشخصية ولسنوات طويلة جداً منذ طفولته وبجميع تفاصيل حياته الشخصية الدقيقة التي تلخصها مقولتهم له باستهزاء واضح: (اشفِ نفسك)، وبعد فشله الذريع أمامهم في إبراز معجزاته، كانت هذه التفاصيل من الانتشار الواسع بين معارضي العقيدة المسيحية الأوائل إلى درجة أن كتبة الأناجيل لم يكن مُتاحاً لهم إطلاقاً أن يغضّوا النظر عنها، ولكن كان يجب عليهم أن يتولوا (تلطيف) القصة و (تبريرها) بواسطة (اختراع) تفاصيل متعددة للأحداث حتى تتسق مع اللاهوت المخترع الجديد آنذاك للمسيحية. ولابد أيضاً أن بعض أهل مدينة (الناصرة) كانوا من الانتشار، أو على الأقل روايتهم لِما حدث ليسوع عندهم كانت من الانتشار، ضمن مناطق متعددة في الإمبراطورية الرومانية بحيث كانوا يؤكدون لمستمعيهم بأنهم (لم يروا إطلاقاً من يسوع ما يدعيه المسيحيون الأوائل عن إلههم الجديد هذا)، وبالتالي كان لابد لكتبة الأناجيل مِنْ أن يبرروا الغياب الكامل للمعجزات في الناصرة مع وجود الشهود المباشرين على هذا الغياب والفشل ورفض أهلها الإيمان بيسوع الذي يقال عنه بأنه "المولود من عذراء"، فكان الحل أنهم وضعوا على لسان يسوع مقولته الشهيرة: (فقال لهم يسوع: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته) [مرقس 6: 4]. إلا أن كاتب إنجيل لوقا فعل شيئاً مهماً في نقله تلك الواقعة والعبارة من إنجيل مرقس. إذ لم يكتفي كاتب إنجيل لوقا بالتحوير في الواقعة كما سنرى أدناه، ولكنه حوّر أيضاً في التسلسل التاريخي لكرازة يسوع مما أوقعه في مشكلة طريفة.

نص إنجيل مرقس عن عجز يسوع: (لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة، غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم) [مرقس 6: 5] ألغاه تماماً كاتب إنجيل لوقا من إنجيله، ثم حوّل الواقعة من (لم يقدر) كما في نص مرقس إلى تبرير استباقي لذلك العجز وذلك من خلال اقتباس قصص الأنبياء السابقين ثم وضع هذا التبرير على لسان يسوع في كلامه لأهل قريته الناصرة وبصورة تستبق طلبهم للمعجزات. فنقرأ في إنجيل لوقا أن يسوع هو الذي قال لهم: (فقال لهم: على كل حال تقولون لي [...] كم سمعنا أنه جرى في كفرناحوم، فافعل ذلك هنا أيضاً في وطنك) [لوقا 4: 23]، ثم يسترسل يسوع ليقول لهم: (برص كثيرون كانوا في إسرائيل في زمان أليشع النبي، ولم يطهر واحد منهم إلا نعمان السرياني) [لوقا 4: 27]، أي أن في زمان أليسع النبي كان هناك كثير يعانون مرض البرص، إلا أن أليسع لم ينجح إلا مع واحد فقط في الشفاء. لاحظ أن في إنجيل لوقا نرى يسوع يتولى هذا التبرير لأهل قريته من دون أن يكتب لوقا السبب الداعي لهذا التبرير، فهو حذف جملة مرقس: (لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة، غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم) [مرقس 6: 5].

بعد ذلك، فعل كاتب إنجيل لوقا أمراً آخر في نص إنجيل مرقس الذي كان ينقل منه. فعندما أتى إلى جملة مرقس: (فقال لهم يسوع: ليس نبي بلا كرامة، إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته) [مرقس 6: 4]، تعمد لوقا إلغاء كلمات مرقس الواردة على لسان يسوع: (وبين أقربائه وفي بيته) ولتصبح العبارة عند لوقا: (وقال: الحق أقول لكم: إنه ليس نبي مقبولاً في وطنه) [لوقا 4: 24]. إذ كاتب إنجيل لوقا كان يعي أن كلمات مرقس الواردة على لسان يسوع (بين أقربائه وفي بيته) سوف تستدعي بالضرورة أن أهل بيته، أمه وأبيه، وأخوته أيضاً، هم مشمولون بعدم إكرامه ورفض قبوله، وهذا بدوره يهدم أسطورة الولادة العذرية من أساسها، فكان الحل عنده هو إلغاء تلك المفردات من إنجيله. وبالتالي تعمد كاتب إنجيل لوقا (إلغاء) شهادة ليس فقط أهل (الناصرة) في إلهه الجديد ولكن أيضاً شهادة (أقرباء يسوع وأهل بيته)، كما في نص إنجيل مرقس الذي كان ينقل منه، ولم يعي إطلاقاً بأنه، بفعله هذا، أكدّ الحقيقة التاريخية البارزة وهي أن أهل بيت يسوع ذاته قد كذّبوه ورفضوه ولم يعرفوا إطلاقاً أنه "مولود من عذراء"، ومن هنا نفهم ما ورد في مرقس عن يسوع (ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه، لأنهم قالوا: إنه مختل) [مرقس 3: 21] أي "مجنون"، ونفهم إشارة يسوع (التحقيرية) لأمه وأخوته في الإنجيل [متى 12: 46-50] وفي [يوحنا 2: 4].

إلا أن تلاعب لوقا في النص أدى إلى وقوعه في مشكلة تاريخية طريفة. فالتسلسل التاريخي لكرازة يسوع عند لوقا تبدأ مع امتحان الشيطان له [لوقا 4: 1-13]، ثم دخوله إلى منطقة الجليل [لوقا 4: 14-15]، ثم دخوله إلى قريته الناصرة [لوقا 4: 16-30]، ثم بعد الناصرة دخوله إلى كفر ناحوم [لوقا 4: 31-44]. أي أن، على حسب تسلسل رواية لوقا، فإن يسوع قد دخل الناصرة أولاً ثم خرج منها ليدخل إلى كفر ناحوم ليفعل عجائبه الأسطورية هناك بعد أن فشل في قريته الناصرة. الطريف في رواية لوقا أنه حالما دخل يسوع إلى الناصرة قال لأهلها مبتدءاً: (فقال لهم: على كل حال تقولون لي هذا المثل: أيها الطبيب اشفِ نفسك، كم سمعنا أنه جرى في كفرناحوم (!!)، فافعل ذلك هنا أيضا في وطنك) [لوقا 4: 23]، أي أنه قال لهم بأنكم قد سمعتم ما جرى في كفر ناحوم من معجزات قد قمت بها هناك (!!!). إلا أنه، على حسب رواية لوقا، هو لم يدخلها بعد ولم يفعل بها أي شيء حتى هذه اللحظة. تلك الجزئية الطريفة ما هي إلا نموذج لجزء بسيط ضمن إشكالات أكبر في الرواية التي يتولاها كاتب إنجيل لوقا، ولم تنشأ إلا لأنه كان يعطي لنفسه الحرية المطلقة في التحوير والاختراع والحذف والإضافة والتقديم والتأخير على رواية إنجيل مرقس، وذلك مع محدودية في المعرفة كما رأينا سابقاً.

تلك الأمثلة، وبعضها طريف جداً، أوردنا بعضها أعلاه ولم نشأ أن نطيل المقالة بإيراد أمثلة أحرى، هي في مجموعها دلائل على مقدار (السذاجة المعرفية) عند كاتب إنجيل لوقا والتي في سبيل هدفه الخفي، أي إثبات (أممية) دعوة يسوع، لم تردعه عن (التزوير) المتعمد. إلا أن هذا الوضوح في (شخصية كاتب إنجيل لوقا) لم تكن تهم حتى اللاهوتيين المسيحيين عندما قرروا إدراج مثل تلك النصوص على أنها (مقدسة) و (مؤَّيَدة بالإلهام الإلهي) ومعترف بها وذلك في سبيل تتويج (إله جديد) اسمه يسوع.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,685,155,819
- التزوير في النص المسيحي المقدس
- الشيطان في مواجهة يسوع
- الاضطراب النفسي كأداة لنقد الإنجيل
- اكتشاف الغباء الجماعي
- لا كهنوت في الإسلام ... مقولة خاطئة
- الأصل الوثني لمركبة يسوع السماوية
- الأزمة الأخلاقية العربية
- حَلَب والإشكالية المذهبية في الصراع العربي
- مدخل لدراسة الإشكالية السلفية
- الأصل الوثني للوصايا العشرفي اليهودية والمسيحية
- مشكلة الإنسان في الثقافة الشرق-أوسطية
- لم يكن سعيداً بالتأكيد، ولكنني فخور به - تعقيب على الدكتور ا ...
- في الإشكالية الحقيقية للوطن العربي
- هل كان يسوع سارقاً - 4
- هل كان يسوع سارقاً - 3
- هل كان يسوع سارقاً - 2
- أبو قتادة الفلسطيني – 4
- أبو قتادة الفلسطيني – 3
- أبو قتادة الفلسطيني - 2
- أبو قتادة الفلسطيني - 1


المزيد.....




- ذكرى الهولوكوست.. وفد من رابطة العالم الإسلامي يصلي في أحد م ...
- ألمانيا تسلم أحفاد محام يهودي فرنسي ثلاثة أعمال فنية سرقها ا ...
- وزير العدل السعودي السابق يزور أسوأ معسكر موت نازي مع مسؤولي ...
- -تجارة الهولوكوست-... 46 قائداً عالمياً يعتمرون «القلنسوة ال ...
- كل ما يجب معرفته عن المحرقة اليهودية -الهولوكوست-
- ماكرون يزور المسجد الأقصى وحائط البراق
- السودان... تعرض وزير الشؤون الدينية والأوقاف لحادث مروري خطي ...
- إسرائيل تقرّ بناء ملجأ للمشردين فوق قبور إسلامية
- المسماري: الإخوان إرهابيون ولهم مخطط مخابراتي ضد الشعب الليب ...
- شاهد.. ماكرون يوبخ ضباط الاحتلال بالقدس ويطردهم من أمام الكن ...


المزيد.....

- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - لوقا - كنموذج للتزوير المقدس