أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رابح لونيسي - مقالات حول جدلية الدين والسياسة(6)-حلول أوروبية متعددة-















المزيد.....

مقالات حول جدلية الدين والسياسة(6)-حلول أوروبية متعددة-


رابح لونيسي

الحوار المتمدن-العدد: 5673 - 2017 / 10 / 18 - 21:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقالات حول جدلية الدين والسياسة(6)
- حلول أوروبية متعددة-


عرفت أوروبا سيطرة الذهنية الدينية منذ القديم مثلها مثل كل شعوب العالم، خاصة في العهد الأغريقي، لكن عندما ظهرت الفلسفة وفكرة الديمقراطية تراجع الفكر الديني فيها، وبدأ سيطرة العقل -حسب المؤرخ الفرنسي فرناند روبرت (1908-1992)- الذي اتبع التطور الديني عند الأغريق، لكن رغم ذلك، فالجميع يعرف كيف أعدم الفيلسوف المعلم سقراط بسبب مواقفه الدينية .
وتواصلت السيطرة الدينية لدى الرومان الذين يمكن إعتبارهم المرحلة الأخيرة لنهاية الحضارة الأغريقية-الرومانية، بفعل تراجع الإنتاج العقلي والفكري عندهم مقارنة بالعهد الأغريقي، مقابل سيطرة التوسع العسكري والذهنية العسكرية، وهي ظاهرة تتسم بها كل المراحل الأخيرة للحضارات، فقد سعى الرومان إلى فرض سيطرة سياسية عسكرية وحتى دينية على العالم، وتصبح محوره، وقد عرفت الفترة الرومانية إضطهاد لكل الأديان المخالفة للدين الروماني مادام الأمبرطور هو تجسيد للإله الأعظم، فتعرضت الأديان السماوية لإضطهاد كبير، ومنها اليهودية ثم المسيحية .
ولم يعتنق الأمبرطور قسطنطين الديانة المسيحية عن قناعة ذاتية، بل كانت محاولة منه للحفاظ على الأمبرطورية وسلطته التي أصبحت مهددة بفعل الإنتشار الواسع للديانة المسيحية في عموم الأمبرطورية .
فرغم تحول الأمبرطوربة الرومانية ثم البيزنطية إلى أمبرطورية مسيحية، إلا أنها أعطت للمسيحية خصوصية رومانية-أغريقية، فأنحرفت بذلك عن الأصول الحقيقية لهذا الدين، وكان الدافع إلى ذلك هو الحفاظ على السلطة ووحدة الأمبرطورية، وقد رافق ذلك كله القمع والإضطهاد الواسع لكل من ينشق عن الكنيسة الرومانية .
تواصل الوضع على هذا المنوال في أوروبا حتى سقوط روما على يد البرابرة(الأفرنج، الجرمان، القوط، الأنجليز، الفيكنغ وغيرهم) في أوروبا عام 754 ميلادية، ليعتنق هؤلاء الأخيرين الديانة المسيحية أيضا لأهداف سياسية أكثر مما هي قناعات ذاتية، فظاهرة إعتناق البرابرة الذي أسقطوا روما للمسيحية تشبه تقريبا نفس ظاهرة إعتناق المغول الذين اسقطوا بغداد في 1253ميلادية للإسلام، كما ان الأمبرطورية العثمانية بسيطرة المظاهر العسكرية والتوسعية عليها وتراجع رهيب للإنتاجات العلمية والفكرية تشبه تقريبا الأمبرطورية الرومانية، فهذا التشابه يمكن أن يدفع البعض إلى القول أن كل الفضاءات الحضارية، تمر بنفس المسارات والمراحل، وهو ما يعني بأن شعوب فضاء الحضارة الإسلامية هي متأخرة عن شعوب فضاء الحضارة الغربية فقط بعقود أو قرون، لكن هي على خطى الفضاء الحضاري الغربي في كل المظاهر، وأن ذلك حتمية تاريخية، تفرضها حركة التاريخ لكل الفضاءات الحضارية رغم كل المقاومات لذلك.
فبعد سقوط روما في754م، بدأت تظهر بعض الدول التي أخذت أيضا طابعا قوميا حسب كل قبيلة من مختلف قبائل البرابرة كجرمانيا وأنجلترا وفرنسا وغيرها، وبرزت بشكل جلي شخصية شارل مارتل بحكم ما يعتبره الأوروبيون، أنه أنقذ أوروبا المسيحية من المسلمين في معركة بواتييه، لكنه ليس هو نفس الموقف لبعض المفكرين والمؤرخين الأوروبيين مثل روجي غارودي وحتى الروائي مورياك وآخرين الذين يرون أن عدم وصول الإسلام إلى أوروبا وتوقفه في بواتييه كان له أثرا سلبيا، وضيع الكثير على أوروبا، وللعلم فإن الدروس الأولى التي يتلقاها بعض التلامذة الأوروبيين لفترة طويلة هي معركة بواتييه وإنتصار شارل مارتل على مايعتبرونهم كفارا -أي المسلمين-، وهو ما من شأنه غرس نوع من كراهية دينية ضد المسلمين، وهو نفس مايحدث أيضا عند بعض المسلمين بشكل عكسي تجاه المسيحيين واليهود الذين يصفونهم أيضا بالكفار وأعداء الله.
كما استقلت الكنيسة الرومانية، حيث أصبح للبابا نفوذا دينيا على المسيحيين، مما جعل مختلف الملوك يسترضونه لكسب الدعم الشعبي، وبتعبير آخر إكتساب الشرعية من خلال شرعية البابا الذي يسيطر على روح الإنسان المسيحي، فنشبت العديد من الصراعات بين السلطة الزمنية المتمثلة في الملوك والسلطة الروحية المتمثلة في الباباوات، ونشير إلى أن البابوية المتجسدة في البابا أوربان الثاني، قد لعبت دورا كبيرا ومصيريا أثناء الحروب الصليبية بهدف تعبئة المسيحييين للحرب المقدسة بدعوى تحرير قبر المسيح من المسلمين، لكن لم يكن ذلك في الحقيقة إلا محاولة لإستغلال الدين لدعم طموحات سلطوية وإستغلالية للملوك الأوروبيين، فكيف يهين المسلمون قبر المسيح عليه السلام، وهم مؤمنون به، كما هم مؤمنون بكل الأنبياء والرسل؟ .
تواصل الوضع على هذا المنوال حتى بدأت حركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر وكالفن وغيرهم في بدايات القرن16م، والتي أصبحت تنافس سلطة الكنيسة البابوية في روما، وتنازعها حق إحتكار التفسير والتأويل للأنجيل، كما دعت للعودة إلى الأصول المسيحية في البداية، لكن لم تع هذه الحركات الإصلاحية أن بفعلتها أشعلت حروبا دينية دامت أكثر من ثلاثين سنة، وأنجر عنها إدخال أوروبا في حركة العلمنة وإبعاد الدين عن الشأن السياسي، فقد أقنعت الحروب الدينية أغلب الأوروبيين، بأن العلمانية حل إجرائي للعنف الديني، وذلك بتعايش مختلف الطوائف الدينية ووقووف الدولة على الحياد، وتم التخلص من حكم الشريعة المسيحية وإستبدالها شيئا فشيئا بما عرف بالقوانين الطبيعة، أي تعويض القانون الإلهي بالقانون الطبيعي .
كما استغل الملوك هذه الحركات الإصلاحية لدعم سلطتهم والتخلص من سيطرة الكنيسة البابوية عليهم، ولهذا كان الكثير من الملوك وراء دعم إنتشار البروتستانتية كإستغلال سياسي لمواجهة نفوذ البابا، وكانت هذه الحركات أيضا وراء وضع بذور ظهور الدولة القومية بالتخلص من اللغة اللاتينية وإستبدالها باللغات المحلية، فقد كانت هذه اللغات المحلية مضطهدة ومحتقرة من اللغة اللاتينية التي هي لغة الكنيسة البابوية، وكانت تقول أنها لغة الجنة، بالرغم من أن كلام اه ا أنزل وأوحي لسيدنا عيسى عليه السلام باللغة الآرامية، كما كانت هذه الحروب الدينية وراء تزايد نفوذ الملوك وسلطتهم المطلقة بصفته حلا للفتنة التي أصابت المجتمع الأوروبي كله ورغبة الجميع في السلم المدني .
ولهذا نقول أن فكرة العلمانية لم تكن نتاج أفكار وتنظيرات، بل فرضتها ظروف تاريخية، فأصبحت حلا إجرائيا لأزمة أمنية دينية حادة في المجتمع الأوروبي، لكن هذا لايمنعنا من القول بظهور فيما بعد محاولات تنظيرية في عصر الأنوار الأوروبي تقول بأن المسار التاريخي للإنسانية هو التخلص من الدين تدريجيا كلما ساد العقل، كما يقول هيغل وأوغست كونت الذي يقول بالأطوار الثلاثة لتاريخ الإنسانية، وكذلك الألماني ماكس فيبر الذي أستخدم مصطلح desenchatement du monde أي تراجع المعتقدات والأديان في العالم، ليستعمل الفرنسي مارسيل غوشيه نفس الطرح والمصطلح الذي أعطاه عنوانا لكتابه القيمle desenchantement du monde ، أين تتبع المسار الديني عبر التاريخ ليصل إلى تراجعه الحتمي مع تقدم العلوم، لكن خص الأمر أوروبا فقط دون العالم الإسلامي، لكن هل كان هؤلاء محقين في تراجع الجوانب الدينية والروحية في العالم أم كان للفرنسي آندري مالرو الحق عندما تنبأ برجوع الدين في الألفية الثالثة، فنجد مثلا الأمريكي صموئيل هنتنغتون، يتنبأ في بداية التسعينيات بأن الصراع القادم في العالم، سيكون صداما حضاريا، لكن بنى حضاراته على أسس دينية، فكاد أن يقول لنا أنه صداما دينيا، ولو أن كتابه صدام الحضارات يدخل في إطار رسم إستراتيجية أمريكية جديدة بعد نهاية الحرب الباردة .

لكن لم تعرف علاقة الدين بالسياسة نفس المواقف في الدول الأوروبية المعاصرة، فهي تختلف من بلد إلى آخر، فنجد خصوصية فرنسية أين عرفت العلمانية بعداء للدين، وذلك كنتاج تاريخي خاص بفرنسا، حيث تحالف الحكم الملكي المطلق الذي استند على فكرة الحكم الإلهي المقدس، والذي تحالف مع الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تشكل بخطابها مبررا أيديولوجيا تخديريا للشعب الفرنسي، وهو ما دفع الفلاسفة ومفكري عصر الأنوار في فرنسا القرن الثامن عشر، وعلى رأسهم فولتير والموسوعيين إلى توجيه عداء كبير للدين والسخرية من رجاله، وهو ما أدى فيما بعد إلى صراع دموي مع الكنيسة، حيث أعدمت الثورة الفرنسية في1789 الكثير من رجال الدين، وأممت الكنيسة والمعابد، بل وصل بها الأمر إلى إستبدال الدين المسيحي بدين جديد، يعبد فيه ما يسمى بالكائن الأسمى وهو العقل والحرية.
تواصل هذا الصراع في فرنسا، لكن عادت الكنيسة من جديد مع هزيمة نابليون بونابرت في1815، لكن بشكل ضعيف، وتواصل الصراع حتى بين الملكيين والجمهوريين الداعين للعلمانية المعادية للدين .
تشبه الحالة الفرنسية نفس الحالة التركية التي هي أيضا نتاج تاريخي للدولة العثمانية التي تحالف سلاطينها مع بعض رجال الدين، وكذلك نفس الحالة عرفها القوميون العرب الذين عانوا من إستغلال الدولة العثمانية للدين للإبقاء على سيطرتها على البلاد العربية .
لكن هناك حالات أخرى في أوروبا يقصد فيها بالعلمانية بقاء الدولة على الحياد في المسائل الدينية، خاصة أين تتعدد الطوائف، كما أن هناك حالات أخرى تم الفصل فيه بين الكنيسة والدولة، لكن يتم التعاون فيما بينها في مجالات تربية الفرد روحيا ودينيا وأخلاقيا.
وعلى هذا الأساس لا يمكن لنا في العالم الإسلامي أن ينظر إلى فكرة العلمانية بالنظرة الفرنسية البحتة، بل لا بد من إطلالة على تجارب أخرى غير معادية للدين، لكن ترفض إستغلاله سياسويا، وبتعبير آخر لا بد من الأخذ بعين الإعتبار الخصوصيات التاريخية والإجتماعية لكل بلد، فالمسلمون بحاجة اليوم إلى التخلص مما نبه إليه بن خلدون، وهو توالي سقوط وقيام الدول بسبب إستغلال الدين، مما يبقي دولنا في فوضى وعدم إستقرار مزمن في وقت نحتاج فيه إلى هذا الإستقرار الذي هو عامل رئيسي لأي عملية بناء تنموي وحضاري، لكن عدم إستغلال الدين، لايكفي لوحده، بل نحتاج إلى نظام ديمقراطي بكل مبادئه، ولايقصي أي طرف، مادام الديمقراطية هي الحل السلمي الذي أخترعه الغرب لمختلف التناقضات الأيديولوجية والسياسية والثقافية والطبقية وغيرها السائدة في أي أمة أو دولة.


البروفسور رابح لونيسي
-جامعة وهران-





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,356,281,615
- مطاردة المناضل البطني لمناضلي المباديء في الجزائر
- مقالات حول جدلية الدين والسياسة(5)-مظاهر لتوظيف الدين في الع ...
- علاج فانوني لعقدة الإنتساب إلى لآخر لدى بعض المغاربيين
- في ذكرى أحداث05أكتوبر1988في الجزائر-انتفاضة أم شغب أطفال؟-
- مقالات حول جدلية الدين والسياسة(4)-محاولات تنظيرية وتطبيقية ...
- ضباط فارون من الجيش الفرنسي وراء عنف1963 في الجزائر
- مقالات حول جدلية الدين والسياسة(3)-علاقة الدين بالسياسة في ت ...
- مقالات حول جدلية الدين والسياسة(2) -هل أستهدف الأنبياء والرس ...
- مقالات حول جدلية الدين والسياسة(1)-جذور السلطة الدينية في تا ...
- تضامنا مع الإنسان في بورما وكل مكان، وليس مع القبيلة
- فكرة- إعادة بناء الإجماع الوطني--زرع الإلتباس والغموض حولها-
- الممارسات الدينية في تاريخ الأمة الجزائرية
- الطرق الصوفية في مواجهة الإرهاب
- في ذكرى مؤتمر الصومام1956- مغالطات وحقائق-
- الماضوية المدمرة لشعوبنا
- وداعا رضا مالك-المثقف الملتزم والسياسي-
- التحالف المقدس بين الإستبداد والمال في الجزائر
- هل تتجه الجزائر نحو نظام كولونيالي جديد بعد55سنة من تحريرها؟
- في ذكرى إستشهاد محمد بوضياف-جريمة المافيا المالية-السياسية-
- مستقبل أمن منطقتنا في ظل تزايد الهجرات الغير شرعية


المزيد.....




- الشرطة الإسرائيلية تخلي المسجد الأقصى من المعتكفين بالقوة
- السودان.. أنصار الشريعة يحتجون ضد اتفاق الخرطوم -الإقصائي-
- فلسطينيون يفشِلون حلم إسرائيل وسعوديون يتنكرون للفتوحات الإس ...
- مخاوف من تهديد دولة الإسلاميين -العميقة- للثورة السودانية ...
- الشرطة الإسرائيلية تعتقل برلمانيا هولنديا لحمله علم فلسطين ب ...
- الشرطة الإسرائيلية تعتقل برلمانيا هولنديا لحمله علم فلسطين ب ...
- عضو في الكونغرس الأمريكي: لماذا نصف الهجمات بـ -الإرهابية- ف ...
- الممنوعون من الصيام.. الموريسكيون قديما والتتار والمسلمون ال ...
- 13 قتيلا نتيجة هجوم لـ -بوكو حرام- في تشاد
- القوات الشيعية في العراق تعطي الأولوية لبلادها حال اندلاع نز ...


المزيد.....

- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رابح لونيسي - مقالات حول جدلية الدين والسياسة(6)-حلول أوروبية متعددة-