أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ناجح العبيدي - الدين: محرك أم معيق للتنمية الاقتصادية؟















المزيد.....

الدين: محرك أم معيق للتنمية الاقتصادية؟


ناجح العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 5663 - 2017 / 10 / 8 - 14:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



لم يكد يمضي يوم على انتهاء عطلة عيد الأضحى هذا العام حتى تبرعت مجالس عدة محافظات في جنوب العراق بالإعلان عن عطلة رسمية جديدة للاحتفال بـ"عيد الغدير". هكذا لم تكتف الحكومات المحلية في البصرة وبابل وغيرها بعيد الأضحى الذي يستمر عادة أسبوعا كاملا، وإنما منحت موظفي الدولة فرصة إضافية للراحة من "عناء" و"مشاق" العمل في القطاع العام وحتى يتفرغوا للاحتفال بمناسبة قديمة لا تزال تثير خلافات طائفية.
بعد عيد الغدير بأسابيع قليلة تأتي ذكرى مصرع الإمام الحسين في العاشر من محرم وتليها الزيارة الأربعينية، وقبلها شهر رمضان وعيد الفطر. وكلها مناسبات دينية أصبحت للأسف في السنوات الأخيرة عنوانا لتبديد الموارد البشرية والاقتصادية وللتبذير بالوقت والمال والجهد والطعام ولتوقف الحياة العامة بطريقة لا يمكن لأي اقتصاد متطور تحملها. هذا الواقع دفع المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني مؤخرا لانتقاد مظاهر الإسراف في الطعام في المجالس الحسينية والتأكيد على أن "التبذير مبغوض ومحرّم شرعا".
لكن هوس بعض القيادات الدينية والسياسية الشيعية بالعطل ليس ظاهرة جديدة تماما، وإنما يأتي أيضا امتدادا لتقاليد قديمة لدى مذاهب أخرى، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن البابا غريغوري التاسع (1145 – 1241) قرر في عام 1232 زيادة عدد العطل الدينية إلى 85 يوما لكي "يتفرغ" البشر للتقرب من الرب. كان هذا القرار تعبيرا عن العقلية الدينية السائدة حينذاك لدى الكنيسة الكاثوليكية التي ترى بأن العمل الدنيوي والاهتمام بمصدر الرزق شرا لا بد منه وعقوبة من الرب لآدم بعد طرده من الجنة حيث كان يعيش حياة البطر والكسل. لهذا كان رجال الدين الكاثوليك في القرون الوسطى يعظون أتباعهم بأن تفرغ الإنسان لخدمة "الرب" من خلال الانضمام لسلك القساوسة أو الرهبان أعلى شأنا من العمل كفلاح أو كحرفي.
شكلت مثل هذه المواقف المنافية للسلوك العقلاني أحد أسباب انطلاق حركة الإصلاح الديني في أوروبا قبل 500 عام. ففي 31 تشرين الأول/أكتوبر 1517 علّق القس الألماني مارتين لوثر أطروحاته الخمسة والتسعين على بوابة كنيسة مدينة فيتنبيرغ الألمانية، معلنا بذلك نقده اللاذع لتجارة صكوك الغفران السائدة آنذاك في أوروبا الكاثوليكية حيث كانت الكنيسة تجنى أمولا طائلة من وراء بيع "المغفرة" لمرتكبي الذنوب. غير أن خطوة لوثر تلك سرعان ما تحولت إلى شرارة لثورة حقيقية تجاوزت أسوار الكنائس وشملت ايضا المجتمع والسياسة والثقافة والاقتصاد.
انطلق مارتين لوثر في تجديده للنظرة الدينية للعمل من مفهوم الحرفة (المهنة) والذي أضفى عليه ما يشبه البعد الديني خلال ترجمته للإنجيل إلى اللغة الألمانية. بهذا الشأن يشير رائد علم الاجتماع ماكس فيبر في كتابه المعروف "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" الصادر في 1904 إلى أن لوثر استخدم كلمة "المهنة" وكأنها فريضة وضعها الرب على كاهل الإنسان. بهذا جعل لوثر من العمل ما يشبه العبادة، كما يتضح من قوله :"منْ يعمل بإخلاص، يصلي ضعفين". وفيما يشبه التمرد على تعاليم الكتاب المقدس كان لوثر يردد في عظاته بأن الرب خلق الإنسان للعمل، كما خلق الطير للتحليق. ولم يتردد في القول بإن أبسط الأعمال الدنيوية هي أعلى شأنا في نظر الرب من تحمل مشاق الحج أو حياة الرهبنة أو التبرع لبناء كنيسة. كما وقف لوثر بشكل واضح ضد المغالاة في المناسبات والعطل والأعياد الدينية من خلال التأكيد على أن يوم الأحد هو اليوم الوحيد الذي اختراه الرب للاستراحة، بل وذهب إلى القول بإن أيام العمل هي الأيام المقدسة حقا.
لقيت أفكار لوثر دفعة قوية من قبل المصلح الديني السويسري من أصل فرنسي جان كالفن (1509 – 1564) الذي انتشرت تعاليمه الدينية عن القدر وأخلاقيات الزهد وقيم الجد والمثابرة وفصل الكنيسة عن الدولة في هولندا وسويسرا وبريطانيا وانتقلت لاحقا إلى العالم الجديد أمريكا الشمالية. لقد نجح كالفن في تطوير مفهوم لوثر عن المهنة والعمل الدنيوي من خلال إعادة صياغة ما يدعى بعقيدة القدر المسيحية. بموجب هذه العقيدة يُحدد الرب سلفا قدر الإنسان ومصيره. ففي حين تُكتب اللعنة الأبدية على البعض منذ ولادتهم، يمنح الرب الفوز والخلاص للبعض الآخر. وبما أن الإنسان لا يعرف لأي مجموعة ينتمي، فإن عليه أن يجتهد لكي يستشف ذلك. وأعتبر كالفن أن افضل علامة على ذلك هي نجاح الانسان وتفوقه في الحياة الدنيا. بهذه الطريقة أعاد كالفن تفسير هذه العقيدة حتى لا تصبح دعوة للاستسلام للقضاء والقدر، وإنما حافزا للاجتهاد في ممارسة المهنة على الأرض باعتباره المؤشر الوحيد للخلاص في السماء.
لم تقتصر مساهمة فيبر وكالفن على إعلاء شأن العمل والحرف العادية والدعوة لتبني قيم وسلوكيات تمجد التفاني والمثابرة والتقشف والانضباط والادخار، وتدعو لمحاربة مظاهر الكسل والتبذير والإفراط في الاستهلاك فحسب. إلى جانب ذلك جدد المصلحون الدينيون موقف المسيحية من الربا والفائدة. ففي خطوة ثورية بمعنى الكلمة أباح كالفن أخذ الفوائد في التعاملات المالية ونفى عنها صفة الربا طالما أنها لا تزيد عن 5 %.
انطلاقا من هذه التجديدات اعتبر عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حركة الإصلاح الديني خطوة أساسية مهدت لنشوء ما يصفه بـ"الرأسمالية الحديثة" ولنجاح الثورة الصناعية في بلدان معينة في غرب أوروبا وشمال أمريكا دون غيرها. لقد حاول فيبر الإجابة على سؤال لا يزال يثير الجدل وهو: لماذا استطاعت بلدان مثل بريطانيا وهولندا وألمانيا أن تفوز بجائزة السبق في الانتقال إلى اقتصاد صناعي متطور، بينما فشلت الهند والصين والعالم الإسلامي وحتى دول جنوب أوروبا في ذلك؟ مثل هذا الاختلاف لاحظه فيبر أيضا في بلده ألمانيا حينذاك حيث كانت المناطق ذات الأغلبية البروتستانتية في شمال البلاد تتفوق اقتصاديا بوضوح على الجنوب الكاثوليكي.
يرى فيبر بأن انتصار ما يصفه بـ"روح" الرأسمالية الحديثة يتوقف على توفر فضيلتين أساسيتين هما : الإرادة القوية للعمل وللتفوق مهنيا من جهة وإعلاء شأن الزهد والتقشف في السلوك اليومي من جهة أخرى. وهذا ما بشرت به الكنائس الإصلاحية التي لا تنتقد حياة الرهبنة في الأديرة فحسب، وإنما تؤكد أيضا على أخلاق العمل والورع الديني الداخلي وعلى مبدأ التنسك والحياة العصامية والنزعة التطهيرية. فبحسب التعاليم الكالفينية لا يتميز رجل الأعمال الناجح بتجنب التبذير والإنفاق على حياة باذخة فقط، وإنما يحرص أيضا على التوفير وتراكم رأس المال واستثمار أرباحه في توسيع نشاطه، وبما يؤدي في نهاية المطاف إلى قيام مشاريع ومؤسسات كبيرة تُدار بطريقة عقلانية. ويعتبر فيبر هذه المؤسسات الضخمة سمة جوهرية للرأسمالية الحديثة تميزها عن المراحل الأولية لاقتصاد السوق السائدة في مختلف البلدان. فالدافع الشخصي للكسب والحافز لجني الأرباح لا يقتصر على حضارة دون أخرى، ولكنه غير كاف لنشوء الرأسمالية الحديثة بحسب ماكس فيبر الذي يؤكد على أن الأمر "يتعلق بالظروف التي تجعل من هذا الدافع شرعيا وعقلانيا بحيث يخلق كيانات عقلانية كالتي نراها في المشاريع الرأسمالية". وهذا ما نجح فيه المذهب البروتستانتي قبل غيره من المذاهب من خلال نشر ثقافة وأخلاق تحبذ الجدية والنزاهة والسلوك العقلاني ولا ترى في كسب المال ذنبا يجب تكفيره.
من المهم جدا التأكيد على أن فيبر لا يري تعارضا بين درجة التديّن والورع (وحتى التزمت في ممارسة الفرائض الدينية) للجماعات وبين لعب دور إيجابي في التنمية الاقتصادية، كما فعلت الكالفينية المعروفة بصرامة تعاليمها. وهذا ما لخصته عبارة شهيرة لفيلسوف التنوير الفرنسي مونتيسكيو (1689 – 1755) :"لقد تفوقَ الانجليز على جميع شعوب الأرض في ثلاثة أشياء: التقوى والتجارة والحرية".
يتذكر الألمان هذه الأيام بمناسبة مرور 500 عام على انطلاق حركة الإصلاح الديني عبارات مأثورة لمارتين لوثر ومنها مثلا : "حتى لو كنت أعرف بأن غدا ستكون القيامة، سأقوم اليوم بزراعة شجرة تفاح". وهي لا تختلف كثيرا عن قول مشهور آخر يسبقه بقرون ويُنسب للإمام على بن أبي طالب :" اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". غير أن البروتستانتية نجحت عبر مخاض طويل ومؤلم أحيانا في تجديد الخطاب الديني للمسيحية وتكييفه مع روح العصر ومتطلبات التنمية الاقتصادية. وشكل ذلك لاحقا دافعا لأديان ومذاهب أخرى للمضي في هذا الطريق. في المقابل لا تزال المذاهب الإسلامية، سنية كانت أم شيعية، تراوح مكانها. وهذا ما ينعكس أيضا على الجانب الاقتصادي حيث لا يزال منظرو ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي منشغلين بالحلال والحرام بدلا من دق جرس الإنذار بعد فشل العالم الإسلامي في تقديم تجربة تنموية متميزة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,597,871
- أرصدة كردستان المالية في الخارج: من أين لك هذا؟
- التصعيد التركي والصمت الكردي!
- كردستان: استفتاء أم استطلاع؟
- عراق ما قبل الانتخابات: اصطفافات جديدة فوق رمال متحركة!
- وسكتت الجزيرة عن الكلام المباح!
- عقلية الراعي والقطيع بين الماضي والحاضر
- مجلس .’’التآمر’’ الخليجي!
- الأزمة القطرية: وزراء عدل للبيع!
- اللغة التجارية في القرآن (2 / 2)
- اللغة التجارية في القرآن (1 / 2)
- ماذا لو غرقت قطر؟
- آمال الأوبك تتحطم على منصات النفط الصخري!
- قطرتتلقى درسا بليغا في الأخبار الملفقة!
- أغلى يوم في التاريخ!
- طريق الحرير مزروع بالألغام!
- عملات صعبة وحلول ’’سهلة’’!
- الاقتصاد السياسي للعنف
- لماذا يفوز الإسلام السياسي في العراق؟
- تشظي المشهد السياسي العراقي: المشكلة والحل!
- ماركس ’’العملاق’’ وماركس ’’الشاب’’


المزيد.....




- إنقاذ مئات الطلاب بعد تعرضهم للتعذيب والاعتداء الجنسي بمدرسة ...
- إنقاذ مئات الطلاب بعد تعرضهم للتعذيب والاعتداء الجنسي بمدرسة ...
- نيجيريا: إنقاذ 300 شاب تعرضوا للتعذيب في مدرسة إسلامية
- نيجيريا.. إنقاذ مئات الطلاب من مدرسة إسلامية تحولت لسجن تعذي ...
- كيف حول وسم على تويتر البابا فرانسيس لمشجع فريق كرة قدم؟
- كيف حول وسم على تويتر البابا فرانسيس لمشجع فريق كرة قدم؟
- النيابة المصرية تجدد حبس ابنة يوسف القرضاوي ونافعة وإسراء عب ...
- المسماري: لم نستهدف المدنيين في القصف الجوي ويتهم -الإخوان ا ...
- أردوغان يكشف عن خطة تركيا في منبج.. ويهاجم الناتو: ربما لأنن ...
- بالفيديو.. وفد من المنتخب السعودي يزور المسجد الأقصى


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ناجح العبيدي - الدين: محرك أم معيق للتنمية الاقتصادية؟