أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حزب اليسار الشيوعي العراقي - لماذا لسنا مع الاستفتاء















المزيد.....



لماذا لسنا مع الاستفتاء


حزب اليسار الشيوعي العراقي
الحوار المتمدن-العدد: 5638 - 2017 / 9 / 12 - 20:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لماذا لسنا مع الاستفتاء؟
ونحن نواجه قضيّة راهنة، مثل الاستفتاء على انفصال كوردستان عن العراق، لابدّ لنا من تحليل هذه القضية وفقاً لشروط الواقع المعطى وفي النطاق التأريخي للقضيّة. وينهض هنا سؤال عن حقّ الشعوب في تقرير المصير؛ (هل يتلخص كنهُ القضيّة في التعاريف القانونية، أم في التجارب الحيّة للحركات القوميّة في العالم بأسره؟) وسوف نجيب عن ذلك.
إنّ (حقّ تقرير المصير) الذي جرى ذكره للمرّة الأولى في بيان الاستقلال الامريكي عام 1776 والذي أقرته الثورة الفرنسية عام 1789 بقي غير محدّد المعنى حتى حينما ضمّنته الأمم المتّحدة في ميثاقها عام 1951. لكنّ قرارات الجمعية العامّة منحته المعنى والقيمة العملية فيما بعد، بدءاً من عام 1960. من جهة أخرى، أقرّ الإجتماع الأوّل للأمميّة في لندن عام 1896 (حقّ تقرير المصير) وأصبح مذّاك مُلزِماً للماركسيين في العالم أجمع.
لنقرأ ميثاق الأمم المتّحدة الصادر عام 1945، طبعة مكتبة حقوق الإنسان في جامعة مينسوتا، بعد مصادقة المحكمة الدوليّة عام 1999، التي تضمّنت التعديلات اللاحقة كلّها. ثمّ نقرأ قرارات الجمعيّة العامّة المتعلّقة بالموضوع وفقاً لشرعيتها الدوليّة، بعد ذلك نعود إلى الموقف الماركسي منذ إقراره في الإجتماع الأوّل للأمميّة.
1- في ميثاق الأمم المتّحدة:
لم يتضمّن "ميثاق الامم المتحدة" أيّة تفاصيل عن (حقّ الشعوب في تقرير مصيرها) بل جرى ذكر حقّ تقرير المصير لمرّة واحدة في (المادة 55) ضمن السياق العام لأحوال الشعوب المستعمرة. ويؤكد الميثاق على أنّ (حق تقرير المصير) يصح مع شرط عدم تمتّع هذه الشعوب والبلدان بالحكم الذاتي. لإمكانيةِ قيامِ حُكْمٍ مشتركٍ في حدود دولة يحكمها دستورٌ يُعنى بالمساواة والعدالة.
ونجد تفصيلاً آخرَ يتعلّق- بموضوع الحكم الذاتي- ولمرّة واحدة وحيدة في الفصل الحادي عشر تحت عنوان (تصريح يتعلق بالأقاليم غير المتمتّعة بالحكم الذاتي) في المادة 73 بمفردها. والتي جاءت بوصفها توصية انسانيّة غير مُلزِمة. وهي لا تدعو ولا تشجّع على الانفصال، بل تؤكد وحدة البلدان التي يسودها دستورٌ قائمٌ على المساواة بين شعوبها.
نصُّ المادّة 73: (يقرّر أعضاءُ الأمم المتحدة- الذين يضطلعون في الحال أو في المستقبل بتبعات إدارة أقاليمَ لم تنل شعوبها قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي- المبدأ القاضي بأنّ مصالح أهل هذه الأقاليم لها المقام الأول، ويقبلون أمانة مقدسة في أعناقهم، الإلتزام بالعمل على تنمية رفاهية أهل هذه الأقاليم إلى أقصى حد مستطاع في نطاق السلم والأمن الدوليين اللذين رسمهما هذا الميثاق ولهذا الغرض). ثم تذهب المادّة إلى تفاصيل تنظيميّة في خمس نقاط. وتؤكد هذه المادّة بما لايقبل الشك؛ (مراعاة القيود التي تستدعيها الاعتبارات المتعلقة بالأمن والاعتبارات الدستورية). أي أنّ المادّة 73 تضع ثلاثة شروط؛ أولاً؛ يجب أن تكون هذه الشعوب غير متمتّعة بحكم ذاتي. وثانياً؛ يجب أن لا تؤدي هذه التطبيقات إلى الإخلال بالأمن وتعريض البلاد للحرب. وثالثاً؛ مراعاة القيود التي تستدعيها الاعتبارات الدستورية للبلد. جاء هذا لحفظ الكيانات والبلدان من نتائج التمزّق والدخول في حروب قوميّة لانهاية لها. ولم يعد الميثاق إلى ذكر حقّ تقرير المصير في أيِّ مادّة أخرى من مواده الـ 111.
2- في قرارات الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة:
ورد حقّ الشعوب والبلدان في تقرير مصيرها في قرارات الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة للمرّة الأولى في القرار رقم 1514 عام 1960، وسوف نتعرّف على المضان التي يقصدها، والقرار يتناول دونما لبسٍ (منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة)، وهو القرار المعروف بـ (قرار تصفية الإستعمار). ولم يصدر قبله أيُّ قرارٍ يتناول حقَّ تقرير المصير. علماً أنّه القرار الذي اعتمدته الجمعيّة العامّة في قراراتها اللاحقة المتعلقة بالموضوع ذاته، باعتباره الأساس في موضوع (حقّ تقرير المصير)، بدءاً من القرار 1541 عام 1960 الذي يوصي بالتطبيق القانوني (للمادة 73 من ميثاق الأمم المتّحدة). ويحدّد هذا القرار في المبدأ الأول منه البلدان والشعوب التي هي برسم المستعمرات. مروراً بالقرار 1654 عام 1961 بعنوانه الصريح (حالة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة) الذي عاد ليؤكد القرار 1514، صعوداً نحو قرارات حق استخدام جميع الوسائل لتحقيق الاستقلال من الاستعمار والهيمنة والاضطهاد القومي، والذي جاءت بها بروتوكولات مؤتمر تطوير القانون الدولي في جنيف عام 1977، في البروتوكول الأول والثاني منها. وهما البروتوكولان اللذان أعطيا الشرعية لحركات التحرّر الوطني باستخدام الوسائل جميعها. وللتأكيد أيضاً، نقول إنّ القرار 1514 هو الأساس الذي أعلنت على ضوءه الأمم المتّحدة عام 1969 عاماً للإستقلال.
يحدّد القرار رقم 1514 في فقرته الأولى الشعوبَ والبلدان التي ينطبق عليها (حقّ تقرير المصير) إذ تقول الفقرة 1: (إنّ إخضاع الشعوب للاستعباد الأجنبي وسيطرته واستغلاله يشكّل إنكاراً لحقوق الإنسان الأساسية، ويناقض ميثاق الأمم المتّحدة، ويعيق قضيّة السلم والتعاون الدوليين.) إنتهى.
فيما تؤكد الفقرة 6 من القرار نفسه على موضوع الأمن والسلامة الإقليمية بوصفهما من موانع تطبيق القرار 1514 فتقول: (كلُّ محاولةٍ تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة القومية والسلامة الإقليمية لأيّ بلدٍ، تكون متنافيةً ومقاصد ميثاق الأمم المتّحدة ومبادئه.) إنتهى. أي تؤكد مسؤوليّة الاطراف جميعهم في الحفاظ على السّلم الإقليمي والوحدة القوميّة للبلدان.
بينما تتغافل حكومة أربيل عن هاتين الفقرتين لتتخذ الفقرة 2 من هذا القرار ذريعة لمقاصدها، مقتطعةً إيّاها من السياق، وهي في الحقيقة امتدادٌ للفقرة 1 أعلاه. تقول الفقرة 2؛ (لجميع الشعوب الحقّ في تقرير مصيرها ولها بمقتضى هذا الحقّ أن تحدّد مركزها السياسي وتسعى بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.) إنتهى.
ومن المفيد أن نذكر أنّ أحكامَ إعلان وبرنامج عمل فيينا رقم (23/157) التي اعتمدها المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان عام 1993 في فقرتيه 2و3، قد حددت (حقّ تقرير المصير) بالشعوب التي تخضع للاحتلال الأجنبي وتتعرض للاضطهاد القومي فقط. ولم نجد للجمعية العامّة أيّة قرارات أخرى بشأن حقّ تقرير المصير.
والخلاصة؛ إنّ ميثاق الأمم المتّحدة وقرارات الجمعيّة العامّة في موضوع (حقّ تقرير المصير) اشترطا:
1- أنْ تكون الشعوب والبلدان خاضعة للهيمنة الإستعمارية وتتعرض للاضطهاد القومي والاستغلال الأجنبي.
2- أن تكون ممارسة هذا الحق قائمة على التحرر من الاضطهاد وقمع الحريات وتكميم الأفواه وحظر العقائد.
3- أن يُجرى تطبيق "حقّ الشعوب في تقرير مصيرها" وفق برنامج تنمية الشعوب في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
4- على أن تَحفظ ممارسات تطبيق هذا الحق السلام الاقليمي وأمن البلاد. حسب الفقرة 6 من القرار 1514.
ولم نعثر على شروط أخرى، من مثل الرغبات الشخصيّة، أو المخطّطات الحزبيّة، أو للنكاية العُنصريّة، أو لأسباب اقتصادية، أو نتيجة أغراض غير مفهومة، أو مبهمة. أو أيّة شروط انتهازيّة أخرى أسبابها سيكلوجية.

3- الموقف الماركسي من حقّ تقرير المصير:
(حين يعمد المرء إلى تحليل قضيّة اجتماعيّة... تُوجِبُ عليه الماركسية أن يضعَ تلك القضيّة في نطاق تأريخي معين...وأن يأخذ بعين الاعتبار الخصائص الملموسة التي تميّز هذا البلد عن سِواه في حدود هذه الحقبة التأريخية ذاتها.)
لينين - حق الأمم في تقرير مصيرها- ص12
لقد طُرحت قضية (حق تقرير المصير) ماركسياً للمرة الأولى في المؤتمر الأول للأمميّة المنعقد في لندن عام 1896، وأصدر المؤتمر قراره هذا فيما يتعلق بالمستعمرات والشعوب التي تتعرض للهيمنة والاستغلال الإستعماري والاضطهاد القومي في أوربا مثل بولونيا وأوكرانيا وإيرلندا، إضافة الى شعوب وبلدان آسيا وأفريقيا على وجه العموم، وهو القرار الذي لاقى هجوماً عنيفاً من قبل العنصريين ومن بعض الماركسيين في حينه. وقد وصف ماركس أمثال هؤلاء في رسالته الى إنجلز عام 1870 في قضية استقلال بولونيا بأن مواقفهم ناتجة عن عدم فهم واجباتهم الاشتراكية أزاء الأمم المضطهدة .
ولنقرأ قرار الاجتماع الأول للأمميّة:-
(يعلن المؤتمر تأييده لحقّ جميع الشعوب في حرية تقرير المصير. ويعرب عن عطفه على عمّال كلّ قطر يقاسي آنيا نير الإستبداد العسكري والقومي أو غيرهما، ويدعو المؤتمر عمّال جميع الاقطار الى الانضمام إلى صفوف العمال الواعين في العالم أجمع، للنضال معهم في سبيل "التغلب" على الراسمالية العالمية و"تحقيق" أهداف الإشتراكية الديمقراطية الأممية.)
ولقد أعيد التأكيد على القرار في مؤتمر الماركسيين الروس عام 1903 وضمّنوه برنامجهم ليصبح مذّاك البرنامج السائد عن حق تقرير المصير الماركسي. والذي يتمعّن في القرار سيجد أنّ هنالك معاييرَ لحقّ تقرير المصير، فالقرار لا يخترع تعريفاً مجرداً وطوباوياً، يسمح لمن يشاء من العنصريين استغلاله بوصفه حقاً مطلقاً، بل ينطوي القرار على تحذير من أن ينصرف بصورة مبالغ فيها الى تأكيد العوامل القوميّة العنصريّة.
ويشير ماركس على خلفية الدفاع عن حقّ إيرلندا في الانفصال عن بريطانيا عام 1866 على ضرورة تصاعد النضال الطبقي في هذه القضية قائلاً: (إن الطبقة العاملة هي آخر من يجعل من مسألة القوميّات صنماً للعبادة، لأن تطوّر الراسمالية لايدفع - بل لا يساعد- جميع الامم حتماً الى الحياة المستقلة). ويؤكّد ذلك في رسالته إلى إنجلز في 2 نوفمبر 1867 قائلاً: (ولو أدى هذا الامر، بعد الانفصال، إلى الإتحاد الفيدرالي).
ولا بدَّ أن ندرك أنّ (حقّ تقرير المصير) انطلق من العمل الأممي للاشتراكيين الديمقراطيين في أوربا الناهضة من أجل بعث النهوض التحرري لشعوب أوربا آنذاك وشعوب آسيا وأفريقيا عموماً، الواقعة تحت هيمنة (الدول الكبيرة) الامبراطورية، وهو أيضاً الوسيلة، على حد تأكيد لينين، في دعم وتقوية نضال الحركة العماليّة، ومدّ نضالها الطبقي بالعون في أوربا البرجوازية.
لقد أدرِج قرار (حريّة الأمم في حقّ تقرير مصيرها) في برنامج الأممية للجمع بين الثورة الاجتماعية وحركة التحرر الوطني التي تعمل للخلاص والتحرر من براثن الاستعمار.
والموقف الماركسي من (حقّ الشعوب في تقرير مصيرها) يميّز بين نظرتين إلى هذه المسألة؛ أولهما؛ نظرة تأريخية بنائية اقتصادية تهدف إلى ضرورة نمو وتطور ورقي المجتمع وتقدّمه وإقامة المساواة، وهو موقفنا. والثانية؛ نظرة انتهازية عنصرية خطيرة قائمة على أساس سيكلوجي لحماية مصالح البرجوازيين ورعايتها.
وللحدّ من الانسياق وراء انتهازيّة وطوباويّة هذا الحق كتب لينين في (ملاحظات انتقاديّة حول المسألة القوميّة)، بعد أن ينتهي من دعوة البروليتاريا إلى دعم حركات الاستقلال من الهيمنة الإستعمارية ما يلي:
(...،ولكن مساعدة النزعة القوميّة البرجوازيّة أبعد من هذه الحدود المحددة بدقة، والواردة في إطار تأريخي واضح المعالم، إنما يعني خيانة البروليتاريا والوقوف إلى جانب البرجوازية. فهناك خط فاصل غالباً ما يكون دقيقاً جداً، وينساه الاشتراكيون القوميون.) إنتهى. ولينين، كما هو معروف، كان من أشرس المدافعين عن حقّ الشعوب في تقرير مصيرها.
يكشف هذا النصُّ الحدودَ بين الحقّ التأريخي الواضح، وبين الإنتهازيّة والطوباويّة في (حقّ تقرير المصير) حينما يجري إخراجه من نطاقه التأريخي وفصله عن الواقع، وجعله مفهوماً سائباً لا يُعنى بالحقائق الموضوعية.
من كلّ ما بحثناه يبرز سؤال: كيف تحوّل (حقُّ تقرير المصير) إلى مجرّد فكرة طوباويّة، وحقّ لاصلة له بالواقع، ولا يحدّده أيُّ إطار تأريخي؟ وهو الحق الذي يشمل الشعوب المستعمَرة والتي تتعرض للاضطهاد، لا للاوطان متعدّدة القوميّات خصوصاً إذا نظّم علاقات شعوبها دستور موحَّد يؤمّن المساواة بين جميع القوميّات.
في الحقيقة، إنّ هذا هو ما يلوّح به اليوم الكثيرون في ما يتعلق بقضية الاستفتاء وانفصال كوردستان، ومن هؤلاء شخصيّات سياسيّة يساريّة. كذلك تردّده أحزاب أغلبها تقول عن نفسها إنها أحزابٌ يساريّة، غافلين عن المخاطر الكثيرة والكبيرة التي منها مخاطر خارجية.
***
هل يلبّي الدستور العراقي مصالح إقليم كوردستان؟
أعدّت الدستور العراقي بشكله الرئيسي كتلتان إحداهم اسلامية شيعية (التحالف الوطني) والأخرى كوردية (الائتلاف الكردستاني) ولم يتناول هذا الدستور (حقّ تقرير المصير)، أو يذكره بأيّة صيغة كانت. بينما حدّد طبيعة البلاد الاتحادية ووضع الحقوق السياسية لكلّ القوميات على رأس مواده بسبب المشاركة البرلمانية الكوردية الفاعلة في إعداده:
- فقد اعترف الدستور بالإقليم بوصفه إقليماً قائماً واتحادياً، في المادة 117. وأقرّ شرعيّة القرارات والقوانين الصادرة عن حكومة الإقليم منذ عام 1991 حتى إقرار الدستور عام 2005.
- ومنح الإقليم حقَّ استخدام اللّغة القوميّة للكورد في الإقليم بوصفها اللّغة الرسميّة في المادة 4 منه. بل عمّم ذلك لتكون اللغة الرسميّة الثانية في العراق بأكمله.
- منح الإقليم امتيازأ في حصته من الموازنة العامة العراقية فاصبحت 17% بينما هي في الحقيقة لا تتجاوز 12,7% حسب التوزيع السكاني للشعب العراقي، وهو ما منحته المادّة 112 من الدستور للإقليم، مع إنها أهملت مدّة سريان هذا الإمتياز بشكلٍ مقصودٍ.
- فضلاً عن استغلال المادّة 140 من الدستور بنهج مشابه لنهج حكومة البعث الفاشي وسياسة صدّام حسين العنصريّة، وهي المادّة التي أتاحت لحكومة أربيل فرصة تهجير عرب كركوك قسراً وتحت طائلة التهديد بالقتل والتصفية. وقد عملت أربيل بصورة منظّمة، بعيداً عن رقابة الحكومة المركزيّة ونتيجة غفلتها المبيّتة، على تغييرٍ ديموغرافيٍ كبيرٍ في مدينة كركوك بطرق متنوّعة منها:
1- إستقدام الكورد من قرى ومدن أربيل والسليمانية وإسكانهم في كركوك.
2- إستقدام عشرات الآلاف من الكورد الايرانيين من مدينتي مهاباد وسنندج وغيرهما، وتجنيسهم ضمن سجلات محافظة كركوك وتسكينهم فيها.
- ناهيك عن التسويات السريّة التي منحت حكومة أربيل امتياز الدولة في علاقاتها المحليّة والاقليميّة والدوليّة.
- والتمثيل السيادي لأربيل عن العراق في المحافل الدوليّة في أثناء استيزار (زيباري) في الخارجية العراقية.
- ومنح الكورد حق السيادة في الدولة العراقية ممثلاً برئاسة الجمهورية.
.. وأمور اخرى كثيرة.
وباختصار؛ إنّ الدستور العراقي الحالي وفّر الشروط التي تمنح الإقليم الحكم الذاتي ( وفقاً لتعبير ميثاق الأمم المتّحدة) أو الاستقلال مع الفيدراليّة (وفقاً للموقف الماركسي)، ومنحه المساواة التي اشترطتها الأمم المتّحدة، وأفرغ أيّ مطالبة بالإنفصال من مبرّراتها. وهو أيضاً الدستور الذي يرفض النواب الكورد الآن تعديل موادّه لما فيه من فوائد قومية للكورد.

هل التزمت حكومة بغداد بالدستور؟
نعم، إلتزمتْ نتيجةً لضعفها وهيمنة الإمبريالية الامريكية على قراراتها وأعمالها، وارتباطاتها مع الرجعية الإقليمية. لكنّها لم تلتزم للشعب العراقي خارج كردستان بتطبيق الدستور، بل خذلت العراقيين، وساومت على حقوقهم بضعف بالغ أمام الامبرياليين المحتلين وأمام حكومة أربيل.
- فقد أهملت حقوق الشعب ورأيه في الاتفاقات الثنائية مع المحتلين الامريكان، وفرضت أنظمةً وقوانينَ لمصلحة المحتلين، ونظّمت الدستور والكثير من القوانين عن طريق التسويات والمصالح الحزبية.
- وتغافلت بصورة كاملة عن كلّ المخالفات الدستوريّة والعمليّة التي ارتكبتها القوات المحتلة، ومخالفات حكومة اربيل مثل:
1- مخالفة المادّة 111، بخصوص استحواذها على عائدات الثروة النفطيّة داخل حدود الإقليم وخارجه وفي كركوك.
2- منعها الجيش العراقي عن أداء مهامّه في الدفاع عن حدود العراق قبل دخول إرهابيي (داعش) الموصل عبر الحدود السورية بأشهر قليلة.
3- لم تلجأ الحكومة في بغداد الى الدستور الذي من اللازم أن ينظّم حق العراقيين دونما تمييز كما يُفترض بها، بل ساومت لأغراض حزبيّة في موارد كثيرة على حقوق العراقيين.
4- وتغافلت عن الاستفزازات العنصريّة المتكررة المتمثل بالوجود الاسرائيلي الصهيوني على الأرض العراقيّة، في أربيل وحلبجة تحديداً.
5- وتنازلت بضعف واضح عن حقّها بوصفها السلطة التي بيدها إيقاف تجاوزات أربيل وعدوانيتها المكشوفة واستفزازاتها العنصريّة ضد المكونات الاخرى، العرب والتركمان والإيزيدين.. الخ، وجميعها معروفة وموثّقة لدى المنظّمة الدوليّة لحقوق الإنسان التي منها نسف قراهم بالمتفجرات بصورة كاملة لأسباب قوميّة عنصريّة.
6- وتكريد مناطق شاسعة من محافظة دهوك ومحافظة نينوى وتوزيعها على أتباع مسعود البرزاني، وهي الأراضي التي احتلّتها في اثناء قتال (داعش)، بعد أن طردت هذه القوات الاشوريين والكلدان والسريان والعرب منها.
6- تخلي البيشمركة عن سنجار أثناء هجوم داعش وتعريض شعبنا الإيزيدي للقتل والسبي والتهجير واستباحة المدينة. ثم التنكيل بهم وطرد من لا يتّفق وسياسة أربيل من معسكرات إيواء النازحين.
7- ناهيك عن العلاقات التآمرية مع تركيا وامريكا واسرائيل.. الخ
في الحقيقة، إن تعداد موارد تعطيل الدستور العراقي من قبل الحكومتين في بغداد وأربيل يبعث على الملل والكراهية.


كردستان سابقاً ولاحقاً:
- تتمتع حكومة أربيل منذ 2003 بل ومنذ 1991 بسلطة كاملة على الإقليم ولها كلّ ما يميّز الدول المستقلّة في الجوانب المهمّة والجوهريّة، وفقاً للمادّة 117 من الدستور العراقي.
- يتمتع الإقليم بمنافع تتطابق وما جاءت به المادة 73 من ميثاق الامم المتحدة التي توصي بتنمية الاقاليم، وهو ما ثبّتته المادّة 112 من الدستور العراقي بخصوص توزيع الموازنة العامّة.
لكن ما الذي يواجهه الإقليم:
- يعاني الإقليم من إنقسام واضح بين أحزابه السياسية، ويعود هذا الموضوع إلى سنوات سابقة حين اشتعلت حرب السيطرة على المعابر عام 1996 ما بين أتباع مسعود من البيشمركة وأتباع جلال الطالباني من البيشمركة أيضاً، كان من نتائجها خسارة مسعود البرزاني الحرب وخسارة 56000 ستة وخمسين ألفاً من أنصاره مع عوائلهم. وخسر جلال الطالباني 49000 تسعة وأربعين ألفاً من أنصاره. وهي حربٌ فاقت في مآسيها وخطرها الخطر الذي واجهه الشعب الكوردي من حكّام بغداد القوميين. علماً أن مسعود البرزاني استنجد بالطاغية صدّام حسين لاستعادة أربيل من أيدي قوات جلال الطالباني آنذاك.
- ومن المفيد أيضاً ذكر التهديد الدائم بانقسام إقليم كردستان إلى إقليمين، أحدهما في أربيل والآخر في السيلمانية، وهو ما تلوّح به جميع الأطراف أثناء صراعاتها، وهو الأمر الذي سيجرّ الشعب الكوردي إلى حروب تدمير وخراب، سيكون الرابح فيها الإمبرياليّة والحلف الأمريكي الصهيوني الخليجي.
- كما أنّ الديمقراطيّة البرجوازيّة التي تمرُّ عادة عبر صناديق الاقتراع في كردستان ما زالت العشيرة تتحكم بها، وهي من تحدّد الفائز.
- وعلى الحدود العراقيّة في كردستان يعزّز الايرانيون قوّاتهم على طول الحدود مع الإقليم، وتتصاعد تهديداتهم وخطرهم يومياً، عبر قصف القرى الكورديّة بذريعة الدفاع عن الحدود الايرانيّة من التخريب.
- ومن جهة أخرى تكثّف تركيا قصفها للقرى الكورديّة بذريعة محاربة حزب العمّال الكردستاني، وتطالب بإخراجه من كوردستان، وتنتهك الحدود العراقية شمال الإقليم على نحو مستمر ومتكرر.
- والأهمّ إنّ الشعب الكوردي يشعر بالخوف من سياسة الإستبداد وتسليط قوى القمع على حياة الناس، وتكميم الأفواه والاغتيال السياسي واعتقال وتغييب المعارضين، وقمعهم.. الخ. إنّ الشعور بسلطة العائلة واستبدادها وتفشي البطالة بين الشباب يدفع الآلاف منهم إلى الهجرة نحو أوربا، أو الارتماء في أحضان عصابات المخدرات، وعصابات الجريمة.

موقفنا:
من كلّ ما سبق نسأل؛ لماذا الاستفتاء على الإنفصال؟ ولماذا لسنا معه؟
- حينما كان الكورد يتعرضون لصنوف الإذلال والاضطهاد والقمع على أيدي القوميين العنصريين الذين حكموا العراق في عهود سابقة، كان موقف الشيوعيين واضحاً وصلباً. كان مع حقّ الشعب الكوردي في تقرير مصيره، حتى الإنفصال وتأسيس دولته المستقلة.
- وأحتلت الفصائل الكوردية آنذاك مكاناً متقدماً في صفوف قوى التحرر والديمقراطية، حينما كانت ترتبط بتحالفات مصيرية مع القوى الوطنيّة واليساريّة في العراق وتعمل جميعها معاً في النضال ضد الحكومات القمعية البوليسية وسلطاتها التعسفيّة، وتكافح الأنظمة االقوميّة العنصريّة المعادية للحريّة لسنين طويلة.
أما اليوم:
- فإن القوى الكوردية قد استبدلت تحالفاتها مع القوى الديمقراطيّة والتحرريّة بتحالفات أخرى معادية للحريّات، فقد تحالفت منذ 2003 مع أحزاب الإسلام السياسي والرجعيّة في بغداد، وتشترك معها في وضع العراق وثرواته وشعبه، بعربه وأكراده، تحت نير الاستغلال الاحتكاري والنهب الامبريالي وجشعه.
- لقد وضعوا العراق في مأزق التقسيم والتجزئة والتشظي خدمة لمخططات الإمبرياليّة، واضعفوه ووضعوه، تحت هيمنة الحلف الامريكي الصهيوني الخليجي الرجعي. كما أن حكومة أربيل تنشر بين الشباب؛ إنّ الفضل في التمتع بالحريّة يعود الى الامريكان وتحالفهم، بغية تنمية مشاعر العداء ضد وطن موحّد يجمع القوميات ويحقّق المساواة فيما بينها.
- لقد تخلّت الفصائل الكوردية التحرريّة عن برنامج إنقاذ الشعب الكوردي، ووضعت محله كل ما يكرّس السلطة الفردية، بحثاً عن مجدٍ زائفٍ سيضع الشعب الكوردي في مواجهة كارثة اجتماعيّة وسياسيّة.
- تتهافت حكومة أربيل على صنع محاور مشبوهة مختلفة، مرة مع تركيا العنصرية ومرة مع الصهيونية. وهي الآن توعد الامبرياليين الامريكان بإقامة قواعد عسكرية لها لتصبح بؤرة للعدوان ضد شعوب المنطقة، وتتحوّل خلالها كوردستان الى نسخة ممسوخة للكيان الصهيوني.
- إنّه لمن المؤسف أن نرى العلم الصهيوني يُرفع إلى جانب علم الإقليم. من المؤسف أن يُجرجر الشعب الكوردي إلى مواقفَ عنصريّة هو أنبل من أن يوصم بها. من المؤسف أن تصبح ربيبة الكراهية والعدوان- الصهيونيّة العنصريّة- عرّاباً للقضيّة الكورديّة. ليتذكّر الكورد سياسة إسرائيل الصهيونيّة وخذلانها الشعوب؛ مثل أرتيريا وجنوب السودان بعدما حرّضتهما على كراهيّة العرب والانفصال عنهم، ثم تركتهما تتآكلهما الصراعات الداخلية والحروب واقتتال الاخوة. وليتذكروا شاه ايران في خذلانه الشعب الكوردي عام 1975 حينما استخدم القضيّة للضغط العسكري على العراق بغية انتزاع تنازلات كبيرة من الحكومة العراقية آنذاك. وليتذكروا دور إسرائيل في قضية المناضل الكوردي عبدالله أوجلان.
- إنّ سياسة أربيل الإنتهازية أبعدت العرب وغيرهم من أنصار الكورد، وتركتهم ينظرون بريبة وبإدانة واضحة لقضية تقف خلفها العنصرية الصهيونية وتعمل من خلالها على تنمية العداء للعرب، وتنظّم هستيريا العداء ضد العراقيين، وتروّج المفاهيم العنصرية من مثل؛ التراب المقدس، وسياسة الامر الواقع؛ وحدود الدم.. الخ، من التعابير الإستفزازية. علماً أن هذه السياسة بالذات تحاول منع الشعب الكوردي من رؤية حقيقة الفائدة والنفع الكبير من وحدة البلاد التي يمكن أن تقوم على ضمانة المساواة والتنمية الشاملة والتكامل الاقتصادي والنهوض بالمصالح المشتركة والتقدّم لكلّ القوميّات دونما استثناء.
- إن ما يبتغيه الحلف الامريكي الصهيوني الخليجي الرجعي هو بسط الهيمنة المطلقة لأمريكا على منطقة الشرق الأوسط في مواجهته للحلف الآخر روسيا وايران وسوريا وحزب الله، وإدامة حروبٍ طويلة لا مصلحة للعراقيين فيها، بل سيكون الشعب العراقي عرباً وكورداً أدواتها وضحاياها، ولن تخلّف لنا سوى الدّمار والخراب.
- لا بدّ أن نبذل معاً المساعي المشتركة لمنع حدوث أيّ حرب، وشجب كلّ حديثٍ يلوّح بها. لقد انفصلت جيكيا عن سلوفاكيا وانفصلت النرويج عن السويد واستقلت جمهوريات البلطيق ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا عن الاتحاد السوفييتي دونما تهويل أو إشعال نار الحروب.
* * *
* لم يعد الكورد يتعرضون اليوم إلى الإضطهاد القومي. ويشهد أحرار الكورد على ذلك. وما يجري الآن ما هو إلاّ تضحية بالشعب الكوردي وأحلامه، إنّه محاولة لجعل الإنفصال عملاً بطولياً فردياً وامتيازاً تأريخياً وفخراً شخصياً يعزز الإستبداد.
* والانفصال الآن، مع سياسة الشد المستمرة في العلاقة مع بغداد، رغم خيانة الاخيرة ورجعيتها وفسادها، سيرهن حرية الشعب الكوردي وأحلامه في التحرر والنهوض والتقدم بالرأسماليّة العالميّة والحلف الامريكي الصهيوني الخليجي الرجعي، ومصالحه، وسيخدم الإثراء الفاحش المعزّز بالفسادعلى حساب فقراء كادحي الشعب الكوردي.
* إنّ عدم تعرض الشعب الكوردي في الوقت الراهن للاضطهاد القومي، هو الفرصة التأريخية للشعب العراقي بعربه وكورده، لتاسيس نظام المساواة، وهو ما يطمح اليه الشيوعيون، ويقع في بؤرة عملهم ونشاطهم. إنّ دأبنا دائماً هو قيام كيانات ودول كبيرة متعددة القوميات من أجل بناء المجتمع اللاطبقي مجتمع المساواة. هذه هي أهداف الشيوعية الملحّة.
- إنّ وجود القوى الكوردية إلى جانب القوى الديمقراطيّة وأحرار العراق، يشكّل ضمانة كبيرة وأكيدة لمنع سقوط العراق تحت براثن الهيمنة الدينيّة الرجعيّة والعنصرية، والعودة به الى الماضي الظلامي وثقافة الخرافة والاكاذيب، وتغييب الوعي وإشاعة الجهل بين أبناء الشعب.
* وفي الحقيقة، إن الشيوعيين لايجبرون أيّ شعبٍ على الانفصال، بل يعملون بجد واجتهاد من اجل بقاء الجميع في وطن موحّد سيحقق الكثير من الآمال لو أعيدت صياغته وصياغة علاقاته بشكلٍ أفضل وبضمانة إنسانية حقيقية.
ليسقط مشروع الإنفصال من أجل حياة حرة وديمقراطية للشعبين الكبيرين العرب والكورد.
عاشت الشيوعية..
حزب اليسار الشيوعي العراقي
11/9/2017





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- قانون التأمينات الاجتماعية التعسفي
- الرفاق الاعزاء في الحزب الشيوعي العراقي- استنكار


المزيد.....




- بيرث..-عاصمة- أستراليا الجديدة لمحبي السياحة
- معرض يظهر بوتين كبطل خارق.. سوبر بوتين! 
- روحاني: اختلاف آرائنا يجب ألا يعيق الدفاع عن القدس
- حريق هائل يلتهم أعلى برج خشبي في آسيا!
- حريق يلتهم 100 متر مربع من -فيدنخا- في موسكو
- كوريا الشمالية: كيم يسيطر على الطقس!
- الجيش الروسي يتسلم مجمعا لاختبار الروبوتات البحرية
- أمين مفتاح كنيسة القيامة يرفض استقبال بينس
- الضربة لحزب الله والصين هي المستهدفة
- 12 قتيلا في -غارة للتحالف- بقيادة السعودية على سجن في صنعاء ...


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حزب اليسار الشيوعي العراقي - لماذا لسنا مع الاستفتاء