أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - عبد الغني سلامه - لغز الحنطة















المزيد.....

لغز الحنطة


عبد الغني سلامه
الحوار المتمدن-العدد: 5618 - 2017 / 8 / 23 - 11:49
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


مأكولات ومشروبات كثيرة اكتشفها الإنسان بالصدفة، أو بقليل من التفكير، أو بتجارب بسيطة متتابعة.. إما تحت إلحاح الجوع، أو لإشباع رغبة ما، أو من باب الفضول والتجريب..

يقال أن إمبراطور الصين هو من اكتشف الشاي في قديم الزمان، وحسب الحكاية الشعبية؛ كان الإمبراطور يحب شرب الماء الساخن، وذات ظهيرة، بينما كان مستلقيا على ظهره في أفياء قصره، يفكر في شؤون الحكم والحروب، سقطت بضعة أوراق من شجيرة الشاي في إنائه الممتلئ بالماء الساخن، فغيرت لون الماء وطعمه، رغب الإمبراطور بتجربة الطعم الجديد، فراق له، ثم أمر أعوانه بالإهتمام بهذه الشجيرة، التي أصبحت المشروب الأول في العالم..

ويُقال أيضاً أن أول من إكتشف القهوة راعي يماني يدعى الخالدي، وأنه بينما كان يرعى أغنامه، لاحظ نشاطها الزائد كلما تناولت من تلك الشجيرات الخضراء ذات الثمار الحمراء الداكنة، فأثار الأمر فضوله، فتناول بنفسه بضع حبات منها، فشعر بنشاطٍ ورغبة في الحركة، فغلاها بالماء، فزادت قدرته على السهر. وهكذا بدأت قصة القهوة..

وأيضا النبيذ، تم اكتشافه بالصدفة، عائلة ما (ربما في الجليل) فاض لديهم منتوج العنب، فقاموا بعصره، ولما تأخروا في شربه لاحظوا تغير طعمه (تخمر من تلقاء نفسه)، ولاحظوا أثره على الحالة النفسية، وكانت نقطة البداية لتطور صناعة الخمور بأنواعها.. ونفس العنب أخذ مسارا آخر، فتحول إلى زبيب، كما تحول التين إلى قطين.. لم يحتاج الأمر سوى التجفيف..

أما أنواع الطبيخ، فلها حكاية مشابهة؛ يقال أن راعيا كنعانيا جمع أوراق الخبيزة، ثم سلقها بالماء فأحب طعمها، ربما كانت في تلك الأيام تعادل البيتزا حاليا.. ويُعتقد أن رعيان من القبائل المجاور جمعوا أنواعا أخرى من حشاش الأرض وخيراتها، وأعطوها لزوجاتهم لإعداد وجبات جديدة تفوق الخبيزة طعما ومذاقا.. فما كان منهن إلا أن اخترعن الباميا، والفاصوليا واللوبيا والبازيلاء، ثم في مرحلة لاحقة أمكن التوصل لوصفة الملوخية، والسبانخ.. ومع الوقت كانت النسوة يتنافسن فيما بينهن على تحسين المذاق، بإضافة الملح، وما توفر من بهارات ومحسنات للنكهة..

لم يكن الملح قديما متوفرا بسهولة، وكان استخدامه حكرا على علية القوم.. وكان أغلى من الذهب، ويصلح لمقايضة أثمن المقتنيات.. كذلك التوابل، كانت تأتي من الهند والصين عبر طريق الحرير الطويل.. وكانت باهظة الثمن.. أما البندورة والبطاطا فلم تصل إلى منطقتنا، بل إنها لم تغادر موطنها الأصلي في البيرو إلا قبل قرن من الزمان على أبعد تقدير.. ولعلكم لاحظتم أن مكونات الأطعمة المطبوخة كانت تخلو تقريبا من الملح والبهارات والبندورة..

إذن، وجبات الأطعمة المختلفة بدأت بسيطة جدا، أعشاب أو ثمار مسلوقة بالماء، أو تقدم جاهزة، وشيئا فشيئاً أخذت تدخل عليها مكونات أخرى بخطوات تدريجية متصاعدة، إلى جانب الملح والبهارات، ثم تطورت مع تراكم الخبرات واكتشاف خضروات وأعشاب وتوابل جديدة، ومع مزجها معا، وبالتجربة، ومراكمة الخبرة، بدأت الوجبات تأخذ أشكالا أكثر تعقيدا، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، وصار بوسع أي طاهٍ، أن يضيف بهارا جديدا، أو يختصر خطوة، أو يزيد مكونا.. وما عليه إلا أن يختبر الطعم الجديد.. فيحصل على وجبة جديدة، وبهذه الطريقة أصبح لدينا ما لا يمكن حصره من الأطباق..

بعض الأطباق ظلت بصورتها البدائية، وعلى مدى آلاف السنين تطورت بشكل طفيف جدا، أنواع البهارات وطريقة الطبخ، أما المبدأ فظل كما هو تقريبا، اللحم والسمك والدجاج المشوي مثلا..

لكن أنواعا أخرى لم يكن ممكنا التوصل إليها قبل الاهتداء للخطوات السابقة، مثلا الكباب لم يكن ممكنا معرفته قبل اختراع آلة لفرم اللحم. طبق المسخّن، لم يكن ممكنا اختراعه قبل اختراع معصرة الزيت، وكذلك فإن التوصل للباشميل يحتاج قبلا اختراع أنواع معينة من الجبن.. المنسف صار ممكنا بعد أن عرف الإنسان طريقة زراعة الأرز وتصنيعه (ربما في الصين)، وبعد أن عرف كيفية تحويل الحليب إلى لبن رايب (ربما في جنوب أوروبا)، وكيفية سلق اللحمة حتى تنضج، وهذه الخطوة بالذات بدأت في وقت مبكر بعيد اكتشاف النار بقليل.. ويقال أن ملك مؤاب الأردني الذي ناصب الغزاة الإسرائيليين العداء قي القرن الثامن قبل الميلاد، أمر بإعداد وجبة تجمع اللبن واللحم والأرز تكاية بأعدائه.. فكان المنسف.. وعلى مقربة منه طور الفلسطينيون طبخة منافسة باستبدال اللبن المطبوخ بما توفر من خضار، وبالتجربة تم استبعاد أنواع معينة من الخضار، إلى أن تم اعتماد الباذنجان والزهرة.. لطعمهما المميز مع الأرز.. وهكذا صارت المقلوبة..

أما الحلويات، فلم يكن ممكنا الاهتداء إليها إلا بعد ان وصلت المجتمعات إلى درجة الاكتفاء من المأكولات العادية، وصار لديها ترف الوقت والاختيار..

أعقد وأصعب الوصفات صارت ممكنة اليوم، لأنها بُنيت بطريقة متسلسلة منطقية، استغرقت آلاف السنين.. وكل شعب اتخذ مسار تطويريا مختلفا لمطبخه.. لكنها جميعا بدأت بطرق غاية في البساطة.. ثم تطورت لاحقا.. كل هذا منطقي ومستوعب وقابل للفهم.. إلا رغيف الخبز..

رغيف الخبز الوجبة الأساسية لمعظم شعوب الأرض، وهو غاية في البساطة الآن، لكن الوصول إليه في مرحلة ما كان غاية في التعقيد.. لأنه يتطلب خطوات كثيرة متصلة ببعضها.. وتحتاج إلى عبقرية خاصة.. ولا يمكن أن تعتمد على الصدفة..

عرف الإنسان الخبز منذ فجر التاريخ، وكان الطحين يخلط بالماء ويترك في الشمس فترة حتى يجف تماما. ولكن كيف ولماذا وقع الاختيار على القمح (والشعير)؟ ومن الذي اعتقد حينها أن تلك الحبات الصغيرة المخبأة في سنابل هزيلة يمكن طحنها والاستفادة منها؟ من الذي آمن أن جمع الكثير من تلك السنابل سيوفر كميات كافية للطحن؟ من أين لهم مطحنة في ذلك الزمن الغابر، ولم يكونوا قد غادروا عصر الجليد إلا منذ سنوات قليلة؟!

من الثابت علميا أن موطن القمح الأصلي سهول أريحا على ضفاف نهر الأردن، وأن أهلها عرفوا كيفية حصاده وطحنه قبل أن يكتشفوا سر زراعته، قبل نحو 12 ألف عام، ويقال أن إمرأة كنعانية هي التي فكرت بإضافة الماء للطحين، وأنها لاحظت تكون العجينة بعد ساعات، ثم أدخلت قرص العجين إلى الطابون، وأعدت أول رغيف ساخن.. ربما كان اسمها رحاب، لكن من المؤكد أنها دشنت عصر الثورة الزراعية، وعصر الصناعات الغذائية..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- مأساة عالم رياضيات
- جرائم الإتجار بالبشر
- على جانبي الصراع
- الاحتباس الحراري، هل هو حقيقة أم خدعة؟
- هل الاستعمار هو الذي قسم البلاد العربية؟
- الفن والأدب في الإسلام السياسي
- سجون ومعتقلات
- صعود وأفول اليسار الإسرائيلي
- إضراب الأسرى الفلسطينيين، المعنى والدور المطلوب
- قراءة في وثيقة حماس
- تهجير المسيحيين العرب
- حبر الشمس
- حماس، وقبائل الزولو
- المقدس عند نقابة الفنانين الأردنيين
- ماذا يعني حل الدولة الواحدة؟
- إدارة التوحش.. وبرنامج داعش العملي
- المسيحية الصهيونية
- مؤامرات شيطانية
- هجوم على الشيعة
- مظاهر الأبارتهايد في السياسات الإسرائيلية - دراسة بحثية


المزيد.....




- بعد هجومه على السيسي.. يسري فودة ينعي قريبه القتيل بهجوم الو ...
- مصدر مقرب من رئيس وزراء العراق ردا على تليرسون: مقاتلو الحشد ...
- مطوّقاً بحلفاء روسيا وأمريكا.. هل يظهر البغدادي في دير الزور ...
- تفاصيل جديدة حول خطة ترامب للسلام
- مصر.. إحباط محاولات تسلل إرهابيين وتدمير 8 سيارات دفع رباعي ...
- المفوضية الأوروبية تدعم مدريد في أزمة إقليم كتالونيا
- الرقة.. ركام وأنقاض وخسائر هائلة بين المدنيين جراء غارات الت ...
- بوتين يخطط للمشاركة في قمة -أبيك-.. ولقاؤه مع ترامب لم يحدد ...
- لافروف: -أمور غريبة- تحدث في مناطق سيطرة التحالف الدولي في س ...
- اختطاف 3 عمال من نفق في غزة وأصابع الاتهام تتجه لـ-داعش-


المزيد.....

- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع
- فكر اليسار و عولمة راس المال / دكتور شريف حتاتة
- ما هي العولمة؟ / ميك بروكس
- التخطيط الاستراتيجي للتكامل الغذائي العربي / عمر يحي احمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - عبد الغني سلامه - لغز الحنطة