أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان متولي - رأسمالية الزومبي – الفصل الثاني: ماركس ونقاده – تأليف كريس هارمان















المزيد.....



رأسمالية الزومبي – الفصل الثاني: ماركس ونقاده – تأليف كريس هارمان


رمضان متولي

الحوار المتمدن-العدد: 5613 - 2017 / 8 / 18 - 22:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة: رمضان متولي
الفصل الثاني
ماركس ونقاده
نقد الكلاسيكيين الجدد لنظريته في القيمة:
تعرضت نظرية ماركس في القيمة لهجوم مستمر منذ أول نشر لكتاب رأس المال. وأكثر الأشكال التي يتخذها هذا الهجوم شيوعا هو الادعاء بأن رأس المال مثل العمل يخلق القيمة. فعلى أي حال، كما يقولون، أي عامل يستخدم آلة ينتج أكثر كثيرا من عامل لا يستخدم الآلة، كما أن العمال دائما يجري استبدالهم بالآلات التي تقوم بنفس العمل. بل يمكن أن نتصور اقتصادا تقوم فيه الآلات بكل الأعمال. وهكذا يجادل الاقتصاديون النيوكلاسيك بأن رأس المال أيضا وليس العمل وحده يشارك في إنتاج أشياء تلبي حاجة الإنسان. وكما يحصل العمل على أجر لقاء ما ساهم به في إنتاج الثروة، كذلك يحصل رأس المال. وكل "عنصر من عناصر الانتاج" يحصل على "عائد" يساوي "إنتاجيته الحدية".
تنطوي هذه الفكرة الموجهة ضد ماركس على مغالطة محورية، بأنها تقوم على صورة استاتيكية سطحية عن الاقتصاد يوجد فيها رأس المال والعمل أحدهما إلى جانب الآخر. وتتجاهل حقيقة واضحة وملموسة مفادها أن الخامات ووسائل الإنتاج نفسها يتم إنتاجها. فليست الآلات ومباني المصنع أشياء وجدت من تلقاء نفسها، وإنما منتجات لعمل إنساني سابق. وعربة اليد التي تساعد العامل في عمله هي نفسها نتاج لكد عامل التعدين. لهذا السبب أطلق ماركس على وسائل الانتاج مصطلح "العمل الميت" (في مقابل العمل الحالي الذي أطلق عليه "العمل الحي"). فهي منتجات لعمل وقع سابقا – وعند الضرورة يمكن تكرار إنتاجها باستخدام العمل اليوم. وتتحدد قيمتها الحالية بكمية العمل الضروري اجتماعيا المطلوب لإعادة إنتاجها.
إن إغفال النظرية النيوكلاسيكية أن تضع في اعتبارها إنتاج العمل لوسائل الإنتاج ليس خطأ عارضا. بل قام مؤسسو هذه النظرية في أواخر القرن التاسع عشر – وبينهم منجر و بوم-بافرك من النمسا، جيفونز ومارشال في بريطانيا، والفرنسي ولراس، والإيطالي باريتو، والأمريكي كلارك – بدمج فرضية النظام الاستاتيكي في نظريتهم. ونظروا إلى الاقتصاد بكامله كما لو كان سوقا في شارع حيث يقوم المشترون بحساب مجموعة السلع التي تحقق لهم أفضل قيمة مقابل الأموال التي يمتلكونها في جيوبهم، فيما يقوم البائعون بحساب أفضل سعر يمكنهم أن يحصلوا عليه لكل سلعة يبيعونها. والتفاوض المتبادل بين البائع والمشتري حول السعر الذي يقبله كل منهما للمنتج يؤدي إلى بيع جميع السلع، ولأن كل بائع هو بدوره مشتر من شخص ما اشترى من شخص آخر، فإن شبكة كاملة من الأسعار تتكون بما يضمن أن ما يجري إنتاجه هو بالضبط ما يريده الناس. وقد حاول والراس أن يوضح كيف يحدث ذلك في اقتصاد قومي في مئات الصفحات من المعادلات والرسوم البيانية.
هذا المدخل ككل ينطوي على نظرة غير حقيقية تماما عن الرأسمالية. فأيا ما كانت الرأسمالية، تظل دائما نظاما غير استاتيكي. وفي السوق الحقيقية، لا يحدث أن يتفق الناس فورا على أسعار بيع وشراء السلع. أما النظرية النيوكلاسيكية فتفترض أن الناس يستطيعون الاتفاق الفوري على أسعار المنتجات عبر توسط مزاد مركزي. وفي الحياة الحقيقية، تستغرق عملية التفاوض والمساومة غالبا وقتا طويلا، ويحدث الوصول إلى أسعار تشمل السوق كلها عبر عمليات تعديل متتابعة. وما أن نضع في اعتبارنا هذه الحقيقة حتى تظهر التباينات بين الأسعار الفعلية للسلع والأسعار التي تفترضها النظرية مسبقا. فالإنتاج الفعلي للبضائع التي سوف تطرح بعد ذلك للبيع دائما عملية تستغرق وقتا. و"مؤشرات الأسعار" لا تبين لك ما سوف يريده الناس عندما ينتهي الإنتاج، ولكن ما كانوا يريدونه قبل أن يبدأ. التزامن الكامن في هذه النظرية مجرد خرافة، والمعادلات المتزامنة التي وضعت على أساس افتراضاتها لا علاقة بينها وبين الرأسمالية الموجودة فعلا.
كيف كان إذن رد فعل مؤسسي النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية عند مواجهة حقيقة أن الانتاج يستغرق وقتا؟ لم يسمحوا لهذه الحقيقة أن تؤثر على نظريتهم قيد أنملة. فقد أقر والراس، على سبيل المثال، بأن "عملية الانتاج تتطلب فترة معينة من الزمن"، لكنه كتب بعدها أنه سوف يتعامل مع "هذه الصعوبة ببساطة وتجرد بتجاهل عامل الزمن عند هذه النقطة"؛ وعندما عاد إلى هذه المسألة كان رده هو افتراض "بقاء البيانات ثابتة خلال فترة معينة من الزمن" – كما لو أن تغير كامل الجهاز الانتاجي مع النمو الاقتصادي لن يترتب عليه تغير مستمر في هيكل العرض والطلب. أما مارشال فقد ذهب إلى أبعد من ذلك بأن أقر بأن "الزمن هو مصدر كثير من الصعوبات الكبرى التي تواجه علم الاقتصاد،" لأن "التغيرات التي تطرأ على حجم وطرق وتكاليف الانتاج تتأثر ببعضها البعض بشكل متواصل." لكن ذلك لم يدفعه إلى التوقف عن تدريس هذه النظرية ويعتبرها جيل كامل من الاقتصاديين من التيار السائد برهانا على كفاءة وفعالية رأسمالية السوق. وفي أوائل خمسينيات القرن الماضي، أنتج كينيث أرو وجيرارد دبرو طبعة محدثة من نموذج والراس الرياضي حاولت أن تأخذ عامل الزمن في حسابها، لكن أرو نفسه اعترف بأن هذا النموذج لا يعمل "إلا إذا افترضت انعدام أي تقدم تكنولوجي، وأي نمو في عدد السكان، وكثير من الأمور الأخرى."
إن رفض المدرسة النيوكلاسيكية إدراك هذه النقطة الأساسية بأن الرأسمالية كنظام يمر بتحولات مستمرة تؤدي إلى اختلال هيكل الأسعار القديم وتمنع تحقيق أي توازن مستقر يعني أن هذه المدرسة على أفضل تقدير تقدم وصفا تبريريا عن الأوضاع كما هي في نقطة معينة من الزمن، ولا تقدم تحليلا للتطورات الاقتصادية ودينامياتها.
إن نظرية القيمة التي تتبناها المدرسة النيوكلاسيكية، وتستخدمها في معارضة نظريات سميث وريكاردو وماركس، تتعلق بالمنفعة التي توفرها السلعة – أي الكيفية التي يقيم بها الأفراد هذه السلعة مقارنة بالسلع الأخرى. لكن هذه النظرية تترك تماما مسألة تحديد الأساس الذي تقاس عليه المنفعة بالنسبة لأحد الأشخاص مقارنة مع آخر. فكيف تقيس "منفعة" كوب من الماء بالنسبة لشخص في الصحراء مقارنة "بمنفعة" تاج مرصع بالماس بالنسبة لأميرة؟ أقصى ما يمكن أن تفعل هو أن تعد قائمة بتفضيلات الأفراد. ولكن حتى تبين سبب أن تفضيلات بعض الأفراد تحظى باهتمام أكبر من تفضيلات آخرين عليك أن تبين سبب أن بعض الأفراد أكثر ثراءا من غيرهم – وهذا يعتمد على عوامل تختص بتركيب ودينامية المجتمع الرأسمالي، الأمر الذي تتجاهله نظرية "المنفعة".
الاقتصادي الإيطالي باريتو استبدل مصطلح "المنفعة - Utility" بمصطلح "الإشباع الاقتصادي – ophelimity"، ويرجع الاقتصادي الأمريكي المعاصر له إيرفينج فيشر سبب ذلك إلى أن "الجمهور الكبير الساذج وغير المتعلم ... يجد صعوبة في استيعاب القول بأن معطفا ما لم يعد حقا أكثر فائدة من قلادة للعنق، أو حجر الجلخ من عجلة الروليت." بعض منظري المدرسة النيوكلاسيكية المتأخرين أسقطوا من اعتبارهم أي نظرية حول القيمة من الأساس – وذلك رغم أن نظرية "المنفعة الحدية" مازالت تدرس في كتب المدارس والجامعات حتى اليوم باعتبارها الرد "الحديث" على نظرية العمل في القيمة.
لم ينجح الاقتصاديون النيوكلاسيك في بناء أساس موضوعي لنظريتهم في القيمة، رغم جهود أكثر من قرن من الزمان. ومع أن أي شخص طبعا في نهاية المطاف لابد أنه يريد استعمال الشئ إذا كان سيدفع ثمنه (أو على الأقل أن يستطيع بيعه إلى شخص آخر سوف يستعمله)، لكن ما يحدد سعر هذا الشئ ليس قيمته الاستعمالية. ولا نظرية "الإنتاجية الحدية" كما تعرفها المدرسة النيوكلاسيكية تستطيع أن تقدم لنا إجابة شافية. يرى اقتصاديو هذه المدرسة أن الانتاجية الحدية تقاس بقيمة رأس المال الذي استهلك في إنتاجها، ولكن عندما يحددون قيمة رأس المال ذاك فإنهم يفعلون ذلك وفق الانتاجية الحدية. ومن الناحية الفعلية، ينتهون إلى القول بأن "القيمة الحدية لرأس المال تساوي القيمة الحدية لرأس المال" أو أن "الأرباح تساوي الأرباح." ولا يمكن لهذا النوع من العبارات أن يفسر شيئا، وكل ما تقدمه هو أن تقرر أنه إذا كان شيء ما موجودا، فإنه موجود!
في واقع الأمر، لا يفعل علم الاقتصاد الأرثوذكسي أكثر من تقرير أن أشياء معينة تشترى وأشياء معينة تباع في الوقت الحاضر، ودون تفسير لماذا تنتج هذه الأشياء ولا تنتج أخرى، لماذا بعض الناس أغنياء وبعضهم فقراء، ولماذا بعض السلع تتراكم ولا تباع بينما لا يحصل عليها الناس الذين في أمس الحاجة إليها، ولا لماذا تحدث موجات الرخاء أحيانا والأزمات أحيانا أخرى.
وقد أثيرت هذه الانتقادات ضد المدرسة الحدية منذ أكثر من ثمانين عاما من قبل الماركسي النمساوي رودلف هيلفردينج والثوري الروسي نيكولاي بوخارين. ثم طرحها مؤخرا في شكل شديد الصرامة والدقة المنطقية عدد من الاقتصاديين الأكاديميين المنشقين المعروفين باسم "مدرسة كامبريدج". ولكن قدرة الاقتصاديين المنشقين على توضيح حماقات النظرية النيوكلاسيكية لم تضعف من قبضتها على علم الاقتصاد الأكاديمي. بل إنها أدت ببساطة إلى استخدام مزيد من النماذج الرياضية البلهاء حتى تطرح نفسها في مظهر الصرامة العلمية. وكما أوضحت جوان روبنسون منذا خمسين عاما:
"إن فكرة المنفعة الكمية تبخرت منذ زمن بعيد، ولكن مازال شائعا صياغة نموذج تظهر فيه كميات من "رأس المال" دون أي إشارة إلى ما يفترض أنها كمية له. وتماما كما كان يجري تفادي مشكلة تحديد معنى عملياتي للمنفعة عبر وضعها في رسم بياني، كذلك فإن مشكلة تحديد معنى لكمية "رأس المال" يجري تفاديها عبر وضعها في معادلة جبرية."
أولئك الذين كانوا سيقبلون النسق النيوكلاسيكي لولا إقرارهم بالصعوبات التي تواجه نظريتهم اضطروا إلى محاولة تعزيزها في بعض المناسبات بعناصر من نظرية العمل في القيمة. هكذا اقترح مارشال بأن استخدام نظرية العمل في القيمة ربما يكون مفيدا في بعض الأحيان: "من الأفضل قياس القيمة الحقيقية للنقود لبعض الأغراض على أساس العمل بدلا من قياسها على أساس السلع"، رغم أنه سارع وأضاف: "إن هذه الصعوبة لن تؤثر على عملنا في هذا الجزء...." كما أن جون ماينارد كينز أدرك جزئيا حدود النسق النيوكلاسيكي ذاته الذي كان يسلم بفرضياته. فعند نقطة معينة في كتابه الأشهر، النظرية العامة في التوظف والنقود والفائدة، أقر بأنه لا يمكن ببساطة أن تضم مجموعات مختلفة من السلع المادية في نقطة محددة من الزمن وتقارنها بمجموعة مختلفة عنها في نقطة تالية. القيام بهذه المقارنات يتضمن "إجراء تعديلات سرا على القيمة". وحتى يتعامل مع هذه المشكلة، أسقط كينز من اعتباره الفرضيات المعتادة للنظرية النيوكلاسيكية وتحول جزئيا إلى نظرية العمل في القيمة، عندما قال بأنه يمكن قياس الناتج حسب "كمية التوظيف المصاحبة لكمية محددة من المعدات الرأسمالية." وأوضح لاحقا:
"إنني أميل إلى النظرية قبل-الكلاسيكية (كذا) في قولها بأن كل شيء ناتج عن العمل مدعوما بما كان يسمى فنا ويسمى حاليا تكنيك، وبالموارد الطبيعية .... وكذلك بمنتجات العمل الماضي التي تتجسد في الأصول..."
لم يكن مارشال ولا كينز مستعدين إلى الذهاب أبعد من ذلك ونبذ النسق النيوكلاسيكي بأكمله. لكنهما لو كانا قد تناولا ملاحظاتهما نفسها حول هذه النقاط بجدية ربما كان سيضطران إلى ذلك.
تقدم مواطن الخلل في النسق النيوكلاسيكي على الأقل برهانا سلبيا جزئيا على صحة مقاربة ماركس، لأن نظريته في القيمة تتلافى هذا النهج الستاتيكي الذاتي. نظرية ماركس موضوعية لأنها لا تعتمد على القييمات الفردية لأي سلعة، وإنما تستند إلى الكمية الضرورية من العمل المطلوبة لإنتاجها في ضوء مستوى التكنولوجيا القائمة في النظام ككل في نقطة محددة من الزمن – أي العمل الحي المباشر الذي يؤديه العامل وكذلك "العمل الميت" المتجسد في المعدات وخامات الانتاج التي استهلكت في عملية الانتاج. وبالنسبة لماركس، المهم هو الضغط الذي تمارسه رؤوس الأموال المختلفة على بعضها البعض لا تقديرات الأفراد، لأن أي رأسمالي يضع سعرا لسلعة ما عند مستوى أعلى من كمية العمل الضرورية اجتماعيا المطلوبة لإنتاجها سوف يدفع خارج النشاط قريبا. ولذلك فإن قانون القيمة قوة خارجية تمارس تأثيرها على كل رأسمالي عبر التفاعل بين كل الرأسماليين بمجرد وجود الانتاج المعمم للسلع من أجل التبادل عبر وسيط النقود. وقد كتب ماركس: لأن "الرأسماليين الأفراد يواجهون بعضهم الآخر باعتبارهم مجرد مالكين للسلع، فإن القانون الداخلي يفرض نفسه فقط عبر المنافسة، أي الضغوط المتبادلة التي يمارسها بعضهم على الآخر التي يجري بواسطتها إلغاء متبادل للتباينات."
لا يمكن فهم العلاقة بين رؤوس الأموال كشيء ثابت لا يطرأ عليه تغيير. إنها عملية ديناميكية تقوم على التفاعل عبر الزمن بين مختلف رؤوس الأموال، بحيث يكون متوسط "العمل الضروري اجتماعيا" في أي لحظة نتيجة لعمليات الانتاج الفردية التي يجري تنظيمها بصورة مستقلة عن بعضها الآخر بكميات مختلفة وغالبا متغيرة من العمل المادي الملموس. إن أول رأسمالي يقوم بإدخال تقنية جديدة في أي قطاع صناعي سوف يكون قادرا على إنتاج سلع باستخدام كميات من العمل أقل من الكمية السائدة في النظام ككل، وسوف يكون قادرا على اقتناص أسواق من الآخرين. ولكنه يخسر هذه الميزة بمجرد أن يقوم الرأسماليون الآخرون بتطبيق هذه التقنية. وحده الرأسمالي الذي يسيطر على جزء كبير جدا من سوق سلع معينة، أو الذي يستطيع ممارسة ضغط سياسي لمنع الآخرين من الدخول إلى أسواقه، سيكون قادرا على الإفلات لفترات تطول أو تقصر بأن يفرض أسعارا تعكس كميات من العمل أعلى من تلك الضرورية اجتماعيا. إن قانون القيمة لا يعمل إلا كمحصلة للضغوط التي تمارسها مختلف رؤوس الأموال على بعضها البعض عبر الزمن. وأي صورة تلتقط ثابتة من هذا الشريط المتحرك للتطور الرأسمالي سوف تعكس دائما تباينات – أحيانا تكون كبيرة – عن قانون القيمة. ولكن الشريط نفسه سوف يكشف اختفاء هذه التباينات في النهاية تحت ضغوط المنافسة بين الرأسماليين حتى بينما تبدأ تباينات أخرى في الظهور.

القيمة والأسعار
إن هذا الجانب الديناميكي في نظرية ماركس هو ما يجعلها قادرة على التعامل مع مشكلة انتابت المحاولات التي بذلها سميث وريكاردو في تأسيس القيمة على العمل. هذه المشكلة هي أن معدل العمل إلى الاستثمار تختلف من صناعة إلى أخرى. غير أن معدل الربح (أي معدل فائض القيمة إلى الاستثمار) لا يختلف بنفس الطريقة، حتى عندما تكون الأجور في نفس المستوى بهذا القدر أو ذاك ويلزم أن يكون معدل الاستغلال تقريبا في نفس المستوى. ويبدو أن أسعار السلع لا تعتمد على كمية العمل الضروري اجتماعيا المطلوبة لإنتاجها وإنما على إضافة سعرية على تكلفة الاستثمار الرأسمالي. كما يبدو إنه كلما زاد رأس المال المستثمر كلما زادت الإضافة السعرية. فأي رأسمالي يبيع منتجا قام شخص واحد بإنتاجه بالعمل على آلة مرتفعة الثمن سوف يتوقع إضافة سعرية أعلى من الإضافة على منتج قام شخص واحد بإنتاجه بالعمل على آلة رخيصة الثمن. إن حقيقة أن بعض الصناعات تكون "كثيفة رأس المال" أكثر من الأخرى تتضمن أن الأسعار يجب أن تتباين عن القيم من حيث العمل حتى لا تكون الربحية أقل كثيرا في بعض الحالات عن الأخرى.
هذا ما دفع آدم سميث إلى تخفيف نظرية القيمة في العمل لديه بمدخل آخر متناقض. إن بيع السلع يدر مالا مدفوعا يجري تقسيمه إلى "إيرادات" مختلفة – أي أجور للعمال، وأرباح للصناعي، وفائدة للمصرفي الذي قام بإقراض النقود للصناعي، وريع لمالك الأرض. ويناقض سميث نظريته الأولى عن القيمة القائمة على العمل بالادعاء بأن كلا من هذه الموارد تضيف إلى القيمة. وكان ديفيد ريكاردو أكثر اتساقا من سميث وحاول أن يلتزم بنظرية العمل نقية. ولكن ذلك ترك ثغرة في نظريته لم يستطع الاقتصاديون الذين جاءوا بعده حلها – وهي ثغرة فتحت الطريق في النهاية إلى تخلي النيوكلاسيكيين عن نظرية العمل في القيمة.
غير أن ماركس استطاع أن يعالج هذه المشكلة – التي يطلق عليها عادة "مشكلة التحول" – تحديدا بسبب أن نظريته ديناميكية تتحرك خلال الزمن. ويعتمد حل ماركس على النظر إلى كيفية رد فعل الشركات تجاه ظهور معدلات ربح مختلفة. الشركات التي تحقق معدلات ربح منخفضة سوف تبدأ في نقل رؤوس أموالها إلى مجال آخر. وسوف يؤدي ذلك إلى نقص محتمل في المجال الذي كانوا يعملون فيه، مما يؤدي إلى ارتفاع في الأسعار فوق مستوى قيمتها من حيث العمل. وسوف تضطر الشركات الأخرى التي تستخدم تلك المنتجات كمدخلات في عملية إنتاجها (سواء بصورة مباشرة أو عبر دفع أجور لعمالها لشراء تلك المنتجات لإعادة إنتاج قوة عملهم) إلى دفع الأسعار الأعلى، أي فعليا تقديم جزء من فائض القيمة الذي بحوزتهم عبر هذه العملية. إن تعادل معدل الربح يحدث من خلال إعادة توزيع فائض القيمة داخل الطبقة الرأسمالية. وهذا لا يغير بأي درجة من واقع أن فائض القيمة يأتي من استغلال العمال في المقام الأول، وأن كل تغير في وقت العمل الضروري اجتماعيا لإنتاج سلعة ما له تأثير على سعرها. إن تدفق فائض القيمة الذي أنتج فعليا من رأسمالي إلى آخر عبر الزمن هو ما يساوي بين معدلات الربح – وهذا ما يفسر أيضا إمكان وجود تباينات كبيرة بين معدلات الربح في أجزاء مختلفة من النظام عندما توجد عوائق أمام تدفق القيمة خلال النظام (على سبيل المثال، عندما تكون لدى الشركات كميات كبيرة جدا من الاستثمار مقيدة بلا حراك في أنواع معينة من رأس المال الثابت أو عندما تمنع الدول الاستثمار من الخروج من الصناعات التي تعتبرها ذات أولوية).
تعرضت معالجة ماركس للمشكلة في نظرية سميث وريكاردو للهجوم خلال عامين فقط من ظهورها في الجزء الثالث من كتابه رأس المال من قبل بوم بافرك، الاقتصادي الذي ينتمي إلى المدرسة الحدية. ونفس الحجج التي استخدمها يتكرر توظيفها باستمرار منذ ذلك التاريخ. وغالبا ما تدفع الماركسيين إلى موقف دفاعي، وكثير منهم يتقبل جوهر نقده ويتراجع عن محاولة فهم ديناميات الرأسمالية باستخدام مفاهيم ماركس. وقد حدث ذلك على سبيل المثال فورا بعد انتعاش الاهتمام بالماركسية عقب أحداث 1968. وتبنت شخصيات يسارية مثل إيان ستيدمان و جيوف هودجسون أفكارا كانت في جوهرها نفس الأفكار التي استخدمها ضد ماركس بوم بافرك (وذلك رغم أنهما لم يتبنيا النظرية الحدية في القيمة) وخلفاؤه مثل صموئيلسون. وفي أغلب الأوقات، تراجعت المدرسية الماركسية، التي كانت في موقف دفاعي فعلا داخل كليات الاقتصاد في الجامعات لأسباب سياسية، إلى مجرد مساجلات أكاديمية حول النصوص أو إلى مجرد معادلات رياضية بلهاء بعيدة عن العالم الحقيقي بنفس درجة حسابات زملائهم ممن ينتمون للتيار السائد. وكانت النتيجة العامة، كما أوضح بن فاين، "ماركسية مغرقة في الأكاديمية بصورة حصرية" و "اشتباك محدود بعالم رأس المال مقارنة بالاشتباك مع كتاب رأس المال."
ويتركز نقد مقاربة ماركس حول الحجة القائلة بأن مجرد النظر إلى انتقال القيمة بين رؤوس الأموال بعد وقوع الانتاج لا يمكن أن يفسر الأسعار النهائية، لأنه لا يقدم تفسيرا لأسعار مدخلات الإنتاج (أي وسائل الإنتاج وقوة العمل)، لأن مدخلات الإنتاج نفسها سلع تختلف أسعارها عن قيمها. ويزعمون لذلك أن منهج ماركس يفسر الأسعار من حيث الأسعار لا من حيث قيمة العمل.
في عام 1907، حاول الاقتصادي الريكاردي فون بوركيفيتش أن يحل مشكلة استنباط الأسعار من قيمة العمل رياضيا باستخدام معادلات متزامنة. وقد استخدم نموذجا لا تتغير فيه كمية رأس المال المستثمر في دورة إنتاج عن التي تليها (ما يطلق عليه إعادة الإنتاج البسيطة). ويفترض أن معادلاته كشفت أن أي محاولة لتقديم طريقة يمكن تعميم تطبيقها في تحويل قيم العمل إلى أسعار تؤدي إلى خطأ في واحدة من "المعادلات" التي سلم بها ماركس. إما أن إجمالي الأسعار لا يساوي القيمة الإجمالية، أو أن إجمالي الأرباح لا يساوي إجمالي فائض القيمة.
كل محاولة لاستنباط الأسعار من القيم على مدى معظم القرن العشرين واجهت نفس المشكلة. وكان رد الماركسيين على ذلك إما بالتخلي عن الطابع المركزي لنظرية العمل في القيمة أو بالقول، مثل بول سويزي في عام 1942، بأن "المنهج الماركسي في التحويل ليس وافيا من الناحية المنطقية" غير أن "أنماط التطور" الخاصة بالقيمة والسعر "سوف تختلف فقط في تفاصيل طفيفة". – وقد توصل إلى نتيجة شبيهة بهذه إلى حد ما كل من ميجيل أنجيل جارسيا و أنور الشيخ بالإضافة إلى آخرين في أواخر عقد السبعينيات باستخدام نماذج رياضية أقل تعقيدا وأكثر سهولة في متابعتها من نماذج بوركييفتش. أوضح أنور الشيخ أن الأسعار الإجمالية يمكن أن تساوي القيمة الإجمالية لكن إجمالي الأرباح لن يكون دائما مساويا لإجمالي فائض القيمة. أما جارسيا فقد زعم أن التساوي يمكن أن يتحقق في كل من الجانبين، ولكنه لم يتمكن من إثبات ذلك إلا عن طريق السماح بتغيير معدل الاستغلال من دورة إنتاج إلى التي تليها، لأن التغير في الأسعار نتيجة تحرك القيم بين القطاعات تسبب في تغيير الأسعار النسبية للأجور والسلع الرأسمالية.
غير أن عددا من الماركسيين منذ ذلك الحين كانوا قادرين تماما على إنقاذ رؤية ماركس عبر نقد افتراض أساسي تبناه كل من فون بوركييفتش، وسويزي وأنور الشيخ وكثيرون غيرهم – وهو اعتمادهم على التزامن. إن طريقة المعادلات المتزامنة تفترض أن أسعار مدخلات الإنتاج لابد أن تساوي أسعار المخرجات. ولكن ذلك لا يحدث. فالمخرجات تنتج بعد أن تكون المدخلات دخلت في عملية الإنتاج. أو بصياغة أخرى، إن قيمة المدخلات في العملية (أ) سوف تختلف عن قيمة نفس المدخلات في عملية لاحقة (ب) – حتى وإن كانت هذه المدخلات متطابقة من حيث تكوينها المادي كقيم استعمالية. وقيمة طن من الحديد الصلب المستخدم في صناعة آلة معينة الآن لن تكون نفس قيمة طن الصلب المستخدم في صناعة آلة مماثلة بعد أسبوع.
ويجادل نقاد ماركس بأن ذلك يترك مدخلات الإنتاج مقومة بأسعارها لا بقيمها، وحتى تختزل هذه الأسعار إلى قيم العمل فإن ذلك يتضمن ارتدادا لانهائيا إلى الوراء. فالمتطلبات الاستثمارية لإنتاج المدخلات سوف تحتاج إلى تحليلها إلى قيم عمل، ولكن ذلك غير ممكن بدون إجراء تحليل للاستثمار المطلوب لإنتاجه بدوره وهكذا إلى مالانهاية.
الرد البسيط على من يطرحون مشكلة من هذا النوع هو: لماذا؟ لماذا يجب إجراء تحليل للاستثمارات المطلوبة لإنتاج المدخلات من حيث قيمة العمل إذا كانت نفسها قد جرى إنتاجها؟
إن نقطة البداية في دراسة أي دورة إنتاجية هي الأسعار النقدية للمدخلات الضرورية للقيام بها. استخدام العمل الإنساني بعد ذلك في عملية الانتاج يضيف كمية معينة من القيمة الجديدة تشكل الأساس للسلعة الجديدة، والتي يتحدد سعرها بدوره عبر انتقال فائض القيمة من رأسماليين كانوا سيحصلون على ربح أعلى من متوسط معدل الربح لو لم تنتج هذه السلعة إلى رأسماليين كانوا سيحصلون على ربح أقل.
لا حاجة بنا إلى العودة إلى الوراء في التاريخ لتفكيك أسعار السلع إلى قيمتها من حيث العمل، وقد سددت أثمانها في بداية دورة الانتاج، حتى ندرك تأثير إنتاج قيم جديدة وفائض قيمة جديد على ديناميات النظام. هذه العودة ليست ضرورية أكثر ما هي كذلك في الديناميكا الفيزيائية من أجل تحليل كمية الحركة في جسم اصطدم بجسم آخر إلى جميع القوى التي أثرت عليه في السابق لإنتاج كمية الحركة فنعود بالزمن مباشرة إلى نشأة الكون عبر الانفجار الكبير؛ أو أكثر ماهي ضرورية في علم الأحياء لمعرفة كامل تاريخ التطور لأحد الكائنات العضوية فنعود مباشرة إلى أول تكوين لأشكال الحياة العضوية حتى نرى ما سيكون عليه تأثير أي تغير جيني في الوقت الحاضر.
وكما أوضح جوجليلمو كارشيدي: "إذا كان هذا الانتقاد سليما، فإنه لا يعني إفلاس منهج التحويل لدى ماركس فحسب، وإنما أيضا إفلاس العلم الاجتماعي في جميع صوره،" بما فيها نسخ هؤلاء الذين ينتقدون ماركس:
"في الواقع، سوف يجب تطبيق هذا الانتقاد على أي ظاهرة اجتماعية بقدر ما تتحدد هذه الظاهرة بظواهر أخرى سواء في الحاضر أو في الماضي. ومن ثم تصبح كل العلوم الاجتماعية عبارة عن سعي لا نهاية له إلى نقطة انطلاق البحث."
ولن يكون بالإمكان أبدا تحليل كيفية ارتباط بعض الأحداث الراهنة بالنتائج التراكمية لأحداث مضت.

العمل الماهر وغير الماهر:
نفس الطبيعة الديناميكية لنموذج ماركس تزيل أيضا ما طرحه بوم بافرك ويطرح حتى الآن باعتباره مشكلة أخرى في نظرية العمل في القيمة. وتتعلق هذه المشكلة بكيفية قياس مساهمة العمل الماهر في إنتاج القيمة. ويبدو أن ماركس يرى لهذه المشكلة حلا سهلا. فقد كتب:
"إن العمل الماهر يحسب فقط كعمل بسيط مكثف، أو عمل بسيط مضاعف، إن كمية معينة من العمل الماهر تعتبر مساوية لكمية أكبر من العمل البسيط...إن النسب المختلفة التي يجري بها اختزال مختلف أنواع العمل إلى عمل غير ماهر كمعيار لها تترسخ عبر عملية اجتماعية تأخذ مجراها من وراء ظهر المنتجين، وبالتالي تبدو محددة بحكم العادة."
هذا التفسير يكفي تماما عندما يقوم عامل ماهر وعامل غير ماهر بنفس العمل، ونجد العامل الماهر ينجز ذلك العمل أسرع كثيرا من غير الماهر. إن ساعة العمل التي يبذلها العامل الماهر سوف تساوي أكثر من متوسط ساعة واحدة من العمل "الضرورية اجتماعيا" في النظام ككل، بينما تساوي ساعة العمل غير الماهر أقل من هذا المتوسط.
ومع ذلك تظهر مشكلة عندما يتعلق الأمر بعمل ماهر لا يمكن أن تحل محله كمية أكبر من العمل غير الماهر. فمهما بلغ عدد العمال غير المهرة الذين يستخدمهم رأسمالي، لن يستطيعوا أبدا أن يقوموا بنفس المهمة التي يقوم بها صانع أدوات ماهر أو محلل نظم. كيف إذن يمكن قياس القيمة التي تنتجها المجموعة الثانية من العمال (المهرة) على أساس ساعات العمل للمجموعة الأولى (غير المهرة)؟ إن أي محاولة للقيام بذلك يبدو أنها تتضمن بالضرورة قدرا من التعسف يقوض النظرية الأساسية. ويرى بوم بافرك إن ماركس عندما يكتب أن "عملية اجتماعية" تفسر ذلك القياس، فإنه يسلم بداهة بما يحاول تفسيره. وحسب بافرك فإن هذا يثبت أن أسعار السلع لا تتحدد بكمية العمل المتضمنة فيها، وإنما تتحدد بالطريقة التي يقدرها الناس لها في علاقتها بالسلع الأخرى (أي بمنفعتها) وأن ذلك يوجه ضربة قاضية إلى نظرية العمل في القيمة.
غير أن هذه المشكلة تتبخر من النظرية بمجرد النظر إلى قانون القيمة كعملية تجري خلال الزمن. إن التطور التكنولوجي يؤدي مرة تلو أخرى إلى ظهور أعمال لا يمكن أن يقوم بها إلا أصحاب مهارات خاصة. وفي البداية لا يوجد معيار موضوعي لكمية وقت العمل الضروري اجتماعيا المطلوبة لإنتاجها، ويمكن أن يحصل من يمتلكون هذه المهارات أو السلع التي ينتجونها على مقابل مالي لا يرتبط ارتباطا واضحا بوقت العمل. ما يعني من الناحية الفعلية تدفقا للقيمة إلى من يمارسون احتكارا لهذه المهارات من بقية النظام. ولكن هذه المرحلة ليست إلا مرحلة انتقالية، حتى وإن كانت تطول أحيانا، لأن الرأسماليين الآخرين في النظام سوف يبذلون ما وسعهم من جهد حتى يحوزوا جانبا من مزايا المهارات الجديدة لأنفسهم.
ويمكنهم أن يفعلوا ذلك بطريقتين: يستطيعون أن يدربوا مجموعات جديدة من العمال على اكتساب هذه المهارات. ويرقى ذلك، من الناحية الفعلية، إلى استخدام نوع من العمل من أجل انتاج قوة عمل جديدة قادرة على القيام بالعمل الماهر، وبذلك يصبح العمل النهائي في الواقع عملا مركبا، يتكون من العمل الحي للعمال المباشرين وأحد أشكال العمل الميت المتجسد في قوة عملهم في صورة مهارات. ويمكن للرأسماليين أن يحصلوا على هذا العنصر الإضافي في قوة العمل مباشرة عبر تدريب العمال أثناء العمل (تماما مثل نظم الصبية في الصناعة)، أو أن يتركوا توفير التدريب للعمال أنفسهم (عندما يلتحق العمال بدورات تدريبية يدفعون ثمنها للحصول على مؤهلات ومهارات)، أو يمكنهم الاعتماد جزئيا على الدولة في تقديم هذه الدورات التدريبية. لكن العمل الميت في جميع الأحوال يتجسد في قوة العمل المحسنة ثم ينتقل إلى منتجات عملية العمل، مثلما يحدث للعمل الميت المتجسد في وسائل الانتاج والمواد الخام. (30)
لكن ذلك يترك سؤالا آخرا دون إجابة: من يدرب المدربين؟ فلا يستطيع المدربون المهرة أن يحصلوا على مهاراتهم من عمال غير مهرة. لو أن مهاراتهم مهارات احتكارية وأنهم ينتجون سلعا لا يستطيع العمال غير المهرة إنتاجها، مهما كثر عدد من يعملون معا، فإن من يملكون هذه السلع سوف يستطيعون فرض أسعار احتكارية لا تعكس قيمة العمل وإنما فقط الأسعار التي يبدي الناس استعدادا لأدائها.
عند أي نقطة محددة في الزمن، يظل ذلك صحيحا بالنسبة لمهارات ولسلع بعينها. لكن مع مرور الزمن، سوف يختزل هذا العمل (الماهر) كذلك إلى معدل موضوعي ما بالنسبة لأشكال العمل الأخرى. فالرأسماليون في زوايا أخرى في النظام سوف ينشطون في البحث عن تكنولوجيا جديدة تؤدي إلى تقويض هذا الاحتكار للمهارات عبر توفير إمكانية القيام بهذه الأعمال باستخدام عمل أقل كثيرا من حيث المهارة. وبهذه الطريقة، يصبح اختزال العمل الماهر إلى عمل غير ماهر بمرور الزمن أحد الخصائص الملازمة لعملية التراكم الرأسمالي. فإذا حدث تدريب لكمية كافية من العمل غير الماهر إلى مستوى العمل الماهر المطلوب لإنتاج سلع معينة، لن تصبح هذه السلع نادرة بعد ذلك وسوف تنخفض قيمتها إلى المستوى الذي يعكس مركبا من العمل المطلوب لإعادة إنتاج قوة العمل المتوسطة والتكلفة الإضافية للتدريب. وكما يوضح كارشيدي:
"نتيجة لتطبيق تكنولوجيا جديدة في عملية العمل ينخفض مستوى المهارة المطلوب توافره لدى العامل. وبالتالي تنخفض قيمة قوة عمله أو عملها. نستطيع الإشارة إلى هذه العملية كتخفيض قيمة (قوة العمل) عبر نزع التأهيل (المهاري). وهذه هي العملية التي تختزل العمل الماهر إلى عمل غير ماهر، وبالتالي تغير علاقات التبادل بين السلع (على الأقل بقدر ما يتعلق بقيمة قوة العمل) التي تكون هذه الأنواع المختلفة من قوة العمل من مدخلات إنتاجها. إنها العملية الحقيقية التي تبرر نظريا فكرة اختزال العمل الماهر إلى عمل غير ماهر، أو تفسير الأول باعتباره مضاعفا للأخير...
إن عملية تخفيض القيمة (devaluation) عبر نزع التأهيل (dequalifaction) اتجاه ثابت في عملية الانتاج الرأسمالي بسبب حاجة الرأسماليين المستمرة إلى تخفيض مستوى الأجور. ومن ناحية أخرى، هذه التقنيات نفسها ينشأ عنها وظائف جديدة ذات تأهيل خاص (الاتجاه المضاد) والتي بدورها تتعرض فورا إلى عملية نزع التأهيل....وفي كل لحظة من الزمن نستطيع ملاحظة كلا من الاتجاه (أي نزع التأهيل عن وظائف معينة وبالتالي تخفيض قيمة قوة عمل العامل) والاتجاه المضاد (أي ظهور وظائف جديدة بتأهيل خاص تحتاج إلى القيام بها عمالا بقوة عمل مرتفعة القيمة)."
لا يمكن اختزال العمل إلى وقت العمل الضروري اجتماعيا بشكل فوري. وإنما يجري اختزاله بهذه الطريقة مع مرور الوقت من خلال التفاعل الأعمى بين مختلف رؤوس الأموال وبعضها. ومرة أخرى ينبغي أن يفهم قانون القيمة باعتباره قانونا يضغط على مختلف المكونات المنفردة للحركة بطريقة معينة، لا معادلة ترسخ علاقات ثابتة سريعة التبلر فيما بينها.
إن المفاهيم الأساسية لماركس تثبت أمام جميع الانتقادات بمجرد ألا يتم تفسيرها من خلال أطر استاتيكية تتجاهل عملية التغير عبر الزمن والتي تميز النهج النيوكلاسيكي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,361,552,551
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس
- الوجه الآخر لتركيا أردوغان … فقر وسلطوية وتوزيع ظالم للثروة
- الديمقراطية بين الوهم والواقع
- ارتفاع الدولار: مؤامرة الثورة المضادة
- الإسلاميون والفلول – صراع الأخوة الأعداء على كعكة السلطة
- في انتظار أن يسقط النظام
- جماهير تنتصر للثورة، وثوريون يهزمون أنفسهم!
- ترشيح الشاطر: مناورة أم صفقة أم محاولة بائسة لغسيل اليدين وت ...
- قطار الثورة يفضح أعداءها تحت القبة
- الثورة المصرية وخطر الفاشية
- الثورة المصرية مستمرة والتنظيم ضرورة لمواجهة أعدائها
- لا شيء تغير في بر مصر
- -أكان لابد يا لي لي أن تضيئي النور؟- شكرا يوسف إدريس!
- هل الماركسية فلسفة حتمية؟
- لعبة السياسة وإهدار الحقوق في معركة القضاة والمحامين
- حتى وإن كان -نجيبا-
- سفاحون ومنافقون وسماسرة
- معضلة التغيير في مصر أكبر من غرور النخبة وأحلامها
- الضحايا المجرمون وسلطان الزمان
- وطن الدكتور نظيف


المزيد.....




- بيلوسي تتمنى تدخل أسرة ترامب لمصلحة البلاد والرئيس يرد: فقدت ...
- تعز.. حفلا فنيا وخطابيا احتفاءً بالبعيد الـ 29 للوحدة اليمني ...
- القوات الحكومية في الضالع تواصل تقدمها في قعطبة وتستمر في تق ...
- الضالع.. المعركة من الصفر وانهيارات كبيرة للانقلاب
- أزمة -التابلت-.. السيسي يلتزم الصمت ومطالبات بمحاسبة وزير ال ...
- قمة ثلاثية بالأردن تدعم حقوق الفلسطينيين
- كريم التاج: على أحزابنا أن تجتهد وعلى باقي المؤسسة التوفر عل ...
- بعد تراجعه عن الاعتزال... أسامواه جيان يقود هجوم غانا في كأس ...
- بعد تعنيف فريق عمله بسببها... ماغي بو غصن ترسل إنذارا لرامز ...
- صحيفة بريطانية: حاخام يساعد إسرائيل في العثور على أنفاق لـ-ح ...


المزيد.....

- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله
- رسائل مجاهدة / نورة طاع الله
- مصر المسيحية - تأليف - إدوارد هاردى - ترجمة -عبدالجواد سيد / عبدالجواد سيد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان متولي - رأسمالية الزومبي – الفصل الثاني: ماركس ونقاده – تأليف كريس هارمان