أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير شمشوب - ملامح من التصوف الطرقي في المغرب الدعوة و التربية و الخدمة















المزيد.....

ملامح من التصوف الطرقي في المغرب الدعوة و التربية و الخدمة


زهير شمشوب
الحوار المتمدن-العدد: 5612 - 2017 / 8 / 17 - 09:56
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



شكل التصوف الطرقي في تاريخ المغرب ظاهرة فريدة جمعت بين الديني و الاجتماعي و السياسي، و استطاع رموزها كسب مكانة خاصة في أوساط الناس عامة و خاصة، بشكل جعل الثقافة الطرقية حاضرة في اللاشعور الجمعي للمغاربة عبر تجليات مست عاداتهم و ممارساتهم الدينية خاصة في مستواها الشعبي.
و نظرا لخصوصية الظاهرة فقد تناولتها الدراسات التاريخية و الاجتماعية و تنوعت البحوث حولها بدءا بمونوغرافيات خاصة بالزوايا و الأضرحة و انتهاء بدراسة مظاهر التأثير و مكانة الأولياء و الصالحين و أدوارهم و علاقتهم بالسلطة المركزية. في هذه الورقة سنحاول الوقوف على بعض تجليات الظاهرة الطرقية في مغرب القرن الحادي عشر حيث زمن الانفجار الطرقي و ما كان له من نتائج مست مختلف مناحي الحياة.
ننطلق من المكان أي من الزاوية كمؤسسة ـ إن صح التعبير ـ كانت منشأ الممارسة الطرقية و محضنها، دون أن ندخل في متاهات أصل التسمية و الاصطلاحات المقدمة في ذلك، نشير إلى أن الزوايا كانت تحظى بمكانة مميزة عن باقي مؤسسات التكوين الديني في المرحلة و نعني بالخصوص المدارس الدينية، كما اعتمدت أساليب محكمة في توسيع دائرة منتسبيها الذين يشكلون أتباع الشيخ و مريديه.
انتظم مريدو الزوايا في خرجات جماعية تجتذب الأنظار فتجر إليها أتباعا جددا، و قد سجلت المصادر أن شيوخا كبارا كانوا من جنى هذه "الخرجات".
حصل و أن اجتذبت الزوايا طلبة المدارس الدينية، فكان من هؤلاء من برز شأنه و طال باعه في الميدان الطرقي، تنقل المصادر قصة الشيخ الغزواني الذي كان طالبا في مدرسة الوادي بفاس و جره فضوله إثر مشاهدته لجماعة من الفقراء يجتازون في عشية الخميس بباب المدرسة فتبعهم إلى زاويتهم بباب الفتوح "فلما أخذ الفقراء في الذكر دخل معهم فيه" تحمل قصة ولوج الشيخ الغزواني عالم الطرقية مجموعة إشارات متعلقة بالوضعية المادية للمدارس و الزوايا، إذ يبدوا أن طلبة المدارس كانوا يعانون بعض الفاقة و الحرمان بسبب تواضع الإمكانيات المادية، فمن بين أسباب انطلاق الغزواني و أصحابه نحو الزاوية المذكورة رغبتهم في "نتفرج في حضرتهم أي السماع و نشبع من الكسكسو عندهم" فبرنامج الزوايا مناقض تماما لما يجري داخل المدارس على صعيدين اثنين؛ أولهما تحقيق الشبع مما يعني وفرة الطعام داخل الزاوية، و الثاني متعلق بالبرنامج اليومي حيث تنظم حلقات السماع، و غني عن البيان ما في ذلك من ترويح و فسحة عبر عنه صاحب الممتع بالفرجة.
من بين الأساليب الأخرى التي اعتمدت في تكثير سواد الطرقية في المرحلة، "القنص" فقد كان الشيخ الجزولي يبعث أصحابه ليجولوا في البلاد "فيقتنص الرجال" و لا يجب أن يخيب الصيد، و لو أدى الأمر إلى دعوة يهودي يبيع عطره بين الديار إلى حضرة الله ليسلم من حينه
لقد كان اللين و التأني موجها لدعوة الطرقية فانفتح شيوخها على مختلف الطبقات الاجتماعية، و لما كانت التوبة غاية الدعوة فقد كان "للمدنبين" نصيب منها، كان الشيخ أبو عبد الله محمد الحداد الزياتي في بداياته "شهما متلصصا" فساعدته معرفته بالشيخ سيدي أبي محمد الهبطي على دخول المشيخة من بابها الواسع بمجرد قضاءه ليلة واحدة في زاوية الشيخ .
و لتوسيع دائرة إشعاع الشيخ و طريقته كان يتم تكوين الشيوخ و إرسالهم لتأسيس زوايا لبث ما أخذوه عن الشيخ في مواطن إقامتهم، و غالبا ما كان يثير هذا العمل خلافات متعلقة بنتائج التنافس على المجال، إثر بروز دعوة أحد الشيوخ داخل مجال خاضع مسبقا لشيخ آخر، فقد انزعج الشيخ عبد الله الغزواني من ظهور الشيخ رحال الكوش في مراكش و إقبال الناس عليه، و كلاهما من أصحاب الجزولي، فدعاه إلى الخروج عن المدينة مشبها وضعهما "بالحنشان" اللذان لا يمكن أن يجتمعا في غار واحد لكن الشيخ رحال الكوش سرعان ما أدعن لطلب الشيخ الغزواني و خرج ليستقر بآنماي مما يبرز اعترافه بقطبانية الشيخ الغزواني و هو ما كان يصرح به سائر مشايخ الجزولية.
هذا ما سمي عندهم بـ"التسليم" و هو تنازل الشيخ عن "حقوقه" التي تضمنها مكانته بين الناس للشيخ الوافد، و قد يتم هذا التسليم في بعض الأحيان بمحضر الشهود مع ما في ذلك من ضمان لعدم التراجع أو الإنكار، حصل ذلك مع أبي المحاسن الفاسي لما دخل فاس فالتقى ببهلولها الحاج محمد الرامي، فدهب به إلى الشهود فأشهد بتمكين الشيخ من فاس وخرج منها هو و لم يستطع دخولها مرة أخرى إلا بوساطة من أحد رجال الشيخ ابي المحاسن.
في نفس الإطار ينقل ابن قنفذ حالة الشيخ عبد المومن أبو لقمان من طائفة أبي محمد صالح مع الشيخ أبي زكريا يحيى الحاحي، مشيرا إلى عدم الاتفاق الحاصل بين الشيخين إلا أنه يتفادى الخوض في تفاصيل الموضوع، إذ لم يكن ذلك من أهداف كتابه، فأحسن التخلص بالقول: "و لا حاجة لي في استيفاء هذا"
لم يكن التنافس على المجال موجبا لتنافس الشيوخ في استقطاب النابغين من مريدي الطرقية، لكن كان من هؤلاء الأخيرين من سعى من أجل تغيير شيخه إثر اكتشافه فضل و كرامة شيخ غيره، وقد يحدث و يرد الشيخ طلب المريد الوارد بالحسنى و بأساليب الإشارة دون التعيين؛ كأن يكلفه تبليغ السلام لشيخه الأول، و تلك حالة ابي الرواين مع الشيخ الصغير السهلي لما أراد أن يغيره بشيخه بن عيسى الكبير الفهري .
في المقابل نجد من هؤلاء المريدين من امتنع عن تغيير شيخه رغم وفاته، فهذا أبو المحاسن يوسف الفاسي قد امتنع عن الذهاب إلى الشيخ عبد الله بن حسين رغم وفاة شيخه المجدوب قائلا: "أخاف إن ظهر علي خير يقال: إنه من سيدي عبد الله بن حسين فيضيع حق شيخي" و لم يذهب إليه إلا بعد أن مات بن حسين فأخذ عنه في رؤيا رآها نال بها خلافته.
لقد كانت سلطة الشيخ مطلقة على مريده، و هي مبنية من جانب المريد على الرضا المطلق النابع من الاعتقاد الراسخ في ولاية الشيخ و مكانته الخاصة عند ربه.
شكلت "الخدمة" أساس علاقة المريد بشيخه فهي علاقة بين "خديم و ولي"، و هي مبنية على وقوف المريد على حاجة الشيخ على اختلافها، فالمريد مرتبط بشيخه عن طريق الملازمة و الإتباع التامين، فلا إرادة له و لا رأي إلا ما سمح به شيخه في خضوع و تسليم تامين و ذلك هو "ثقاف الإرادة" أي سلبها و ربطها بالشيخ.
يصل الأمر في بعض الأحيان إلى القيام بخدمات هي عبارة عن أساليب من الضغط يختبر بها صبر و ثبات المريد و يقينه في شيخه، عبر ما يحدث له من عوارض الدنيا و مصائبها؛ فالشيخ أبو العباس أحمد بن عمر الحارثي أحضر ماله و ماشيته بل و حتى "رماد كانونه" إلى الشيخ الجزولي ليثبت تمام الخضوع و الولاء للشيخ ، فقبل الأخير المال و رد صاحبه و فرقه أمام عينه و هو ينظر. كما امتحن الشيخ التباع مريده الشيخ الغزواني في بستان له أرسل أصحابه ليهدموه فاستعصى عليهم سوره، فكان دلك كافيا ليكمل حال الشيخ الغزواني و ليخرج إلى الناس ، أما الشيخ عبد الرحمان بن عياد المجذوب، فلم يتردد في بسط برنسه الجيد جاعلا منه محملا لزبل إحدى دواب شيخه أبي الرواين، في حين كان حبس الشيخ أحمد بن عبد الوارث اليلصوتي عند شيخه أبي الشتاء في سلسلة في بيت مدة سنين كافيا لنيله فيض الشيخ.
و يبقى الشيخ عبد الرحمان المجذوب أكثر من امتحن مريده أبي المحاسن يوسف الفاسي، لما أفسد ليلة زواجه و أخرجه من بيت عرسه و سلط عليه الحمى و حبسه أربعين يوما، و صرف ما ترك له أبوه من أموال في خدمة الشيخ و وجوه الخير فنال بذلك إرث المشيخة
لم تقتصر هذه الخدمة على الرجال فقط بل كان من النساء من يتنافسن في خدمة الشيوخ، منهن السيدة آمنة بنت أحمد الفاقي التي كانت تخدم الشيخ أبي الحسن علي الصنهاجي المعروف بالدوار، إذ كانت تتولى تقديم آنية زيت للشيخ يريقها على نفسه، و كانت تؤثر نفسها على كلبة الشيخ فتطعمها سهمها وقد كانت هذه العلاقة بين الشيخ و "خادماته" تثير الكثير من التحفظ من أهاليهن، إذ كان منهن المتزوجة التي احتج زوجها عن مخالطتها المتكررة للشيخ، فما كان من الأخير إلا أن "هزه هزة أقعدته في مكانه حولا كاملا" كما أقدم أهل بنت القاضي على حبسها و وضعها في القيد لزجرها عن الخروج لخدمة الشيخ، فما كان من الأخير، "الذي لم تكن تحده الحدود و لا يمنعه الحائط" إلا أن أتى أليها و أخرجها من أسرها.
في المقابل نجد من النساء الصالحات من كانت تتورع عن مقابلة الرجال ناهيك عن مخالطتهم، فكان الراغب في زيارة إحداهن يأخذ الإذن من الزوج فيتم اللقاء بغرض الدعاء .
يتولى الشيخ، مقابل "الخدمة"، مهمة تربية مريده عن طريق تلقي الأوراد و أساليب المجاهدة و المداومة على الذكر، و كثيرا ما كانت تعتري أساليب الشيوخ بعض مظاهر القسوة والتي وصلت في كثير من الأحيان إلى الضرب بالعصا، فالشيخ الجزولي كانت له عصا يضرب بها كل من يتحرك في حلق الذكر أو يقصر في خدمة، و قد يكون الضرب في الوجه فيترك أثرا يلازم صاحبه إما بعاهة أو ألم مستديم، لكن هذه الضربة في المقابل تكون سببا من أسباب الفتح
وقد وضع الشيوخ أدابا يلتزمها المريد مع شيخه في حال حضوره أو غيبته فإذا تحلى بها كان قد نال خصال المريد المحمود و هي خصال لاتتوفر، حسب الشيخ الجزولي، إلا في الكلب منها الارتباط بالمحبة و الصبر و الوفاء...
تتعدد مظاهر التدين الطرقي في مغرب الفترة الحديثة و قد ازدادت تشعبا مع تطور الممارسة و انتشارها بعد أن استفرغت من وعائها "الصلاحي" في المغرب المعاصر، إذ استمرت كممارسات بدعية غير مدعمة لا بشروط الصلاح و لا بدلائل الفقه، ليغلب عليها في المقابل، طابع الخرافة و الممارسات الشركية. فإرث الشيوخ تقاسمه وارثوا "أسرارهم" و هي الأسرار التي ما فتئت تنطفيء، ليتحول شيوخ الزوايا من رموز دينية تحضى بولاء يضاهي ولاء الناس للسلاطين إن لم يفقه، إلى مجرد رموز للاستحواذ الطبقي باسم الصلاح.









رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- مجموعة لرصاد تراث فني هزم التهميش


المزيد.....




- أردوغان يدعو العالم الإسلامي لرد مناسب على قرار ترامب حول ال ...
- أردوغان: إذا فقدنا القدس سنفقد المدينة ومكة والكعبة
- الولايات المتحدة تدعو داعمي الحكومة السورية للضغط عليها
- القدس .. تغير وجهة داعش؟
- الملكة رانيا تنعى -شهداء القدس-
- الحكومة السورية تهاجم دي ميستورا
- علماء يبتكرون علاجا شافيا لمرض -الهيموفيليا-
- تشكيل الحكومة الائتلافية في النمسا بمشاركة اليمين المتشدد
- الحشد الشعبي يصد -هجوما عنيفا- لـ-داعش- على الحدود العراقية ...
- فلسطين ترجح عقد اجتماع طارئ في مجلس الأمن حول القدس الأحد


المزيد.....

- عن الذين يقتاتون من تسويق الأوهام! / ياسين المصري
- إصدار جديد عن مكانة اللغة العربية في الجامعات الإسرائيلية / حسيب شحادة
- نقش الحقيقة السبئية: جغرافية التوراة ليست في اليمن / فكري آل هير
- المقصوص من الاسلام الكامل صانع الحضارة / محمد سعداوى
- الأمثال العامية المعاصرة / أيمن زهري
- اشكالية العلاقة بين الحزب الشيوعي والمؤسسة الدينية في العراق ... / سلمان رشيد محمد الهلالي
- تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1 ... / سلمان رشيد محمد الهلالي
- التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد / زهير الخويلدي
- طبيعة وخصائص الدولة في المهدية / تاج السر عثمان
- ابن رشد من الفقه الى الفلسفة / محمد الاغظف بوية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير شمشوب - ملامح من التصوف الطرقي في المغرب الدعوة و التربية و الخدمة