أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الرحمان النوضة - نقد مناصرة الرأسمالية















المزيد.....


نقد مناصرة الرأسمالية


عبد الرحمان النوضة

الحوار المتمدن-العدد: 5611 - 2017 / 8 / 16 - 17:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من المؤسف أن تُنشر يوميا في الصّحف بعض التصريحات الخاطئة. ولا يجد عادة القرّاءُ الوقتَ أو الجهدَ الكافي، لمناقشة، أو لِنَـقد، تلك المزاعم المغلوطة. ومن بينها الأطروحة العجيبة التي نشرها أستاذ الفلسفة السيد محمد سبيلا على صفحات جريدة ”آخر ساعة“ (العدد 495، ليوم الجمعة 21 يوليوز 2017، الصفحة 13)، تحت عنوان: «ضحايا الإيديولوجيات». وخطورة أطروحة السيد محمد سبيلا هي التي حَثُّـتْـنِي على الرّد عليه، رغم ما أحمله تُجاهه من احترام وتقدير.
يظهر أن موضوع مقال السيد محمد سبيلا يدور حول «الإرهابي». لكن الكاتب محمد سبيلا فاجأ القارئ وطرح أن المناضل «الاشتراكي» لا يختلف عن ”الإرهابي الدّيني السلفي أو الأصولي“! فنلاحظ عليه النقائص المنهجية التالية:
1) لم يحدّد الكاتب محمد سبيلا من هم الأشخاص، أو الجماعات، أو التنظيمات، أو الأحزاب، التي يريد نقدها. وفي مدخل مقاله، اكتفى السيد محمد سبيلا بكتابة عبارة: «تعوّدنا على الاعتقاد بأن الإرهابي... بطل». ثم حاول نقد هذا الاعتقاد. ويدلّ ضمير «نَا» في فعل «تعوّدنا» على أن محمد سبيلا يريد نقد ”نحن“، أي ”عامّة الناس“. بمعنى أن الكاتب أراد نقد جهات مُبهمة، وغير معرّفة. بينما كان من واجبه أن يحدّد بدقّة الأشخاص، أو الجماعات، التي يرغب في نـقدها.
2) ما هي أطروحة السيد محمد سبيلا؟ جوهر مقال السيد محمد سبيلا هو أنه يضع تطابقا، أو مساواة، بين ”الإرهابي الدّيني السّلفي أو الأصولي“ من جهة، ومن جهة أخرى «المناضل الثوري»، أو «الطبقي»، أو «الاشتراكي». ويزعم السيد محمد سبيلا أن «الإرهابي» و«المناضل» هما معًا «ضحايا الإيديولوجيات»! وحجّة محمد سبيلا على ذلك هو جملته الطويلة جدًّا، والرّكيكة في صيّاغتها، التي كتبها، وهي التالية (كما نُشِرَت حرفيا): «هاتان الإيديولوجيتان، على الرّغم من تباينهما المرجعي، ومن خلفيتهما الفكريتين المتباينتين تشتركان في بنيتهما العقدية (دوغما + وسائل + أوهام) لكن كلا منهما تنتمي إلى فترة معيّنة (Epoque) من التاريخ. أولاهما تنتمي إلى فترة سادتها مقولات التحرر والتحديث والعقلانية والأمل وهي الفترة التي سادت ما كان يُسمى العالم الثالث بين ثورة وَسَقْطَة، أي بين 1917 الثورة الروسية وسقوط المعسكر السوفياتي 1989 والتي تلتها فترة عودة الآمال الميتافيزيقية كما جسدها الانتشار الكبير للإيديولوجيات الدينية الإسلامية. الأولى أنتجت لنا مجاهدين دنيويين والثانية أنتجت لنا مناضلين أخرويين، لكن كليهما تركتا (وتتركان) وراءهما ضحايا وأشلاء وأطلالا وخرابا، وكلاهما قبض ثمن عمله أولهما مؤجل وثانيهما معجّل، لكن كليهما استثمر كحطب للإيديولوجيا بنكهتيهما الدنيوية والأخروية»! (إنتهت مقولة محمد سبيلا). ويظهر في مقال السيد محمد سبيلا أنه لم يفهم جيّدًا لا ظاهرة سقوط منظومة الاتحاد السوفياتي، ولا ظاهرة صعود الحركات الإسلامية الأصولية. وأعتقد أن مُدَرِّس الفلسفة (محمد سبيلا) غير مؤهّل للكلام عن ”الاشتراكية“، أو ”الماركسية“، أو ”السياسة“، أو ”التاريخ“، إذا لم يدرس أيضًا هذه التخصّصات بعمق كاف، وبتفاصيل دقيقة.
وملخّص أطروحة محمد سبيلا، في مجال المقارنة بين ”الأيديولوجية الإسلامية الجهادية الأصولية“ من جهة، ومن جهة أخرى ”الأيديولوجية الماركسية الاشتراكية“، هو قوله: «هاتان الإيديولوجيتان، على الرّغم من تباينهما المرجعي، ومن خلفيتهما الفكريتين المتباينتين تشتركان في بنيتهما العقدية (دوغما + وسائل + أوهام)»! كأن محمد سبيلا يقول لنا: هاتان الإيديولوجيتان، رغم اختلافهما، فإنهما لا يختلفان! بل يتساويّان، أو يتطابقان. ولماذا؟ نلاحظ أن محمد سبيلا اكتفى بالتّصريح بأطروحته، لكنه لم يقدّم ولو حجّة عقلانية واحدة قادرة على تبرير أطروحته. ومن المستبعد أن يقدر محمد سبيلا على إقناعنا بهذه الأطروحة. لأن أطروحته تخالف الواقع الملموس، وتتعارض مع القوانين الموضوعية التي تتحكّم في واقع المجتمع!
3) بعبارة أخرى، وبمنهج عملي، كأن محمد سبيلا يقول أن فِكْرَ الفَـقِيه الإسلامي السلفي ”حسن البَنَّا“، أو ”سَيّد قُطب“، أو فِكْر الشيخ ”ابن تَيمِيّة“، من جهة، ومن جهة أخرى فِكْر الاشتراكي ”كارل ماركس“، أو فِكْر ”فلاديمير لينين“، يتطابقان في «بنيتهما العقدية (دوغما + وسائل + أوهام)»! بمعنى آخر، أن ”معتقدات (dogmes)“ سَيّد قطب تـتـساوى مع ”معتقدات“ كارل ماركس؛ و”وسائل“ سيّد قطب تـتـشابه مع ”وسائل“ كارل ماركس؛ و”أوهام“ سيد قطب تـتـطابق مع ”أوهام“ كارل ماركس! وهذا التفكير لدى السيد محمد سبيلا هو بالضّبط مثال على نَمَط التّـفكير ”الأيديولوجي“. لأن هذا المنهج في التّفكير يخالف الواقع، ويتجاهله. وتصريح السيد محمد سبيلا هذا لا يليق بأستاذ موضوعي، ولا بِعَالِم جدّي.
4) نسأل الأستاذ محمد سبيلا، هل يستوي حقًّا ”حزب الاتحاد الاشتراكي“ (تحت قيادة عبد الرحيم بوعبيد، وعمر بن جلون) مع تنظيم ”الشبيبة الإسلامية“ (تحت زعامة عبد الإله بنكيران)؟ هل يتطابق حقًّا المواطن ”التقدّمي“ مع المواطن ”الرّجعي“؟ هل يستوي المهدي بن بركة (مناضل اشتراكي) مع عبد الكريم مطيع (مجرم إرهابي إسلامي أصولي)؟ هل تتساوى الاشتراكية نبيلة منيب مع الإسلامي الأصولي عبد السلام ياسين؟ هل مقولات ”الإسلام السياسي السّلفي أو الأصولي“ تتساوى مع «مقولات التحرر والتحديث والعقلانية»؟
5) نسأل الأستاذ محمد سبيلا: هل حقًّا «طبقات المجتمع» هي مجرد «أوهام»؟ هل ينكر محمد سبيلا انقسام المجتمع إلى «طبقات»، مع ما ينتج عنه من ”صراع طبقي“؟ هل المظاهرات الاحتجاجية التي تحدث بالعشرات، في كلّ يوم بالمغرب، منذ عقود متوالية، هل تُؤكّد أن مجتمع المغرب منسجم، وخَال من الطبقات، أم أنها تُعبّر عن ”الصِّراع الطبقي“ الخفي الجاري في المغرب؟ هل الطموح إلى تشييد ”مجتمع اشتراكي“ يتساوى حقيقةً مع الرغبة في بناء ”مجتمع إسلامي أصولي خاضع للشّريعة الإسلامية“؟ وعندما يعتبر محمد سبيلا أن الطموح نحو الاشتراكية مجرد «دُوغْمَا»، أو «وهم»، هل هذا الموقف يعني أن محمد سبيلا يدعونا اليوم إلى القبول أَبَدِيًّا بِـ ”النظام الرأسمالي“؟ هل محمد سبيلا يطلب منّا القبول بِـ ”الاستغلال الرأسمالي“، وبانقسام المجتمع إلى ”طبقات مُسْتَغِلَّة وطبقات مُسْتَغَلَّة“؟ هل نحن المأجورون، والمُعَطَّلُون، والمُهَمَّشُون، هل يجب أن نبقى إلى الأبد عٌبِيدًا في خدمة الرأسماليّـين؟ هل من يناضل من أجل تحرير المجتمع من ”الاستغلال الرأسمالي“، ومن ”الانقسام الطبقي“، مثله مثل من يناضل من أجل بناء ”دولة خلافة إسلامية أصولية“ (مثل دولة ”دَاعِشْ“)؟ هل الأستاذ محمد سبيلا يعتقد أن ”الماركسية“، والطموح نحو ”التحرر من الاستغلال الرأسمالي“، هما مجرد «إيديولوجيا»، بمعنى أنهما فكر غير منسجم مع القوانين المتحكّمة في الواقع؟
إذا كان السيد محمد سبيلا واثـقا من رأيه، فليقدّم لنا التحاليل المعمّقة، والحجج العقلانية، لإقناعنا بمزاعمه. لأن هذه القضايا المصيرية لا تتحمّل الاكتفاء بالتّـعبير السّريع عن خواطر عابرة، أو سطحية.
6) كتب السيد محمد سبيلا أن ”المناضلين الاشتراكيين“ هم مثل ”الجهاديين الإسلاميين الأصوليين“، «كليهما تركا (ويتركان) وراءهما ضحايا وأشلاء وأطلالا وخرابا». وهذا اتهام خطير، يحوّل فجأةً مجمل أنصار ”الاشتراكية“ في العالم إلى مجرمين يتساوون مع مجرمي «الدولة الإسلامية في العراق والشّام (دَاعِشْ)»! فهل يعتـقد محمد سبيلا أن أنصار الاشتراكية عبر العالم هم كلّهم مثل الرُّوسي جُوزِيفْ اسْطَالِين (J. Staline)، أو الكَامْبُودِي بُولْ بُوط (Pol Pot)؟ (لأن اسْطَالِين وبُولْ بُوطْ انحرفا في ممارسة مُمَنْهَجَة للقمع، والاستبداد، وتصفية المُعارضين بأعداد كبيرة وفظيعة). وهل نَـسِيَ السيد محمد سبيلا أن ما خلّفته الرأسمالية من «ضحايا وأشلاء وأطلال وخراب» هو أكبر بكثير مِمَّا خلّفه أيّ مسؤول عسكري أو سياسي عبر مجمل تاريخ البشرية، بما فيهم جُوزيف اسطالين وبول بوط؟ ألَا يرى السيد محمد سبيلا ما تُحدثه الرأسمالية يوميًّا من نهب، واحتكار، واستغلال، وتفقير، وتجهيل، وتهميش، وتعذيب، وحرمان، وتقتيل؟ لقد ساهمت الرأسمالية نسبيا في إخراج بعض المجتمعات الأوروبية والأمريكية من الفقر، لكن الرأسمالية هي في نفس الوقت النظام الاقتصادي الذي ساهم في سحق المئات من الملايين من البشر عبر مجمل العالم. وهذا موضوع آخر.
7) يظهر كأن السيد محمد سبيلا يعتبر أن أصل الشرّ يكمن في وجود «الدُّوغْمَا (dogme)». وما هي الدُّوغما؟ إنها فكرة ثابتة، أو مبدأ راسخ، أو مرجع في القِيَّاس، أو عقيدة تُبْنَى على أساسها الأحكام. وكأن السيد محمد سبيلا يظن أن وجود «دُوغْمَا (dogme)» في فكرنا، أو في ثقافتنا، يتحوّل إلى مُسَبِّـب لانحرافات، أو شرور، غير مرغوب فيها. وهذا الاعتقاد مبالغ فيه، أو غير سليم. فكلّنا نحمل «دُوغْمَات» متنوِّعة في ذهننا، دون أن نعيَ ذلك. ولا نكتشف أننا نحمل «دُوغْمَا» في عقائدنا إلَّا بعدما نكتشف أن «دُوغْمَا» محدّدة تتناقض مع القوانين المتحكّمة في الكون. وأعتبر شخصيا أن المشكل لا يكمن في وجود ”الدُّوغْمَا“، وإنما يكمن في مضمون هذه ”الدُّوغما“، أو في طريقة استعمالها. والمشكل المطروح هو: هل مضمون هذه ”الدّوغما“ سليم أم خاطئ؟ هل هذه ”الدّوغما“ منسجمة مع القوانين الموضوعية التي تتحكّم في الكون، أم أنها مجرد خرافات، أو أوهام غير علمية؟ أنا مثلا أحمل ”دُوغْمَا“ في ذهني، هي مبدأ ”الجَاذبية (la gravité)“. ومعنى ”الجاذبية“ هو أن كُثَل المادّة تتجاذب فيما بينها (حسب قانون الجاذبية). وما دامت هذه ”الدُّوغْمَا“ تُسَاير قوانين الكون، فإنها لا تُحدث أيّ ضرر في تفكيري، ولا في ممارستي. كما أنني أحمل ”دُوغْمَات (dogmes)“ أخريات، مثل الاعتـقاد بوجود ”طبقات“ في مجتمعنا ”الرأسمالي“، وبوجود ”استغلال الإنسان من طرف الإنسان“، وبوجود ”الصراع الطبقي“، وبأن الطموح إلى تحرير المجتمع من ”الرأسمالية“ مشروع، وممكن. وأعتبر أنه لا يوجد مشكل في حمل هذه ”الدُّغْمَات“، لأنها نابعة من الواقع المُعاش، ومنسجمة معه. لكن في حالة إذا ما وُجِدَ مشكل مَا في هذه ”الدُّوغْمَات“ التي أومن بها، فإن هذا المشكل سيأتي من طريقة استعمال هذه ”الدّوغمات“، أو من نوعية ممارستها، وليس من كونها تُوصف بِـ ”دُوغْمَات“.
8) لنفترض الآن جدلًا، يا أستاذ محمد سبيلا، أن المناضلين الطموحين إلى بناء ”الاشتراكية“ هم مجرد «ضحايا الإيديولوجيات»، مثلما كتبتَ! وأنت أيها السيد محمد سبيلا، ما هي أيديولوجيتك؟ هل تظن أنك لا تحمل أية أيديولوجية على الإطلاق؟ هل تعتبر نفسك ملاحظا غير منحاز؟ هل مقالك هذا لا يدخل ضمن أية ”أيديولوجيا“؟ هل نحن كلّنا ذاتيين، وأنت وحدك موضوعي؟ هل آرائك السياسية هي حقائق علمية مطلقة؟ وإذا كنتَ كذلك، فبماذا تفوّقتَ علينا نحن معشر ”المناضلين الاشتراكيين“؟ وبماذا أفدتَ شعبك ومجتمعك خلال العقود الماضية؟ وكيف كانت خلال تلك العُقود السّالفة مواقفك السياسية، ومساهماتك النضالية، في مجال تحسين ظروف عيش هذا الشعب المقهور؟ وهل موقفكِ [الدّاعي إلى اعتبار الطموح نحو الثورة ”الاشتراكية“، مطابقًا إلى الطموح نحو ”بناء مجتمع إسلامي أصولي خاضع للشّريعة الإسلامية“]، هل موقفك هذا لا يدخل ضمن أية ”أيديولوجية“؟ ألَا تعترف أنك تدعونا إلى القبول بِـ ”الرأسمالية“ كما هي في بشاعتها؟ ألَا ترى يا أستاذ سبيلا أنك تلتـقي مع ما تَبُـثّه وسائل الإعلام من دِعَايَة تقول إن «الاشتراكية هي وهم، بينما الرأسمالية هي الواقعية الأبدية»؟ ألَا تحسّ أنك تطلب منّا أن نَسْتَسْلِم للواقع المجتمعي الفظيع القائم حاليا؟ ألَا يوجد شيء في تكوينك الفلسفي يحثّك على الثورة ضد الانحطاط المجتمعي الذي نحن جميعًا غارقون فيه؟ وإذا كان ”الجهاديون الإسلاميون الأصوليون“، و”المناضلون الاشتراكيون“، مرفوضين معًا، وبالتّساوي، فما هو البديل؟ هل البديل هو الأحزاب ”المَخْزَنِية“، والأحزاب الرأسمالية الخاضعة للسلطة السياسية المُستبِدة؟ هل البديل المقبول هو الأحزاب ”اللّيبيرالية“، والرأسمالية؟
9) لو كان السيد محمد سبيلا عاملا يتقاضى الحدّ الأدنى للأجور، أو لو كان فلاحا فقيرا، أو شابّا عاطلا، لَـمَا كتب أن ”المناضل الاشتراكي“ يتساوى مع ”الإرهابي“، أو مع ”الجِهَادِيّ الإسلامي الأصولي“. ومن المؤسف أن الكثيرين من الأشخاص الذين يعيشون من وظيف، ويتقاضون أجرة شهرية قارّة ومضمونة، ويستفيدون من تغطية صحّية مُريحة، ومن تقاعد مُرض، يميلون إلى الدّفاع عن الأوضاع المجتمعية القائمة، ويقولون ما معناه أن ”الرأسمالية جميلة“، وأن ”الاشتراكية سيِّـئة“. وهم هكذا إنما يدافعون عن مصالحهم الطبقية.
10) من الأكيد أن ”الاشتراكية“ لم تنضج بعد بما فيه الكفاية. ومن الصحيح أن عددا من المناضلين المناصرين للاشتراكية ارتكبوا عدة أخطاء خلال تجاربهم النضالية. ومن الأكيد أنه توجد إيجابيات وسلبيات في ”الاشتراكية“ (كما بلورها الماركسيون والاشتراكيون خلال نهاية القرن التاسع عشر). لكن توجد أيضًا إيجابيّات وسلبيّات في ”الرأسمالية“، رغم قدمها، ورغم تحسّنها في بعض الميادين. وأثير انتباه السيد محمد سبيلا إلى أن الشعوب الكبيرة، والقليلة في العالم الثالث، التي استطاعت، عبر التاريخ الحديث، الخروجَ من الانحطاط الذي كانت غارقة فيه، هي على الخصوص: روسيا، والصين، ونسبيًّا الهند. وما هي الوسيلة التي مكّنـتها من الخروج من الانحطاط، وفي ظرف وجيز نِسْبِيًّا (قرابة 50 سنة)؟ هذه الوسيلة هي بالضّبط استعمال مناهج ”اشتراكية“ في التفكير، والتخطيط، والاستثمار، والتنـفيذ، والتنمية. والمنهج الذي ساعدها على التحرّر من ذلك التخلّف السَّحِيق الذي كانت فيه، هو بالضبط استعمال نظام سياسي ومجتمعي ”اشتراكي“، (أو شبه اشتراكي، أو مُستنير بالاشتراكية، أو فيه محاولة مزج بين إيجابيات الاشتراكية والرأسمالية). بينما شعوب العالم الثالث الأخرى، التي اقتصرت على استعمال ”النظام الرأسمالي“ (مثل الشعوب المُسلمة، أو العربية، أو الإفريقية، أو في الجنوب الشرقي لآسيا، أو في أمريكا الجنوبية)، فإن معظمها ما زالت تسبح في تخلّف مجتمعي فظيع ومؤلم.
و”الوَهْم“ الكبير الذي يضرّ بنا في المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، إلى آخره، ليس هو الطموح نحو ”الاشتراكية“، وإنما هو اعتقاد الكثيرين منّا بأن ”الرأسمالية“ هي التي سَتُخرجنا من الانحطاط الذي نحن غارقون فيه. لكن في تجربة ما بعد استقلال هذه البلدان من الاستعمار، لا يوجد شيء يدلّ على أنه إذا استمرت هذه البلدان في نهج ”الرأسمالية“، خلال عقود إضافية، فإنها ستـتـخلّص من الانحطاط المُجتمعي الذي هي مُتورّطة فيه. فالواهمون الحقيقيون في المغرب، ليسوا هم أنصار ”الاشتراكية“ (مثلما زَعَمَ السيد محمد سبيلا)، وإنما هم أنصار ”الرأسمالية“، في إطار التّبعية للإمبريالية.
والبلدان الاستثنائية القليلة (في ”العالم الثالث“) التي استطاعت أن تخرج من التخلّف بواسطة ”الرأسمالية“ هي خصوصًا: كوريا الجنوبية، وإسرائيل، ومستعمرة جنوب إفريقيا، ونسبيًّا سنغافورة. لكن هذه الحالات كلها غير عادية، بل مغشوشة . لأن تطور النظام الرأسمالي لم يعمل فيها بشكل عادي. وإذا كانت ”الرأسمالية“ قد نجحت نسبيًّا في تنمية هذه الحالات الاستثنائية، فالسبب هو أن الإِمْبِرْيَالِيَّات الغربية السَّائدة في العالم قرّرت، في إطار ”الحرب الباردة“، وفي إطار استراتيجيَّاتها التوسّعية، تـقديم دعم هائل ومتواصل لهذه الحالات الاستثنائية المذكورة. ولولا ذلك الدَّعم الإمبريالي الهائل، لما نجحت ”الرأسمالية“ في تلك المناطق المذكورة.
11) في بلدان مثل المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، إلى آخره، فإن ”اللِّيبِيرَالِية“ أو ”الرأسمالية“، لم تصلح سوى لإغناء قِلَّة قليلة من العائلات. بينما الأغلبية العظمى من العائلات تبقى غارقة في الجهل، والفقر، والتهميش، والخضوع للإستبداد، وللإستغلال. وحتى الأقلية من العائلات الغنية، لم تستطع بناء ثرواتها إلّا عبر خرق القوانين، ومعاكسة الأخلاق. والوسائل التي استعملتها هذه العائلات الغنية لبناء ثرواتها معروفة جيّدًا، وهي الحِيَل التّالية:
أ) – استغلال نفوذ الدولة السياسي (exploitation du pouvoir politique)، أو استغلال القُرب منه (proximité du pouvoir politique).
ب) – الرّشوة (corruption)، أو الارتشاء، أو هما معًا.
ث) - استغلال مواقع المسؤولية في الدولة تتميّز بِـ ”تناقض المصالح“ (conflits d’intérêts).
ت) – استغلال ”التَّدَاوُل من الدّاخل“ (délits d’initiés).
ج) – اختلاس أموال عمومية (détournement de fonds publics).
ح) – الاستيلاء على أملاك الغير (accaparement de biens d’autrui).
خ) – استعمال ”الغشّ“ (fraude) (بمختلف أنواعه) كمنهج متواصل في مجمل الأنشطة الاقتصادية.
فالوهم الكبير هو أن يعتـقد الشخص أن بلدان العالم الثالث (مثل المغرب، أو الجزائر، أو مصر)، إذا التزمت بِـ ”نمط الإنتاج الرأسمالي“ خلال عقود إضافية، فإن هذه البلدان ستصبح متقدّمة مثل فرنسا، أو إيطاليا، أو ألمانيا. بل ”الرأسمالية“ ستُبقي هذه البلدان في ”التَّـبَعِيَّة“ (dépendance)، وفي الضّعف، وفي التخلّف المُستدام. وخطاب «التنمية المستدامة» الذي تُروّجه الدولة في المغرب هو مجرد وهم، ومغالطة، بل سيتحوّل مع توالي السّنين إلى كذبة حمقاء! ويمكن لخطاب الملك بمناسبة الذكرى 18 لعيد العرش أن يكون بداية لخيبة أمل كبيرة.
12) في بلدان العالم الثالث (مثل المغرب)، وعلى خلاف بعض التصوّرات المثالية حول ”الرأسمالية“، لا يعمل الرأسماليون كمقاولين يعتمدون على الاستثمار المتواصل، والإبداع المتجدّد، وإتقان الجودة، والمنافسة الشريفة، وإنما يعملون كشبكات إجرامية، تعتمد على اقتصاد الرِّيع، وتتربَّص الفرص، وتتحايل في كل شيء، وتغشّ في كل شيء. ومن الطبيعي، في مثل هذه الحالات، أن تعجز كلّيًا ”البرجوازية المحلية“ عن تلبية حاجيات جماهير الشعب، وعن تحقيق «التنمية الشاملة»، أو «المستدامة»، مثلما يزعمون. وقد سبق أن تناول أستاذ الاقتصاد عزيز بلال هذه الإشكاليات في معظم كتبه.
13) هل يعني محمد سبيلا أن ”الرأسمالية“ هي البديل؟ هل ”الرأسمالية“ هي الحل الأبدي؟ هل هي مَصِيرُ البشرية الحتمي، والمُشترك؟ إن كان ذلك هو قصد السيد محمد سبيلا، سنقول له أن ”نمط الإنتاج الرأسمالي“ أوصل مجمل البشرية إلى حافة الانتحار الجماعي، أو خطر الانقراض. وعدد هام من بين العلماء عبر العالم يُقِرّون اليوم بذلك. وبالإضافة إلى عدّة مؤشّرات، مثل المغامرات الماضية للاستعمار، ثمّ الإمبريالية، ثم الحروب العالمية المخرّبة، واستغلال الإنسان للإنسان، ثم الأزمات الاقتصادية لسنتي 1929، و 2008، فإن إشكالية ”الاحتباس الحراري (effet de serre)“ في كوكب الأرض، تأتي مؤخَّرًا لتذكّرنا جميعًا باستحالة استمرار ”نمط الإنتاج الرأسمالي“، وما يرتبط به من ”نمط استهلاك رأسمالي“. وإلّا أصبح مصير البشرية المشترك هو الانقراض. يمكن أن نتَّـفِـق، أو أن نختلف، حول الحلّ البديل، هل هو ”الاشتراكية“، أم هو شيء آخر، لكن ”الرأسمالية“ الكلاسيكية المبنية على أساس ”استغلال الإنسان من طرف الإنسان“، والمبنية على منطق السّوق، وعلى الرِّبح كَمُحَفِّز أناني وفَرْدَانِي، أصبحت (هذه الرأسمالية) حلًّا بليدًا، وظالمًا، ومخرِّبا، وانتحاريًّا.
14) أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة لسنة 2017 في فرنسا، ظهر لأول مرّة مرشّحان للرئاسة من عِيَّار سياسي وعِلمي وازن، هما المناضلان الاشتراكيان مِيلُونْشُونْ، وهَامُونْ (Jean Luc Mélenchon, et Benois Hamon). وركزّ هذان المرشّحان معًا خلال مجمل حملتيهما الانتخابية على توضيح أن الرأسمالية المتوحّشة بلغت حدودَها القصوى. ودافعا على ضرورة التّهَيُّؤ للانتقال إلى هدف «الاشتراكية البيئية (الإيكولوجية)». أمّا المرشّح لرئاسة الجمهورية الفرنسية إِيمَانْوِيل مَاكْرُون (Emmanuel Macron)، فقد قال إنه يريد أن يكون «من اليمين، ومن اليسار»، بمعنى أنه يريد استغلال إيجابيات الرأسمالية، وكذلك إيجابيات الاشتراكية. فحصد غالبية أصوات النّاخبين، وهزم أحزاب اليمين وأحزاب اليسار. لا أقول إن مَاكْرُون سينجح في مشروعه؟ وإنما أقول إن فكرة محاولة المزج بين إيجابيات الرأسمالية وإيجابيات الاشتراكية، تروج في أذهان العديد من السياسيين في البلدان الغربية.
15) حتى في بلدان مسلمة مثل المغرب، أو الجزائر، أو مصر، أو السعودية، أو إيران، أو غيرها، تتكاثر المؤشّرات التي تدلّ على استحالة إخراج هذه الشعوب من التخلّف، بواسطة ”نمط الإنتاج الرأسمالي“. ويمكن لمن يراقب بلاد المغرب بشكل دقيق، أن يلاحظ أن الأزمة الشُّمُولية الخطيرة المًستدامة في المغرب، لا تأتي فقط من رداءة سياسات الحكومات المتعاقبة، وإنما تأتي أساسًا هذه الأزمة المُستدامة من كون نمط الإنتاج الرأسمالي يعجز كلّيا على تلبية حاجيات الشعب، وعلى إخراجه من التخلّف، ومن الفساد، والاستبداد، الذي هو غارق فيه. واستمرار الرأسمالية التّبَعِيَّة للإمبريالية، والمتوحّشة، في المغرب، قد يقودنا نحو مزيد من الانحطاط، وربّما نحو حرب أهلية.
16) من الممكن أن يكون السيد محمد سبيلا قد عاش في الماضي تجاربَ غير موفَّقَة، أو مُؤلمة، حينما كان مناضلا في ”حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية“، أو في ”حزب الاتحاد الاشتراكي“. وكثيرون من المناضلين والمثـقّـفين عاشوا مثله أوضاعًا مشابهة نسبيا. فهل هذا الماضي المؤسف هو الذي جعله يميل إلى حمل رؤية متشائمة حول قوى اليسار، وحول ”الاشتراكية“؟
وفي الختام، أُؤَكِّد أنه من حق السيد محمد سبيلا أن ينشر الآراء التي يؤمن بها. كما أنه من حقّي أن أناقش آراءه، أو أن أخالفها، أو أن أنتـقدها. وأعبر له عن تحيّات الاحترام والتقدير. وأعتذر مسبقًا إن فَلَتَت منّي بعض العبارات الصّارمة في نقاش هذه المواضيع الجِدِّية، أو المصيرية.
رحمان النوضة
(وحرّر في 23 يوليوز 2017، في الدار البيضاء).





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,512,687,014
- نقد الصهيونية
- كيف نصلح التعليم؟
- الدّين والجنس (من الدّعوة إلى الفضيحة)
- نقد أحزاب اليسار بالمغرب
- نقد النّخب
- أية علاقة بين الدّين والقانون؟ الجزء الثالث
- أية علاقة بين الدّين والقانون؟ الجزء الثاني
- أية علاقة بين الدّين والقانون؟ - الجزء الأول
- أية علاقة بين الدّين والقانون؟
- تتعاطف مع شارلي هيبدو، ولماذا لا مع الفلسطينيين ؟
- تحليل دستور المغرب لسنة 2011، هل هو ديمقراطي أم استبدادي ؟
- مصر 2013 : شرعية الانتخابات أم شرعية الثورة ؟
- عِبَرُ الثّوَرَات العَربية
- نقد الشعب
- كيف حال احزاب اليسار بالمغرب ؟
- ضِدّ الزّعَامية
- كيف نُدبّر الاختلاف والتكامل فيما بين مناضلي القوى السياسية ...
- الثورات العربية : نقد -حركة 20 فبراير- بالمغرب
- لماذا لا تقدر بَعْدُ حركة 20 فبراير بالمغرب على إسقاط الاستب ...
- علاقة الدين بالدولة وبالسياسة


المزيد.....




- أرقى فندق مطار بالعالم.. أين يقع؟
- دراسة تحذر من خطر انقراض هذا الحوت
- مراكز التصويت في تونس تفتح أبوابها للتصويت في الانتخابات الر ...
- فيديو غرافيك عن الانتخابات الرئاسية التونسية 2019
- مراسلنا: مكتب عبد المهدي ينفي استخدام الأراضي العراقية لضرب ...
- سرقة مرحاض من ذهب خالص من قصر شهد مولد تشرشل.. وقيمة الغنيمة ...
- قبول 51748 طالبة وطالبا في الجامعات
- باحثة أمريكية تروي تفاصيل عملها لترميم مقابر فرعونية بالأقصر ...
- وكالة تكشف مفاجأة بشأن عودة إمدادات النفط في -أرامكو- السعود ...
- أثيوبيا تفرج عن رجل أعمال لبناني بعد توقيفه


المزيد.....

- سلام عادل .. الاستثناء في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي / حارث رسمي الهيتي
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- اللاشعور بحث في خفايا النفس الإنسانية / جان كلود فيلو - ترجمة علي أسعد وطفة
- رأسمالية المدرسة في عالم متغير :الوظيفة الاستلابية للعنف الر ... / علي أسعد وطفة
- الجمود والتجديد في العقلية العربية : مكاشفات نقدية / د. علي أسعد وطفة
- علم الاجتماع المدرسي : بنيوية الظاهرة الاجتماعية ووظيفتها ال ... / علي أسعد وطفة
- فلسفة الحب والجنس / بيير بورني - ترجمة علي أسعد وطفة
- من صدمة المستقبل إلى الموجة الثالثة : التربية في المجتمع ما ... / علي أسعد وطفة
- : محددات السلوك النيابي الانتخابي ودينامياته في دولة الكويت ... / علي أسعد وطفة
- التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي / علي أسعد وطفة وعبد الرحمن الأحمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الرحمان النوضة - نقد مناصرة الرأسمالية