أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - سعد محمد رحيم - إدوارد سعيد: القاهرة ونجيب محفوظ وتحية كاريوكا















المزيد.....

إدوارد سعيد: القاهرة ونجيب محفوظ وتحية كاريوكا


سعد محمد رحيم
الحوار المتمدن-العدد: 5586 - 2017 / 7 / 20 - 12:35
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


يناقش إدوارد سعيد في كتابه (تأملات حول المنفى.. ترجمة: ثائر ديب.. دار الآداب/ بيروت.. ط1/ 2004) بتفاصيل مطنبة أحياناً، ونفّاذة في الغالب، قضايا حسّاسة تتعلق بالسياسة والتعليم ونظرية الأدب والاستشراق والمحنة الفلسطينية. ويخصِّص فصولاً، وهي الأكثر طراوة وإشراقاً وإثارة بينها، للحديث عن مدن أقام فيها أو زارها وأصبحت جزءاً ملهِماً من ذاكرته كالقاهرة والإسكندرية، وعن ظاهرات أدبية وفنية مجسّدة في أشخاص استثنائيين كنجيب محفوظ وتحية كاريوكا. فيرسم بأسلوب حي متألق رشيق صورة للقاهرة، وأخرى للإسكندرية، في فيوض من المفارقات المبهجة والساخرة.
كانت مصر محط اهتمام الرحّالة والمستشرقين والباحثين عن الساحر والعجائبي والغريب. فكان "لاستمرار مصر التاريخي المدهش آلاف السنين من الوجود المدوّن أن يجذب على نحوٍ منتظم الرحّالة، وأصحاب الرؤى، والفنانين، والفاتحين الأوربيين". وبذا غدت هذه البلاد في القلب من الكتابات الغربية المهتمّة بالجهة الأخرى من البحر. وإذ بقيت مصر "هاجساً إمبراطورياً نفيساً يُسعى وراءه بأشد ما يكون السعي". فقد جرت معركة لا هوادة فيها في الغرب "لا من أجل مصر وحسب، بل من أجل الحق في تصوير مصر". في تمثيلها طبقاً لموجِّهات سياسية واقتصادية. لذا تكرّست طرق وآليات منهجية في تمثيل مصر، والشرق عموما، في تقارير الغربيين الاستخبارية، وتحليلاتهم في حقول الأنثربولوجيا والعلوم الاجتماعية والإنسانية المختلفة، واُختلقت تسويغات تفي بمتطلبات الإدارة لتتاح لها السيطرة على الأرض والاستمرار فيها. فيما شاب سرديات الأدباء والرحّالة الغربيين من مذكّرات ويوميات وسير ما يمكن وصفه بالاستيهامات، ونبرة الاستعلاء، وتلفيق ما يوافقهما.
ما يلتقطه سعيد هو ما فات الناظر الكولونيالي وهو يجوب أنحاء الشرق.. ما قصد أن يفوته لأسباب خاصة؛ سياسية، أو غيرها.. يفضح تلك الأحكام العمومية التي تُطلق بناءً على شواهد مفردة، وعلى مصادفات تواجه ذلك الناظر، وقد لا يكون فَهمها جيداً، أو استوعب سياقها.
إن مصر من وجهة نظره ليست "مجرّد بلد أجنبي آخر، بل هي شيء خاص. فما من أحد إلاّ ويلمّ بها بعض الإلمام". هذا الشيء الخاص روحي مضمّخ بعبق ماضِ فريد يحكي عن البدايات دائماً، ويكتفه غموض آسر وسار. وقد عاش سعيد شطراً من مراهقته وشبابه في القاهرة الملكية الكولونيالية، وشطراً آخر في العهد الجمهوري بعد ثورة يوليو.. على الرغم من أنه لم يختلط كما اشتهى وأراد مع مجتمع الأغلبية الساحقة بسبب انتمائه إلى الطبقة البرجوازية الغنيّة التي تحمل هويّة أخرى. فعائلة سعيد مقدسيّة نزحت إلى مصر عقب حرب 1948. وهناك دخلَ مدارس بإدارات أجنبية، تُدرِّس بالإنكليزية أولاً والفرنسية ثانياً.. يقول:
"كل ما في عالمي المتميّز، ذلك العالم الأقلوي الغريب والمفعم بالمفارقة، كان معالَجاً ،ومعَدّاً، ومعزولاً، ومقيَّداً، باستثناء ما يتعلّق بالمصريين المحليين الذين أصادفهم في لحظات عابرة من الحرية في الشوارع، في العربات، وصالات السينما، والمظاهرات، والمناسبات العامة". قاراً بأن لغة التواصل التي أحبها أكثر من غيرها كانت "اللغة العربية في لهجتها القاهرية"، لخفة دمها واقتصادها ونغماتها، وتعدّيها للوقار، وللضبط الكولونيالي.
تعدّ القاهرة فاصلة وجودية في حياة إدوارد سعيد.. نقطة فارقة في تاريخه الشخصي وتاريخ عائلته؛ "(منذ القاهرة) كثيراً ما قلت لأمي. ذلك أن (منذ القاهرة) هي بالنسبة لكلينا ذلك الحدّ الكبير في حياتي، وفي حياتها كما أظن". فنراه يقارن بين القاهرة في أمسها، حيث كانت لها خصوصية كوزموبوليتانية، تتجاذب فيها ثقافات ولغات وهويات وتتفاعل، وبين القاهرة الآن.. وإذاً هناك ما يفتقده فيها، وكما يقول: "عمل تعريب ناصر، وأمركة السادات، وأسلمة مبارك المتسامحه على محو ما ينطوي عليه ذلك التفاعل محواً كاملاً". ولا يختلف الحال كثيراً في ما يتعلّق بالإسكندرية التي كانت أكثر كوزموبوليتانية من القاهرة نفسها كونها بوابة مصر المفتوحة على العالم، وفضاء التقاء حضارات وسرديات وثقافات وأعراق وطوائف ولغات. فبقدر ما تبدو المدينة "مهجورة (اليوم) من غير جماعاتها الأجنبية الكبيرة، بقدر ما تبدو على أنها بلا عمل أو مهمّة تضطلع بهما". وهذا ما أشعره بالحزن والأسى.
يحكي سعيد عن مأثرة نجيب محفوظ بوصفه أعظم روائي عربي، وأول عربي حائز على جائزة نوبل للآداب. ويعود الفضل بذلك، بحسب وجهة نظره، إلى طبيعة مصر القرن العشرين التي ازدهرت فيها الرواية قبل غيرها، وأكثر من غيرها.
"لأنه على الرغم من كل حروب هذا البلد المولِّد للاضطراب، وثوراته، وانقلاباته الاجتماعية، إلا أن مجتمعه المدني لم يُكسف أبداً، وهويته لم توضع أبداً تحت طائلة الشك، ولم تستطع الدولة أبداً أن تستغرقه تماماً. والروائيون المصريون مثل محفوظ لطالما وجدوا ذلك المجتمع المدني بانتظارهم، الأمر الذي أتاح لهم أن يقيموا صلة مؤسساتية دائمة مع المجتمع عبر قصِّهم".
هذا هو الفضاء العام الذي أنجب نجيب محفوظ، أي القاهرة كمركز ثقافي عربي مستقر وخصب.. وبلمّاحية نبوئية يشير سعيد إلى قلق الروائي العربي، غير المصري، والموهوب. فما كان ممكناً لمحفوظ ومجايليه وتلامذته المصريين، يصبح غير ممكن على نحوٍ مثير للجنون والإحباط للروائي العائش "في مكانٍ متشظٍ، وبلا مركز، وعاصٍ علناً... (حيث) لا تستطيع أن تغادر بيتك وتفترض أنه حين تعود إليه إذا ما عدت سيكون كما تركته".
وتبقى مقالة سعيد عن الراقصة والممثلة المصرية تحية كاريوكا الأكثر حميميةً وإدهاشاً في الكتاب. فكاريوكا ترتبط بذاكرة سعيد الذاتية، هي التي شكّلت إيقونة إيروتيكية، وظاهرة، فضلاً عن جانبها الفاتن والمغوي، لها رمزيتها الوطنية، كما يعتقد.
كان سعيد فتى في الرابعة عشرة من عمره حين ذهب مع اثنين من أصدقائه إلى كازينو بديعة لمشاهدة كاريوكا وهي تؤدي فاصلة من رقص شرقي مثير. فكانت لتلك المغامرة وهجها الجنسي الذي أشعل مخيلاتهم.
"وعلم كلٌ منّا أنّه يعيش تجربة إيروسية هائلة الإثارة، نظراً لإرجائها الذي لا ينتهي".
ويعود سعيد بعد خمس عشرة سنة إلى القاهرة ليراها في مسرحية يصفها بالمخيبة والمبتذلة. ومن ثم بعد أربع عشرة سنة أخرى سيلتقيها ليتحدّث معها وهي مسنّة مسلمة تقيّة.. وبين هذه المحطات المتباينة يرى سعيد أن كاريوكا كانت "رمزاً لكلِّ ما هو غير مُدار، وغير مضبوط، وغير مختار في ثقافتها". حرّة، متحدّية، شجاعة في مواقفها وعلاقتها بمراكز السلطة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- حكايتي مع فن الرواية، وتقنية ما وراء الرواية -شهادةُ روائيٍّ ...
- الترحال عبر الثقافات
- المكان الذي يعيد خلقنا روائياً: كتابي الأول غسق الكراكي
- الاحتفاء بالرواية وازدهارها في كتاب (تطوّر الرواية الحديثة)
- اللغة والسرد
- بطل الرواية الحديثة
- -حلم غاية ما- الوجود رؤىً وولعاً وجمالاً
- هذا البهاءُ المرُّ (نصوص)
- كافكا وفوكو وبوتزاتي في المستشفى
- سوزان سونتاج في يومياتها: كما يسخَّر الوعي للجسد
- هل من ضرورة لوجود المثقف في المجتمع والعالم؟
- ما الذي يعيق قيام الدولة المدنية في العراق؟
- المثقف.. المجال السياسي.. الدنيوية
- الحرية.. هذه الكلمة الغامضة
- العراقي سعد محمد رحيم: نحن بحاجة إلى إعادة قراءة فكرنا وإغنا ...
- الرأسمالية وصناعة الإرهاب المعولم
- الذات والآخر في السرد: قراءة تحليلية لمعضلة الهوية في الرواي ...
- الذات والآخر في السرد: قراءة تحليلية لمعضلة الهوية في الرواي ...
- الذات والآخر في السرد: قراءة تحليلية لمعضلة الهوية في الرواي ...
- الويل لمن لا يترك قصة في العالم


المزيد.....




- إنهاء أزمة الرهائن بمجمع ترفيهي وسط بريطانيا
- ليبيا.. سكان مدينة غاب يطالبون الجزائر بفتح الحدود مع بلدهم ...
- تيلرسون: نريد الحفاظ على علاقات وثيقة بجميع دول أزمة قطر
- وزير الداخلية العراقي يحذر -المتربصين- ويؤكد: بنادق الجيش وا ...
- السعودية.. مقتل مسؤول على يد أحد موظفيه وانتحار القاتل
- الدفاع الجزائرية: رئيس أركان الجيش يزور الجنوب في ظل أخطار م ...
- الجزائر تبحث عن حلول بديلة لإغلاق حدودها مع المغرب
- بعد مقتل المدونة غاليزا .. المالطيون يطالبون بالعدالة
- العبادي يصل إلى الأردن ثالث محطة في جولته الإقليمية
- حركة -التغيير- الكردية تطالب باستقالة بارزاني


المزيد.....

- -أقتحام السماء- تأملات في الحراك الشعبي / مزاحم مبارك مال الله
- طروحات إدوارد سعيد وحميد دباشي في الاستشراق وما بعد الاستشرا ... / ماد قبريال قاتوج
- الأعداد العشر لصحيفة الحب وجود والوجود معرفة الالكترونية (فك ... / ريبر هبون
- صحن الجن / عادل الامين
- لا يمكن الدفاع عن الطائرات المسيرة القاتلة أخلاقياً / فضيلة يوسف
- الاقتصاد السياسي للفئات الرثة الحاكمة في العراق / كاظم حبيب
- ملخص كتاب: ثقافة التنمية، دراسة في أثر الرواسب الثقافية على ... / عبد الكريم جندي
- قراءة ميتا- نقدية في كتاب -في نظرية الأدب: محتوى الشكل، مساه ... / علاء عبد الهادي
- مقدمة كتاب يهود العراق والمواطنة المنتزعة / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب -من يزرع الريح... - للدكتور ميخائيل لودرز - ال ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - سعد محمد رحيم - إدوارد سعيد: القاهرة ونجيب محفوظ وتحية كاريوكا