أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - الحرب على داعش في الرقة والمحتلون الجدد















المزيد.....

الحرب على داعش في الرقة والمحتلون الجدد


ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 5559 - 2017 / 6 / 22 - 15:24
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


إلى فراس... حارس ذاكرتنا، الباقي وحيداً هناك
وصفت لجنة تحقيق مستقلة تابعة للأمم المتحدة عدد الضحايا المدنيين في قصف قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمدينة الرقة بالمدهش. وقالت اللجنة إن فوق 300 سقطوا في هذا القصف خلال أيام، وأن 160 ألفاً تشردوا من منازلهم. مصادر رقاوية قدمت لائحة اسمية بنحو 600 شهيد قبل أسبوع من من تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة. النازحون من المدينة يحجزون من قبل "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) في معسكرات خاصة، وتصادر هوياتهم، وعليهم أن يثبتوا أنهم ليسوا دواعش. يتشكل العمود الفقري من قوات قسد من تنظيم الاتحاد الديمقراطي الكردي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا، والمرجع المعتمد أميركياً في "تحرير" المدينة. التخلص من داعش يبدو وشيكاً فعلاً، لكن يجري الأمر بصورة لا تبالي حياة سكان المدينة وعمرانها من جهة، ويبدو مرشحاً لخلق مشكلة إثنية متفجرة في االمنطقة من جهة أخرى. التنظيم الكردي الذي يشغل مواقع القيادة والتخطيط فيه كرد من تركية وإيران يتصرف مع الأكثرية العربية من السكان بصورة يمتزج فيها الاستعلاء والقسوة و"الرسالة التحضيرية". شكاوى السكان المحليين منذ الاستيلاء على تل أبيض عام 2015 أكثر تواتراً من أن يؤول الأمر كحوادث عارضة، وبعض منها موثق على كل حال في تقارير لمنظمات حقوقية دولية، مثل أمنستي إنترناشنال وهيومان رايتس ووتش. ومن هذه الوقائع نهب بيوت ومصارة ملكيات وترويع المدنيين ومنع عودة النازحين إلى قراهم، وممارسات إذلالية متنوعة.
لكن ما الذي جعل هذا العدوان على حياة السكان المحليين، قصفهم الأحياء السكنية العشوائي بالهاون وبالفوسفور الأبيض، والاعتداء على كرامتهم وملكياتهم، ممكناً؟ أولا وقبل كل شيء تدعيش السكان، اعتبار سكان الرقة حاضنة لداعش. هذا كلام قيل مراراً وتكرراً بحق سكان كانو مهمشين في غالبيتهم ومفقرين من قبل، وأسهم في خفض الحواجز الأخلاقية والقانونية والسياسية التي كان يمكن أن تحمي حياتهم. هذه آلية إبادة معروفة، نصادفها أيضاً في خلفية عمليات الجينوسايد الكبرى في المانيا النازية وفي رواندا وكمبوديا وغيرها.
ويندرج اتهام السكان المحليين بالداعشية في إطار سردية الحرب ضد الإرهاب التي تماهي بين الإرهاب وداعش والسلفية الجهادية عموماً، وتماهي من وجه آخر بين محاربي الإرهاب والأميركيين ومن يواليهم ويتبعهم. وهي لذلك بالذات لا ترى أن أول من وقع تحت إرهاب داعش هو سكان المدينة، وأن أبرز ثائريها اختطفوا وقتلوا في سياق استيلاء داعش عليها (ومنهم أخي فراس وطبيبي اسماعيل الحامض، وأصدقاء آخرون)، وأن سكانها هم من جرى الاستيلاء على ملكياتهم وتهجير كثيرين منهم. هذا الإرهاب الأول والأصلي هو بالضبط ما لا يهتم المحررون/ المحتلون الجدد بمحاربته. ولم يظهر الأميركيون وأتباعهم، ولو اهتماماً لفظياً، بمصير المخطوفين والمغيبين عند داعش، وليس هناك ما يؤشر على أدنى عناية بتحريرهم أو معرفة مصيرهم. بقدر ما يتعلق الأمر بالسكان المحليين، ما يجري هو أقرب إلى تجديد للاحتلال والإرهاب الداعشي، بقدر ما كنت داعش نفسها استمراراً للاحتلال والإرهاب الأسديين.
لكن ما الذي يفسر دور هذا التنظيم الذي وضع القضية الكردية في سورية ضد السكان العرب وليس في مواجهة النظام الأسدي الذي يحكم البلد منذ نحو خمسن عاماً؟ لا يكاد يكون هناك سر وراء ذلك. التنظيم فرع سوري لحزب العمال الكردستاني التركي الذي تشغل تركية موقع إسرائيله، وهو ما وضعه على علاقة قرب متفاوتة الدفء مع كل الدولة الأسدية في سورية ودولة الملالي في إيران. الواقعة غير المعروفة على نطاق واسع أن النظام سحب قواته من مناطق الكثافة الكردية في سورية لتركيزها في مواجهة الثورة في وقت دال جداً، تموز 2012، أي بالضبط وقت كان الحزب الإيراني يسيطر في دمشق في واقعة رمز لها في حينه اغتيال عنصر خلية الأزمة (18 تموز 2012). في الوقت نفسه تقريباً كان الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، أي النظير الإيراني لحزب الاتحاد الديمقراطي في سورية، يُجمِّد علمياته ضد دولة الملالي. وهكذا أخذت الساحة الكردية السورية التي كانت حتى ذلك الوقت جزء من الثورة السورية له مطالب خاصة، تتحول إلى ورقة بيد حزب العمال الكردستاني في تركية وحلفائه. في هذا الوقت بالذات، تموز 2012، كانت المظاهرات السلمية تتوقف في سورية، بفعل استخدام النظام لسلاح الطيران واستهداف حتى طوابير الخبز على نحو موثق في تقارير منظمات حقوقية دولية معروفة.
وقبل نهاية عام 2012 كانت تركيا تحرض تشكيلات من الجيش الحر على مهاجمة رأس العين ومقاتلة التنظيم الكردي، وهو مسلك عابث بالقضية السورية وضيق الأفق سياسياً، أسهم في جعل سورية ساحة إضافية للصراع بين السلطات التركية والتنظيم الأوجلاني. تركيا سهلت أيضا تدفق جهاديين أجانب عبر حدودها، مُعوّلة على قتالهم للتنظيم الكردي، وهو ما تحقق فعلاً. لكن داعش التي استقطبت معظم هؤلاء الجهاديين العنيفين، لم تقتصر على مقاتلة الكرد، وشملت حربها تشكيلات الجيش الحر ومجموعات إسلامية، واستولت في حركة توسع سريعة عام 2014 على الرقة ومناكق واسعة في دير الزور، وشرق حلب وحماه وحمص، وعلى الموصل في العراق، وحاولت في احتلال عين العرب/ كوباني، البلدة ذات الأغلبية الكردية شمال شرق حلب. هنا وقع التدخل الأميركي، وجرى صد داعش عن البلدة التي تدمرت بصورة شبه كلية.
التنظيم الكردي ذي الخبرة القتالية الطيبة والهيكلية المتينة المستمرة طوال ثلاثة عقود ربط نفسه بعد التدخل الأميركي باستراتيجية الصراع ضد داعش، وعمل على الارتباط بالروس أيضاً بعد تدخلهم عام 2015 لمصلحة النظام. لكنه تحول عبر هذه الروابط مع قوى دولية نافذة، وانخراطه في حرب اختيارية وهجومية في مناطق ذات أكثرية عربية، إلى تغليب أجندة حزب العمال الكردستاني في سورية على حساب الأجندة الخاصة بحقوق الكرد السوريين، على ما أظهر تقرير للمجموعة الدولية الخاصة بالأزمات في تقرير لها صدر في 4 أيار من هذا العام ("خيار حزب العمال الكردستاني المنذر بالسوء في شمال سورية").
الارتباط بالحزب الأوجلاني التركي يفسر واقعة عجيبة أخرى يبدو أنها أدهشت الكرد السوريين مثل غيرهم: تلك الرمزيات الحديثة التي جرى تعميمها على نطاق عالمي بعد معركة كوباني، مشفوعة بخطاب اجتماعي تحرري (مظهر النساء، تناصف المناسب بين الجنسين، خطاب عن الإدارة الذاتية الديمقراطية...). هذا يمد جذوره في حياة فكرية وسياسية تركية أنشط بكثير من سورية، ومتوجهة نحو الغرب منذ أجيال، مع وجود جاليات كردية كبيرة من كردستان تركية في أوربا. ليس للأمر ذاكرة في سورية، ولا منابر ولا نقاش، ولم تبذل في أي وقت جهود للتواصل مع أي بيئات اجتماعية او ثقافية أو سياسية سورية، وتبدو محدودة جدا حتى في النطاق الكردي السوري.
والقصد أن التقاء هذه العناصر: حداثة برانية تصلح للتسويق في الغرب، واندارج في مخطط تنظيم غير سوري أقرب للنظام السوري والإيراني، واعتلاء قطار الحرب ضد داعش، هو ما جعل قتل مدنيي الرقة وإذلالهم مأمون العواقب.
وليس إلا مطالبة برخصة مفتوحة في القتل اتهام كل من يعترض على منهج الإذلال بأنه داعشي. هذا منهج النظام وأتباعه في رد الصراع في سورية إلى ثنائية النظام أو الإسلاميين. وهو واقع اجتهد النظام بكل طاقته من أجل صنعه، ولا يزال غير محقق. صناعة كهذه أيضاً يشتغل عليه التنظيم المعتمد عند الأميركيين حين يتوسط لديهم لاستبعاد تشكيل "لواء ثوار الرقة" المكون من مقاتلين محليين من معركة تحرير مدينتهم. اللواء كان مقاتلاً لداعش طوال الوقت، وهو جزء من "قسد". الجماعة يصنعون الواقع الذي يحبون الشكوى منه.
تبقى نقطتان جديرتان بالذكر. يخطئ معارون وناشطون عرب حين يتكلمون على تنظيم الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية بأنه انفصالي. فعدا أن هناك حقا مبدئياً للكرد في دولة مستقلة، ينفصلون فيها عن الدول التي تقاسمت كردستان، حسب السردية القومية الكردية (الانفصال عن سورية وحدها متعذر لعدم التوصل الأرضي بين مناطق الكثافة الكردية، ولقلة المناطق الصافية كردياً)، المشكلة في الواقع هي أن التنظيم فرع لحزب آخر، أن الاستراتيجية تصنع في مكان آخر ولغرض آخر، لا تكاد تكون سورية غير ساحة له، ولا يكاد يكون كردها ذاتهم غير ورقة فيه. ما ليس مقبولاً ليس طموح الكرد السوريين للانفصال، بل توجيه هذا الطموح ضد السكان غير الكرد (والكرد المعارضون للتنظيم الأوجلاني)، وممارسة من كانوا مضطهدين قبل قليل الاضطهاد في مناطق عربية كان سكانها مهمشين من قبل الدولة الأسدية.
النطقة الثانية تتعلق بمستقبل الرقة والجزيرة بعد داعش. ليس هناك مؤشرات على التزام أميركي طويل الأمد في الجزيرة السورية. هذا يترك الباب مفتوحاً لإعادة المنطقة إلى الدولة الأسدية، وحلفائها الإيرانيين والعراقيين. قد نرى ذلك خلال أشهر من اليوم. هل هناك احتمال لعمليات تطهير عرقي يشكل استرخاص حياة مدنيي الرقة تمريناً عليها؟ هذا ربما يحتاج إلى إحياء داعش بعد موتها، أو إبقاءها قادرة على القيام بعمليات إرهابية، تسوغ حملات تأديبية وتطهيرية بحق السكان من وقت لآخر. تهجير سكان مناطق متعددة من قبل الدولة الأسدية يمكن ان يكون نموذجاً يحتذى في هذا الشأن. وتحت جناح الحرب يمكن أن ترتكب جرائم كبيرة، وتغطى جرائم كبيرة.
ما يستمر من الأسدية إلى داعش إلى "قسد" هو تجريد السكان من ملكية منطقتهم وتمثيل أنفسهم والعيش بكرامة على أرضهم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الصحة سلاحاً: الحرب على المرافق والعاملين الصحيين في سورية
- تطييف، لا طوائف ولا طائفية
- الهزيمة والدولة، حزيران 67 ودولة حافظ الأسد
- 11 ملاحظة لعلماني سوري على الإسلاميين السوريين
- -عبرنا جسراً، وقد اهتزّ-/ وندي بيرلمان وأنسنة القصة السورية
- الديمقراطية الليبرالية في أزمة، في العالم وعندنا
- تشومسكي في نظرة سورية
- صادق جلال العظم: الاستشراق، الاستشراق المعكوس وسياسة المثقف
- سورية بين مستحيلات ثلاثة
- داعش في العالم: الآثار الحقوقية والسياسية لظهور كائن مجنون
- السُّنّة التدمُرية: صيدنايا، التحول العنصري، الإبادة
- سميرة... العلوية!
- العار والذات
- سميرة ورزان والحجاب: استعادة كرامة السفور
- -سورية، الدولة المتوحشة-: الكتابة ضد الاختزال
- سميرة من سورية
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي
- يوم للصمت
- النظام الشرق أوسطي والسياسة المستحيلة
- تجربة الغياب: عن سميرة ورزان ووائل وناظم


المزيد.....




- الدفاع الروسية: تحرير أكثر من 98% من أراضي -داعش- في سوريا ...
- واشنطن ترسل عددا كبيرا من الطائرات إلى كوريا الجنوبية
- ضابط بريطاني متنكر يحبط عملا إرهابيا
- هل يتمكن العبادي من القضاء على الفساد؟
- المغرب يستجلب المطر بصلاة الاستسقاء
- قافلة مساعدات إنسانية إلى مدينة البوكمال تثير جدلا في إيران ...
- تركيا تنوي مطالبة 22 دولة بتسليم 45 من قادة -الكيان الموازي- ...
- السجن 6 أشهر لشرطي فرنسي صفع مهاجرا
- داعش يقطع رؤوس 15 من مقاتليه في أفغانستان
- الهيئة العليا للمفاوضات السورية تشكل وفدها إلى جنيف


المزيد.....

- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي
- أسطورة الفاتح أو المنتصر - ماكسيم رودونسون / مازن كم الماز
- كلمة افتتاح المؤتمر الوطني 11 للحزب الشيوعي اللبناني / خالد حدادة
- وضع المصريين المسيحيين بعد ثورتين / محمد منير مجاهد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - الحرب على داعش في الرقة والمحتلون الجدد