أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حاتم جعفر - سفرة إفتراضية لزمان ومكان قضيا قصراً















المزيد.....

سفرة إفتراضية لزمان ومكان قضيا قصراً


حاتم جعفر

الحوار المتمدن-العدد: 5539 - 2017 / 6 / 2 - 01:31
المحور: الادب والفن
    


سفرة إفتراضية لزمان ومكان قضيا قصراً
الى رشاد حميد الذي يشكو من لوعة الحنين الى الماضي وهو في وطنه
الى سعد عبد عيسى الذي يبحث في الذاكرة عن مواطن الزمن الجميل الذي فقده
وقبلهما الى الاستاذ صلاح وهابي الباحث في درابين مدينته عن مواطن الجمال والتأريخ المعلى
الى كل من رفع عالياً راية الاحتجاج والتمرد بوجه السفلة
في الأيام الاولى لغربتنا، إجتهد أحدهم بالقول وأظن اسمه حيدر صالح: علَّمني البعثيون ان لي وطنا نسيته الى الأبد، بسبب سياسة البطش والسطوة المطلقة. أمّا الآن فهناك من يقول وأنا من بينهم، علمني الحكام الجدد بأننا كان لنا وطناً قد تم سحقه كما تسحق الوردة، ولكن الوردة ستحيا من جديد وسنشم عطرها، أمّا أعداءها فهم الى زوال، فلم يبقَ بيننا وبين التغيير الاّ بعض خطى، أو إن شإت رمية حجر، فقل يا (سعد) لبنات المدينة ونسوتها أن يلبسن أزهى ما عندهن وأن يوقدن الشموع، فنهر خريسان سيرفل بوفرة مياهه وأعذبها.
الحالة الأولى: الحلم
قال لي صاحبي ما الرأي عندك لو عقدنا العزم على السفر سوية صوب ما كنّا نسميه وطناً، ونرى ما حلَّ بالدرب المؤدي الى نهر المدينة، بعد غربة دامت قرابة الأربعين عاماً، قلت له أيهما، قال الاثنين معا، فشددنا الرحال على عجل ومضينا فرأينا هول ما رأينا. ومن شدة وقع الصدمة صرت في حالة كما الذي فقد الصلة بالمكان حتى خلتُ نفسي بأني أسير تحت جنح من الكوابيس وشياطين أرض، بعمائم مختلفة الألوان والأشكال، وقد خَلَت وجوهها من آيات الحسن والجمال، ومن نِعَم الخالق ورحمته، حاولت إستعادة ذاكرتي فشحذتها ما إستطعت غير انها إصطدمت بصور الحاضر وأي حاضر.
بعد عودتي الى مستقري في الغربة المفروضة عليَّ، عاتبني البعض لعدم قيامي بزيارة فلان وفلان وفلان والقائمة تطول، فتذرعت بضيق الوقت وبإنعدام القدرة على التحرك بين شوارع ودرابين، إكتضت بسقط متاع الأرض بل أرذلها، غير انهما لم يسعفانني على الإنفلات والخلاص من المأزق. فكرت في أن أستعين وأتكأ على سبب ثالث والذي أظنه هو الآخر كان قد وقف حائلاً وعائقاً بيني وبين الإلتقاء بمعارفي، علَّه يجد لي العذرا، فألفتني وفي داخلي أقول لهم: لإصارحكم الحقيقة، فمنذ أن وطأت قدماي الأرض، وأنا أشعر بإنهيار قواي، غير اني أعدلتُ عن ذلك وتراجعت في اللحظة الأخيرة، فقد أحسست بحراجة موقفي، أمام وجع أهلي حيث هناك وما يكابدونه كل يوم بل وكل ساعة.
ولأجل راحتي وبلفتتة حانية قال لي بعضهم، إنك رحت المكان الذي كنت تظنه، أو ذاك الذي تحتفظ به ذاكرتك، وهذا خطأك الأول. أمّا الزمان، وهنا أضافوا سبباً آخر، فليس زمانك فقد تعاقبت أجيال وأجيال، وهذا خطأك الثاني،. ولأنّ الحال وصل بنا الى ما وصلنا اليه، فعليك يا صاحبي الإنتظار حتى إنبلاج الفجر والحقيقة معاً، فما ترويه الآن يتحدث عن مدينة كانت هناك وأصبحت أثر بعد عين، فكانت لعيني لغتها حتى تقطَّرت دماً. ثم قلت لهم ما حيلتي إذن وانا في شوق الى نبعي الاول ومرابع طفولتي، قالوا دعك من هذا وذاك وخذ كأسا او كأسين من الراح، وأظنهما كافيان لعمرك بعد ان عبرت الستين، لتنسى ان كان لك حياً او مدينةً أو وطناً اسمه العراق، غير اني أبيت سماع قول كهذا، فانتفضت لأجد نفسي في حُلمٍ فيه من الغثّ ما لا طاقة لي عليه، كذلك من متاعب غربة طال أمدها، فأصبحت في حيرة من أمري، لأتسائل وأنا في حالة الصحو: متى نعود؟

الحالة الثانية: العودة بالذاكرة
عِبْرَ الهاتف وقبل توجهه الى وطنه بعد فترة غياب مفروضة عليه، إستغرقت دهراً من الزمن، وبأسلوب بدا كما المُنبه والمحذر له من بعض التغييرات، بل قُل التحولات الجذرية التي حصلت بغيابه والتي قد يتفاجىء بها حين ذهابه، قال له أحد أصدقائه القدامى وبحديث حرص من خلاله تنشيط وشحذ ذاكرته، ليستعيد ما ظلَّ عالقاً في ذهنه:
لا أظنك نسيت بهذه السرعة نقطة التلاقي التي اعتدنا على التجمع عندها، والتوجه منها سوية كما سالف الأيام الى إحدى البساتين المطلة على النهر، والتي كنا نسميها مجازاً بالحانة، لا تتعجل فإذا لم ترق لك تلك التسمية فيمكنك أن تسَمّيها ما شِئت. المهم سيصادف وصولك وقت الأصيل، وعند نزولك من الحافلة التي ستقلّك من مكان ما، حاول أن تمشي بمحاذاة النهر بإتجاه وسط المدينة، لا يهم أن تأخذ جهة اليمين أو اليسار.
ستمر بعد ذلك بأحدى الواجهات الكبيرة والمرتفعة نسبياً والتي تقع على يمين النهر، نعم لا زالت كما عهدتها محتفظة بجمالها رغم الإهمال الذي أصابها، والتي تشبه الى حد كبير تلك الجداريات المعلقة في إحدى المدن العريقة في اوربا، لا أتذكر اسمها الآن فلا تسألني عنها، ولكنها عُرفَتْ بفن العمارة منذ بواكير عصر النهضة. ستجد مكتوباً على هذا البناء وبالخط الكوفي المربع ( لقد تم تشييد سينما ديالى في عام 1949. فيما بعد وانا لازلت أدون هذه السطور، جاء في الأخبار إنَّ واجهة السينما التي هي موضع حديثنا، قد جرى إغتيالها هي الأخرى، في محاولة دنيئة لمسح ذاكرتنا)، وما أن تتجاوزها بدقائق معدودات وبذات الاتجاه ستشد إنتباهك بعض البيوتات الحديثة البناء، وعلى ما أتذكر فقد لَحِقتَ على وضع حجر الأساس عند الشروع بتشييدها، الاّ إنك إضطررت مغادرتها مبكرا، ومن قبل أن تراها عيناك الى غربة لم تكن في الحسبان.
ستجتاز بضعة قناطر بُنيتْ بشكل عفوي وفي أزمنة متباعدة، بعضها شُيِّد في فترة قالوا عنها غابرة، غير انها أضفت جمالا على جمال انسيابية مجرى النهر، نعم إنها القناطر ذاتها، لم يتغير منها شيئاً سوى عوامل الزمن. سترى على ضفتي النهر حدائق زاهية، غناءة، متنوعة الأبعاد والألوان، كانت تضم بين جنباتها أشجار باسقة، شاهقة، لا تتفاجأ لو لاحظت بعض التغيير الذي طرأ عليها، ألا تتذكر يوم عبثت بها بعض الايادي في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وفي غفلة من الجميع ولأسباب شتى؟ غير انها استعادت عافيتها على عجل، ولكنها لم تعد كما كانت عليه بكل تأكيد.
أعتقد انك وبعد برهة ليست بالطويلة من الوقت، ستتمكن من مسك معالم هامة من مدينتك، وأغلب الظن ستلتفت الى جهة اليمين لتتكشف أمامك بضعة مقاهي، مسترخية لا يفصلها عن نهر خريسان سوى شارع كنا نظنه رحبا، واسعاً يوم كنا صغارا، ستتفرع منه بضعة درابين وأزقة، لتلتقي ثانية فيما بينها ولتشكل حياً شعبياً، لا يقل عراقة عن حيّكَ القديم. وقبل أن يفوتني وعلى ذكر الحدائق الملاصقة للنهر، هل تتذكر يوم تباريا طيبا الذكر أبو بحر صاحب المطعم وأحد عمال البلدية، على تقليد صوت الفنان الكبير فريد الأطرش واُغنيته الشهيرة (بساط الريح) وانتهت بهزيمة الأول، مما أدى بعامل البلدية أن يزداد غروراً وزهواً وثقة كلما التقيناه، بل كان يحرص أيضاً على إسماعنا بعض من تلك الأغاني الخالدة، رغم كل المحاولات التي كنّا نبذلها في سبيل الإفلات من قبضة صوته، بسبب ميولنا وتعاطفنا مع مطرب آخر أكثر شباباً.
سوف لن اضيف شيئاً إن قلت إنَّ المشي بمحاذاة النهر سيأخذ بعض الوقت. أما إذا واصلت السير بذات الإتجاه فسترى على جهة اليسار ملامح الحي القديم الذي سكنته ذات يوم. ربما سيمر من أمامك فلان أو فلان وقد ضربهم العمر وغزاهم الشيب مثلما غزاك، فيتعذر عليك وعليهم معرفة بعضكم بعضا، الاّ بعد إطالة النظر والإستعانة بأحد الأصدقاء أو مَنْ سيرافقك، لا تستغرب إنها لعبة الحياة وفعل الزمن. على يمينك سترى حشد من العربات المتوقفة التي تجرها الخيول، ولكن عليك أن لا تجهد نفسك فسوف لن يكون من بينهم من كنا نُسميه بسيد الحوذيين، فلقد رحل مبكرا، يقال أنه قد توفي كمداً على رحيل حصانه (الوحيد).
المحال التجارية الواقعة على الجهة اليمنى من النهر لازالت كما هي، ولكن بغياب بعض أصحابها الذين غادروا الدنيا تباعاً، وضربها العمر هي الأخرى. لازال ذلك الباب الواسع قابعاً في مكانه والذي يؤشر الى انه كان في سالف الايام خاناً أو نحو ذلك، نعم انه خان علي الحسون والذي ورثه من بعده ولده فيصل، ويقال والعهدة على مَن نقل الخبر، بأنه يعاني من بعض الأمراض بسبب السمنة المفرطة، وأتمنى أن لا يكون الخبر صحيحاً. عند وصولك هذه النقطة يعني أنك قد قطعت الشوط الاكبر والمهم من المسافة المطلوبة، فهو المكان الذي ستنطلق منه ويؤدي بك ويدلك على سَلْك الطريق الصحيح.
آمل أن تركز معي قليلا، فبعد إجتيازك لكل هذه المسافة، لم يتبقَ أمامك غير الجزء اليسير من الوقت والمسافة، فما عليك الاّ أن تضع القنطرة الرئيسية التي تقع في قلب المدينة خلف ظهرك، وتتجه نحو الجهة التي يطل من زاويتها اليسرى مقهى البغدادي، وعلى الزاوية اليمنى سيقع ناظريك على بناء تجاوز هو الآخر عمر الكهولة، يضم عدداً محدوداً من الدور السكنية، وبجانبها محلا تجاريا يعود الى أبو سمير، صاحب المكوى البخاري، نعم هو نفسه مير اليهودي، آه كم كرهت أن يُرفق اسمه بهذا اللقب، ولكن ما حيلتي اذ لابد من التعريف به، فربما نسيه البعض.
أرجو أن لا يأخذك الشوق والحنين واللهفة وتدخل المقهى أو المحل فلهما وقت آخر، بل عليك مواصلة السير نحو جهة الشمس وستقطع شارعاً ليس بطويل وليس بمستوي أيضاً، يترنح مرة يمينا ومرة شمالا، وعلى جانبيه سترى بنايات، ستتداخل طرازاتها بين القديم والحديث، مما يدلل على أن أكثر من يد أو جيل قد تدخل في الشكل الهندسي الذي استقرت عليه تلك الأبنية والشارع معاً.
ستصادفك من الجهتين أيضاً بعض التفرعات الصغيرة جداً والتي كنا نسلكها أحياناً إختصاراً للوقت والجهد، فعلى اليمين سيفضي بك زقاق صغير جداً، يؤدي امتداده الى سوق قديم، لم يتبقَ منه الاّ بضعة دكاكين، آيلة للرحيل هي الأخرى كما رحل عنها أصحابها وأولهم إن لم تخنِّ الذاكرة جدّوع أبو الفحم. واذا ما اتجهت يساراً فستدخل الحي القديم الذي سكناه ذات يوم، ولكن عليك ان لا تتوقف بل واصل السير حتى الهدف المرتجى.
بين القنطرة الرئيسية والمكان الذي اعتدنا أن نلتقي عنده والذي كان يجمعنا في السنوات الماضيات، سوف لن يستغرق من الوقت أكثر من عشرة دقائق مشياً، وأعتقد إنك سوف لن تحار فستنجلي الصورة وتتضح الرؤيا. وبعد قطعك لتلك المسافة، ستقع على يسارك البوابة الرئيسية لبناية السراي، آه كم أحَبَّها صديقنا الذي رحل مبكراً سعد محمد حبيب وإبن عمه رباح حسن (لماذا رحلا مبكراً)، حيث كان لهما هوى هناك وكاد قلبيهما أن يسقطا من بين يديهما، ضحية للعشق، بعد أن حُوّلَ المبنى من دائرة للموظفين الى مدرسة للبنات، اليافعات العمر.
على يمينك سينفتح شارعا واسعاً، سيؤدي بك الى دائرة البريد المركزي القديم للمدينة، رغم انّا وعلى ما أتذكر لم ندخله في حياتنا ولا لمرة واحدة، ولم يدر في خلدنا آنذاك أن نبعث من خلاله برسالة الى أي شخص أو جهة، المهم فهو لا زال كما عهدته، وقد يبدو لناظريك إن نويت المرور به وللوهلة الأولى أصغر حجماً مما ألفته، إنها لعبة الوهم التي ترافق أعمارنا، فالأبعاد والأحجام على ما أعتقد تتغير هي الأخرى، نصيحتي لك أن تؤجل زيارته هو الآخر الى صباح اليوم التالي، في كل الأحوال فهو لا يبعد أكثر من مائة متر عن المكان الذي كان يجمعنا، وسترى أمامك وهنا مربط الفرس وما ينبغي الوصول اليه: انه صفٌ من النخيل، ستجده شامخاً كما الفته على جانبي درب البساتين، ومنها ستواصل سيرك نحو بستان أحد أعلام المدينة وكبارها، ولنسميه بستان أبو وعد النادي. ( مَنْ يعود الى الوراء ويشحذ ذاكرته ويحثها، سيكتشف مَن يكون الشخص المعني)
أعتقد بل أجزم بإنَّك في رحلة العودة هذه الى أهلك، سوف لن تشعر بالتعب أو الملل، فالوقت الذي ستقطعه بين المحطة وحتى الهدف المنشود، سوف لن يستغرق طويلا، وأظنٌ إنَّ ساعة وصولك ستتصادف وحلول وقت أصيل الشمس أو بعده بقليل، كما كنت قد نوهتُ عن ذلك في أول حديثنا. ربما ينتابك الآن إحساس غريب، أدركُ ذلك، وأدركُ أيضاً اني قد أطلت عليك وَفصَّلتُ كثيرا، وقد ترى في إستفاضتي ما لا يلزم وما لا ضرورة له، وعلى ما أظن فإنك ستتذكَّر مدينتك جيداً وقبل أن تطأ أرضها.
وكي لا أنسى وأنا في زحمة الماضي وتداعياته وأوجاعه ومسراته، هناك أمراً هاماً لا بد من الإشارة اليه، إذ كثيراً ما يسرني ويسعدني ويتملكني أيضاً إحساس غريب، فمع كل مرة أعيد فيها سرد تأريخ مدينتي وأتذكر شخصياتها، ينتابني شعور وكإن باباً من الراحة والسكينة تدخلان قلبي، فكلما أعدتُ رسم خارطة المكان الذي فقدته في زمن ما، كلما إزددت شوقاً إليه، وكذلك أزداد معها ثقة وأطمئناناً بأني سوف أكون هناك ذات يوم.
(بعدما إعتقد كلانا بأنّا أفرغنا ما في جعبتنا، كان علينا إذاك ان نغلق سماعة الهاتف، الاّ ان صاحبي توقف وبشكل مفاجىء عند العبارة الأخيرة، فبدت بالنسبة لي كما الذي تنبه الى أمر ما، ليقول وبصيغة لا تخلو من الدهشة والتساؤل): أأفهم من هذا إنك تحدثني من خارج الوطن أيضاً؟ قلت له أجل، عند هذه اللحظة شعرت بأنه قد توقف لبرهة عن الكلام وبشكل أوحى لي كإنه مقبل على إنهاء المكالمة، غير ان ذلك لم يحدث بل على العكس حيث لم يكتفِ بعدم التعليق، بل طلب مني الإستمرار، راجياً كذلك الدخول في تفاصيل أكثر عن مدينته، لذا رحتُ بعيداً في نشوتي وسردي لأزداد تألقاً، بعد أن طاب له الوصف:
إنه درب البرتقال ورائحة الليمون وصف النخيل المفضي الى النهر، وقبل دخول زائريه أحد بساتينه التي ستكون بإنتظارهم والواقعة بمحاذات النهر، ستشد إنتباههم تلك اللوحة المعلقة على بابها، ليقرأوا ما جاء فيها، بصمت وسكينة:-
إنكم تقفون الآن عند البوابة الرئيسية لبستان أبو وعد النادي، لا يفصل بينكم وبينها سوى عتبة مباركة تكاد أن تستوي مع الارض، ما إن تطأها أقدامكم، اليمنى أو اليسرى، لافرق، حتى تصبحوا في مأمن وطمأنية، كذلك تحت حماية صاحبها وراعيها. نحن أصدقاء وأخوة له، ونحن مَنْ كتبها. نقولها صادقين لكل من ستقع عيناه عليها، الآن وفي المستقبل، لقد فضلنا له أن يكنى بهذا الاسم على إسمه الصريح، رغم رفضه وتردده في قبوله، الاّ إنّا رأينا في ذلك ما يضفي لمسة من الوفاء على وفاءه، ومن ألايقاع الشعري ما يطيب لنا سماعه، ويأتي أيضا تخليدا لما صنعت يداه ووعداً منه لوَلده البكر وَعد، الذي سيخلفه من بعده لحماية ما بناه أباه. انها بستان حقاً، خضرتها نظرة وأزهارها متنوعة، أمّا عطرها فأخاذ أخاذ، سيصل شذاه بلا شك الطرف الثاني من النهر. بها من الوان الطيف ما يدور مداه بين الابيض والاحمر، وقد يتسلل احيانا من بين ثناياه ليضم ورودا من ألوان شتى.
قال عنها زوارها بكلمات من الفخر والغبطة:
أبواب بستان أبو وَعد النادي، لا تُفتح الاّ لمن يتسامى وتراتيل العشق، إن نويتم دخولها فأدخلوها آمنين، انتم روادها وانتم سدنتها كما أنتم جلاسها. كلكم سواسية حين يحلوا لكم المقام فيها، لافرق بينك وبين من يجاورك في التمتع بإيوانها الاّ بدرجات النشوة المباركة، فمنكم من يأخذه الخمر ولم ينهِ بعدُ مُدامهُ الثاني، ومنكم من ينتظر حتى آخر رشفة ولم تصدمه بعد حُميّا الكأس. كلنا أسرى وجرحى في هذا العالم وبوصلة الحق مثلومة ولم تُنصف الاّ قليلا، ومن كان جرحه غائرا فلا شفيع له حتى لو أتى على قارورة من الراح. نحن هنا لنداري بعضنا بعضا ونُعضد بعضنا بعضا، ناشدين السعادة وإن لبضع ساعات، علها تعيننا على تحمل متاعب اليوم التالي وما لا ندركه.
- هل لا زلت على الخط أم إنشغلت؟
- نعم لا زلت وأنا مصغٍ اليك بكل جوارحي، وما عليك الاّ أن تكمل.
-إذن سنكمل:
غير أنّا لم تفتنا رغبة التواصل مع بهجة الروح، بل لنا فيها رأياً، بَقينا حريصين على الأخذ به، فلنا قلباً له مايسعده ويؤنسه، ولنا أيضا من الصداقات ما تتقاطع معنا في مواقع وتختلف في اخرى، وتدعونا أحياناً الى إعادة النظر فيما نحن ذاهبون اليه، ولنا في ذلك رأياً، وأجمل الحلول كما نظن هي تلك التي تتقاسم الحقيقة. لنا أحبة عاشوا من قبلنا ورحلوا كما سنرحل من بعدهم، هم من أرسى قواعد الحب والغناء والليالي الملاح، وها نحن ننعم بما تركوه لنا، ونغفو على نغمات من الخمر والسحر، وعلى شاطىء من تراب ندي، يشابه رائحة الاقحوان، وتحت ضوء قمر عاهَدنا كما في كل مرة، أن يبقى يساهرنا حتى زقزقة العصافير وانبلاج الخيط الاول من الفجر، هنا ليلتك وهنا ليلتي، فأنت في بستان أبو وعد، مأوانا الذي نلوذ به بين الحين والحين، فهو قلعتنا المعطرة بالياسمين ومكانا للمحبين والحالمين، زادها الشوق وشرابها عصارة التمر المعتق.
-عاد ثانية الى صاحبه ليسأله مرة اخرى، هل لازلت على الخط؟
- نعم، أرجوك المواصلة.
- للأسف لقد انتهت الفقرة المكتوبة والمعلقة على باب البستان. هل تحب أن أصف لك ما سيحصل بعد ذلك؟
- بكل سرور.
بعد أن ينتصف الليل أو يكاد، ستضرب النشوة أصحابها ويبدأ أبو وعد النادي ألقه ويروح مُنشداً:
حين فارقتهم، هِمتُ على فراقهم
حين فارقتهم، بكيت عليهم،
فأحتفظت بحزني لوحدي،
ثم بكيت ثانية وخشيت أن تفضحني عيوني،
فأخفيت دمعي بين ضلوعي ولم أبح بها لأحد.
- عاد ثانية من كان على الطرف الثاني من الخط ليسأل، هل لا زلت معي؟
- نعم.. نعم
- ملاحظة مهمة وقبل أن يفوتني التذكير بها، إذ لابد من التوقف والوقوف عند هذه الأغنية، ولا أظنك نسيتها، فقد كانت شائعة جداً في ذلك الوقت، ومن يحاول إرجاعها الى اللغة المحكية سيتذكرها حتماً، وبشكل خاص من قبل اولئك الذين سبق لهم وإن دخلوا البستان وسمعوها على لسان أبو وَعد النادي شخصياً وليس من أحد سواه، فهي لازمته وحكراً عليه ويؤديها بصوت شجي وكلما طابت نفسه.
- الآن يمكننا أن نتوادع على أمل اللقاء فعلاً وليس عبر الهاتف وبأقرب فرصة ممكنة وفي بستان ابو وعد النادي.


حاتم جعفر - السويد





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,158,229,081
- على هامش المقابلة الدكتور رائد فهمي والقناة العراقية
- آذر نفيسي ...... ما لها وما عليها
- ناظم متي وأشياء اخرى
- حيرَة عزيز الحسك ومحنته
- سنوات الحشر العشرة
- طائر حطّ على سبأ ( الانتماء والرحيل )
- هدأة الروح
- نحن ويالطا والروس
- ساسة العراق والكيل بعشرة
- المالكي ميكافيليا
- هنا العراق ... هنا الكرامة
- قريبا من المتنبي
- النص بين الرواية والتدوين
- ما بين لوركا والمعاضيدي
- محكمة التفتيش البغدادية
- المصالحة الصعبة
- مؤامرة على الطريق
- في نقد ( الباب العالي )
- بأنتظار كلكامش
- بعيدا عن الركن الهادىء


المزيد.....




- لغة الضاد في بوليود.. -122- أول فيلم عربي مدبلج للهندية
- صدر حديثا ضمن سلسلة الروايات المترجمة رواية -كابتن فيليبس- ...
- صدر حديثًا كتاب -صباحات الياسمين- للكاتب محيى الدين جاويش
- توزيع جوائز ابن بطوطة العالمية لأدب الرحلة
- هل ترك الممثل المصري الراحل سعيد عبد الغني وصية؟
- عضوة أكاديمية نوبل للآداب المثيرة للجدل توافق على الرحيل
- قرار رسمي بخصوص اتهام سعود الفيصل بإنتاج أفلام إباحية
- هل أسلم نابليون بونابرت سرا في مصر؟
- مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال
- هوغان من برلين: أنا مسرور ووجودي هنا للاحتفال بقرار الاتحاد ...


المزيد.....

- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور
- القضايا الفكرية في مسرحيات مصطفى محمود / سماح خميس أبو الخير
- دراسات في شعر جواد الحطاب - اكليل موسيقى نموذجا / د. خالدة خليل
- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حاتم جعفر - سفرة إفتراضية لزمان ومكان قضيا قصراً