أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جواد البشيتي - أسرار قوَّة وحيوية الفكر المادي!















المزيد.....



أسرار قوَّة وحيوية الفكر المادي!


جواد البشيتي

الحوار المتمدن-العدد: 5532 - 2017 / 5 / 26 - 12:20
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


جواد البشيتي

ما هي "المادة" Matter؟
إجابة هذا السؤال هي نفسها "تعريف" المادة؛ لكن، ما هو تعريف "التَّعْريف"؟
لو عَرَّفْتَ "الإنسان"، لَقُلْتَ، في مستهل تعريفكَ له، إنَّه "حيوان.."؛ ولو عَرَّفْتَ "الهيدروجين"، لَقُلْتَ، في مستهل تعريفكَ له، إنَّه "غاز.."؛ ولو عَرَّفْتَ "النحاس"، لَقُلْتَ، في مستهل تعريفكَ له، إنَّه "معدن..".
الإنسان حيوان..؛ وهذا يعني أنَّ كل إنسان حيوان؛ لكن ليس كل حيوان إنسان؛ الهيدروجين غاز..؛ وهذا يعني أنَّ كل هيدروجين غاز؛ لكن ليس كل غاز هيدروجين؛ النحاس معدن..؛ وهذا يعني أنَّ كل نحاس معدن؛ لكن ليس كل معدن نحاس.
منطق "التعريف" هو نفسه منطق صِلَة "الخاص" بـ "العام"؛ فالشيء المُراد تعريفه، يُسْتَهَل (ويجب أنْ يُسْتَهَل) تعريفه بوَصْلِه بـ "العام"؛ فالإنسان حيوان، والهيدروجين غاز، والنحاس معدن.
بما يُوافِق هذا المنطق، هل يمكن تعريف "المادة"؟
كل شيء (إنسان، حيوان، هيدروجين، غاز، نحاس، معدن، بروتون، إلكترون، ذرَّة، نهر، كوكب) يُمْكِنكَ أنْ تقول، في مُسْتَهِل تعريفكَ له، إنَّه "مادة.."؛ لكنْ، هل ثمَّة شيء (في الكون) أَعَم من "المادة" حتى نَصِل "المادة" به، أو نَنْسبها، ونردها، إليه؟
كلاَّ، لا شيء في الكون أَعَم من "المادة" حتى ننسبها إليه؛ فإنَّ "المادة" ليست بـ "جزءٍ من كُلٍّ" حتى نَرُد هذا "الجزء" إلى "كُلِّه".
"المادة" ليست الذرَّة، وليست الإلكترون، وليست البروتون، وليست الكوارك، وليست النيوترينو، وليست الفوتون، وليست البوزيترون؛ وهي ليست الكوكب، أو النجم، أو المجرة، أو عنقود المجرَّات، أو الطاقة، أو الطاقة الداكنة، أو المادة الداكنة، أو النجم النيوتروني، أو "الثقب الأسود". إنَّها جوهر هذه الأشياء جميعاً، وجوهر كل شيء؛ فـ "الشيء" هو "المادة بإحدى صًوَرِها".
لا تُميِّزوا "الطاقة" من "المادة" في قولٍ من قبيل "المادة تتحوَّل إلى طاقة؛ والطاقة تتحوَّل إلى مادة"؛ فإنَّ "الطاقة" هي جزءٍ من كُلٍّ، يسمَّى "المادة"؛ ولا تتحدَّثوا عن "جسيمات مادية" وأخرى "لامادية"؛ ولا تُعرِّفوا "المادة" على أنَّها "كل شيء يشغل حيِّزاً، وله كتلة"؛ فإنَّ "الحيِّز نفسه (والمكان والفضاء)" هو جزء من "المادة"، وإنَّ بعضاً من "المادة"، كجسيم الفوتون، ليس له كتلة سكونية.
أمَّا "الوعي"، الذي لا نُنْكِر وجوده، ولا نُنْكِر ماهيته اللامادية، فلا يعني وجوده أنَّ الوجود ثنائي الماهية؛ فلا وجود لعالَمٍ غير العالَم المادي؛ فهل من وجود (مثلاً) لـ "صورتكَ" في المرآة؟
كلاَّ، لا وجود لها؛ فالموجود فحسب هو "أنتَ" و"المرآة".
"المادة بقوانينها" هي وحدها الموجودة؛ هي وحدها الوجود؛ أمَّا "الوعي"، الذي لا نُنْكِر وجوده، فهو "الوعي البشري" فحسب؛ وهذا الوعي لا وجود له إلاَّ بوجود "الدِّماغ"، أيْ دماغ الإنسان الحي؛ الإنسان بصفة كونه حيواناً اجتماعياً، ناطِقاً، لغوياً. وبهذا الدِّماغ وَعَت "المادة" نفسها؛ فلا وعي في الطبيعة، ولا وعي قَبْل وجود الإنسان، وقَبْل وجود المجتمع البشري.
"الدِّماغ" هو الحيِّز المشغول بـ "الصُّوَر الذهنية"، التي لن تَعْثُر على أَيِّ منها لو فَتَحْتَ الدِّماغ، وبحثت فيه؛ فهل تَعْثُر على صورتكَ في المرآة لو كَسَرْت المرآة، وبحثْتَ في داخلها؟!
"الوعي" هو "خاصية" لهذا العضو المسمَّى "الدِّماغ (البشري الحي)"، أو لهذه "المادة"، التي هي الدرجة العليا في سُلَّم تَطَوُّر المادة. وإذا كانت المرآة لا تُريكَ من صُور الأشياء إلاَّ ما تراه (أو ما يمكن أنْ تراه) هي من أُصول (في الواقع) لهذه الصُّوَر، فإنَّ الدماغ لا يشتمل، ولا يمكنه أنْ يشتمل، على "صُوَر ذهنية" لا أصول لها (أو لا عناصر ومُكوِّنات لها) في "الواقع الموضوعي"؛ فأين هو الدِّماغ الذي يشتمل على صُوَر ذهنية تَشُذُّ عن هذه القاعدة في وجودها وتكوينها؟!
"الوعي" موجود "في" الدماغ، و"به"؛ و"الوعي" هو مجتمع، أيْ موضع اجتماع، ما نسميه "الصُّور الذهنية".
و"الوعي" يتَّصِل اتِّصال "النتيجة" بـ "سببها" بـ "الواقع الموضوعي"، أيْ بكل شيء يُوْجَد في خارجه (أيْ في خارج "الوعي") ومستقلاًّ عنه؛ و"الواقع الموضوعي"، بمعناه هذا، يشمل الدِّماغ نفسه، وسائر جسم الإنسان، وكل شيء يَقَع في خارج جسم الإنسان.
هل من وجود (في الواقع الموضوعي) لشجرةٍ، تتدلَّى من أغصانها ثِمارٌ من ذّهَب؟
كلاَّ، لا وجود لها؛ لكنَّ هذه الشجرة يمكن أنْ تَظْهَر إلى الوجود في الوعي؛ فبالخيال يَسْتَحْدِث الإنسان "صورة ذهنية" لهذه الشجرة.
إنَّ هذه الشجرة نفسها غير موجودة في "الواقع الموضوعي"؛ لكنَّ عناصر ومُكوِّنات "صورتها الذهنية" موجودة (وهي الشجرة بأغصانها وثمارها والذَّهَب).
حتى الله الذي ليس كمثله شيء، له في الوعي "صورة ذهنية"، عناصرها ومُكوِّناتها موجودة (ويجب أنْ تكون موجودة) في "الواقع الموضوعي"؛ فكل صفاته هي صفات إنسانية مُضَخَّمة (إنَّها على وَزْن "فعيل").
و"الوعي" بإبداعه لا يَعْدو كونه خَيْر عَبْدٍ للقانون الموضوعي؛ فأين هو الإبداع الذي جاء من طريق خَرْق، أو تجاهل، "القانون الموضوعي"؟!
إنَّ الوعي بحدِّ ذاته لا يُنْتِج شيئاً، لا يُغيِّر شيئاً، لا يُحَرِّك حصوة من مكانها؛ فالمادة لا تأتي إلاَّ من مادة. و"الفعل الإنساني"، ومهما كانت نتيجته، هو "تفاعُل مادي صَرْف"؛ فَرَفْعُكَ حجراً من مكانه هو تفاعُل مادي، كانت يدك أحد عناصره.
لو نَظَرْتَ إلى شجرة تُفَّاح، ثمَّ أَغْمَضتَّ عينيكَ، فسوف "ترى" هذه الشجرة بـ "عَيْن وَعْيِكَ". إنَّكَ تراها؛ لكنكَ لا تراها بكل تفاصيلها. بـ "عَيْن وَعْيِكَ" ترى شجرة التَّفاح؛ فهل هذا يعني أنَّ شجرة التًّفاح نفسها موجودة الآن في رأسكَ؟
كلاَّ، ليست موجودة في رأسكَ؛ فإنَّ "صورتها الذهنية" فحسب هي الموجودة في وَعْيِكَ.
و"شجرة التُّفاح" هذه هي "مادة"؛ لأنَّها شيء موجود في خارج وعيكَ، ومستقلٌّ، في وجوده وتطوُّره، عن وَعْيكَ؛ غَيِّرْ بوعيكَ، أو بخيالكَ، "صورته الذهنية (كما تشاء)" الموجودة في وعيكَ، فلا يتغيَّر هو؛ لكن ما أنْ يتغيَّر هو حتى يًصبِح ممكناً (وضرورياً) تغيير "صورته الذهنية" في وعيكَ.
وهذا ما نَضْرِب عنه صفحاً في عَالَم الفكر؛ فنحن ننسى، أو نتناسى، أنَّ لأفكارنا ومفاهيمنا ونظرياتنا.. أصولاً وعناصر في "الواقع الموضوعي"، فلا نُعدِّل، ولا نُغيِّر، تلك "الصُّوَر الذهنية" بما يجعلها أكثر توافقاً مع أصولها وعناصرها الواقعية (الموضوعية) المتغيِّرة.
"الوعي نفسه" ليس بـ "مادة"؛ وماهيته ليست مادية؛ لكنَّ "الوعي" لا وجود له إلاَّ بصفة كونه ثمرة تفاعُل مادي صرف، هو التفاعُل بين "الدِّماغ" و"الواقع الموضوعي (أو العالَم المادي الخارجي)".
و"الوعي" الذي لا نُنْكِر وجوده هو "الوعي الإنساني" فحسب؛ وكلُّ ما عداه من وعي لا يعدو كونه وَعْياً مُخْتَرَعاً، اخترعه "الوعي الإنساني" فحسب؛ فـ "العقل الأسمى"، بمسمياته المختلفة، هو ثمرة من ثمار "الوعي (أو الخيال) الإنساني".
في "الواقع الموضوعي"، لا شيء يُوْجَد وجوداً مباشِراً، وكبصمة الإبهام، لجهة وجوده، إلاَّ "الفَرْد" من الأشياء؛ فإنَّ "هذا" الإنسان، المَدْعو "زيد"، والذي..، والذي..، هو الموجود وجوداً مباشِراً؛ أمَّا "الإنسان العام"، أو "الإنسان على وجه العموم"، فلا وجود له؛ و"المادة العامَّة"، أو "الهَيُولَى" عند القدماء، هي، أيضاً، لا وجود لها.
و"الفَرْد" من الأشياء"، نسيج وحده، لا يتكرَّر أبداً؛ فشجرة التُّفاح "هذه"، الموجودة في بستاني، وبكل تفاصيل وجودها، هي شيء لا يتكرَّر أبداً؛ لكنَّها (أيْ شجرة التُّفاح "هذه") لا تُوْجَد، ولا يمكن أنْ تُوْجَد، في "الواقع الموضوعي"، إلاَّ وهي تنطوي، وتشتمل، على "العام" من شجر التُّفاح؛ فهي ممكنة الوجود، وموجودة؛ لأنَّ فيها كل الخواص والصفات والسمات المُشْتَرَكة بين شجر التُّفاح جميعاً؛ وهي ممكنة الوجود، وموجودة؛ لأنَّ فيها كل الخواص والصفات والسمات المُشْتَرَكة بين النبات جميعاً؛ وهي ممكنة الوجود، وموجودة؛ لأنَّ فيها كل الخواص والصفات والسمات المُشْتَرَكة بين الكائنات الحيَّة جميعاً؛ وهي ممكنة الوجود، وموجودة؛ لأنَّ فيها كل الخواص والصفات والسمات المُشْتَرَكة بين الأشياء، أو المادة، جميعاً.
شجرة التُّفاح "هذه"، ولجهة خواصها وصفاتها وسماتها، تشبه "الهَرَم"، رأسه (من الخواص والصفات والسمات) هو ما يجعلها "الفَرْد ـ البصمة"، الذي لا يتكرَّر أبداً؛ أمَّا قاعدته (من الخواص والصفات والسمات) فهو ما يجعلها جزءاً من كُلٍّ، هو "المادة"، أو "العالَم المادي".
افْتَرِضوا أنَّنا اكتشفنا من المادة ما هو أصغر بكثير من "الكوارك"؛ فهل أخْبِركم خبراً غير صحيح إذا ما قُلْت الآن: "لا بدَّ من وجود خواص وصفات وسمات مُشْتَرَكة بين هذه المادة المُكْتَشَفَة وبين شجرة التُّفاح هذه"؟
كلاَّ؛ فهذا الخبر صادِق، ويستمد صدقيته من "وحدة العالَم المادي".
مِنْ قَبْل، كُنَّا نُعرِّف (فيزيائياً، لا فلسفياً) المادة على أنَّها كل شيء له كتلة؛ وكُنَّا نعني بالكتلة "الكتلة السكونية"؛ لكن ثبت الآن وجود مادة، كجسيم الفوتون، لا تملك "كتلة سكونية"، وتملك، فحسب، "كتلة حركية".
وهذا يعني الآن أنَّ خاصية "الكتلة السكونية" ليست مُشْتَرَكة بين الأشياء جميعاً، أو بين أنواع المادة جميعاً.
لقد نَظَرْنا بعين فلسفية (ترى الأشياء رؤية موضوعية) إلى كلِّ ما عرفنا، ونعرف، من أشياء، فَعَرَفْنا واكتشفنا خواص وصفات وسمات مُشْتَرَكة بينها جميعاً، في مقدَّمها وأهمها: "التغيُّر المُطْلَق"، فلا شيء إلاَّ ويتغيَّر في استمرار، كل لحظة؛ و"الزمكانية"؛ فلا وجود لشيء مُجرَّد من "الزمكان"، أيْ من الزمان والمكان في اتِّحادهما الذي لا انفصام فيه أبداً؛ و"التحوُّل إلى النقيض"، فالتغيُّر الحتمي للشيء هو تَحَوُّله إلى نقيضه.
وإيَّاكم أنْ تظنوا أنَّ معرفة الخواص والصفات والسمات المُشْتَرَكة بين كل الأشياء، أو بين أنواع المادة جميعاً، مشروطة بمعرفة كل الأشياء، أو كل هذه الأنواع؛ فهذه المعرفة مستحيلة، وغير ضرورية، في آن. إنَّ "التعميم" لا معنى له، ولا منطق، إذا ما كان مشروطاً بأنْ نَعْرِف أوَّلاً كل أفراد النوع؛ فـ "التعميم" مشروط، فحسب، بمعرفة جزء، أو عدد، من أفراد نوع ما.
و"المفهوم"، أو "التعريف"، والذي هو ثمرة "التعميم"، لا يعني أنَّه غير قابل للتعديل والتغيير؛ فهذا النوع من "المفاهيم"، أو "التعاريف"، لا وجود له حتى في الفلسفة، التي (بموضوعيتها) يمكن، ويجب، أنْ تكون "العِلْم العام"، أيْ عِلْم العالَم المادي بكليته، وبقوانينه العامة.
والسؤال الذي ينبغي لكل مادي أنْ يجتهد في إجابته دائماً هو الآتي: ما هي الخاصة أو الصفة أو السمة التي تَشْتَرِك فيها الأشياء جميعاً، ومن غير استثناء؟

2

"الطبيعة" أدهشت وتُدْهِش الإنسان بظواهرها وأحداثها ونظامها وقواها، وبما تَصْنَع من أشياء. إنَّها دائما، وفي كلِّ عَمَلٍ تؤدِّيه، وبكل ما تَصْنَع من أشياء، تقول لنا: هذه أنا؛ وهذه هي حقيقتي؛ وهذه هي خصائصي؛ منذ الأزل أنا هكذا، وإلى الأبد سأبقى هكذا؛ لا يمكنني إلاَّ أنْ أكون هكذا؛ افْهَموني واعرفوني كما أنا، بلا زيادة، ولا نقصان؛ فأنا أَكُون هكذا، أو لا أَكُون.
لكنَّ الإنسان يأبى ويَسْتَكْبِر ويُعانِد، وكأنَّه لا يريد الاعتراف.
لقد تَصَوَّروا "الطبيعة" على أنَّها شيء "مَيِّت"، "جامِد"، "خامِل"، "عاجِز"، لا يُمْكِنها أنْ تكون على ما هي عليه إلاَّ بـ "قوى"، من خارجها، ومن غير جنسها، تُكْسبها كل ما نراه فيها من قوى وخصائص ونظام..
تَصَوَّروها على أنَّها كذاك التمثال من الطِّين اللازب، لن تَدُبَّ فيه الحياة إلاَّ إذا نُفِخَ فيه من "الرُّوح الأسمى".
إنَّهم كمثل من رأى مغناطيس يجذب الحديد إليه، فقال: هذا لا يَحْدُث، ولا يُمْكِن أنْ يَحْدُث، من تلقائه؛ فـ "المغناطيس في حدِّ ذاته" لا يَفْعَل هذا؛ لا يَجْذِب إليه الحديد؛ وثمَّة ما جعله على هذه الحال، وبهذه الخاصية.
أين مَكْمَن "الخلل"؟
في "الصورة (الذهنية)" يَكْمُن "الخلل"؛ فَهُمْ تَصَوَّروا "الطبيعة" بما أعْجَزَهم عن فهمها، وبما قادهم، من ثمَّ، إلى الإيمان بالمعجزات؛ ولو رأوا "الطبيعة" كما تُرينا هي نفسها، لَمَا تشوَّشِت أذهانهم، واضطَّربت رؤاهم.
إنَّهم أَبوا إلاَّ أنْ يروا "الطبيعة" بـ "عَيْنٍ"، لا تُريهم منها شيئاً؛ وهذه "العَيْن" إنَّما هي "الصورة الذهنية". وأنتَ يكفي أنْ تَنْظُر إلى "الطبيعة" بـ "عَيْن" هذه "الصورة" حتى "تَقْتَنِع" بـ "الرُّوح" سبباً وعِلَّةً.
هذه هي "الطبيعة" كما تُقَدِّم هي نفسها إلينا؛ فهل لكم أنْ تجيبوا عن السؤال الآتي: ما هي، وكيف تكون، "الطبيعة" إذا ما نُزِعَت منها "الرُّوح" التي تجعلها على ما هي عليه من "حيوية" و"نشاط" و"نظام"؟
إنَّ "الطبيعة" لا تحتاج إلى أيِّ شيء من غير جنسها حتى تُنْتِج نجوماً وكواكب وكائنات حيَّة و"مادة تُفَكِّر وتَعي"، هي الدِّماغ البشري.
العجز" ليس في "الطبيعة"، وإنَّما في "طريقة فَهْمهم لها"، وفي "الصورة الذِّهنية" التي رسموها لها. إنَّهم كمثل من يقول بوجود "ماءٍ"، كان مِنْ قَبْل، لا يروي العطشان إذا ما شربه، ولا يطفئ النار إذا ما صببناه عليها، ولا يذيب الملح إذا ما وضعناه فيه، ولا يُفْقِد الجسم شيئاً من وزنه إذا ما غمرناه فيه، لا يتبخَّر بالحرارة، ولا يتجمَّد بالبرودة.
أين هو هذا "الماء" الذي كان فاقِداً كل تلك الخصائص إلى أنْ أَكْسَبَتْه إيِّاها "الرُّوح الأسمى"؟!
هذا "التصوُّر الفاسد" قادهم حتما إلى أسئلة من قبيل:
هل أوْجَدت الطبيعة (التي لا تعقل ولا تفهم..) نفسها بنفسها؟
هل وُجِدَت الطبيعة مصادفةً؟
كيف لقوى المصادفة أن تَخْلِق هذا الكون الذي هو في منتهى التنظيم؟
وكيف للمادة المنفعلة، والتي لا تكتسب كمالها من ذاتها وإنَّما من غيرها، أن تُوْجِد نفسها بنفسها؟
إذا قُلْنا إنَّ الطبيعة أوْجَدت نفسها بنفسها فهذا يعني أنَّها جاءت من "العدم"، أي من لا شيء؛ لكن هل (وكيف) يُمْكِن أن يعطي العدم وجوداً؟
إنَّ الطبيعة، على ما يقولون ويسألون ويتساءلون، فاقِدةً ذاتياً لكل قوى تَجْعَلها على ما هي عليه من تنظيم، فكيف لفاقِد الشيء أن يعطيه؟!
ثمَّ يتأمَّلون شيئاً ما، فيقودهم تأمُّلهم إلى استنتاج مؤدَّاه أنَّ هذا الشيء لا بدَّ له من أن يكون "محدوداً"، في مكانه، وزمانه، وفي خواصه؛ وفي وجوده على وجه العموم.
وبَعْدَ هذا الاستنتاج، الذي لا ريب في صحته وصدقه، يقولون: إنَّ وجود "المحدود" يُمْكِن ويجب أن يكون خير دليل على وجود "اللامحدود"، الذي هو خالِق الكون.
ويتأمَّلون أيضا "السلسلة السببية" في الطبيعة، فينتهي بهم التأمُّل إلى العثور على دليل آخر على وجود، ووجوب وجود، خالِق للكون، هو "العلَّة التي لا تحتاج إلى عِلَّة"، فلا يصح، في العقل والمنطق، وجود فِعْلٍ من غير وجود فاعل، فَفِعْلٌ كفِعْل بناء منزل هو خير دليل على وجود، ووجوب وجود، بانٍ لهذا المنزل.
وفي "سؤال الدهشة" الذي يجب، على ما يقولون، أن يقود إلى الإيمان بوجود خالِقٍ للكون، يُوْرِدون الآتي: سُئِل الإمام الشافعي عن الدليل على وجود خالِق للكون فقال للسائل انْظُر إلى ورقة توت ففيها الدليل الذي تسأل عنه. هذه الورقة تأكل منها دودة القز، فتخرج لنا حريراً، وتأكل منها النحلة، فتخرج لنا عسلا، ويأكل منها الإبل، فيخرج لنا لحما؛ فَمَن القادر على ذلك؟!
بيننا وبين الشيء حاجز معرفي هو "الصورة".. صورة الشيء التي اسْتَحْدثناها له في عقولنا، والتي من خلالها نَنْظُر إلى الشيء ونفهمه ونُفَسِّره؛ مع أنَّ الشرط الأوَّلي لمعرفة واكتشاف "الحقيقة الموضوعية" هو نَزْع تلك "الصورة" من أذهاننا، وأنْ نَنْظُر إلى الشيء، من ثمَّ، كما يَدْعونا واقعه الموضوعي إلى أن نَنْظٌر إليه.
قد أتصوَّر أنَّ هذا "الحجر" لا يُمْكنه أبداً أن يكسر لوحاً من الزجاج إذا ما قذفته به، فإذا كسره تتملَّكني الدهشة؛ لكنَّني بدلاً من أن أتخلى عن تلك "الصورة" التي ثَبُت وتأكَّد بطلانها وزيفها، أبحث عن تفسير يوافِقها، ويبقي عليها، فأتوصَّل، من ثمَّ، إلى "تفسير" من قبيل أنَّ هذا الحجر "العاجِز (ذاتياً)" عن كسر لوح الزجاج قد تمكَّن من كسره إذ استمدَّ قوَّة من غيره، أيْ من "الروح الخالصة" .
الخلل الأكبر في تفكيرهم ومنطقهم إنَّما يكمن في "الصورة".. في صورة "المادة"، أو "الطبيعة"، التي اسْتَحْدثوها لها في أذهانهم، وشرعوا يَنْظُرون إليها من خلالها.
إذا شبَّ حريق في منزلٍ، ثمَّ جاء رجال الإطفاء، وسكبوا عليه ماء، فانطفأ، فإنَّ رَجُل الدِّين يَفْهَم ويُفَسِّر ما حدَث على النحو الآتي: الماء بحدِّ ذاته ليس بقادِر على إطفاء النار، التي بحدِّ ذاتها لا تنطفئ إذا ما سكبنا عليها ماء.
هذه هي "الصورة الذهنية" التي من خلالها يَنْظرون إلى الماء والنار، وإلى تأثير الماء بالنار.
متى يُمْكننا، وينبغي لنا، أن نقول بوجوب وجود العلَّة غير المحتاجة إلى علَّة؟
عندما نصل في "السلسلة السببية"، في الطبيعة، إلى "الحلقة (الطبيعية) الأولى"، أي إلى شيء لا يمكن أن نَعْثُر على علَّة (طبيعية) لوجوده؛ فهل وصلوا إلى شيء كهذا حتى يقولوا لنا: توقَّفوا، ها نحن بلغنا تخوم تلك العلَّة غير المحتاجة إلى علَّة!
إنَّهم لم يَسْتَنْفِدوا، ولن يَسْتَنْفِدوا، "السببية (المادية)" فَلِمَ تَعَجَّلوا في إذاعة "خبر" اكتشافهم للعلَّة التي لا تحتاج إلى علَّة؟!
حتى "المصادفة"، التي يلعنونها ويناصبونها العداء، تُفْهَم عندهم فَهْما لا وزن له في ميزان الحقيقة الموضوعية.
إذا جِئت ببذورٍ سليمة لنبتة ما، وزرعتها، مهيِّئاً لها أسباب وشروط النمو، فلا بدَّ لها من أن تنمو؛ ولسوف تراها تنمو. ونموها هذا إنَّما هو "ضرورة طبيعية"؛ ولكن قد يَحْدُث في أثناء نموِّها أن تهبَّ ريح (غير متوقَّع هبوبها) فتقتلعها. هذا "الحادث"، أي هبوب هذه الريح، هو ما يَكْمُن فيه مفهوم ومعنى "المصادفة". وهذه "المصادفة" هي أحد نصفي الحقيقة، ففي النصف الآخر أرى "الضرورة" في تلك "المصادفة"، فالريح ما كان لها أن تهب، وأن تؤثِّر في النبتة على النحو الذي أثَّرت، لو لم تجتمع وتتهيَّأ لها الأسباب الطبيعية لهبوبها وتأثيرها.
لقد حان لهم أن يفهموا "المصادفة"، في الطبيعة، فَهْما يقيهم سؤالاً من قبيل "هل مصادفةً جاء الكون؟".
إنَّهم يَنْظرون إلى الكون فيرون فيه "مشهد النظام"، فهذا النجم لا يصطدم بذاك..
ولو توسَّعوا في النَظَر لرأوا ما يسمُّونه "الفوضى" و"الاضطراب"، ففي مشهد كوني آخر نرى مجرة تلتهم مجرة، وجسما كونيا ("ثقب أسود") يلتهم نجماً.
رأوا "النظام"، فقالوا بوجود، وبوجوب وجود، "المُنَظِّم"، فما هو قولهم إذا ما سمحوا لأبصارهم وبصائرهم بأن ترى في الكون ما يسموُّنه "الفوضى" و"الاضطراب"؟!
وإذا كان القمر يدور حتى الآن، وكما يدور، حَوْل الأرض، وإذا كان هذا المشهد الآني، على قِدَمِه، يدعوهم إلى القول بوجود، وبوجوب وجود، "المُنَظِّم الإلهي" لدوران القمر حَوْل الأرض، فهل يستمر القمر على هذه الحال إلى الأبد؟!
ليس بالأمر الذي يبعث على الدهشة أن نرى ورقة التوت حريراً في دودة القز، وعسلا في النحلة، ولحما في الإبل، فالأمر الذي يبعث على الدهشة حقاً أن نراها حريرا في النحلة، وفي الإبل، أيضاً.
ليس بالأمر الذي يبعث على الدهشة أن نرى الحجر الذي قذفناه نحو السماء يسقط أرضاً؛ فالأمر الذي يبعث على الدهشة حقاً أن نراه مُعلَّقاً في السماء إلى الأبد.
لقد صوَّروا "المادة"، أو "الطبيعة"، تصويراً إنْ صَلُح فلا يَصْلح إلاَّ لشيء واحد فحسب هو أن يؤسِّسوا منطقاً لقولهم بوجود، وبوجوب وجود، العلَّة التي لا تحتاج إلى علَّة!
لقد اسْتَمَعْتُ إلى "مُفَكِّر"، معادٍ لمبدأ "السببية"، وهو يُمْعِن في هذا المبدأ مسخاً وتشويهاً. وشاهدتُ جمهور المعجبين به، وهُمْ أناس لا يملكون من الوعي إلا ما يَجْعَل لهم آذاناً لا تسمع، وعيوناً لا تُبْصِر، وعقولاً لا تَعْقِل.
هذا "المُفَكِّر"، الذي فَكَّر، فَسُمِّي مُفَكِّراً، "اكتشف" مَوْضِعاً في "أرض الفيزياء"، يَصْلُح "تُرْبةً"، يَغْرِس فيها شيئاً من بقايا الميتافيزيقيا، فَبَيْن "السبب" و"المسبَّب (النتيجة)" أقام "جِسْراً روحانياً"، ينبغي لـ "السبب" أن يَعْبُره حتى يغدو "سبباً"، أي حتى يؤدِّي إلى ما يؤدِّي إليه. وجوهر "اكتشافه"، أو الفكرة الجديدة التي أبدعها، نَقِفُ عليه في المثال الذي أوْرَد.
لقد قال مخاطِباً جمهوره الذي يُصَدِّق؛ لأنَّه يريد أن يُصَدِّق: أُنْظُروا إلى حبَّة الأسبرين. إنَّها دواء يشفي من الصداع؛ لكن ليس دائماً، فهي إنْ شَفَت هذا من الصداع فرُبَّما لا تشفي غيره. هناك مَنْ يَعْتَقِد أنَّ تلك الحبَّة هي "السبب".. سبب الشفاء من الصداع، وأنَّ هذا الشفاء هو "النتيجة".. نتيجة تناولها. هذا وَهْمٌ، فهناك مَنْ جَعَل الشفاء في الدواء!
وتَذَكَّرْتُ لافتة، تُعلَّق في كثيرٍ من العيادات الطبية، كُتِبَ فيها ما يفيد المعنى الآتي: "العلاج" من الطبيب، و"الشفاء" من الله.
هذا هو مبدأ "السببية" في صياغته الدِّينية الجديدة ـ القديمة، فالله يَرْجِع إليه الفضل في جَعْل الدواء سبباً للشفاء؛ فحبَّة الأسبرين بحدِّ ذاتها لا تشفي من الصداع، وإنْ ظَنَّ بعضنا (وهذا الظنُّ من الإثم) أنَّها هي "سبب" الشفاء من الصداع، فهذا لا يمكنه أبداً أن يكون سبباً لذاك إلاَّ إذا أرادت له الله أن يكون كذلك!
أنتَ، بحسب تلك الفكرة الخرقاء، تَعْطَش، فَتَشْرَب الماء، فترتوي، أي يزول عطشكَ، أو شعوركَ بالعطش؛ لكن هناك مَنْ أوحى إلى الماء أنْ يؤثِّر في العطشان (الذي شربه) كما أثَّر، جاعِلاً الماء، من ثمَّ، "سبباً" للارتواء، وزوال العطش، فالماء بحدِّ ذاته لا يروي؛ لا يزيل العطش؛ لا يُطفئ النار؛ لا يؤدِّي إلى انحلال الملح إذا ما وَضَعْناه فيه. إنَّه بحدِّ ذاته "عديم الخواص والقوى والتأثير". إنَّ هناك مَنْ أوحى إلى الماء، أيضاً، أنْ يطفئ النار، وأنْ يَحُلَّ الملح الموضوع فيه.
هذا "المُفَكِّر" يَقْبَل العِلْم؛ على أنْ يَلْزَم حدوده، ويكف عن التطاول على "مملكة الله"، فـ "العِلْم" من حقِّه، بحسب شريعة هذا "المُفَكِّر"، أنْ يسأل، مُسْتَعْمِلاً أسماء استفهامٍ مثل "كيف"، و"متى"، و"أين"؛ أمَّا كلمة "لماذا" فلا يحق للعلماء استعمالها إلاَّ إذا كانوا "علماء دين".
مِنْ حقِّ العِلْم أن يسأل، مثلا، "كيف يتكوَّن جزيء الماء؟"؛ ومِنْ حقِّه، أيضاً، أن يجيب قائلاً: إنَّ غازي الأوكسجين والهيدروجين (ذرَّة أوكسجين واحدة وذرَّتا هيدروجين) يتفاعلان كيميائياً، فَيَنْتُج من تفاعلهما مُرَكَّب، أو جزيء، الماء.
أمَّا "لماذا" يؤدِّي تفاعلهما، أو اتِّحادهما، إلى نشوء الماء، ولا يؤدِّي إلى نشوء "بيضة" مثلاً، فهذا أمْرٌ يَحِقُّ لـ "علماء الدِّين" فحسب، تفسيره، ولو كان من قبيل "تفسير الماء (بَعْد جهد) بالماء"، فالله أراد لاتِّحاد الأوكسجين والهيدروجين، أو لتفاعلهما الكيميائي، أنْ يُنْتِجَ ماءً (وليس "بيضة") فأنْتَجَ. ولو أراد له أنْ يُنْتِج بيضة (وليس "ماءً") لأنْتَج!
الله الذي لا يُعْجِزه شيء، ولا يعجز عن فعل أي شيء، أراد لـ "1+1" أنْ يساويا "2"؛ ولو أرادت لهما أنْ يساويا "5" لكان له ما أراد!
إذا جِئْتَ بسلك نحاس، وعرَّضته للتسخين، فإنَّه "يتمدَّد"، ثمَّ "ينصهر". العِلْم اكتشف، في هذه الظاهرة الطبيعية من ألفها حتى يائها، قانوناً فيزيائياً موضوعياً، مادِّياً من ألفه حتى يائه، هو قانون "التمدُّد الحراري للمعادن"، فللمعدن خاصيَّة أنَّه يتمدَّد (قبل أن ينصهر) بالحرارة. العِلْم أخضع كل معدن للتجربة ذاتها (تجربة التسخين) فاستنتج بعد ذلك، ومن خلال ذلك، أن كل المعادن تتمدَّد بالحرارة، فـ "تكرار" الظاهرة الفيزيائية ذاتها (في أمكنة وأزمنة مختلفة) إنَّما هو خير دليل على وجود قانون فيزيائي (موضوعي) يتحدَّانا أن نكتشفه، وأن نستخدمه من ثمَّ.
العالِم، أو الفيزيائي، يُخْبِرنا أنَّ "النار" تؤدِّي، حتماً، إلى تمدُّد، فانصهار، فتَبَخُّر، المعدن الذي نضعه فيها. ويُخْبِرنا، أيضاً، أنَّ كل ظاهرة فيزيائية يمكن ويجب أنْ يتكرَّر حدوثها عندما تستوفي أسبابها وشروطها. وفي هذا يكمن مبدأ "الحتمية الطبيعية"، الذي لن تنال من قوَّته نظريات، عِلْميَّة في ظاهرها، ميتافيزيقية في باطنها.
ثمَّ يأتي إلينا "مُفَكِّر" يُمَثِّل الفكر البائس لينفث في رَوْعنا أنَّ "النار" بحدِّ ذاتها لا تؤدِّي، ولا يمكنها أن تؤدِّي، إلى "تمدُّد" سلك النحاس؛ لأنَّها، بحدِّ ذاتها، لا تؤدِّي إلى أي شيء، فالله هو الذي جعل في النار تلك الخاصيَّة.. هو الذي أوحى إلى "النار" أنْ كوني "سبباً" لتمدُّد سلك النحاس الذي وُضِعَ فيها، فكانت؛ ولو أراد أن يجعل "النار" تَنْزِل على رأس "مُفَكِّرنا" ذاك برداً وسلاماً لنزلت.
لقد أدَّت النار إلى "تمدُّد" المعادن، فجاءوا بسؤالهم "لماذا أدَّت النار إلى تمدُّد المعادن ولَمْ تؤدِّ إلى تقلُّصها؟"؛ أمَّا لو كانت النار تؤدِّي إلى "تقلُّص" المعادن، لسألوا "لماذا أدَّت النار إلى تقلُّص المعادن ولَمْ تؤدِّ إلى تمدُّدها؟".
"النار"، بحسب هذا المنطق المتهافِت، شيء، وخواصُّها شيء، فثمَّة "نار" بحدِّ ذاتها، وهي نار "عديمة الخواص"، وثمَّة "نار" أُوْحي إليها أنْ تؤثِّر في غيرها من الأشياء تأثيراً معيَّناً، وكأنَّ الشيء، أي شيء، يمكن أنْ يُوْجَد، وأنْ تقوم له قائمة، من غير خواصه وسماته الجوهرية (التي تُمَيِّزه عن غيره).
ولو أردتُ أنْ أبسط لكم آراءهم لبسطتها على النحو الآتي: في البدء، كانت (أي خُلقت) النار بحدِّ ذاتها؛ وكانت لا تَحْرِق، ولا تُبخِّر الماء، ولا تُمدِّد المعادن، ولا..
كانت النار التي ليست بـ "سببٍ" لأي شيء؛ لأنْ لا وجود لـ "السبب" من غير "المُسَبِّب الإلهي". ثمَّ جاءت "الروح الأسمى"، فأدْخَلَت في تلك "النار" إدْخالاً كل خواص النار التي نَعْرِف، فهذه "الروح" هي التي جَعَلَت "الدفء" و"الحرق" و"التمدُّد (للمعادن)".. في تلك "النار (البدائية، الأوَّلية)".
وهذا "الإدخال" لـ "خواص الشيء" في "الشيء" لا يختلف، منطقاً، عن إدخال "الروح" في التمثال الطيني، فـ "الطبيعة (أو المادة)" التي قد يعترفون بوجودها إنَّما هي الطبيعة الميتة، الخامدة، الهامدة، التي ليست بـ "دينامية"، بحدِّ ذاتها، و"المُفْرَغة" من قوانينها وخواصِّها وقواها.. ومن "السببية المادية الموضوعية".
لقد شوَّهوا ومسخوا مبدأ "السببية" إذا أقاموا برزخا روحانياً بين "السبب" و"المُسَبَّب (النتيجة)"، قائلين بوجود، وبوجوب وجود، "المُسَبِّب الإلهي" لـ "الأسباب"، وكأنَّ "النار بحدِّ ذاتها"، أي النار التي لَمْ يُجْعَل فيها بَعْد سبب التمدُّد للمعادن، هي "مسلَّمة"، ليس من حاجة إلى إثبات وجودها، أو إلى إثبات أنَّها ممكنة الوجود.
ألا يحقُّ لنا أن نسألهم: لماذا افْتَرَضتم أنَّ النار ما كان لها أن تَحْرِق إلا بَعْد أن أوْحَى إليها الله أنْ تكون سببا للحرق؟!
أين هي النار التي إنْ وَضَعْنا فيها معدنا فلا تؤدِّي إلى تمدُّده؟!
وأين هو المعدن الذي إنْ وَضَعْناه في النار لا يتمدَّد؟!
إنَّ كل منطقهم يَصْدُر عن "مسلَّمات" يتحدَّاهم العِلْم، والواقع، والمنطق، أن يُثْبِتوها قبل أن يتِّخذوها "مسلَّمات"، وكأنَّ العِلْم "الحقيقي" عندهم هو الذي يقوم على استعمال "ما هو في حاجة ماسَّة إلى الإثبات" دليل إثبات أو نفي لغيره!

3

إذا كنتَ مُؤْمِناً بالله، وجوداً وعملاً وصفات، وإذا ما تسبَّبت "صورة" الله في التوراة، أو الإنجيل، أو القرآن، بضعف، أو زعزعة، إيمانكَ هذا؛ لِكَوْنِكَ تَنْظُر إليها، وفيها، بعَيْن فيزياء القرنين العشرين والحادي والعشرين، فإنَّ عليكَ أنْ تقرأ، وتتمثَّل معاني، نظرية "الانفجار العظيم" Big Bang؛ لأنَّها تُزوِّدكَ أسلحةً وذخائر (فيزيائية وكوزمولوجية) تستطيع بها أنْ تَجْعَل إيمانكَ بالله أكثر رسوخاً وصلابةً، أو أنْ تُقوِّيه وتُعَزِّزه إذا ما اعتراه ضعف أو تَزَعْزُع؛ فـ "صورة" الله، في هذه النظرية الكوزمولوجية الكبرى، تَخْتَلِف كثيراً عن "صورته" في الدِّين، والتي ما عاد، بسببها، مُقْنِعاً، أو مُقْنِعاً كثيراً، للإنسان في مستهلِّ الألفية الثالثة؛ ولقد اشتدَّت الحاجة (لدى حُرَّاس وسَدَنة "الوعي الدِّيني" بشتَّى أشكاله وصُوَرِه، و"الوعي الفلسفي" المتصالِح، في الجوهر والأساس، مع "الوعي الديني") إلى ضَمِّ "الفيزياء" إلى "الميتافيزياء" في صُنْع "صورة" الله.
الفيزياء أصابت من الدِّين مَقْتَلاً إذ أعلنت أنَّ "المادة لا تفنى ولا تُسْتَحْدَث.."؛ فما كان من مُعدِّي ومُقرِّري مَنْهَج الفيزياء في مدارسنا إلاَّ أنْ أضافوا عبارتين إلى هذا النَّص، فقالوا في النَّص المُعَدَّل تعديلاً دينياً إنَّ "المادة لا تفنى (إلاَّ بمشيئة الله) ولا تُسْتَحْدَث (على أيدي البشر)"!
المادة، في أصلها، وعلى ما زَعَموا هي بضعة "جسيمات أولية"، خَلَقَها "الانفجار العظيم" نفسه؛ أمَّا "البيضة الكونية"، فليست "مادة".
ثمَّ تركوا لكَ "حُرِّية" الاستنتاج؛ فهل لكَ أنْ تَسْتَنْتِج غير الاستنتاج المزدوج الآتي: "البيضة" هي "العَدَم"، و"الانفجار" هو "الله"، أو "أُسْلوب الله" في خَلْق الكون من العَدَم!
"الإله"، في المُعْتَقَد الديني القديم والبدائي، ما عاد اليوم بفكرة يمكنها أنْ تَجِد لها ملاذاً في العِلْم والعقل، وما عاد القائلون بها يستطيعون الدفاع عنها، وإلباسها لبوس العِلْم والعقل، إلاَّ من خلال اقتلاع الفكرة من تربة "العقل"، وغرسها في تربة "الإيمان"، الذي صَوَّروه على أنَّه "العقل الآخر" للإنسان، والذي به فحسب، أو في المقام الأوَّل، يتوصَّل الإنسان إلى الله، أو من خلال تفسير "النص الديني" بما يَجْعَل له معنى لا يمتُّ بصلة إلى "معناه الحقيقي، القديم، المباشِر، التاريخي، الواقعي، الحرفي".
ما أكثر "التجارب العلمية" التي يَذْكُرونها في معرض دحضهم لـ "مادية العقل"؛ لكن هل هذا الفكرة التي يسعون في دحضها (فكرة "مادية العقل") مِنْ بَنَات "المادية"، أو "الفكر المادي"؟!
إنَّني، وبصفة كوني "مادياً"، أخبرهم أنَّ "العقل" ليس "مادياً"؛ ليس من جِنْس "المادة"؛ ليس "مادةً في ماهيته"؛ ولو كان "مادة" لَمَا استنفد الفلاسفة قروناً من الزمان في سعيهم إلى معرفة "الصِّلة الجوهرية بين المادة والعقل (أو الفكر)".
"الدِّماغ (أيْ دماغ الإنسان الحي)" هو "مادة"؛ هو "عضو التفكير"؛ هو "المادة التي تُمثِّل الدرجة العليا في تطوُّر الطبيعة، ولها من الخصائص المادية ما جَعَلَها مادة تَعْقِل وتُفكِّر".
"المادة (أو العالَم المادي)" المُسْتَثْنى منها هذا "الدماغ" هي مادة لا تَعْقِل، ولا تُفكِّر؛ لا تعي، ولا تُدْرِك؛ لا تحس، ولا تشعر؛ فالمادة بـ "الدماغ (البشري الحي)"، وبه فحسب، أَدْرَكَت ووَعَت وجودها (وذاتها).
بَيْد أنَّ هذا لا يعني أنَّ "الدماغ (البشري الحي)" يُنْتِج (يُولِّد، أو يُفْرِز) فكراً وأفكاراً؛ إنَّه يُمثِّل، فحسب، "القدرة (المقدرة) على التفكير"؛ و"المقدرة (الطبيعية) على التفكير" لا تَعْدِل "الفكر نفسه"؛ ذلك لأنَّ "الفكر" الذي لا يُوْجَد، ولا يمكن أنْ يُوْجَد، من دون "الدماغ"، لا يُوْجَد، ولا يمكن أنْ يُوْجَد، أيضاً، بـ "الدماغ وحده".
لا فكر بلا لغة (مهما كانت هذه اللغة). ولا لغة بلا عمل. ولا عمل بلا مجتمع بشري (مهما كان حجم هذا المجتمع، أو نمط عيشه).
إنَّ "اليد البشرية"، بخصائصها الطبيعية، مع انتصاب قامة صاحبها، الذي يعيش في جماعة من أبناء جنسه، هي التي جَعَلَت "المادة التي لديها القدرة على التفكير (وهي الدماغ)" تُفكِّر، وتأتي بالفكر والأفكار؛ فهذه اليد هي التي جَعَلَت صاحبها (الذي يعيش في جماعة من أبناء جنسه) حيواناً "صانِعاً للأدوات (أدوات العمل)"، مُسْتَعْمِلاً لها (في إنتاج ما يلبِّي حاجته إلى المأكل والملبس والمسكن..). وهذا "الحيوان الاجتماعي، الصانع للأدوات، المُسْتَعْمِل لها" كان، في الوقت نفسه، "حيواناً ناطِقاً"، أيْ يُفكِّر تفكيراً منطقياً؛ فلا فكر بلا لغة، أو قَبْل اللغة.
"المادي" لا يُنْكِر "وجود الفكر"، مع أنَّ الفكر ليس مادة في ماهيته؛ إنَّه يُنْكِر، فحسب، "الوجود المستقل (المنفصل) للفكر عن المادة"؛ كما يُنْكِر خَلْق المادة (أو العالَم المادي) على أيدي "كائنٍ لا مادي (مِنْ جِنْس الفكر أو الوعي)".
وفي شرح بسيط مبسَّط للصلة، ولأوجه الصلة، بين "المادة" و"الفكر"، أقول: أُنْظُرْ (بعينيكَ) إلى شجرة تُفَّاح في حديقتكَ؛ ثمَّ أَغْمِضهما؛ فماذا "ترى"؟
إنَّكَ "ترى" في "ذهنكَ" صورة، هي صورة شجرة التُّفاح. هذه "صورة ذهنية (لا تُوْجَد إلاَّ في الذهن). هذه الصورة، ومهما كانت دقيقة واضحة جلية الآن، لا تشتمل إلاَّ على بعضٍ من "تفاصيل الأصل (والذي هو شجرة التُّفاح في حديقتك)".
"الأصل (الواقعي)"، وهو "شجرة التُّفاح" موجود، و"الصورة الذهنية" موجودة هي أيضاً؛ لكن "شجرة التُّفاح" موجودة "في خارج ذهنك (أو وعيكَ)"، وفي "استقلال عنه".
الآن، أُنْظُرْ (بعينيكَ) إلى سبيكة ذهب؛ ثمَّ أَغْمِضهما، فـ "ترى" صورة ذهنية أخرى هي صورة سبيكة الذهب.
إنَّكَ، وبالخيال، وهو قوَّة ذهنية، تستطيع (وأنتَ مُغْمِض عينيكَ) أنْ تتصوَّر (تتخيَّل) شجرة تُفَّاح ذهبية، أيْ مصنوعة من الذهب؛ وهذه "الصورة الذهنية المركَّبة (بالخيال)" لا أصل لها في "الواقع الموضوعي"، أيْ في الواقع الموجود في خارج ذهنك، وفي استقلال عنه.
أَصِلْ الآن إلى السؤال الذي اتحدَّى كل خصوم ومناوئي "المادية" الإجابة عنه، وهو: إذا كان الفكر يُوْجَد وجوداً مستقلاً (ومنفصلاً) عن المادة، وإذا وُجِدَ، أو كان موجوداً، "قَبْل" المادة، على افتراض أنَّ المادة ليست بأبدية وأزلية، فهل لكم أنْ تأتوني ولو بفكرة واحدة لا أصل لها، أو مكوِّنات، في الواقع الموضوعي (أيْ في العالم المادي)؟
في رأس الإنسان (في دماغه) لا يُوْجَد، ولا يمكن أنْ يُوْجَد، فكرة (ولو كانت مِنْ نسج الخيال) لا وجود لها (بأصلها، أو عناصرها ومُكوِّناتها) في العالَم المادي.
إنَّ كل أفكاركم، ولا أَسْتَثْني منها أفكاركم الدينية واللاهوتية، هي انعكاس للواقع الموضوعي (للواقع المادي). إنَّها انعكاس له، أكان هذا الانعكاس صادِقاً أم زائفاً (مشوَّهاً).
سؤلان ساذجان هما:
كيف للمادة أنْ تكون على ما هي عليه من خصائص ونظام.. إذا لم يكن "الوعي" يقودها ويحكمها ويديرها..؟
و"كيف للمادة التي هي بطبيعتها لا تعي ولا تُدْرِك أنْ تأتي بما يعي ويُدْرِك؟
إنَّهما سؤلان ساذجان؛ لأنَّ أصحابهما يَنْظرون إلى "المادة" بـ "عَيْن صورة ذهنية رسموها هُمْ لها". إنَّهم يتصوَّرون "مادة" لا وجود لها في الواقع؛ فـ "المادة" التي يتصوَّرونها هي مادة خاملة، عاجزة، مجرَّدة من القوانين والقوى الفيزيائية.
وهُمْ يكفي أنْ يتصوَّروا (ويفهموا) المادة على هذا النحو حتى لا يجدوا مناصاً من الإقرار بوجود، وبوجوب وجود، "العقل الأسمى"، الذي ما أنْ خَلَق المادة من العدم حتى بَثَّ فيها من القوانين والقوى ما جعلها على ما هي عليه من نشاط وفاعلية ودينامية.
مؤسِّس علم جراحة الأعصاب د. ويلدر بنفيلد أجرى التجربة الآتية:
خَدَّر مريضاً تخديراً موضعياً، ثمَّ ضَغَطَ على المركز العصبي الموجود في المخ والمسؤول عن تحريك اليد، طالِباً من المريض (في أثناء ذلك) رَفْع يده؛ حاول المريض بكل قوَّته أنْ يَرْفَع يده، لكنه فشل.
من ذلك، اسْتَنْتَج الطبيب أنَّ للمريض "إرادة"، اتِّجاه عملها مخالِف لاتِّجاه عمل ذلك المركز العصبي؛ لكنها تَفْشَل في سعيها (ضِمْن هذه التجربة). ومضى الطبيب قُدُماً في استنتاجاته، فاستنتج أيضاَ أنَّ الإرادة تختلف عن المخ والمراكز العصبية، وأنَّ العقل، من ثمَّ، يحرِّكه شيء آخر يخالِف المادة؛ فالدماغ لا يُفسِّر العقل؛ والروح موجودة.
بعض مؤيِّدي هذه الاستنتاجات علَّقوا قائلين: إنَّ العقل في الإنسان ليس من المادة.
مع تقديري واحترامي لعِلْم هذا الطبيب، ومهنيته، أقول إنَّ تجربته لا تمتُّ بصلة إلى السؤال الفلسفي الكبير عن صلة المادة بالوعي، وإنَّه من مقدِّمات سليمة (تمخَّضت عنها تجربته) توصَّل إلى استنتاجات فلسفية ساذجة وخاطئة.
أنْ "يُريد" المرء شيئاً، فيفشل في الحصول عليه، أو يعجز عن تحقيقه، فهذا إنَّما هو بعضٌ من جوهر مفهوم "المادية"؛ فليس كل شيء رَهْن إرادة الإنسان.
تجربة الطبيب كانت مادية من ألفها حتى يائها؛ فالمخ والمراكز العصبية فيه والتخدير.. هي جميعاً من المادة؛ ولقد عَطَّل الطبيب (في تجربته) البُنْية المادية التحتية لإرادة المريض؛ ومع تعطُّلها بالتخدير (الموضعي) ما عاد في مقدور المريض أنْ يَرْفَع يده (في أثناء ضغط الطبيب على المركز العصبي الموجود في المخ والمسؤول عن تحريك اليد) مهما رَغِبَ في ذلك، ومهما حاول؛ فإرادته غدت كسيحة.
هذه التجربة لا تُثْبِت أبداً ما كان ينبغي للطبيب إثباته، ألا وهو أنَّ الإرادة مستقلة، منفصلة، عن الدماغ؛ فالتجربة إنَّما أثبتت أنَّ الإرادة لا تُوْجَد، ولا يمكنها أنْ تُوْجَد، في استقلال عن هذه "المادة الخاصة"، أيْ الدماغ البشري الحي.
والطبيب نفسه كان يمكنه تخدير المريض بما يُفْقِده الوعي؛ فإذا فَقَدَه (بالتخدير) فهل يظل الطبيب مستمسكاً بفكرة "الوجود المستقل للوعي عن الدماغ"؟!
وهل كان الطبيب، وهو المؤسِّس لعلم جراحة الأعصاب، يتوقَّع أنْ يتسبَّب تخديره الموضعي لمريضه بفُقْدان هذا المريض لإرادته التي رَأَيْناها على شكل رغبة (من المريض) في أنْ يَرْفَع يده، وعلى شكل محاولة باءت بالفشل؟!
أمَّا التعليق على هذه التجربة، وعلى استنتاجات الطبيب منها، فلا لزوم له؛ لأنَّ "المادية" لا تَزْعُم أنَّ العقل مادة حتى يجتهدون في دحض هذا الزَّعم؛ فـ "المادية" هي بمعنى من معانيها "الإقرار بأنَّ العقل (الفكر) ليس مادة".
إنَّهم يأتون إليك من طريق الفيزياء، أو من طريق "الحقائق الفيزيائية (والعلمية)"، معلِّلين أنفسهم بوهم أنَّ هذه الطريق هي أقصر الطرق إلى الميتافيزياء، وإلى تمكين الأوهام الميتافيزيقية من عقلك؛ فذكَّرَتْني محاولتهم هذه بصرخة نيوتن التحذيرية "أيتها الفيزياء احترسي من الميتافيزياء".
والآن سأشرح وأبسط لكم طريقتهم الفيزيائية (العلمية) لمحاربة "المادية"، ولتحطيم "مادية" المادة.
أمامكَ شجرة تفاح؛ والشجر تَدُلُّ عليه ثماره.
هذه الشجرة هي جزء من العالم الخارجي، أو من العالم المادي؛ وإنَّ كل شيء يُوْجَد، ويقع، في خارج "ذهنكَ (أو وعيكَ)" هو جزء من العالم الخارجي (حتى يدك هي جزء من العالم الخارجي).
هل هذه الشجرة "موجودة"؟
على البديهة، ستُجيب قائلاً: "نعم، إنَّها موجودة".
ما هو دليلكَ على وجودها؟ أو كيف تُثْبِت أنها موجودة؟
ستُجيب قائلاً: "إنها موجودة؛ فأنا أراها (بعيني) وألمسها (بيدي)".
وللإنسان خمس حواس، بها يُدْرِك (حسِّياً) العالم الخارجي (المادي). إنَّه بعينه يرى التفاحة، ويرى لونها وشكلها وحجمها وموقعها ومكانها؛ وبيده وأصابعه (مثلاً) يلمسها ويتأكَّد نعومة ملمسها مثلاً، وبلسانه يذوق طعمها، فيتأكَّد، مثلاً، أنَّها حلوة؛ وبأنفه يشمُّ رائحتها؛ ولو كانت تُصْدِر صوتاً لسمعه بأذنه.
"المادة" هي كل شيء نُدْرِكه، أو يمكن أنْ نُدْرِكه، حسِّياً، أيْ بواسطة الحواس الخمس، أو بواسطة بعضها (أو إحداها).
لكنَّ هذا القول يحتاج إلى توضيح؛ فجزيء الماء، مثلاً، لا أراه بعيني، ولا ألمسه بيدي؛ ومع ذلك هو "مادة". إنَّ عيني لا ترى (مباشرة) ولا يمكنها أنْ ترى جزيء الماء؛ لكنها بـ "امتدادها الاصطناعي (المجهر، أو العين الاصطناعية)" يمكنها رؤيته (ورؤية الذرَّة..). ونحن لم نُطوِّر إلى الآن "عيناً اصطناعية" تسمح لنا برؤية المادة المتناهية في الصِّغَر كجسيم "الكوارك". لِنَفْتَرِضْ أنَّ وجود جسيم "الكوارك" أصبح أمراً مُثْبَتاً مؤكَّداً لا ريب فيه، وأننا لم نتمكن من رؤيته بواسطة "عين اصطناعية متطورة"؛ فكيف لنا، عندئذٍ، أنْ ننسب "الكوارك" إلى عالم المادة؟
إذا لم نَرَهُ هو بواسطة "عين اصطناعية متطورة" فلا بدَّ لنا من أنْ نرى تأثيره (المادي) في غيره من الأشياء؛ فما هو "التأثير المادي (أو الفيزيائي)"؟
إنَّ المادة على نوعين اثنين: نوع لا يمكنه أبداً أنْ يسير بسرعة الضوء (300 ألف كيلومتر في الثانية) كالنجم أو الكوكب أو الصاروخ أو الحجر أو البروتون أو الإلكترون، ونوع يسير بسرعة الضوء كالفوتون.
نقول إنَّ جسماً أثَّر في جسم، أو جسيماً أثَّر في جسيم، فما معنى هذا القول؟
"التأثير (أو القوة Force)"، بمعناه الفيزيائي هو مادة؛ فثمة مواد متناهية في الصغر (يُمْكنكَ تخيلها على شكل "كريَّات") تسير بسرعة الضوء، تنطلق من جسم (أو جسيم) ما، فتُصيب (بعد اجتيازها مسافة معيَّنة) جسماً (أو جسيماً) آخر، مُحْدِثةً فيه تأثيراً معيَّناً. وهذه المواد (أو الكريَّات) تسمَّى "الجسيمات الحاملة (أو الناقلة) للقوَّة (أي للتأثير)". إنها جسيمات عديمة الكتلة (أيْ ليس لها كتلة سكونية) تشبه "العربات" التي تَحْمِل، أو تنقل، على متنها "التأثير الفيزيائي". هذه الجسيمات (ومنها "الفوتون") تَحْمِل، أو تنقل، "التأثير" من جسم إلى آخر، عبر الفضاء، مُحْدِثةً تغييراً ما في الجسم الذي أَفْرَغَت فيه شحنتها، أو حمولتها.
لِنَعُدْ الآن إلى مثال "شجرة التفاح" التي أراها أمامي. إنني وبفضل الضوء الصادِر عنها أراها؛ فلو أنَّ هذه الشجرة انعدم، فجأةً، الضوء الصادِر عنها، لانعدمت رؤيتي لها؛ فلا رؤية لجسم لا يَصْدُر عنه ضوء (ولكَ أنْ تتخيَّل هذا الضوء على شكل سَيْلٍ من الكريَّات). هذا الضوء الصادِر عن شجرة التفاح يَدْخُل في عيني؛ وهو يَدْخُل فيها على شكل "نسخة ضوئية من شجرة التفاح"؛ فليست شجرة التفاح هي التي تدخل في عيني (قَبْل، ومن أجل، أنْ أراها) وإنَّما نسختها (أو صورتها) الضوئية. وكلَّما زادت كمية هذا الضوء رأَيْتُ الشجرة أوضح، ورأَيْتُ مزيداً من تفاصيلها.
ولعملية الرؤية مكوِّناتها المادية في رأسي؛ وتشمل هذه المكوِّنات: عدسة العين، والشبكية الموجودة في الجهة الخلفية من العين، وعصب الرؤية، ومركز الرؤية الموجود خلف الدماغ، والذي فيه تتحقَّق الرؤية. هذه المكوِّنات جميعاً هي مادة؛ هي مادة حيَّة؛ هي مادة من خلايا وأنسجة.
النسخة الضوئية من شجرة التفاح (أو الضوء الصادِر عن شجرة التفاح) ما أنْ تَدْخُل في عيني حتى تتفاعل (تتبادل التأثير) مع المكوِّنات المادية لعملية الرؤية، فيَنْتُج من هذا التفاعل "كهرباء (إشارات، أو منبِّهات، كهربائية)"؛ والدماغ يشبه غرفة مُظْلِمة لا تضيء مهما دخل فيها من ضوء؛ فالضوء الصادِر عن الأجسام، والذي دخل في عيني، لا يظل ضوءاً في داخل الدماغ؛ لأنَّه يتفاعل مع المكوِّنات المادية لعملية الرؤية، مُنْتِجاً إشارات كهربائية، تنتقل عبر عصب الرؤية إلى مركز الرؤية في الدماغ؛ وهذا إنَّما يعني أنَّ "النسخة الضوئية" من شجرة التفاح تتحوَّل، في داخل الدماغ، إلى "نسخة كهربائية"؛ وإنَّ وجود هذه "النسخة الكهربائية" في داخل مركز الرؤية (في الدماغ) هو ما يجعلنا نرى شجرة التفاح؛ فمركز الرؤية لا يتعامل إلاَّ مع "النُّسَخ الكهربائية" من الأجسام الموجودة في العالم الخارجي.
هذا الشَّرح لعملية الرؤية إنَّما يؤكِّد أنَّها عملية مادية من ألفها حتى يائها؛ فهذه العملية تبدأ بجسم موجود في العالم الخارجي، أي في العالم المادي الموجود في خارج الذهن، أو الوعي. وهذا الجسم هو في مثالنا شجرة التفاح. والرؤية لن تكون أبداً إذا لم يَصْدُر عن هذا الجسم ضوء؛ والضوء هو مادة. وينبغي لهذا الضوء (أيْ النسخة الضوئية من شجرة التفاح) أنْ يدخل في العين؛ ومكوِّنات عملية الرؤية (عدسة العين، والشبكية، وعصب الرؤية، ومركز الرؤية في الدماغ، والإشارات الكهربائية المنتقلة عبر عصب الرؤية إلى مركز الرؤية) هي جميعاً مادة. والنتيجة النهائية لهذه العملية هي "الرؤية"، أيْ رؤيتكَ شجرة التفاح.
شجرة التفاح موجودة الآن في داخل رأسك؛ لكنها ليست الشجرة نفسها الموجودة في العالم الخارجي. لقد دخلت هذه الشجرة إلى رأسكَ على شكل "نسخة ضوئية" من شجرة التفاح؛ وهذه النسخة الضوئية تحولت إلى نسخة كهربائية، تَعَامَل معها مركز الرؤية في الدماغ، فتحققت الرؤية. وتحقُّق الرؤية إنما يعني أنَّ شجرة التفاح موجودة الآن في رأسكَ على شكل "صورة ذهنية"؛ وهذه الصورة ليست في حدِّ ذاتها مادة (ليست من جنس المادة، ولا تملك شيئاً من خصائص المادة). وأنتَ لو أغمضت عينيكَ (بعد رؤيتكَ شجرة التفاح) لـ "رَاَيْتَ" الصورة الذهنية لشجرة التفاح. وهذه "الرؤية (التي ليست بالعين)" ترتبط بقوة ذهنية تسمَّى "الذاكرة". إنَّ شجرة التفاح موجودة، بصورتها الذهنية، في رأسكَ؛ ولو أنَّكَ لم ترَ في حياتكَ شجرة تفاح في العالم الخارجي لَمَا وُجِدت صورتها الذهنية في رأسكَ.
هل تشعر بالحزن؟
هل تستطيع تمييز شعورك بالحزن من شعورك بالفرح؟
سأفْتَرِضْ أنَّكَ تشعر بالحزن؛ وإنِّي لمتأكِّد، في الوقت نفسه، أنَّكَ تستطيع تمييز شعوركَ بالحزن من شعورك بالفرح. هذا الشعور (شعورك بالحزن) موجود بالفعل؛ وإنَّ أحداً لا يستطيع إنكار وجود الشعور (والإحساس والرغبة والإرادة والفكر..).
"الشعور" موجود وجوداً لا ريب فيه؛ لكنه ليس كوجود المادة؛ لأننا لا نراه، ولا نلمسه، ولا نسمعه، ولا نشمه، ولا نذوقه.
أنْ ترى شجرة التفاح فهذا "إحساس (نوع من أنواع الإحساس)"؛ والإحساس الذي أنْتَجَتْه هذه العملية المادية للرؤية، والذي لا ريب في وجوده، ليس مادة. إنَّه نشاط وعمل ووظيفة وخاصية "مادة خاصة"، "مادة مفكِرة (وعاقلة)"، هي الدماغ البشري الحي.
"النسخة الضوئية" من شجرة التفاح اخترقت أجسام وأشياء كثيرة؛ اخترقت الماء مثلاً؛ لكنها لم تُنْتِج ما أنْتَجَتْه في رأس الإنسان، وهو الإحساس (إحساس الرؤية). أمَّا السبب فهو أنَّها تتفاعل في داخل الجسم الذي اخترقته، معطيةً نتائج تتَّفِق وطبيعة (وماهية) هذا الجسم؛ فالضوء نفسه، في اختراقه أجسام مختلفة الماهية، يعطي نتائج مختلفة.
أُنْظروا مثلاً إلى الكهرباء (التيار الكهربائي في المنازل). إنَّه تعطي في الأجسام المختلفة نتائج مختلفة (نتائجها في الثلاجة أو الغسالة أو الراديو أو الكمبيوتر أو المدفأة..).
لقد رَأَينا كيف يؤثِّر العالم الخارجي (المادي) في رأس الإنسان الحي (في حواسه ودماغه بأقسامه المختلفة) بما يؤدِّي إلى إنتاج الأحاسيس والمشاعر والأفكار؛ واتَّضَح لنا، وتأكَّد، أنَّ هذه الأحاسيس والمشاعر والأفكار لا تُنْتَج، ولا تُوْجَد، إذا ما فُقِدَ أحد طرفيِّ العملية المادية الخاصة بها، وهما: العالَم الخارجي (المادي) ورأس الإنسان الحي (بحواسه الخمس، ودماغه، وأعصابه). ونحن لو جئنا برأس إنسان وفتحناه فلن نَجِد في داخله أفكار ومشاعر وأحاسيس؛ مع أنَّها أشياء موجودة؛ وهذا إنَّما يشبه أنْ تَفْتَح وتُكسِّر مرآة بحثاً عن صور الأجسام المنعكسة فيها.
"المثاليون الذاتيون"، وعلى رأسهم الفيلسوف باركلي، لن يختلفوا معنا إلاَّ بدءاً من "النتيجة النهائية" لهذه العملية المادية؛ فهُم يُحوِّلون هذه "النتيجة"، أيْ الأحاسيس والمشاعر والأفكار، إلى "سبب"؛ فبدلاً من أنْ يقولوا إنَّ الأفكار هي نُتاج (نتيجة) هذه العملية المادية، بطرفيها، يقولون إنَّ هذه الأفكار هي السبب الذي يجعلنا نتوهم أنَّ ما يقابلها ويمثِّلها من مادة له وجود حقيقي؛ فأنتَ، مثلاً، إذا رأَيْتَ وردة حمراء، فهذه الوردة لا وجود لها إلاَّ في ذهنكَ ووعيكَ؛ ووجودها هذا ليس وجوداً مادياً، وإنَّما وجود ذهني فكري؛ فلا يُوْجَد، ولا يمكن أنْ يُوْجَد، في الذهن (أو الوعي) إلاَّ ما هو من جنسه.
يقول باركلي: نحن نصدِّق بوجود الأشياء؛ لأننا نراها ونلمسها؛ وحواسنا هي التي أعطتنا إياها؛ لكن حواسنا (إحساساتنا) هي فقط الأفكار الموجودة في أذهاننا. كل الأشياء موجودة في أذهاننا فقط؛ وإنَّه لخطأ فادح أنْ نظن أنَّ الكون والمادة موجودان في خارج أفكارنا.
وفي تبسيط أكثر أقول (شارِحاً مذهب باركلي): لا وجود إلاَّ لذهني (ووعيي) أنا؛ وإنَّ كل الأشياء والأجسام التي أظن أنَّها موجودة هي أشياء وأجسام لا وجود لها إلاَّ في ذهني، وعلى هيئة أفكار. أنا الآن أَكتب هذه المقالة. و"أنا" إنَّما تعني "ذهني (ووعيي). القلم والورق والمكتب ويدي وجسمي وكل ما حولي من أشياء وأجسام (تسمَّى مادة، أو العالَم الخارجي) إنَّما هي "أفكار" موجودة في ذهني فقط. وذهني (الخادِع) يُوْهمني أنَّ كل هذه الأشياء موجودة في خارجه؛ لكنها غير موجودة إلاَّ في داخله. حتى إدراكي أنَّ ذهني يخدعني هو أيضاً جزء من عمله ونشاطه!
إنَّ كل العالم، وكل التاريخ، وكل الأحداث، وكل الأشياء والظواهر؛ كل ما أراه وأسمعه وألمسه وأشمه وأذوقه، لا وجود له إلاَّ على شكل أفكار وأحاسيس في داخل ذهني (وعيي) الذي لا وجود لغيره؛ فهو الواحد الأحد!
الله نفسه هو فكرة موجودة في ذهني، ولا وجود له في خارجه، أو في استقلال عنه. الأنبياء والرُّسل والأديان والعقائد؛ موسى وعيسى ومحمد، التوراة والإنجيل والقرآن؛ ماركس وهيجل وداروين؛ الولايات المتحدة ورئيسها ترامب؛ هبوط الإنسان على سطح القمر؛ نظرية "الانفجار الكبير"؛ إنَّ كل ذلك، وغيره، لا يعدو كونه أفكاراً في ذهني. إنَّها أفكار تَظْهَر وتختفي، تتغيَّر وتتطوَّر، تتعاقب وتتفرَّع؛ فالعالَم كله ليس سوى لعبة ذهنية؛ لعبة خداع، يخدع فيه الذهن نفسه، ويُدْرِك، في الوقت نفسه، أنَّه يخدع نفسه!
و"أنا (الذي لا شريك لي)" لستُ سوى ذهني ووعيي؛ لستُ سوى الإحساسات المختلفة، والتي يُوْهمني ذهني أنَّها متأتية من حواسي الخمس؛ فهذه الحواس (مع دماغي، ومع سائر جسمي) لا وجود لها إلاَّ في داخل ذهني، وعلى شكل أفكار.
هل رأيتم الآن النتيجة النهائية لسعيهم إلى نفي مادية العالم، وإلى تحطيم "مادية" المادة؟!

4

"الإحساس (أو الأحاسيس، أو الإحساسات)"، بأعضائه (مصادِرِه، قواه) الخمسة، هو أصل، ومنبع، "المعرفة (العقلية)"، بأشكالها وصورها كافَّة؛ فليس من "فِكْرَة" في رأس الإنسان إلاَّ ولها أصلٌ، وجِذْر، ومنبع، أو عناصر، في أحاسيسه، أو في معطياته الحِسِّيَّة (أيْ ما تعطيه إيَّاه الحواس الخمس، أو إحداها، من أحاسيس).
بحاسة البصر، مثلاً، تُدْرِك أنَّ "هذا" الشيء هو "شجرة برتقال" أو "شجرة تفاح" أو "شجرة زيتون"..
وبها تُدْرِك شجرة البرتقال "هذه"، أيْ "فَرْداً" من شجر البرتقال؛ وهذا "الفَرْد" كـ "البصمة"، لجهة كونه شيئاً "لا مثيل (لا نظير) له".
لكنَّ "الشجرة العامَّة (الشجرة على وجه العموم)"، أو الشجرة، مفهوماً، فكرةً، تعريفاً، لا يمكن إدراكها بالحاسَّة نفسها (حاسَّة البصر) ولا بغيرها من الحواس الخمس. إنَّها تُدْرَك، فحسب، بـ "عَيْن العقل"، ومن طريق "التجريد (الفكري)"؛ فبفضل المُكْتَشَف من السمات والخواص المشترَكة بين الشجر جميعاً نتوصَّل إلى "مفهوم (فكرة، تعريف)" الشجرة، أو إلى "الشجرة العامَّة".
"الفَرْد" من الأشياء، أو "الشيء بعينه"، هو وحده الذي نُدْرِكه، أو يمكننا إدراكه، حسِّيَّاً؛ فهذا الإنسان الذي اسمه "زَيْد.."، والذي..، والذي..، هو، مثلاً، "إنسانٌ بعينه"، نُدْرِكه حسِّيَّاً؛ أمَّا "الإنسان العام" فلا وجود له "في الواقع الحيِّ".
لكنَّ "الفَرْد" من الأشياء لا يوجد، ولا يمكن أنْ يوجد، إلاَّ بصفة كونه "جزءاً من كل"، أو "فَرْداً من جنس (أو نوع)"؛ وهذه "الصلة الحتمية" نتوصَّل إليها، ونكتشفها، من طريق "التجريد (الفكري)"، الذي يضرب جذورها عميقاً في "المعطيات الحسِّيَّة".
و"التجريد" كمثل "الهَرَم المقلوب"، نَصْعَد فيه (أو نرتقي) من "القمة" إلى "القاعدة"؛ فـ "هذه" الشجرة التي أراها الآن هي شجرة برتقال؛ إنَّها "فَرْد" من "جنس (من الشجر)"، هو "شجر البرتقال".
في "التجريد (الفكري)"، الصاعِد من "القمة" إلى "القاعدة"، نقول إنَّها "شجرة برتقال"؛ ثمَّ نقول إنَّها "شجرة"؛ ثمَّ نقول إنَّها "نبات"؛ ثمَّ نقول إنَّها "كائن حي"؛ ثمَّ نقول إنَّها "جسم"؛ ثمَّ نقول إنَّها "مادة".
ومن طريق "التجريد"، نتوصَّل إلى "التعريف"؛ فنُعَرِّف "الإنسان"، مثلاً، على أنَّه "حيوان ناطق.."؛ فلتتأمَّلوا (فلسفياً) هذا "التعريف".
إنَّ قوام "التعريف" هو "ضدَّان متَّحِدان اتِّحاداً لا انفصام فيه"؛ وهما: "التماثُل" و"الاختلاف".
"التماثُل"، في هذا المثال، نراه في كلمة "حيوان"؛ و"الاختلاف" نراه في كلمة "ناطق"؛ فـ "الإنسان"، تعريفاً، أو في تعريف ما، هو "حيوان"، يشتَرِك، ولا بدَّ له من أنْ يشتَرِك، مع سائر أنواع الحيوان، في صفات وسمات وخواص، نبتني منها جميعاً مفهوم "الحيوان (العام)".
لكنَّ هذا الحيوان، أيْ الإنسان، يختلف، ولا بدَّ له من أنْ يختلف، عن سائر أنواع الحيوان في كونه "ناطقاً"، أيْ "يُفكِّر تفكيراً منطقياً"؛ و"الفكرة" تَظْهَر في رأسه، وتُنْقَل إلى خارج رأسه، وهي في "غلافٍ ماديٍّ"، هو "الكلام المنطوق (ثمَّ المكتوب)".
وليس من "تعريف" لأيِّ شيء إلاَّ ويُمثِّل هذا الاتِّحاد الذي لا انفصام فيه بين "التماثُل" و"الاختلاف"؛ فكل إنسان يجب أنْ يكون حيواناً (ناطقاً) لكن ليس كل حيوان يجب أنْ يكون إنساناً.
قُلْنا لا وجود في "الواقع الحي" إلاَّ لـ "الفَرْد" من الأشياء، والذي يشبه "البصمة"؛ لكنَّ هذا "الفَرْد" من الأشياء لا يوجد، ولا يمكنه أنْ يوجد، في "الواقع الحي"، إلاَّ على هيئة، أو بصفة كونه، "سيرورة" Process.
إنَّ "نبات الشعير"، مثلاً، هو، في أصله"، "حَبَّة (من حبوب الشعير)"؛ لكنَّ هذه "الحَبَّة" لا يمكنها أنْ تكون "الشعير (أو نبات الشعير)" إلاَّ إذا كانت على "هيئة خاصة"؛ فهي أوَّلاً يجب أنْ تُزْرَع، ويجب، من ثمَّ، أنْ يُهيَّأ لها "أسباب نموٍّ"، كالحرارة والماء والرطوبة. إنَّها يجب أنْ تكون في تفاعُل مستمر مع "بيئة خاصة"؛ فإذا انْتُزِعَت من بيئتها، ومُنِعَت من التفاعُل مع أشياء خاصة، تكفُّ عن كونها "حبَّة تعطي نبتة، تعطي سنبلة (شعير)". وهذا إنَّما يعني أنَّ "الفَرْد" من الأشياء لا يكون، ولا يمكنه أنْ يكون، هو نفسه إلاَّ بصفة كونه "ابن بيئة خاصة"، يتفاعَل معها، ويتبادل التأثير، في استمرار. إنَّ "الفَرْد" من الأشياء، وبصفة كونه "سيرورة"، هو وحده الموجود في "الواقع الحي"، الذي ينتقل إلينا، من طريق الحواس الخمس، على هيئة "أحاسيس"، منها ننطلق في "التجريد (الفكري)"، فنتوصَّل إلى "المفاهيم".
والآن، لنَنْظُر بـ "عين جدلية" إلى "الإحساس"، الذي يأتي إلينا من طرق إحدى الحواس الخمس، ولنَسْأل "كيف يتولَّد الإحساس؟".
ضَعْ يدك في ماء بارد، فتحسُّ بـ "البرودة". لقد تولَّد لديك الآن إحساسٌ (بالبرودة).
يدك، نسبياً، أيْ نسبةً إلى هذا الماء، كانت "حارة"؛ فلو لم تكن حارة (نسبةً إلى هذا الماء) لَمَا أحْسَسْتَ بالبرودة.
أنْ تكون يدك حارة (مِنْ قَبْل) فهذا هو "نصف الجواب"؛ أمَّا "نصفه الآخر" فهو أنْ "تُنْفى (تُلْغى)" حرارة يدك؛ فـ "يدكَ الحارة، التي تتعرَّض حرارتها للنفي" هي سبب إحساسك بالبرودة.
"الواقع الموضوعي"، أيْ الواقع (المادي) الموجود في خارج الذِّهْن، وفي استقلال عنه، هو الذي، بتأثيره بأعضاء الحِسِّ فينا، يُولِّد لدينا أحاسيس مختلفة؛ وكل إحساس لا يتولَّد فينا إلاَّ ومعه نقيضه، أو ضديده؛ وإنَّ تناقُض الإحساس يَعْكِس تناقُض الواقع الموضوعي الذي ولَّده (فينا إذ أثَّر بحواسِّنا).
وصلة "الإحساس" بـ "المحسوس" إنَّما هي نفسها صلة "الوعي" بـ "المادة"؛ فأنتَ تحسُّ باللون الأخضر (مثلاً) إذا ما أثَّر ورق الشَّجَر بعينك، التي هي عضو (مادي) من وظائفه الإحساس باللون؛ و"المحسوس"، في هذا المثال، هو "ورق الشَّجَر".
"إحساسك باللون الأخضر" إنَّما هو كـ "الفكرة"، "صورة ذهنية"؛ و"الصورة الذهنية" تُوْجَد في "الذِّهْن (أو الوعي)" فحسب؛ فهي لا توجد في خارجه، ولا توجد مستقلةً عنه؛ أمَّا "المحسوس"، أيْ "ورق الشَّجَر"، في مثالنا، فهو "مادة"، أيْ "واقع موضوعي". إنَّه "واقع موضوعي"؛ لأنَّ "ورق الشَّجَر" موجود في خارج ذهنكَ، وفي استقلال عنه. إنَّه مستقل عنه في وجوده، وفي تطوُّره؛ وهذا لا يتعارض مع "تأثُّر ورق الشَّجَر بقوَّة ما من قواك المادية"؛ فأنتَ، مثلاً، يمكنك أنْ تخدش بظفركَ إحدى أوراق الشَّجَر؛ وهذا "تغيير" تأتَّى من تفاعُل "الذَّات" مع "الموضوع".
إنَّ "الحِسَّ (أو الإحساس)" هو ثمرة التفاعُل بين شيئين هما "الحاس"، أيْ عضو الإحساس، والذي هو "مادة"، و"المحسوس"، والذي هو "مادة" أيضاً؛ لكنَّ هذه "الثمرة" ليست، لجهة ماهيتها، بـ "مادة".
"الإحساس"، والذي منه تنشأ وتُوْلَد "الأفكار" و"المفاهيم"..، إنَّما "يَعْكِس" الواقع (المادي) الموضوعي المتناقِض بطبيعته. وهذا "العَكْس" هو "صورة (حسِّيَّة، ذهنية)" لا تَظْهَر، ولا يمكنها أنْ تَظْهَر، إلاَّ في "مرآة خاصة" هي مِنْ مادة؛ وهذه "المادة" قوامها "الدماغ" و"أعضاء الحس الخمسة" و"الأعصاب".
تأمَّل صورة شيء أو جسم ما في المرآة العادية. افْتَرِضْ أنَّ الصورة التي تراها في المرآة هي صورة شجرة برتقال.
إنَّكَ لا تحتاج إلى تأمُّل طويل وعميق لتُدْرِك أنَّ وجود صورة شجرة البرتقال في المرآة لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ شجرة البرتقال نفسها موجودة في هذه المرآة؛ فهذه الشجرة ما كان لصورتها أنْ تَظْهَر في المرآة لو لم تكن هي نفسها موجودة في خارج المرآة، ومستقلةً في وجودها وتغيُّرها عن المرآة؛ كما أنَّك لا تحتاج إلى مثل هذا التأمُّل لتُدْرِك أنَّ المرآة لا تُريكَ، ولا يمكنها أنْ تُريكَ، إلاَّ ما "تراهُ" هي؛ فلا صورة فيها لجسم ليس في متناوَل "عينها"؛ وتلك "المرآة الخاصة"، أو دماغ الإنسان، لا صورة (ذهنية) فيها إلاَّ لجسمٍ يقع في مدى مداركها الحسِّيَّة؛ فالمستحيل بعينه أنْ تَعْثُر في رأس الإنسان على "فكرة" لا وجود لها، ولو على هيئة عناصر ومكوِّنات، في الواقع (المادي) الموضوعي. حتى الفكرة المتطرفة في خياليتها، أو في بُعْدها عن الواقع، وتعارُضِها معه، يجب أنْ تُبْنى من "حجارة موجودة في الواقع الموضوعي".
إنَّ كل "إحساس" يتولَّد فيك يجب أنْ يُفْهَم ويُفَسَّر على أنَّه انعكاس لـ "تناقُض واقعي موضوعي"؛ وإنَّ لحظة تغلُّب أحد طرفيِّ تناقُض (واقعي موضوعي) ما على الآخر هي عينها لحظة ولادة إحساسٍ ما؛ وينبغي لكَ أنْ تَفْهَم بنيتكَ الجسدية على أنَّها جزء من "الواقع (المادي) الموضوعي"؛ فهذا الواقع إنَّما يشمل كل ما هو موجود في خارج ذهنك، وفي استقلال عنه؛ وليس أدل على ذلك من "عملية الهضم"؛ فهذه العملية تَحْكُمها وتُنَظِّمها "قوانين (مادية) موضوعية"؛ وهذه القوانين لا يتأثَّر وجودها وعملها بجهلكَ بها، أو بمعرفتك لها؛ فما أكثر القوانين (المادية) الموضوعية التي تؤثِّر فينا، وفي حياتنا بأوجهها كافة، ولم نكتشفها، أو ندركها، بَعْد!
الدماغ البشري (الحي) هو مستودع "الصور الذهنية" جميعاً، وعلى اختلافها. وفي هذا المستودع الكبير تُوْجَد "الذاكرة"، ويُوْجَد معها دائما ما يشبه "الممحاة"، التي تمحو كلِّياً، أو جزئياً، تفاصيل كثير من تلك الصور. و"المحو" ليس "مُطْلَقاً"، فكم من صور ذهنية خَرَجَت من "الذاكرة" ثمَّ عادت إليها بقوَّة تسمَّى "تداعي المعاني".
و"الصورة الذهنية"، وبحسب المعنى الكامن في تسميتها، ليست بـ "مادة".. ليست بشيء يُمْكننا لمسه مثلا. إنَّها "فكرة"، وليس من فكرة تنتمي، في طبيعتها، وماهيتها، إلى "المادة"، وإنْ كان "مُنْتِجُها"، أي الدماغ البشري الحي، مادة لا شكَّ في ماديتها. وهو لا يُنْتِجها بمعنى "يُفْرِزها". إنَّه يُنْتِجها بمعنى أنَّها تَظْهَر فيه (وعلى سبيل التشبيه ليس إلا) كما يَظْهَر وجهكَ في مرآة. إنَّ وجهكَ الظاهر في المرأة لا يُوْجَد فعلا وحقيقة في داخل المرآة. إنَّه يُوْجَد فحسب في خارجها؛ وكل تغيير يطرأ عليه ينعكس فوراً في المرآة. و"حواس الإنسان الخمس" هي "نوافذ الدماغ"، فشجرة التفاح هذه تؤثِّر (تأثيرا ضوئياً) في عينيَّ، فأراها، فإذا ما أغمضتُ عينيَّ، بعد ذلك، فإنَّني أستطيع أن "أرى" صورتها الذهنية (في دماغي).
وهذا "التأثير عن بُعْد" ينبغي لنا أن نفهمه فهما مادياً، فثمَّة "مادة" هي الضوء المنبعث من تلك الشجرة، انتقلت (عبر الفراغ) إلى عينيَّ، فدماغي، فأنْتَجت، من ثمَّ، تلك الصورة الذهنية، التي لا يمكنها أن تؤثِّر أقل تأثير في الشجرة نفسها.
إنَّ شجرة التفاح تلك، ولجهة صلتها بوعيي، تُوْجَد في خارج وعيي، وفي استقلال تام عنه؛ وكل تغيير يطرأ عليها لا بدَّ له من أنْ يُتَرْجَم بتغيير في صورتها الذهنية.
وبـ "الخيال" ننشئ صوراً ذهنية ليس لها من أصول في العالَم المادي؛ ولكنَّ "عناصرها" لها وجود فيه، فصورة "نهر من ذهب" ليس لها من أصل في العالَم المادي؛ لأنْ لا وجود فيه لنهرٍ من ذهب؛ ولكن يُوْجَد فيه "النهر" و"الذهب"؛ وأنا أستطيع بقوَّة "الخيال" إنشاء صورة "نهرٍ من ذهب".
و"الصورة الذهنية" لها "تاريخ"، مثلها مثل أي شيء في الواقع، أو العالَم المادي. لها ماض، ولها حاضر، ولها مستقبل. وليس من معنى لـ "تاريخيتها" إذا لم تختلف وتتغيَّر عَبْر الزمن، فهي في مستقبلها يجب أن تختلف عمَّا هي عليه في حاضرها؛ وفي حاضرها يجب أن تختلف عمَّا كانت عليه في ماضيها؛ لأنَّ أصلها المادي في تغيُّر دائم.
أين "الخرافة" في صورة "نهر من ذهب"؟
إنَّها ليست في العناصر والمكوِّنات؛ وإنَّما في "التركيب"، فليس من خرافة ليست بـ "واقعية"، و"مادية"، في عناصرها ومكوِّناتها، فهل لكَ أن تعطيني "صورة ذهنية"، فكرة ما، لا تتألَّف، مهما كانت خرافية وغير واقعية، من عناصر واقعية ومادية؟!
إنَّ كل عقائد البشر لا يمكن أن تَظْهَر في رؤوسهم إلا بوصفها "صوراً ذهنية"، لها أصول في العالَم المادي، أو لها عناصر فيه. وليس من عقيدة يمكنها أن تشذ عن هذا القانون، ولو كانت دينية سماوية.
إنَّكَ تستطيع بقوَّة "الخيال" أن تتصوَّر كائنا (هو الله، أو "خالِق الكون") ليس كمثله شيء في الواقع أو العالَم المادي؛ ولكن يكفي أن تقوم بتفصيل وتحليل صورته الذهنية حتى ترى أنَّ كل العناصر التي يتألَّف منها هذا الكائن، لها، ويجب أن يكون لها، وجود في الواقع أو العالَم المادي.
و"العالَم الميتافيزيقي (أو "الآخرة")"، أي العالَم الذي يقولون بوجوده في خارج العالَم المادي، وفي استقلال تام عنه، إنَّما يشبه صورة "نهرٍ من ذهب"، أي أنَّ كل مكوِّناته وعناصره تنتمي إلى العالم المادي، فهل من شيء في "الدار الآخرة" لا وجود له، أو لعناصره، في "الحياة الدنيا"، أو "الدار الفانية"؟!
في رؤوسنا أفكار ميتافيزيقية كثيرة؛ ولكن هل تأتوني بفكرة منها غير مُرَكَّبة من عناصر لها وجود في العالَم المادي؟!
وهل في مقدور أي إنسان، ومهما بلغت قوَّة خياله، وقدرته على التجريد، أن يتصوَّر، أو أن يُصوِّر، في وعيه شيئاً، أو كائناً، لا يتركَّب من عناصر لها وجود في العالَم المادي؟!
إذا أنتَ غَيَّرْتَ (بالخيال) الصورة الذهنية لشجرة التُّفاح، والموجودة في وعيكَ، فإنَّ هذا التغيير لن يؤثِّر أبداً بالشجرة نفسها؛ لكنَّ تَغيُّر الشجرة نفسها يمكن ويجب أنْ يُغيِّر صورتها الذهنية التي في رأسكَ.
"الشجرة نفسها" هي، بلغة الفلسفة، "الموضوع"؛ و"صورتها الذهنية" هي "الذَّات"؛ فكيف يمكننا، وينبغي لنا، أنْ نَفْهَم مادياً الصِّلة بين "الموضوع" و"الذَّات"؟
"الشجرة الواقعية" هي "الأصل"، وهي "الأقدم وجوداً" من "صورتها الذهنية"؛ وإنَّها موجودة "في خارج" الوعي، وفي "استقلال عنه"؛ و"صورتها الذهنية"، مهما كانت دقيقة ومُفصَّلة، فإنَّها لا تشتمل، ولا يمكنها أبداً أنْ تشتمل، على كل تفاصيل الأصل (الظاهر منها وغير الظاهر).
الآنْ، تَمْلُكُ أنتَ في وعيكَ "صورة (ذهنية، مثالية) للشجرة"؛ فهل لكَ أنْ تؤثِّر تأثيراً واقعياً، مادياً، بالشجرة نفسها؟
في مثالٍ مشتق من المثال الأوَّل، نَفْتَرِض أنَّكَ أمْسَكْتَ ببلطة، وضَرَبْتَ بها الشجرة، حتى قَطَعْتَها.
كيف يَفْهَم "الإنسان المثالي (أيْ الذي يُفكِّر في طريقة مثالية لا مادية)" هذا الأمر؟
إنَّه يقول، في فَهْمِه له، "لقد أردتُ قَطْع الشجرة، فقُطِعَت"؛ فـ "الإرادة (وهي قوَّة مثالية) أوَّلاً، ومبتدأً".
لقد "فَكَّر" في الأمر، و"تخيَّله"؛ ثمَّ "أراده"؛ فـ "حَدَثَ هذا الحادث (أيْ قَطْع الشجرة)".
ومن ذلك يَسْتَنْتِج هذا "المثالي" أنَّ "الوعي (التفكير والفكرة والتخيُّل والإرادة..)" هو الأوَّل، والأسبق؛ وهو الذي يَخْلق "الواقع" و"الأشياء".
لو سألْتَه عن هذا المنزل المُشيَّد لأجابكَ على البديهة قائلاً إنَّ هذا المنزل، وقَبْل أنْ يُخْلَق، كان "فكرة" في رأس المهندس؛ والدليل على ذلك أنَّ المهندس "تصوَّره" أوَّلاً، أيْ قبل أنْ يغدو واقعاً.
وبعد "التصوُّر"، جاءت "الإرادة"؛ فـ "خالِق" المنزل يجب أنْ "يريد" خَلْقه أوَّلاً.
ومن هذا الخلل في فَهْم الصِّلة بين "الموضوع" و"الذَّات"، "اكتشفوا" طريقة "خَلْق الكون"؛ فالكون قبل أنْ يُخْلَق، ويغدو واقعاً، كان "فكرة" في وعي كائن (غير بشري) هو الله؛ وهذا الكائن "أراد"، فكان له ما أراد، و"وُجِد الكون".
لنتوسَّع أكثر في "القصة"، قصة خَلْق منزلٍ.
افْتَرِض أنَّكَ "خَلَقْتَ" منزلاً من طين، وكُنْتَ الأوَّل في "خَلْقِه".
"فكرة" هذا المنزل وُجِدت أوَّلاً في رأسكَ، أيْ في وعيكَ؛ فأنتَ تصوَّرتَ، وتخيَّلْتَ، المنزل قبل وجوده.
لكنْ، من أين أتت هذه "الفكرة" إلى رأسك؟
وأين هو "أصلها" في الواقع الموضوعي؟
إنَّ "المغارة (أو الكهف)"، أو ما يشبهها من الأشياء الموجودة في الواقع، هي "الأصل" و"المَصْدَر"؛ فـ "المغارة" هي التي أنْتَجَت في رأسكَ، أو في وعيكَ، أوَّل، وأقدم، "صورة ذهنية للمنزل".
وها أنتَ الآن "تريد" "خَلْق" هذا المنزل، متوهِّماً أنَّ "إرادتكَ" هي التي لولاها لَمَا وُجِد هذا الشيء، المسمَّى "منزلاً"؛ وهذا وَهْمٌ مُتَفَرِّع من وَهْمٍ أكبر هو الكامِن في القول "كل شيءٍ رَهْنُ إرادة الإنسان".
أمْعِن النَّظر قليلاً في "إرادتك (الحُرَّة)" هذه، فماذا تَجِد؟
أوَّلاً، ثمَّة "ما دَفَعَك إلى" التفكير في بناء المنزل؛ وهذا "الدافِع (أو الحافِز)"، الذي ربَّما لا تعيه، هو "دافع موضوعي"، من طبيعة مادية صَرْف؛ فالمنزل إنَّما تبتنيه اتِّقاءً لشرِّ البَرْد أو الحَرِّ..
وهذه "الأسباب"، أيْ الأشياء التي تريد اتِّقاء شَرِّها، والتي تَظْهَر في رأسكَ على شكل "دوافع"، ليست وليدة إرادتك، ولم تُوْجَد لرغبتكَ في وجودها، وما كان لها أنْ تَظْهَر في رأسكَ على شكل "دوافع" لو لم تكن أنتَ من طبيعة تَجْعَلَك تتأثَّر (على هذا النحو) بالبَرْد والحَرِّ..
لقد أردتَ "خَلْق" منزلٍ من "الطين"؛ فَلِمَ لم تُرِدْ (لو كنتَ موجوداً قبل آلاف السنين) خلقه من "إسْمَنْت مسلَّح"، أيْ من إسْمَنْت تتخلَّله قضبان من الحديد، أو شِباك معدنية؟
لأنَّ الحديد وقضبانه لم يكن جزءاً من "بيئتكَ الاصطناعية"، أيْ البيئة التي خلقها البشر بالعمل، أو من خلال تفاعلهم المادي مع البيئة الطبيعية.
إنَّه لأمْرٌ ليس بذي أهمية أنْ تقول إنَّ "الإرادة" تسبق "الفعل (والعمل)"؛ ولقد أوضحنا كيف، وبأيِّ معنى، يكون هذا السَّبْق.
"محتوى الإرادة"، لا "الإرادة نفسها"، هو الأمر الذي ينبغي له أنْ يستأثر باهتمامنا؛ فإنَّ "المحتوى الواقعي للإرادة"، أيْ "محتوى ما يريد الإنسان فعله"، يختلف باختلاف "الدوافع" و"الحوافز"، والتي فيها تَكْمن "الأسباب التاريخية (المادية الموضوعية)".
أُنْظُرْ في داخل رأسكَ، فترى أفكاراً وقيماً معيَّنة؛ فلماذا تملك هذه الأفكار والقيم من دون سواها؟
إنَّ لـ "الفكرة (الفلسفية أو الدينية أو السياسية..)" زمان ومكان ولادة؛ وعليكَ، من ثمَّ، أنْ تسأل "لماذا ظهرت هذه الفكرة الآن، وفي هذا المكان؟"؛ و"لماذا لم تظهر من قبل، أو في مكان آخر؟".
وعليكَ أنْ تسأل أيضاً "لماذا هذه الفكرة مفهومة ومقبولة الآن؟"؛ "لماذا سادت وانتشرت الآن؟"؛ "لماذا أصغى الناس إليها، وتجاوبوا معها، الآن؟".
إنَّ ثمَّة زمناً تُخْلَق فيه فكرة ما، وتلقى قبولاً؛ فالفكرة الصالحة لكل الأزمنة، ولكل الأمكنة، إنَّما هي فكرة لا تَصْلُح لأيِّ زمان، ولا لأيِّ مكان.
أنْظُرْ في "فكرة الرأسمالية (مثلاً)"، وفي "الأفكار الرأسمالية (أكانت اقتصادية أم سياسية)"؛ ثمَّ اسْألْ نفسكَ السؤال الآتي: "هل فكرة الرأسمالية، أو الأفكار الرأسمالية، هي التي خلقت الرأسمالية أمْ أنَّ الواقع الرأسمالي هو الذي خلق تلك الفكرة الرأسمالية، وهذه الأفكار؟".
إنَّ كل فكرة خلقها واقع؛ فابْحَثْ عنه، وجِدْهُ.
قُلْ لي ما هي "مصالحكَ وحاجاتكَ الواقعية الحقيقية الأساسية" حتى أتوقَّع وجهة نظركَ في أمْرٍ ما، وموقفكَ منه، وكيف تفهمه وتراه؛ ونحن نرى، وإنْ على وجه العموم، لا على وجه الإطلاق، أنَّ "طريقة التفكير"، و"الأفكار"، في شأنٍ، أو شيءٍ، ما تختلف بين الفقراء والأغنياء، بين ساكني الأكواخ وساكني القصور.
إنَّه بَذَخٌ ما بعده بَذَخ أنْ يتناول هذا الفقير الطعام في هذا المطعم؛ وهذا بَذَخٌ من وجهة نظره هو؛ وإنَّها لمأساة ما بعدها مأساة، ومذلَّةٌ ما بعدها مذلَّة، أنْ يتناول هذا الذي كان غنياً الطعام في المطعم نفسه؛ وهذا الشعور هو شعور غنيٍّ اضطَّره سوء حاله الاقتصادية إلى التقشُّف.
أُنْظُرْ إلى "الشيء نفسه"، وانظُرْ، في الوقت نفسه، إلى وجهتي نظر الغني والفقير فيه، فَتَقِف، عندئذٍ، على "السبب المادي" لهذا "الوعي"، ولهذا الاختلاف في الوعي.
البشر لا يختلفون، مجتمعاً وتاريخاً وحضارةً، في الشيء الذي يُنْتِجون؛ وإنَّما في "طريقة (أو كيفية) إنتاجهم له"؛ ففي كل العصور والأزمان والمجتمعات والحضارات أنتج البشر القمح مثلاً؛ ولكنَّ طريقة إنتاجهم له هي التي باختلافها جعلتهم يختلفون، مجتمعاً وتاريخاً وحضارةً.
من قبل، كان في مقدوركَ أنْ تُنْتِج شيئاً ما بأدوات تستطيع استعمالها بنفسك؛ فاتَّسم عملك بالطابع الفردي الشخصي؛ وكانت "المِلْكية الفردية الشخصية" لأدوات العمل، ونتاجه، هي شكل التملُّك الموافِق لهذه الأدوات.
الشيء، أو المنتوج، نفسه يُنْتَج الآن بجملة من الأدوات والآلات التي تُسمَّى مجتمعةً "المصنع"؛ فـ "المصنع" هو الآن أداة إنتاج الشيء نفسه، أيْ الشيء الذي كان يُنْتِجه، من قبل، شخص واحد؛ وإنَّ إنتاج الشيء نفسه في "المصنع"، أو به، هو الذي جعل هذا العمل يتَّسِم بـ "الطابع الجماعي".
ومن هذا المثال يثور السؤال الآتي: هل "إرادة" الإنسان، أو "رغبته في (أو رغبته عن)"، هي السبب في هذا الاختلاف؟
إنَّ أسوأ تفسير هو الذي يتضمَّنه قولٌ من قبيل "أراد الإنسان لعمله أنْ يكون فردي الطابع، فكان؛ ثمَّ أراد له أنْ يكون جماعي الطابع، فكان".
من قبل، كان أسرى الحرب يُقْتَلون؛ ثمَّ، وعلى ما يَزْعُم المؤرِّخون المثاليون، "تحسَّنت أخلاق" البشر، فكَفُّوا عن قتل الأسرى، وأخذوا يُشغِّلونهم في الزراعة مثلاً.
لقد فسَّروا هذا الاختلاف في الموقف من أسير الحرب تفسيراً مثالياً إذ أرجعوه إلى "سبب أخلاقي"؛ وكان "السبب الحقيقي" هو "الفائض الغذائي"؛ فبفضل تَحسُّن أدوات الإنتاج (لا أخلاق البشر) أصبح ممكناً أنْ يُنْتِج المزارِع ما يفيض، ولو قليلاً، عمَّا يَلْزَم لتلبية حاجته هو إلى الطعام.
ومع ظهور وتنامي هذا "الفائض" الغذائي أصبح أسير الحرب مُجْدياً اقتصادياً، وأصبحت الحرب نفسها، من ثمَّ، مُجْدية اقتصادياً.
بدايةً، خضع الإنسان خضوعاً تاماً لوسطه الطبيعي، أو بيئته الطبيعية؛ وبفضل "أدوات العمل" تفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية بما أفضى إلى نشوء (وتطوُّر) بيئته الاصطناعية، التي بفضلها أصبح تطوُّر الإنسان نفسه مستقلا (استقلالاً متزايداً) عن بيئته الطبيعية.
إنَّ وسط الإنسان الآن بعضه من الطبيعة، وبعضه مِمَّا أنْتَج وطوَّر من أشياء من طريق تفاعله (بأدوات ووسائل اخترعها وطوَّرها) مع الطبيعة.
الإنسان لا بدَّ له أوَّلاً من أنْ يتأثَّر بالوسط الطبيعي والاجتماعي؛ ولا بدَّ له، من ثمَّ، من أنْ يتوفَّر على تغيير هذا الوسط، فإذا غيَّره تغيَّر هو؛ فالإنسان يشرع يتغيَّر بالوسط الذي غيَّره من قبل.
و"البيئة الاصطناعية" التي يعيش فيها البشر هي التي بتبدُّلها وتطوُّرها نَقِف على عِلَّة التطوُّر الاجتماعي بأوجهه كافة؛ ولا ريب في أنَّ صلة، وخواص صلة، البشر بأدوات ووسائل العمل والإنتاج، وبنتاج العمل، هي التي فيها يكمن السبب التاريخي الأهم لتطورهم الاجتماعي، ولخواصه الجوهرية.
هل فكَّرتَ يوماً في أنْ تسأل نفسك السؤال الآتي: لماذا المرء يفشل في توقُّعه، أو يُصيب؟
لو تَعَمَّقْتَ في إجابتكَ لتوصَّلْت إلى أنْ السبب يكمن في "عدم توافُق" توقُّعكَ، أو في توافُقِه، مع "القوانين الموضوعية"، والتي هي قوانين لا تملكها، لا تخلقها، لا تُغيِّرها، لا تُعَدِّلها، ولا تقضي عليها؛ إنَّها قوانين تتحدَّاك أنْ تعرفها، وتعيها، وتكتشفها، وأنْ "تديرها"، أيْ أنْ تستخدمها بما يلبِّي لك حاجة، أو يُحقِّق لكَ هدفاً؛ وإنَّها قوانين تَدْعوكَ إلى أنْ تهيئ لها من الظروف البيئية ما يؤثِّر في عملها، إيجاباً أو سلباً، إسراعاً أو إبطاءً.
وبفضل وعي القوانين الموضوعية يمكننا التنبؤ (التوقُّع) والعمل (تغيير العالَم).
و"النجاح"، أو "الفشل"، في سعينا، وتوقُّعنا، إنَّما هو بحدِّ ذاته خير دليل على "موضوعية" واقعنا (الاجتماعي، والتاريخي، والطبيعي).
إنَّ "الواقع الموضوعي"، ومن غير أنْ نعي، يؤثِّر فينا، في عقولنا وأذهاننا؛ وهو في هذا إنَّما يشبه "عملية هضم الطعام"؛ فهضم الطعام في الجهاز الهضمي للإنسان هو عملية، لها قوانينها، التي هي، في وجودها وعملها، مستقلة عن وعي المرء لها؛ إنَّها، أي قوانين عملية الهضم، موجود قبل أنْ تعيها وتكتشفها؛ وتعمل في استمرار ولو لم تَعِها، ولم تكتشفها.
وينبغي لك وعيها واكتشافها إذا ما أردت استخدامها بما يعود عليك بالنفع والفائدة.
إذا أرَدْنا "النجاح" فلا بدَّ لنا من أنْ "نختار"، و"نقرِّر"، و"نريد"، بما يتَّفِق مع "الواقع الموضوعي"؛ ولن نحصل على أكثر مما يسمح لنا هذا الواقع بالحصول عليه.
وعندما "نفشل" ندرك، أيْ يجب أنْ ندرك، أنَّ السبب يكمن في تَعارُض ما اخترنا، وقرَّرنا، وأردنا، مع "الواقع الموضوعي".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,167,625,251
- -الإرادة- ما بين -المثالية- و-المادية- في الفهم والتفسير!
- الشعوذة الكوزمولوجية الكبرى للدكتور زغلول النجار!
- التقويم الجدلي للتناقض في الشكل الهندسي لحركة التاريخ!
- وهم الأسلمة!
- بأيِّ معنى يشمل قانون -الانتخاب الطبيعي- المجتمع؟
- يمكننا مغادرة كَوْننا لكن لا يمكننا رؤيته من -خارجه-!
- الحركة في المكان والزمان ما بين الفلسفة والفيزياء!
- الرَّب الذي صَهْيَنَه بعض العرب بعد طول تهويد!
- وما زلنا في عصره نعيش!
- تخطِّي النظام الرأسمالي هو أمر ممكن وضروري!
- الحفرة الفضائية النجمية
- متى نتعلَّم -الحوار-؟!
- الزمن يتوقَّف ولكن..
- في فكرة -خَلْق المادة من العدم-
- -الإرادة-.. رؤية فلسفية!
- السفر الكوني ما بين آينشتاين وهوكينج!
- هل -الثقب الأسود- ممر إلى -كَوْنٍ آخر-؟
- أسباب وأوجه الأزمة في تعريف -الحقيقة-!
- أجوبة مادية ودينية عن أسئلة وجودية!
- صَدِّقْ أو لا تُصَدِّقْ!


المزيد.....




- وكأن الحرب لا تكفي.. جحيم الإدمان يلاحق سوريين بأعمار تبدأ م ...
- هذه الطائرة الشهيرة تقوم بآخر رحلة طيران تجارية
- الولايات المتحدة: إرجاء خطاب ترامب عن حالة الاتحاد على خلفية ...
- وكأن الحرب لا تكفي.. جحيم الإدمان يلاحق سوريين بأعمار تبدأ م ...
- السعودية تؤكد دعمها الكامل للعراق
- بوادر أزمة دبوماسية أسترالية - صينية بعد توقيف مدون في الصين ...
- بوادر أزمة دبوماسية أسترالية - صينية بعد توقيف مدون في الصين ...
- الأوقاف الفلسطينية: الأقصى دُنس 376 مرة عام 2018
- واشنطن تدعو الخرطوم لإصلاح حقيقي والإفراج عن المحتجين
- انتهاكات دمشق ضد الأحياء والأموات أيضا


المزيد.....

- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جواد البشيتي - أسرار قوَّة وحيوية الفكر المادي!