أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين جباري - الظاهر والباطن، أو محنة الوجود.















المزيد.....

الظاهر والباطن، أو محنة الوجود.


عزالدين جباري
الحوار المتمدن-العدد: 5519 - 2017 / 5 / 14 - 04:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


منذ فجر الفكر الفلسفي الذي انفلق في حواضر اليونان تألق إشكال واحد كبير، وشق الجوابُ طريقَه في جدولين هما، بلغة الضاد، الظاهر والباطن. وقد كان السؤال هو : أين تقيم الحقيقة؟ هل في دنيا " الظواهر"؟ أم في " عالم المخفي"؟ ثم جاءت الأجوبة كلها تنويعات لا تخرج عن حدود الاحتمالات الممكنة؛ إما ظاهرا لا باطن له، أو باطنا خفيا لا يحصل إلا بفناء الظاهر، أو توقفا في حدود الظاهر و إقرارا بالعجز عن النفاذ إلى الباطن. وهو توقف ثنائي القطب، فقطب يقر بحقيقة الوجود الباطن، ويصرح بعجز وسيلة العقل أداة للكشف، ويكتفي بقفزة الإيمان( ديكارت،روسو، كانط...) ، وقطب شاك لا أدري يريد أن يجعل من الباطن ظاهرا يراه، و لا يعي أن الباطن لو تحول إلى ظاهر مدرَك بالحواس كف أن يظل باطنا( راسل، داوكنز..). وعند التمحيص يتبين أن موقف المتوقفين هو تنويع على الموقفين الأصليين، فإن هو أقر بعجز العقل فهو مؤمن بالباطن، وإن عجز وتوقف متحيرا، فهو منكر بالقول والسلوك، وهو قهرا مذعن تحت وطأة المعاناة.
لقد أدرك أفلاطون جدلية الحقيقة فأقر بعالم المثل ( الباطن ) في مقابل عالم التغير والفساد ( الظاهر )، و أرسطو يؤمن بأن قوام عالم الكون والفساد هذا، هو الحركة، ويؤمن بمحرك أول غير متحرك هو المبدأ الوحيد للحركة العالمية، إيمانا عقليا، وبالتالي غيبيا، وهو إيمان بالباطن. ثم يأتي الإشراق الأفلوطيني ويعتبر الكون فيضا عن عقول فاضت عن العقل الأول، وهي كلها غيوب باطنة.
وفي العصر الإسلامي الوسيط يتصدر الغزالي للإجابة عن هذا الإشكال فيؤكد اتصال عالم الغيب بعالم الشهادة من خلال نظرية النور التي أودعها في رسالة المشكاة.
وحين حَوَّل ديكارت المركزية إلى الذات فإنه لم يصنع شيئا جديدا، فمتى غابت المعرفة عن الذات حتى نعود إليها؟ فحتى المتصوفة كانت آراؤهم مواقفَ ومخاطبات ومشاهدات. إذا، فقد كانت ذواتا تجابه بمفردها محنة الوجود.
ولذلك، فإن أبرع تعبير وأَتَمَّهُ عن صورة الحقيقة من منظور الإنسان بميزان العقل التأملي، هي وجودية " هيدجر " الظاهراتية، التي اعتكفت في مسرح الحقيقة، وتعبدت من أجل رهان الحرية.
لقد حاول هيدجر تجاوز الميتافيزيقا فأقام صرحا ميتافيزيقيا حَطَّم فيه دنيا الظواهر التي اعتبرها مودِعا للأدوات، وللسقوط في الزيف، وتوجه نحو عالم " النور " و " الانفتاح " من خلال الكائن-هنا، الكائن المتوتر. فما وَتَّره يا هيدجر؟ إنه نداء الوجود. وما مصدر هذا النداء؟ يجيب هيدجر بأن أساس المسلك النوراني نحو انفتاح الوجود هو الحرية، وأن السبيل إلى التحقق بالوجود الأصيل هو الإنصات للقول الذي يتكلم الوجود. مارتن هيدجر، كتابات أساسية، الجزء 2 ترجمة إسماعيل المصدق، المجلس الأعلى للثقافة القاهرة ط1 ،2003،ص243
و يحق لنا أن نتساءل : هل تشير العبارة ( هذا الشيء حلو ) إلى كل معنى " الحلاوة " ؟ أم إنها تشير فقط إلى ما سبق لنا معرفته من فبل؟ لم يستطع هيدجر أن يتجاوز مسألة " الشيء في ذاته "، وسقط في متاهة الإحالات. ولعل لحظة " كانط " هي لحظة التتويج الفلسفي لمفهوم الحقيقة العاجزة عن مفارقة أرض المحايثة من خلال كشفه عن حدود العقل المجرد.
إن غرور الإنسان بما صنعت يداه هو ما يدفع به لطلب السيادة على الكون، وهو مطلب لا يمكن تجاوزه، لأنه نابع من صميم الإرادة، ولأنه جزء من ماهية الحرية، بما هي سعي متواصل لتحقيق إمكانات الوجود.
غرور الإنسان يتجلى في رغبته تسطيح الوجود، بغية الهيمنة عليه، وهو أس العمل الذي قام به دولوز، فابتكر مفاهيم كالشدة،والاختلاف ،والتكرار، والسطوح، واستبعد الأزل والأبد، متأثرا بنظرية العود الأبدي لنيتشه، من حيث هو تأبيد للحظة الحاضرة التي ليست شيئا آخر سوى الصيرورة الفاعلة النافية للقوى الارتكاسية كما بَيَّن دولوز في كتابه "نيتشه والفلسفة" : " إن العودة الدائمة هي وجود الصيرورة. " نيتشه والفلسفة، جيل دولوز، المؤسسة الجامعية للدراسة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1 1414هـ-1993م. لقد أراد أن يرسخ الوجود في الحاضر وأن يؤبد ديمومته، لكنه أغفل موضوع "الهَمّ"(sorgen) وتناسى درس هيدجر الرئيس: إن وجود الإنسان الأصيل محكوم بهاجس الموت، هو وجود-من أجل-الموت (sein-zum-tode) .
إن الموت هو بوابة السفر في الغياب، والهمّ هو رسالة الباطن، والحرية هي مَجْلى الشدة، هي اللوعة المحركة للإنسان المستوفز كي يتزحزح عن الغفلة، ويلبي نداء الوجود، الذي هو السعي.
إن السعي حركة في طريق، ولكل طريق أول، هو نقطة البداية ومنتهى هو نقطة الوصول.
إن السعي حركة، والتيه حركة أخرى، الأولى اختيار بعد اضطرار، والثانية اضطراب في اضطرار.
ما الذي يدفعني أنا الإنسان إلى الاضطرار و اتخاذ حركة السعي؟ إنه لا يخرج الإنسان عن الاضطرار إلا حين يتماثل إلى الفهم، فتُجلى غشاوة الغمّ التي ترين على القلب وتحول دونه وتسرب نور الوجود.
ويرجع محرك السؤال عند كل الفلاسفة، وعند كل إنسان استوفزَ وجودُه، إلى عدم القدرة على مواصلة الاكتفاء بالخلود إلى " ظاهر الحياة الدنيا "، وانبعاث القلق فيهم والهمّ من لاشيء. ثم إن هذا " اللاشيء " يكتسي رداء الشيئية من وطأته وثقله، إذ يفقد الوجود المُساكِنُ للظاهر سكينته، ويُرغمه هذا الخواءُ المخموم على الحركة الاضطرارية، على الحركةِ نحو اليقين. قال الجرجاني في التعريفات، في مادة (يقن) : [اليقين في أصل اللغة بمعنى الاستقرار. يُقال " يَقَنَ الماءُ في الحوض" إذا استقر.] أي لم تَعُدْ له حركة. إن الباعث على مفارقة الظاهر هو فقدان شعور الاستواء، أي الثبات والاستقرار، وذلك لأن الوجود البشري في عرائه هو وجود مثغور، وكينونة مثلومة، لا يملؤها سوى الاستجابة لكلمات الإنابة ( كلمات آدم عليه السلام) ، والعودة إلى مصدر النداء.
فأين الطريق؟ وأين نمسك بعُرى الغيب فنستفتح المعنى؟
وأي مسلك ذاك الذي يهيم في وديان الشعر!؟ أو يصطلم بنار " إرادة الغريزة" !؟
لن تكفي الغريزةُ ( قدرةً محتدمةً- نيتشه- أو سيادةً مطلقة- باطاي- أو شغفا شبقيا-فرويد...)، ولن يكفي الشعرُ وكل جماليات الفن (هيدجر) ، في مَلْكِ شغاف الروح، لأنها بكافة تجلياتها مما يُدرَكُ فيوصف، فيسقط في قبضة العقل، ويتحول بذلك إلى ظاهر، والروح لا تعبد الظاهر، فالروح من عالم الأمر؛ " ألا له الخلقُ والأمر".
لكن يظل السؤالُ قائماً :
- لِمَ هذا الاضطرار إلى تجاوز قشرة الوجود والإطلال على إشراقة الغيب؟
إن الجواب عن هذا السؤال يتضمن في طياته الإجابة عن ماهية سؤال الوجود نفسه، إذ السؤال في أصل باعثه تعبير عن قلق الوجود الإنساني- هنا، في عالم الصيرورة. أو بلغة هيدجر، هو تعبير عن قلق الدازاين (dasein) وسقوطه في عالم الوجود الأداتي.
تقلق روح الإنسان لأن محلها الأرفع يستدعي حضورها هناك. فمبعث النداء ليس من إدراكات العقل، ولا من مادة العالم، وإنما من هناك؛ هناك الذي يتحدد بالممكن المُسْتسِرّ، بالغياب الذي يحضرنا بقوة، فيُفرِغ حضورَنا المادي من شغفه بالطبيعة، حينذاك تخبو نار "هيراقليط " الحامية، وتنكشف عورة الإنسان الغُفْل، ومن ثمة تنبع حركة التيه كقوة دافعة للألم، للانزعاج الطارئ عن تكشف العورة ، وذلك من أجل الفهم و" تشغيف " الحضور من جديد بالمعنى الحق.
المعنى نور يفتح الوجود فيغمره بالسرور، وذلك حين ملابسة الأسماء لمسمياتها على أساس الميزان القسط. وأما الفهم فهو إدراك العلاقة بين الدوال و مدلولاتها، وانكشاف الغاية من سياسة الوجود.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,005,740,855
- الحرية نداء الوجود
- مساواة أم تماثل ؟ بحث في الرؤيا الكونية.
- هل كل خطاب يحمل حقيقته في ذاته ؟
- في الموقف الفلسفي، أو الموقف من الحقيقة .
- في ماهية القول الفلسفي وضرورته .


المزيد.....




- اختلس النظر داخل المصنع الرئيسي لسيارات بورشه في ألمانيا
- دون مؤثرات.. علماء يكتشفون ضوضاء غريبة في -القطب الجنوبي-
- جمال خاشقجي في آخر مقال بـ-واشنطن بوست-: هذا أَمَسُّ ما يحتا ...
- الدفاع الفرنسية: تصدير الأسلحة لمصر لاستخدام القوات المسلحة ...
- هل ستتمكن الولايات المتحدة من إيقاف إعادة إعمار سوريا
- نشر آخر مقال عمود لجمال خاشقجي في واشنطن بوست
- خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: اتفاق أم لا اتفاق؟
- الأهداف الإماراتية الخفية من إطالة معركة الحديدة
- اللومينول.. كاشف الدم في مسرح الجريمة
- أمطار طوفانية تغرق مدنا تونسية وتوقع ضحايا وخسائر


المزيد.....

- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب
- جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / محمد صديق أمون


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين جباري - الظاهر والباطن، أو محنة الوجود.