أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - تشومسكي في نظرة سورية















المزيد.....

تشومسكي في نظرة سورية


ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 5512 - 2017 / 5 / 5 - 19:08
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    



لم يكن مضى شهر واحد على خروجي من السجن في أواخر عام 1996 حين بدأت بترجمة كتاب Powers and prospects لنوام تشومسكي، اللساني والناشط والناقد السياسي الأميركي الشهير. كان الحصول على كتب أجنبية أمراً غير ميسور لمن هم مثلي وقتها، لكن أبوين لزميل لي كان لا يزال في السجن زاراني بعيد أيام من خروجي، وظنّا أني يمكن أن أكون مهتماً بترجمة كتاب يحتمل أنهما كانا يخططان لإرساله لابنهما، زميلي، قبل أن نُنفى معاً إلى سجن تدمر المرعب في مطلع 1996. كان الزميل، الحارث النبهان، ترجم كتابين لتشومسكي ونحن في سجن عدرا، ونُشرا في حينه باسم شقيقته.
فيما يخصنا نحن المعتقلون الشيوعيون الذين انهارت دعامة فكرية-سياسية لهويتنا بينما كنا لا نزال في السجن، كانت أعمال تشومسكي تقول إن الكفاح من أجل التحرر والمساواة في العالم لا يزال ممكناً، بل لعل من شأن التحلل من الاتحاد السوفييتي وكتلتله أن يرفع عن كاهلنا عبئاً على هذا الكفاح. كان في ذلك ما يسهم بإنقاذ معنانا، فيسند كفاحنا السياسي المتعثر.
ليس بقدر كبير. فكتابة تشومسكي المتمركزة بصورة شبه كلية حول الولايات المتحدة لا تغطي إلا جزئياً حاجة مناضلين ما بعد شيوعيين إلى أرض صلبة.
بعد نحو عام ونصف ترجمتُ بالاشتراك مع زميل سجن آخر، صفوان عكاش، قضى فوق 15 عاماً في سجون حافظ الأسد، كتاباً عن تشومسكي هذه المرة: "حياة منشق" لروبرت بارسكي. كنا نحاول تأمين دخل من الترجمة من جهة، ونستأنف من جهة ثانية دوراً عاماً بما هو متاح من وسائل. في المقدمة التي كتبناها لـ"حياة منشق" حاولنا الربط بين كفاحنا المجهول الذي تكلمنا عليه بعبارات عامة لا تُسمِّي، وبين كفاح تشومسكي في ستينات القرن العشرين ضمن حركة الحقوق المدنية الأميركية. وقتها اعتقل الرجل ليوم أو يومين. ولم نستطع، نحو المعتقلان السابقان، إلا أن نقول إن ما عاناه تشومسكي من اضطهاد هو لعبة أطفال قياساً ما يعانيه مناضلون أو عموم الناس في مثل بلداننا.
لم يكن غرضنا بحال النيل من واحد من أشهر مفكري العالم. كنا فقط نسجل الفارق، ولعلنا كنا نبحث عن اعتراف. لقد خرجنا من السجن ليس فقط إلى أوضاع عامة يسيطر فيها النظام ذاته الذي حبسنا تلك السنوات الطويلة، بل وكذلك إلى فقدان ثقة عالمي شامل بأفكار الاشتراكية والشيوعية التي كانت عنواننا المُعرِّف وقت الاعتقال. كنا بالفعل مُجهَدين، فاقدي الثقة بأنفسنا، نلتمس قوة مما بدا لنا نسقاً كفاحياً، ليس منقطع الصلة بذلك الذي كنا عليه، لكنه ليس هو، ويحمل بصورة ما تطلعاً عالمياً كذاك الذي انهار قبل وقت قريب.
المشكلة أن عمل تشومسكي هو الذي لا يكاد يقر بالفارق، وتصوره العالمي مفرط التمركز أميركياً. أعماله تخوض صراعاً مستمراً ضد السياسات الأميركية في العالم، وترى أصابع الأميركيين في كل شيء تقريباً. الرجل يعترض على الدور الأميركي في العالم من زاوية أن أميركا قوة امبريالية مسيطرة لا ند لها في عالم اليوم، ومن زاوية أن أميركا هي بلده، وهو يعتقد، محقاً في تصوري، أن واجب المثقف يتمثل في نقد سياسات بلده أولاً، وليس مثلاً نقد سياسات العدو الرسمي، مثل الاتحاد السوفييتي في سنوات الحرب الباردة. هذا موقف وجيه، وإن كنا في زمن عالمي متشابك اليوم، مدعوون إلى تحمل مسؤولية عالمية لا تقتصر على مساءلة نخب السلطة في بلداننا. وهو ما ينطبق على المثقفين الأميركيين والغربين أكثر من غيرهم بحكم امتيازاتهم في الحركة، وفي التأهيل المهني الرفيع، وفي الحصانة النسبية، وفي الوصول إلى مصادر معلومات متنوعة أيسر من غيرهم. لكن تشومسكي لا يعترض على الدور الأميركي في العالم فقط لأن أميركا بلده، ولكن لأنه يعتبرها القوة الامبراطورية الأكبر تأثيراً في مصائر الكوكب. هذا معقول بدوره، إلا أن تفكير الرجل يجنح إلى نفي الاستقلال الذاتي الواسع لصراعات اجتماعية وسياسية في دول العالم الأخرى، المئتين. الواقع أنه لا يفكر في هذه النقطة. لا يقول إن الصراعات كلها تابعة للصراع الواحد ضد الامبراطورية، لكن عمله يؤسس لاستخلاص كهذا أكثر بكثير مما يؤسس للتفكير بالاستقلال الذاتي للصراعات المختلفة في البلدان المختلفة.
في منطقتنا من العالم، الشرق الأوسط، كمثال، هناك فاعلون سياسيون محليون، هم المصدر الأول للشر، للتميز والطغيان والمذابح وتدهور الحياة، يستند بعضهم بالفعل إلى دعم الإدارات الأميركية المتعاقبة، ويفضل بعضهم إحالة كل ما يعانيه بلده من مشكلات إلى الأميركيين، لكن مساحة استقلاليتهم واسعة في الحالين. أوضاع الفلسطينين لا تفهم دون الدعم الصلب الذي تلقته النخب السياسية والعسكرية الإسرائيلية، لكن لا وجه لنفي المسؤولية عن هذا النخب عن جرائمها بحق الفلسطينيين. ويفضل الأسديون في سورية نسبة مشكلاتنا العامة إلى إسرائيل وأميركا، على نحو يبرئهم من أي مسوؤلية، هذا بينما لا يكفون عن نسبة إنجازات متوهمة لأنفسهم في مجال الصراع مع هذه القوى المتعادية المتآمرة. وفي العالم العربي أوضاع بالغة السوء، سياسياً وإنسانياً، لا تفهم بالفعل إن لم يؤخذ بالاعتبار أدوار قوى السيطرة الدولية، الأميركيين بخاصة، خلال ثلاثة اجيال، لكن ليس صحيحاً بحال أنه يمكن إرجاع هذه الأوضاع إلى تلك الأدوار. ولا يمكن الاستدلال على استقلالية الصراعات في جميع الأحوال من الإيديولوجية المعلنة للنخب. فليس في علاقة إسرائيل الطيبة مع الأميركيين ما ينفي استقلالية المؤسسة الإسرائيلية في جرائمها، وليست العلاقة غير المستقرة بين الأسديين والأميركيين هي ما نستند إليه للقول باستقلال صراعنا. الاستقلال نابع من بنية العالم اليوم.
هناك تعددية للصراعات واستقلالية لبعضها عن بعض، وليس هناك ضرب من الحتمية العالمية، تقرر تبعيتها لصراع وحيد مركزي، هو الصراع ضد الامبريالية الأميركية. هذا حتى لو لم نقل إن مفهوم الامبريالية الموروث، الذي يتصورها كجوهر مكنون في مكان ما في أميركا، ربما في البيت الأبيض، صار محدود الفائدة، وأننا اليوم حيال نظام للعلاقات الدولية ينفي حق السكان في تقرير مصيرهم، وتعيد إنتاجه نخب محلية لحسابها. علاقة النخبة الأسدية بعموم السوريين مثلاُ هي أقرب إلى علاقة إسرائيل بالفلسطينيين، تنكر عليهم ملكية بلدهم وتقرير مصيرهم. مثل العلاقة الكولونيالية بين المستعمِرين والمستعمَرين أيضاً. قد نميز بين امبرياليات مركزية وامبرياليات طرفية، لكن ليس بين امبرياليات ولا امبرياليات. والأفضل في تقديري العمل على تغيير الباراديغم كله.
لا يقتصر الأمر على أن تشومسكي لا يُسعفنا في هذا الشأن، بل يبدو أن خصم الامبريالية هذا يُطوِّر نزعات امبريالية تخصه، حين يميل إلى رؤية كل صراعات العالم من منظور صراع واحد كبير يضعه وأمثاله في مقابل الإستابلشمنت الأميركية. هذا الضرب من "التوسع الامبريالي" يبقينا نحن الواقعين تحت سيطرة طغم محلية قاتلة غير مرئيين وغير مسموعي الصوت.
ويبدو أن موقف تشومسكي من الثورة السورية متولد عن منظوره الامبريالي القديم الذي ينكر الأصالة والاستقلالية على صراعنا. ظل تفكير الرجل متمركزاً حول السياسات العليا والفاعلين الكبار، مترصداً للدور الأميركي، مع ميل غالب إلى اعتبار الأميركيين راغبين في سقوط النظام الأسدي وليس العكس. هذا يتراوح بين تبسيط متولد عن تقادم المنظور وبين خطأ فادح. ويشارك تشومسكي يسار العالم ويمينه ووسطه أبلسة الجهاديين، منضماً بذلك إلى إجماع خانق لا يحتاج إلى من هو مثله، وهذا مع ميل إلى رد الثائرين السورين عموماً إلى الجهادين. أما النظام الأسدي فيراه خصماً لهذا الشرير المطلق الشر، ويأخذ على الأميركيين أنهم لا يعادون الجهاديين جدياً، وإلا لما كانوا ضد النظام الأسدي المحارب لهم في اعتقاده (وضد الإيرانيين). هنا تظهر مشكلات مركزية تشومسكي بصورة مكبّرة. فمن موقعه الأميركي لا يرى الرجل كم أن قوة الشر الرئيسية التي لا نظير لها في سورية هي الدولة الأسدية، وأن أي تغير إيجابي في سورية مستحيل دون طي صفحتها. صحيح أن الرجل وصف بشار أنه وحش، لكنه قال ذلك ليتفرغ لشيء آخر هو المهم في نظره وليس هذا. هذا الشيء ألآخر هو أما الدور الميركي أو الجهاديين. مخطئ جداً. المهم والأهم هو أن بشار الأسد (كاسم لنظام ونخبة وعلاقة سياسية) وحش وقاتل. الأشياء الأخرى، بما فيها داعش والقاعدة، في مرتبة ثانية من الأهمية. والعالم كله معنا ضد الجهاديين، إن تخلصنا من القاتل العام الذي يحكم البلد ويملكها منذ نحو نصف قرن.
وخلال ست سنوات ونيف بعد الثورة، كان ظاهراً أن تشومسكي لا يعرف شيئاً ذا قيمة عن سورية، مجتمعاً وحياة سياسية وتاريخاً، وأنه يعتمد على مصادر غير محترمة إطلاقاً مثل باتريك كوكبيرن وتيودور بوستول (وهذا منكر لمسؤولية النظام عن مذبحة خان شيخون الكمياوية)، وأنه بعيد عن الاتساق أخلاقياً وسياسياً حيال القضية السورية، على ما ظهر بصورة محزنة في مراسلات معه نشرها سام تشارلز حمد مؤخراً.
ليست هذه أوجه قصور شخصية، إنها متصلة بمنظور المفكر الأميركي الشهير. من هذا المنظور الامبريالي نحن لا نرى، ولا نكاد نوجد.
كان تشومسكي سنداً لنا وقت خروجنا من السجن إثر جولة من الصراع الاجتماعي والسياسي في بلدنا، لا يبدو أنه عرف عنها شيئاً في أي وقت. وهو اليوم لم يستطع أن يقول شيئاً واضحاً ومفيداً عن جولة ثانية من الصراع، أكبر من سابقتها بكثير، وهي أهم ما يحدث في عالم اليوم (هشام جعيط). لكن نحن نعلم اليوم أن سندنا هو هذا الكفاح الهائل ذاته، وأن استقلال كفاحنا عن مخططات امبريالية كبرى لامبرياليين معكوسين هو السند الأصلب لتطلعنا إلى تحرر بلدنا المنكوب واستقلاله. لا سند غيره.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- صادق جلال العظم: الاستشراق، الاستشراق المعكوس وسياسة المثقف
- سورية بين مستحيلات ثلاثة
- داعش في العالم: الآثار الحقوقية والسياسية لظهور كائن مجنون
- السُّنّة التدمُرية: صيدنايا، التحول العنصري، الإبادة
- سميرة... العلوية!
- العار والذات
- سميرة ورزان والحجاب: استعادة كرامة السفور
- -سورية، الدولة المتوحشة-: الكتابة ضد الاختزال
- سميرة من سورية
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي
- يوم للصمت
- النظام الشرق أوسطي والسياسة المستحيلة
- تجربة الغياب: عن سميرة ورزان ووائل وناظم
- من أجل سياسة ديموقراطية جذرية في شأن المسألة الإسلامية
- حرب بالإجماع بلا قضية عامة
- المسألة الإسلامية والعالم
- سورية والعالم في أواخر العام السادس
- البحث عن اليقين والقربان في -مراجعات- سورية
- سميرة التي وراء سبعة جدران
- صادق جلال العظم بين حزيرانين


المزيد.....




- توجيه اتهامات بالإرهاب والقتل لمنفذ هجوم مانهاتن
- بالفيديو...ابن مذيعة قناة العربية يقتحم نشرة الأخبار
- النظر في تنحي إمبراطور اليابان ديسمبر القادم
- مقتل 50 شخصاً في هجوم انتحاري داخل مسجد في نيجيريا
- رئيس زمبابوي يقدم استقالته والفرحة تعم شوارع هراري
- لماذا تعيش بعض العلامات التجارية لعشرات السنين؟
- صحف عربية تناقش تجارة الرقيق في ليبيا
- مقتل 50 شخصاً في هجوم انتحاري داخل مسجد في نيجيريا
- سرقة بيانات 57 مليون مستخدم لشركة أوبر
- بالفيديو...ابن مذيعة قناة العربية يقتحم نشرة الأخبار


المزيد.....

- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي
- أسطورة الفاتح أو المنتصر - ماكسيم رودونسون / مازن كم الماز
- كلمة افتتاح المؤتمر الوطني 11 للحزب الشيوعي اللبناني / خالد حدادة
- وضع المصريين المسيحيين بعد ثورتين / محمد منير مجاهد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - تشومسكي في نظرة سورية