أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - المسألة الإسلامية والعالم















المزيد.....

المسألة الإسلامية والعالم


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 5408 - 2017 / 1 / 21 - 18:56
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


يمكن تعريف المسألة الإسلامية بأنها جملة الأوضاع المضطربة، المقترنة بالعنف والانفعالات الحادة، المرتبطة بوضع الإسلام في العالم المعاصر. تضاف إليها التمثيلات الفكرية الرائجة حول الإسلام والمسلمين والإسلاميين، من المسلمين قبل غيرهم، ولكن من غيرهم أيضاً، وهي مشتتة ومضطربة، وتقول الشيء وعكسه دوماً، فلا تثمر وضوحاً وفهماً.
ويندرج ضمن نطاق المسألة الإسلامية اليوم ظواهر مثل السلفية الجهادية، و"الإسلام السياسي"، والصراع السني الشيعي، والإسلاموفوبيا. وهي ظواهر مختلف النطاقات، محلية وعالمية، تتصل بالإسلام كدين، وبالإسلام كمجتمعات وحركات سياسية، وبعلاقة المسلمين بالعالم وعلاقة العالم بالمسملين. وحيال التفجر الاجتماعي والسياسي الحالي المتصل بالإسلام، سيكون بالغ الأهمية الانكباب على تقصي جذور المسألة الإسلامية، وتمييز أوجهها السياسية والاجتماعية والفكرية والنفسية، وبيان ديناميكيات تطورها، وتقدير مساراتها المقبلة المحتملة. هذا يقتضي مكتبة كاملة، قد يسهم فيها إسلاميون مع لا إسلاميين، ومنحدرون من منابت إسلامية مع آخرين، وطوال سنوات، جيل على الأقل.
هذه العجالة ستحاول اقتراح تصور أولي للمسألة الإسلامية.
نتكلم على مسألة للقول إننا حيال وضع معقد، متداخل، طويل الأمد، متعدد الأطراف، يندرج ضمنه ويتأثر به بصور متنوعة كل المسلمين، نحو مليار وربع المليار، وكل العالم بملياراته السبعة، ولا يتوفر له حل ميسور. نعرف فيما يخص إقليمنا الذي لا اسم محدداً له: العالم العربي، الشرق الأوسط، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، العالم الإسلامي (واضطراب التسمية أحد أوجه مشكلة الإقليم، هوية وسياسة، المرتبطة بدورها بالمسألة الإسلامية)، نعرف مسائل لا نزال نعيش معها بصورة مختلفة: المسألة الشرقية، المسألة اليهودية، المسألة الفلسطينية، وربما اليوم المسألة السورية. المسألة الشرقية لم تكن مسألة الشرقيين، كانت مسألة غربية حسب أرنولد توينبي، موضوعها الشرق المتعثر في عالم متغير بفعل الرأسمالية وصعود الامبريالية الأوربية. ولم يكن اليهود فاعل المسألة المنسوبة لهم، بل موضوعها، في زمن القوميات والخروج المضطرب من المسيحية، واتساع مراتب الطبقة الوسطى وانتشار التعليم في أوربا، بما في ذلك بين اليهود. أما المسألة الفلسطينية فالفاعل فيها هو إسرائيل، دولة اليهود المعاصرة، التي ترتبت على الحل الأوربي للمسألة اليهودية، ومن ورائها قوى السيطرة الدولية في الغرب ذاتها.
المسألة الإسلامية ليست منفصلة عن هذه المسائل الثلاثة، وهي بالأحرى وريثة الحلول الامبراطورية الغربية لها. وهي مثلها مسألة غربية، وعالمية، بقدر ما إن العالم الحديث تشكل عبر الفاعلية الامبراطورية للغرب الحديث. هذا معطى أول أساسي، يفيد أن المسألة الإسلامية ليست مسألة إسلام حصراً، بقدر ما هي الوضع المضطرب للإسلام ولمجتمعات المسلمين في العالم المعاصر.
لكنها بطبيعة الحال مسألة إسلام، ما دام الإسلام، أياً يكن تعريفنا له، إطارها الجغرافي والبشري والعقدي والرمزي، وطرف فيها، فاعل ومنفعل، وتفاعله سلبي، يعترض على أشياء، ولا يقترح شيئاً يصلح قاعدة عالمية عامة. هذا معطى أساسي آخر.
يضاف إلى هذين المعطيين معطى ثالث يتصل بالصفة الإشكالية الفائقة للمسألة الإسلامية، بقصور متعدد الأوجه في تفكير الإسلام كدين ومجتمعات وحركات سياسية وعسكرية، وبالحدة الكبيرة في الانفعالات المتصلة بالمسألة الإسلامية. هي مسألة بالمعنى الحرفي للكلمة: سؤال مركب لم يفكر فيه ويعالج بقدر ما ينبغي.
فإذا قبلنا أن المسألة الإسلامية هي هذه المعطيات الثلاثة معاً، ترتب على ذلك أن التقدم في معالجتها مرتبط بتغيرات في الإسلام والعالم، وبالتساؤل عن أصول إخفاق التفكير في سؤال الإسلام، لدينا وفي الغرب.
والكلام على تشكل الإسلام مغاير، بما يسهل لهم الحياة والوجود في العالم، يوجب انعطافة مفصلية كبيرة، يوجبها أيضاً ما يولده تعثر الاندراج المثمر في العالم المعاصر من بؤس بين المسلمين وعنف في علاقتهم بأنفسهم وغيرهم. ويشغل موقعاً مركزياً على هذا الصعيد في تصوري التخلص من أشباح الامبراطورية التي تراود أذهان الإسلاميين. ما يريده الإسلاميون، وفقهاؤهم، هو الامبراطورية، أي الفتح والتوسع والسيطرة العالمية. وبفعل تعثر ذلك في ظل سيطرة امبراطورية نافذة سلفاً في "الشرق الأوسط" ينقلب الشبح الامبراطوري الإسلامي إلى فتح متوحش لجسم المجتمع، وأجساد الرجال والنساء، أي إقامة نظام رقابة وتجسس كابوسي، على نحو يتجسد في داعش، وفي عموم التشكيلات الجهادية عموماً.
أن تختلط مشكلات إعادة التشكل الإسلامي أو الإصلاح الإسلامي بمشكلات وقوع مجتمعات المسملين تحت سيطرة تمييزية، أو معاناتها من تمييز متعدد الوجه في عالم اليوم، هذا ما يضفي على الكلام على مسألة إسلامية تعقيداً أكبر، ويجعلها واحدة من المشكلات الكبرى في عالم اليوم.
لكن القول إن الغرب هو "سبب" المسألة الإسلامية لا يسعف عملياً في شيء، وإن صح تحليلياً، لأن الغرب يبدو اليوم متخبطاً كل التخبط في مواجهة هذه المسألة. فلا على الصعيد السياسي ولا على الصعيد الفكري يبدو أن لدى المركز السياسى والحضاري العالمي شيء مفيد حول المسألة الإسلامية. هناك، بالمقابل ركون موسع إلى العنف، امبراطوري بدوره ومدمن على السيطرة، ألحق الضرر بالمسلمين والعالم، وأسهم في تثبيت المسألة واستعصائها على المعالجة. على أنه ينبغي القول أيضاً أن السبب الغربي نشط استعداداً قوياً قائماً في الإسلام أصلاً، الاستعداد الامبراطوري. المسألة الإسلامية وليدة تنشيط استعدادات امبراطورية موروثة في الإسلام على يد قوى امبراطورية حديثة ومعاصرة، متعجرفة وتمييزية، وغير منزهة عن نوازع عدائية عميقة.
يبدو الغرب محتاجاً اليوم إلى مساعدة في معالجة مشكلات عالم يريد أن ينكفئ عنه وأن يبقى متصدراً له في الآن ذاته، وهذا وضع خطير، قد نرى اندفاعات غير محسوبة كعوارض له في سنوات ولاية ترامب. لكن نحن أحوج إلى المساعدة بوصفنا الملعب والملعوب به، واللاعب الصغير الذي يتوهم نفسه فاتحاً كبيراً.
والقصور يوحد الجميع على ما يظهر التعامل مع السلفية الجهادية. فليس في ما تواجه به هذه من إجماع في العالم، وفي "الشرق الأوسط"، ما يؤشر إلى قيم مشتركة بين المُجمعين، ومنهم مجرمون موصوفون مثل الدولة الأسدية، وقوى عدوان توسعية مثل إيران وروسيا، والغرب المتردد بين الانكفاء والقيادة، وطامحون صغار يبحثون عن دور. يقرب طيف المختلفين هذا ما يمكن تسميته العدو المشتهى، الخصم الكريه الذي تنفع كراهيته العامة في إخفاء تطلعات المتنازعين الخاصة المتناقضة. ويجمع بين هؤلاء الانتهازيين المتنوعين عنصر فكري، يتمثل في نفي المعنى كلياً عن الظاهرة الحهادية، ونسبتها إلى التكوين الذاتي المعطوب للجهاديين أو لدينهم. سبب المسألة الإسلامية هنا هو الإسلاميون، هذا إن لم يكن الإسلام ذاته. العالم غير موجود.
وظاهر اليوم أن الإجماع السياسي العالمي المبني على هذا الفهم للجهاديين ككائنات مضروبة جوهرياً موجّه نحو إبادتهم فرداً فرداً، وجميعاً، أو حصرهم وعزلهم في أضيق نطاق ممكن وإلى أقصى حد، إلى حين يفنون كلهم. فلا أُدرجت مواجهة المشكلة الجهادية في نطاق مسألة إسلامية أوسع، بما يساعد في تطوير سياسات لا تكون المواجهة الحربية غير وجه واحد لها، ولا هي جُزئت إلى مشكلات متباينة، لا يصح أن تواجه بمنهج الإبادة الواحد، بما يفتح باباً للمداولة والسياسة. ولم يخرج مسؤول دولي أو عامل في منظمات حقوق الإنسان أو مثقف أو فيلسوف، في الغرب أو لدينا، ليقول إن الإبادة لا يمكن أن تكون سياسة صحيحة، أياً يكن المستهدِفون والمستهدَفون بها.
هذا الإجماع أزمة، يزيدها استعصاء ما يبدو من أنه (الإجماع) أعمى فكرياً وأخلاقياً، وغير فعال سياسياً، وقبل ذلك من حيث هو إجماع، أي ظهوره بمظهر اللاأزمة، بل الحل. حين اليسار واليمين في الغرب، والروس والأميركيون، وإيرانيو "محور الشر" مع "الشيطان الأكبر" الأميركي، واليسار الأنتي امبريالي الذي لا يفعل شيئاً مع الامبرياليين المتغطرسين، حين يقولون الشيء نفسه بخصوص المشكلة الجهادية (يوحدهم العمى عن رؤية غير هذا المظهر الصاخب للمسألة الإسلامية)، ويشتهون كلهم "حرباً ضد الإرهاب" لا تعرف لها بداية ولا نهاية، ولا تعريف للعدو فيها ولا للنصر، ويمكن لأي كان أن يكون حليفاً فيها، حين يكون لدينا إجماع كهذا فالحاجة ملحة إلى انقسام منقذ، إلى تفكير وسياسة جديدين، إلى صراع وذاتيات جديدة. وإلى "تحول باراديغمي" يظهر أن تلك التقاربات ليست عارضة، وأن الانقسامات القديمة لم يعد لها معنى أمام تحديات جديدة، وأنها كلها أوجه لعالم قديم، يستحسن أن يموت. في المسألة الإسلامية ما يقتضي هذا التحول الثوري، دون أن تكون الوحيدة. حيال القضية السورية هناك أيضاً إجماع مميت، وهناك حاجة إلى انقسام مُحيٍ.
وظاهرٌ لمن يرى أن العالم المعاصر ليس هو الحل للمسألة الإسلامية التي ظهرت في نطاقه، وتفاقمت بفضل معالجاته الامبراطورية، المتغطرسة والقصيرة النظر، وهو يشكل اليوم إطار إجماع كاذب في شأنها. ما يمكن أن يكون معالجة للمسألة الإسلامية هو مشروع عالمي جديد، يعاكس نزعات الانكفاء الصاعدة اليوم، ويوجه نحو المستقبل إرادات تتفانى، أو تتجه نحو مواض متفرقة.
هذا المشروع غير موجود. لكنه يمكن أن يوجد، ويجب أن يوجد.
الإسلامية المعاصرة، وفي وجهها السلفي الجهادي بخاصة، عرضٌ لطوبى عالمية غائبة.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,634,287
- سورية والعالم في أواخر العام السادس
- البحث عن اليقين والقربان في -مراجعات- سورية
- سميرة التي وراء سبعة جدران
- صادق جلال العظم بين حزيرانين
- 2013، عام الخسيسين
- ثورة بين سلطتين، أسدية وسلفية
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟
- فلسطنة السوريين وتحولات موقع القضية الفلسطينية في الوعي السو ...
- مقدمة الطبعة الثانية لكتاب -بالخلاص، يا شباب!
- حافظ الأسد والدولة الأسدية
- ... فلننتخب رئيسنا الأميركي!
- المركزيات الإسلامية والتاريخ
- السياسة والثورة، رد على ماهر مسعود
- سميرة وكتابها -يوميًات الحصار-، كتاب -الثقافة كسياسة- و-هامش ...
- امقدمة كتاب: الثقافة كسياسة، المثقفون ومسؤوليتهم الاجتماعية ...
- وجوه الجلاد وعالمه
- السياسة كصنع للمشكلات العامة
- السياسة والعدمية السياسية: عن -جبهة النصرة- وتحالف محاربي ال ...
- في شأن حق تقرير المصير للكرد السوريين
- ملعب الوحوش: عن أحوال السيادة والسياسة والاجتماع في الشرق ال ...


المزيد.....




- اليمن... -أنصار الله- تسيطر على مناطق غرب الضالع وتقطع إمداد ...
- مادورو يؤكد سيطرة حكومته الكاملة على فنزويلا
- دوتيرتي يهدد كندا بالحرب
- استمع إلى صوت المريخ
- لماذا خططت -جماعة أمريكية مسلحة لاغتيال باراك أوباما-؟
- حرب اليمن.. ربع مليون قتيل وثلاثة سيناريوهات
- ترامب يقرر عدم حضور مسؤولي إدارته حفل العشاء السنوي لمراسلي ...
- قطار زعيم كوريا الشمالية المصفح يعبر الحدود الروسية
- الثَّوْرَاتُ مُحَصَّنَةَ ضِدِّ السَّرِقَةِ
- سَيِّدِي زَيْنَ العَابِدِينِ .. التَّهْرِيجُ لَا يَلِيقُ بِم ...


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - المسألة الإسلامية والعالم