أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزالدين عناية - النشاط المعجمي بين العربية والإيطالية وسبل تطوير الترجمة















المزيد.....



النشاط المعجمي بين العربية والإيطالية وسبل تطوير الترجمة


عزالدين عناية
الحوار المتمدن-العدد: 5335 - 2016 / 11 / 6 - 12:22
المحور: الادب والفن
    


النشاط المعجمي بين العربية والإيطالية وسبل تطوير الترجمة
د. عزالدين عناية
ضمن السياق الثقافي العربي الإيطالي، يلوح جليا مدى ارتهان تطور الحركة المعجمية بين العربية والإيطالية إلى أوضاع الدراسات بين اللغتين والثقافتين. ففي مستوى الدرس الأكاديمي والبحث العلمي، تبدو انشغالات الجانب العربي دون مستوى نظيره الإيطالي، من حيث الشمول والراهنية والعمق. حيث تتركز جلّ اهتمامات أقسام الدراسات الإيطالية في الجامعات العربية على المدخلين اللغوي والأدبي، اللذين غلبا على ما سواهما، وبُخست جوانب أخرى مهمة. ما أضفى على الدراسات الإيطالية -Italianistica- طابع العزلة وعدم المواكبة. ولم ينفتح الدرس الجامعي على مجالات رحبة، تلبي حاجات معرفية وعملية يتطلبها الواقع الثقافي.
هذا الانحصار الذي ميز أقسام الدراسات الإيطالية في الفضاء الجامعي العربي، قابله انفتاح أقسام الدراسات العربية والإسلامية في إيطاليا، سواء كان في مجال ما يسمّى بالاستعراب -Arabistica-، أو في مجال الإسلاميات -Islamistica-، على قضايا تسائل محيطها الاجتماعي، شملت الهجرة والاندماج، والإسلام في الغرب، والتعددية الثقافية؛ أو ضمن آفاق أرحب، امتدت إلى حقول السياسة والاجتماع والتاريخ والآثار والإسلاميات وغيرها .
فقد ألقت أوضاع الدراسات بين الجانبين بظلالها على الحركة المعجمية بين اللغتين. ولم نشهد بين الدارسين العرب للغة والآداب الإيطالية، ولا لدى نظرائهم في الاستعراب والإسلاميات في إيطاليا نزوعا نحو غور اللغتين، بقصد تطوير قواميس تلبي حاجات تخصصات معرفية، وبقي الأمر مقتصرا على القواميس المفرداتية لا غير. وحتى الشق الكاثوليكي من الكنيسة العربية، الذي يُفترض أن تربطه علاقة وطيدة باللغة الإيطالية، من خلال البعثات والدراسة والأبحاث في الجامعات الحبرية التابعة إلى حاضرة الفاتيكان، لم يخلف ذلك التواصل شغفا لديه لتطوير قواميس عربية إيطالية تمليها الحاجة.
أولا: أولى القواميس بين اللغتين
تبعاً لما توصلت إليه نتائج بحثنا، نرصد في مجال الدراسات العربية في إيطاليا اهتماما، بتصنيف القواميس ذات الصلة بالعربية، بما يفوق نظيره العربي، المنشغل باللغة والآداب الإيطالية. وقد لاح ذلك الاهتمام منذ فترة مبكرة نسبيا. يُعدُّ القاموس الإيطالي العربي "فابريكا مانيا" الأقدم في تاريخ القواميس التي عُنيت باللغتين . وقد جاء إعداد القاموس خلال العام 1636م، جراء حاجة ماسة في هيأة التبشير المسيحي التابعة إلى حاضرة الفاتيكان لأداة لغوية للغرض. فالقاموس لا يضم بين دفتيه متابعة ضافية لمفردات العربية، ولا لمرادفاتها في اللغة الإيطالية، بل هو تجميع مقتضب، على امتداد مائة صفحة، لما هو ضروري، بما يتيح لصاحبه التواصل الديني مع الناطقين بالعربية. بات هذا القاموس اليوم من التراث المعجمي، وهو متاح لعموم الدارسين على الشابكة.
مع ذلك بدت الاهتمامات، من الجانب الإيطالي، بصناعة القواميس ذات الصلة بالعربية دائمة الحضور؛ وكان الحافز في ذلك، في البداية، دينيا بقصد دعم إرساليات التبشير. ما جعل مجمل القواميس الأولى التي عُنيت بالعربية ذات منزع ديني بارز. تلتها تحفزات الاستشراق الإيطالي، وما رافقه من توظيف الاستعمار الساعي لإيجاد موضع قدم في البلاد العربية إلى هذه الأدوات. وضمن هذا السياق يُعدّ "القاموس الإيطالي العربي"، الذي أنجزه أحد رجال الدين الفرنشيسكان، آثر أن يبقى اسمه خفيا ، مثالا للقاموس المنجَز لغرض ديني جلي. وقد جاء ظهور القاموس في فترة لا تزال فيها هيمنة واضحة للكنيسة على مجال الدراسات العربية والإسلامية. حيث تطغى نزعة عقائدية على مضامين المفردات ودلالاتها وشروحاتها. رغم أن صاحب القاموس حاول إلحاق مجالات أخرى، وإيجاد أداة في الإيطالية تضاهي ما يوجد في لغات غربية. حوى القاموس متابعة ضافية للعربية، حيث بلغت صفحاته (1375 ص)، لم يحد فيه صاحبه عن الهدف المنشود. يورد الناشر في المقدمة، أنه مرّ زهاء أربعة قرون على صدور "فابريكا مانيا"، القاموس الإيطالي العربي الوحيد الذي أعدّه دومنيكو جرمانو، وهو ما يدعو لإيجاد قاموس جديد يلبي حاجة المستشرق الإيطالي. بات "القاموس الإيطالي العربي" من التراث المعجمي بين اللغتين. وهو اليوم تقريبا خارج الاستعمال بعد طبعته الأولى العائدة إلى العام 1878، وإن لا تزال نسخة منه معروضة لعموم القرّاء في دار الكتب الوطنية في روما. أقدمت مؤسسة ناصر للثقافة والدار العربية الإيطالية "اديتار" على إعادة نشره، بعد قرن بالضبط من طبعته الأولى ، زاعمتين أن "هذا القاموس رغم طول الفترة التي انقضت على تأليفه ونشره لا يزال يُعدّ من أفضل الأعمال المتكاملة بين مجموعة القواميس العربية الإيطالية والإيطالية العربية... فليس في هذا القاموس من المفردات والمصطلحات ما استجدّ في اللغتين خلال المائة سنة الماضية من ألفاظ، غير أن هذا لا يعدّ عيبا أو نقصا فاضحا فيه، فاللغة العربية كاللغة الإيطالية كلتاهما ليست حديثة التكوين، بل هما مكتملتا الأصول والفروع حين وضع المؤلف قاموسه هذا، وليس المستجدّ لذلك بالذي يصعب التوصل إليه غالبا، فهو ليس غير فرع اشتق من أصل لغوي سابق سيعثر عليه الباحث وفي سهولة أو يهتدي إليه". هذا الادعاء عار من الصواب، ولنتصور أن قواميسنا الحالية تفتقد إلى الكلمات الناشئة طيلة قرن كيف ستكون حالها، فلم يكلف الناشر نفسه حتى عناء طبعه بحرف طباعة جديد وأنيق.
ومع تطلّع الاستعمار الإيطالي إلى البلاد العربية، أوْلى الاستشراق الإيطالي اهتماما بالدراسات العربية، بما شمل إنتاج القواميس التي اعتمدت في بنائها الفصحى والدارجة. على غرار قاموسي أوغو دي كاستل نوفو ورافائيلي دي توشي . وقد أُلحِق كلا القاموسين بقسم يشرح قواعد العربية بالإيطالية، وهو تقليد لا يزال ساريا من حيث تضمين القاموس بقسم للنحو العربي. وقد ترافق ذلك الاهتمام بالعربية مع ظهور قواميس اعتنت بالدارجة الليبية خاصة، جاءت أحيانا مدرَجة ضمن لغات أخرى على غرار الإريترية والأمهرية، كشأن قاموس آلوري وسرّانو ، أو وردت على نحو مستقل واختلفت مضامينها من لهجة إلى أخرى، كما الشأن في مؤلف أنطونيو شيزارو الذي ركّز على "عربية طرابلس" .
ثانيا: قواميس الحقبة الراهنة
منذ أن شهدت الدراسات العربية والإسلامية شيئا من التوسع في المؤسسات الجامعية الإيطالية، برزت حاجة ماسة إلى القاموس العربي الإيطالي وإلى الكتب التعليمية للعربية. بعد أن كانت الدراسات، في معظمها، منحصرة في المؤسسات الحبرية، وفي جامعتي "لاسابيينسا" في روما و"الأورينتالي" في نابولي، بين عدد محدود من الطلاب والدارسين. في أعقاب ذلك التطور الحاصل، ولا سيما خلال العشريتين الأخيرتين، حاول بعض من مدرّسي العربية، من الإيطاليين خصوصا ومن بعض العرب أيضا تفادي ذلك النقص. كانت المحاولات في مجملها فردية، عازها التعاون والتنسيق، ما وسم كثير من تلك القواميس بسمات التسرع والطابع التجاري.
أ‌- القواميس العربية الإيطالية
- القاموس العربي الإيطالي (ريناتو ترايني)
يُعدّ قاموس ترايني ، الصادر عن "معهد الشرق" في روما سنة 1966، القاموس الأوسع انتشارا والأكثر اعتمادا بين الدارسين والمترجمين في المجال العربي في إيطاليا، منذ صدوره حتى اليوم. يخبر القاموس عن إلمام صاحبه بالصناعة المعجمية؛ وكما يقال كل قاموس هو وليد قواميس سابقة، يأتي قاموس ترايني مشبعا بتجارب من قبله، إضافة إلى تطلعه لتلبية حاجات لغوية ناشئة في عصره. كان غرض المؤلف الإحاطة بمنابت العربية المعاصرة في شتى شُعبها الغائرة في القدم، لذلك جاء القاموس حاويا لكلّ شاردة وواردة، شبيها بموسوعة لغوية (1763 ص). صحيح أن المفردات العربية قد شهدت تطورا، منذ ظهور ذلك القاموس، أي بعد مرور زهاء نصف قرن، علاوة على تسرب بعض النقص والقدامة إلى شروحاته، مع ذلك يبقى الأشمل والأوفر مادة في تلبية حاجة الدارس الإيطالي الساعي إلى الإلمام بالعربية.
وسعياً لجعل القاموس يسيرَ التناول، تم طبعه في السنوات الأخيرة في مجلد واحد، بعد أن كان موزعا على ثلاثة أجزاء؛ لكنّ ذلك لم يُضف على القاموس يسرا، فهو من النوع المكتبي أو المنزلي نظرا لِثقل وزنه. ما لا يجعله رفيقا ملازما للمترجم الإيطالي. وتبقى حاجة ملحة اليوم لتحويله إلى قاموس إلكتروني، يتجاوز مجرد مسحه ضوئيا، فضلا عن ضرورة دمج ما استجدّ من مصطلحات ومفردات، عرفتها العربية المعاصرة، بقصد جعله مواكبا للعصر.
- قاموس اللغة العربية (إيروس بلديسيرا)
هو قاموس ثنائي اللغة، عربي إيطالي وإيطالي عربي . سعى فيه مؤلّفُه، أستاذ اللغة العربية في جامعة كافوسكاري في البندقية، إلى تغطية حاجة الطالب الجامعي اللغوية في مجالات مختلفة، أدبية واجتماعية وسياسية واقتصادية. يزعم صاحب القاموس في مقدمة عمله أن العربية تعوزها المصطلحات التقنية، وهي على حد قوله، عادة مصطلحات إنجليزية معرّبة حرفيا؛ برغم المجهودات المبذولة من قبل مجامع اللغة العربية للعثور على مرادفات، والتي عادة ما تأتي بنزوة جامحة، تمتح من تراث العربية الكلاسيكية .
يتوجه قاموس بلديسيرا إلى الطلاب الناطقين بالإيطالية وإلى الساعين إلى الإلمام بالعربية، وكذلك إلى المترجمين من كلتا الجهتين؛ وبالمثل إلى العرب الذين يتطلعون إلى إثراء لغتهم الإيطالية. اعتمد صاحبه في بنائه على المورد الإنجليزي العربي لمنير البعلبكي، وأكسفورد الإنجليزي العربي، كما استعان بالقاموس الإيطالي العربي لليبي خليفة محمد التليسي والكلمة لعصام لبنية. ومن العربية كان الاعتماد على القاموس العربي الإيطالي لريناتو ترايني، الذي سبق الحديث عنه، وعلى قاموس هانس ويهر -Hans Wehr, A Dictionary of Modern Written Arabic, 1976- هذا فضلا عن قواميس أخرى.
اعتمد بلديسيرا في انتقاء مادة قاموسه على معيار ورود الكلمة في الاستعمال الحديث، مع تضمين مجموعة من المفردات العتيقة، وإن قلّت استعمالاتها. هذا فضلا عن إيراد مصطلحات متعلقة بالدين الإسلامي، قدّر صاحب القاموس حاجة الدارس الإيطالي إليها. وتبعا لذلك وزّع بلديسيرا قاموسه على ثلاثة أقسام رئيسة: قسم إيطالي عربي، وقسم مختصر شمل قواعد العربية الأساسية للمبتدئين، بلغت زهاء خمسين صفحة، وقسم عربي إيطالي. القاموس ناشئ عن حاجة تعليمية لدى دارس اللغة العربية في إيطاليا، عايشها صاحب القاموس بموجب تدريسه مادتي اللغة والآداب العربية في الجامعة الإيطالية. فقاموسه بأقسامه الثلاثة يأتي استجابة إلى حاجة تعليمية ملموسة، وهو ما جعله من بين القواميس الأكثر رواجا في سوق القواميس الإيطالية العربية في إيطاليا. ولكن عادة ما يتجاوز الطلاب، الذين تخطوا مرحلة التكوين في العربية، إلى مستوى الترجمة الحِرفية والمهنية والإبداعية، هذا القاموس إلى قاموس ترايني الذي أشرنا إليه. ولا يشفع لهذا القاموس، على دقته في نقل المصطلح العربي إلى الإيطالية، ما تخللته من هنات في نقل ما ليس له نظير في الإيطالية، نضرب مثلا على ذلك، ترجم بلديسيرا كلمة "حنفي" بـ-pagano– و - idolatra –؛ و"حنفية" بـ-paganesimo- و -hanafismo-، ليأتي المدلول في الجانب الإيطالي بمعنى "وثني و"وثنية"، وهو خلط ناشئ عن عدم التنبه لمدلولي "حنفي" أي موال للمذهب الحنفي، و"حنيف" بمعنى مائل عن الباطل إلى الحق.
والبناء العام الذي اعتمده بلديسيرا في القاموس الرئيس المشار إليه، تابعه أيضا في القاموسين اللاحقين، أكان في العربي الوجيز أو في العربي الصغير . حيث ضمّ العربي الوجيز، وهو القاموس الأوسط في مجموعته، 704 صفحة، حوت 11000 مفردة إيطالية و 15000 مفردة عربية، هذا فضلا عن توضيحات نحوية و 245 جملة عربية، مترجمة إلى الإيطالية. أما العربي الصغير وهو قاموس جيب صغير الحجم، فقد ضم 720 صفحة، حوت 25000 مفردة وعبارة.
- القاموس الإيطالي العربي الحديث (إلبيديو جانوتا)
تتمازج في بنية قاموس جانوتا ، الصادر سنة 1964، الكلمات الإيطالية المترجَمة إلى العربية بالجمل القصيرة والمطوّلة. وقد انتقى صاحب القاموس مادته من مؤلفات كتّاب عرب، على غرار محمود تيمور، وطه حسين، والعقاد، والمازني، ومدكور، فضلا عن مقتطفات من مقالات واردة في الصحف والمجلات، كالأهرام، والمقطّم، والهلال، والمقتطف، ومجلة مجمع اللغة العربية. سعى القاموس، في قسم واسع منه، ليكون أنطولوجيا صغيرة لجمل مترجَمة مرفوقة بمفردات، ولهذا يشبه الكتاب في مبناه. وهو من زاوية عملية يحاول تلبية حاجة من تخطّوا المراحل الأولى في التعاطي مع العربية. ولم يأت القاموس متّبعا تقاليد المستعرِبين الإيطاليين في تأليف القواميس، بقصد مدّ يد العون للمترجم والدارس، وإنما سعى صاحبه إلى مدّ الدبلوماسي الإيطالي بأداة تمكنه من مقاربة الخطاب العربي المكتوب والمنطوق. صدر القاموس عن وزارة الشؤون الخارجية ولموظفيها لأول وهلة، قبل أن يجري تعميم ترويجه. مضى على تأليفه نصف قرن، مع ذلك يبقى القاموس قيد الاستعمال جراء الخاصية المميزة له، وجراء سلاسة العبارة العربية المنتقاة وحسن اختيار المرادف الإيطالي لها. تبلغ صفحات القاموس بجزئيه 960 صفحة من الحجم الكبير.
وعلى نحو تقييمي، تبقى القواميس الثلاثة المذكورة، لترايني وبلديسيرا وجانوتا، الأوفر حضورا بين مستعملي القواميس العربية الإيطالية في إيطاليا. وإن شهد قاموس الأخير نوعا من التراجع، جراء عدم تعهده بطبعات جديدة ومنقحة، على خلاف سابقيه.
ب‌- القواميس الإيطالية العربية
- القاموس الإيطالي العربي (لخليفة محمد التليسي)
يحوي قاموس الليبي التليسي حوالي 35 ألف مفردة. وعلى ما يورد صاحبه في المقدمة، أن القاموس قد أُلّف لحاجة شخصية، بعد تجربة طويلة مع ترجمة النصوص الإيطالية. فقد حمل هذا العمل رغبة كامنة في نفس صاحبه، منذ أن نشأت لديه صلة بهذه اللغة الجميلة التي أحبها وأحب ثقافتها. يحاول القاموس أن يغطي كافة فروع المعرفة واتجاهاتها، ويتضح ذلك من:
- العناية بالمصطلحات، والكلمات المعبرة عن الاتجاهات السياسية والفلسفية والأدبية والفنية المعاصرة.
- مراعاة الاستعمال الحديث للكلمات، والتطور الذي لحقها في الحياة الحديثة.
كما يقدّر صاحبه أن عمله يتجاوز علميا كافة القواميس الإيطالية العربية التي سبقته، بما سعى إليه في سد الحاجات المتعددة للدارس والباحث المعاصر. وقد استفاد التليسي من جملة من القواميس، بالأساس قاموس النهضة لإسماعيل مظهر، وقاموس المورد للبعلبكي، وقاموس المنهل لسهيل إدريس وجبور عبدالنور، لا سيما في مجال المصطلحات العلمية. لكن على دقة التليسي في البحث عن المرادف العربي للمفردة الإيطالية، أو في نحت نظير لها، يبقى المترجِم المستعين بهذا القاموس في حاجة إلى مراجعة قاموس إيطالي إيطالي، لا سيما في ما يتعلق بمصطلحات العلوم الإنسانية والاجتماعية حديثة المنشأ التي يفتقر إليها القاموس.
وقد أَلحقَ التليسي قاموسه بنسخة للطالب بعنوان: قاموس إيطالي عربي ، وهي طبعة مختصرة من القاموس الرئيس الصادر سنة 1984. توخى فيه صاحبه الاختصار، وهو يحتوي على ما يقرب من نصف المادة اللغوية الواردة في القاموس الأول الذي ضمّ المصطلحات العلمية والثقافية التي تتصل بأغلب فروع المعرفة الحديثة. وبهذا المعنى فالقاموس وسيط، يناسب استعمال المراحل التعليمية الأولى والوسطى دون إحاطة شاملة بالمصطلحات.
- الرفيق قاموس عربي إيطالي (فتحي مقبول)
لا يفي بالغرض مجرد ترصيف مفردات ومصطلحات، في مقابل مرادفاتها من اللغة المقابلة، للزعم بإنشاء قاموس ثنائي اللغة وعصري؛ لأن الصناعة المعجمية فنّ، أو بالأحرى، علم له شروطه. ولذلك توجّب الاطلاع على المحاولات السابقة والتعرف على مساوئها ومحاسنها بقصد توظيف ما بلغته من نتائج، كلما رام المرء تأليف قاموس. يبدو قاموس الرفيق العربي الإيطالي (1987) لصاحبه فتحي مقبول ، أقل القواميس التزاما بهذه القاعدة، رغم أن صاحبه على ما يذكر في مقدمة عمله: "أنه بعد أعوام طويلة من البحث والتدريس في المعهد الجامعي الشرقي في نابولي أولا، وفي جامعة روما في ما بعد، فقد وفقني الله إلى إصدار هذا القاموس العملي ليساهم في خدمة الضاد العريقة، واللغة الإيطالية الأنيقة، في آن واحد، وليكون في متناول يد الباحث العربي والإيطالي على حد سواء، عله يجد فيه خير رفيق في تيسير مهمته. لقد أدرجتُ في هذا القاموس آلاف المفردات المتداولة في الأعمال اليومية في مختلف القطاعات". ومع اعتزاز صاحبه بما أسداه من خدمة، لم ينل القاموس ترحيبا يذكر في أوساط الدارسين، مردّه لعدم مراعاته أبسط تقاليد الصناعة المعجمية. قد يلبي القاموس بعض الحاجات، لكنه لا يرتقي لمصاف الاعتماد، أو حيازة ثقة الدارسين، لما تخللته من هنات في بنية تكوينه.
- الكلمة: قاموس إيطالي عربي (لعصام لبنية)
يعرض عصام لبنية في مقدمة عمله الصادر سنة 1995 لمحدودية الأعمال القاموسية المنجزة من الطرفين، وهو ما دفعه إلى خوض التجربة، وما حثّه على توفير أداة لغوية مرجعية للدارسين في كلتا اللغتين. لكن أمام مواجهته اتساع الحاجة اختار لبنية في قاموسه الاقتصار على المداخل الأكثر ورودا في النصوص الدراسية وفي القراءات العامة، ما جعله يقلص من مادته. لا يبدو أن العمل قد لقي حظوة، لا سيما وأن قاموسا يزمع أن يلقى رواجا في أوساط الدارسين والمترجمين، قد ضمّ بين دفتيه خمسة آلاف مفردة لا غير.
ج- قواميس الجيب
تعرض دور النشر الإيطالية جملة من قواميس الجيب ثنائية اللغة، تلبي حاجة متواضعة لدى المهتمين بالعربية والإيطالية، لا تتعدى أعدادها حدّ الراهن خمسة قواميس، فإلى جانب قاموس العربي الصغير لإيروس بلديسيرا، الذي سبقت الإشارة إليه، نجد:
- قاموس عربي إيطالي / إيطالي عربي: (لسميح خضر وميشيل لحود ووائل بلة)
وهو قاموس للجيب صغير الحجم . يعتمد جنب إيراد الكلمة، في القسم الإيطالي أو في القسم العربي، إلحاقها بكيفية النطق بالحرف اللاتيني، وقد ضم 24000 مفردة. يلبي القاموس حاجة متواضعة لدى المبتدئين في تعلم العربية أو الإيطالية، أكانوا سياحا أو تلامذة أو مسافرين أو مستعملين لغرض مشابه.
- قاموس إيطالي عربي / عربي إيطالي: (لحسين سي عمور)
هو قاموس وسيط ، يسعى أن يكون في منزلة وسطى بين قاموس الجيب والقاموس الشامل، أكان من حيث الحجم أو من حيث ما ضمّه من مفردات. حوى كيفية النطق بالعربية والإيطالية في القسمين. وهو موجه بالأساس للمبتدئين في دراسة اللغتين.
- قاموس إيطالي عربي / عربي إيطالي: (لحسين سي عمور)
هو أصغر حجما من سابقه، وقد أُعدّ خصيصا للمبتدئين. نحا صاحبه فيه منحى الاختصار والإيجاز، أكان في إدراج الكلمات أو في إيراد ما يقابلها في اللغة الأخرى، وهو قاموس سياحي.
- قاموس بليس. عربي إيطالي / إيطالي عربي (تأليف جماعي)
يحوي قاموس بليس للجيب 24000 مفردة ، ويضم 480 صفحة، فضلا عن إلحاقه كافة المفردات العربية والإيطالية بكيفية النطق. القاموس ذو صبغة سياحية، فضلا عن استهدافه تلبية حاجة التلميذ في المراحل الأولى.
وجد حشر مفردات من الدارجة، في هذه القواميس، مبررا في التعلل بتضخّم مسألة الازدواجية بين الدارجة والفصحى -diglossia-، إلى حد إعطاء صورة في المخيال الإيطالي تقارب الازدواجية اللغوية بين العربية والدارجة. وهو ما يتجلى في شيوع الاتهام المجحف للعربية، كونها لغة صعبة لا تساير التطورات الحديثة ومستعصية على التعلّم .
ثالثا: القاموس الموجود والقاموس المنشود
يقول أحد الدارسين "كل حقبة من التاريخ العربي كان لها قاموسها المعتمَد بين طائفة المترجمين" . هذا التوصيف قد لا ينطبق على أحوال الترجمة والمترجمين بين الإيطالية والعربية، لأننا أمام حاجة تعوزها التلبية في الواقع. تجد المترجم مترحّلا بين قاموس وغيره بغرض الظفر بمراده. فقد تبين من خلال العرض لمجمل القواميس المتوفرة بين اللغتين، أن الصناعة المعجمية بين العربية والإيطالية لا تزال في طور توفير المعاجم العامة، وتفتقر الساحة إلى المعاجم المتخصصة. وحتى في المجالات الفنية والعمرانية والسينمائية والمسرحية، وهو ما آثر العرب استلهامه بشكل أبرز من الثقافة الإيطالية، فهي تفتقر إلى قواميس في الشأن. ما يجعل المترجم، من وإلى الإيطالية، مديناً لمخزونه اللغوي الذاتي في إلمامه باللسانين، بدرجة أولى، وإلى جملة من القواميس المتاحة بين اللغتين. وهي أدوات غالبا ما لا تسعفه بالمفردة الحديثة المنشأ، فيغدو باحثا عنها في قواميس موازية. كل ذلك مع مآخذ استشارة قاموس مغاير، من هدر للوقت وعدم إصابة للمعنى بالدقة اللازمة. هذا في صورة تشابه المفردة الإيطالية مبنى ومعنى مع نظيراتها في اللغات اللاتينية. وقد يلجأ المترجم في نهاية المطاف إلى نحت مقابل عربي لها، أو مرادف إيطالي. والحال أنه لا يضير المستعمل أن تكون كلمات مهجورة مدرجة في القاموس، بل ما يحرجه عدم العثور على الكلمة التي تقصّدها بالترجمة. لذلك يبقى عمل الترجمة المتأتي من اللسان الإيطالي، في جانب هام منه، رهين إلمام المترجم بالحقل الذي يترجم منه، ولمدى حذقه للغة المنقول إليها.
وفي الوضع الحالي، لا تفي القواميس الثنائية بين العربية والإيطالية بحاجة المترجم، وهي على قدر العزم الذي دفع أصحابها لإنجازها، تبقى قواميس شخصية ناشئة بموجب سدّ حاجة أولية. فخليفة محمد التليسي من الجانب العربي وإيروس بلديسيرا من الجانب الإيطالي، صرّح كلاهما أنه أعدّ قاموسه، في مرحلة أولى، لحاجة خاصة. وإذا بهما في نهاية المطاف يلقيان بما صنّفا إلى عامة القراء. بما يجعل القواميس الإيطالية والعربية مصنفات ذاتية أكثر منها أدوات احترافية تستهدف أداء خدمة عامة. أو بشكل أدق هي قواميس خاصة، بما قد يعتري عمل الأفراد من قصور ونقص. والواقع أن قواميس معتمَدة ينبغي أن ترعاها مؤسسات، ويُفترض أن تتضافر جهود مشتركة في إنجازها. لكن جل المبادرات في الجانبين العربي والإيطالي جاءت فردية، ما جعلها مصبوغة بثقافة ورؤية صاحب القاموس، ولا سيما منها القواميس الإيطالية العربية. وكان بالإمكان تلافي نقص تلك القواميس بالاشتغال على مصنفات جماعية يعدها فريق عامل. لذلك تُلازم المترجم المحترف بين اللغتين حاجة دائمة للتعويل والاستعانة بقواميس منجزة في لغات أخرى.
من جانب آخر، يحدّ ثقل القواميس الحالية من الانتفاع بها، سواء بين الطلاب أو الدارسين أو المترجمين. ولكون القواميس العربية الإيطالية لا تجاري نسق تطور القواميس الإيطالية، أو قواميس اللغات الغربية؛ فهي ما فتئت لا تتوفر على طبعات أنيقة، ولا تصحبها أقراص مضغوطة، بما قد يسهل على مستعمليها مراجعتها. ما دفع بالبعض إلى تصويرها بالماسح الضوئي، وإدراجها بشكل غير قانوني في الشابكة للعموم. فكيف لطالب لغة عربية في الجامعة الإيطالية أن يصحب معه قاموس ترايني البالغ من الوزن 2،3 كغ كل يوم؟ لذلك غالبا ما يصطحب الطلاب معهم للدرس قاموس العربي الوجيز لبلديسيرا، وهو ما لا يفي بالغرض؛ وبالتالي يبقى المترجم الإيطالي في حاجة ماسة إلى قاموس جيب إلكتروني لتذليل مصاعب العربية التي يصادفها، وذلك بشكل آني وعصري.
فالعربية المدرَّسة في الغرب هي عربية متخلّفة الأدوات القاموسية، إذا ما قارنّا مدى توفر القاموس الإلكتروني بين الطلاب الإيطاليين -مثلا- من دارسي العربية من جانب وبين دارسي الصينية واليابانية والكورية من جانب آخر، حيث جل الطلاب في اللغات الأخيرة بحوزتهم قواميس إلكترونية في حين ينعدم مع العربية.
كما لا يمكن الحديث عن مفاضلة بين القاموس الورقي والقاموس الإلكتروني، فلكلا القاموسين مزايا، وقد أفاضت الدراسات في شرح ذلك ؛ ولكن ما يتطلع إليه المترجم وهو توفر الأداتين بشكل متيسر وضاف، حتى يمتح مراده من أيهما بشكل مرن، وفق الظرف المناسب والحالة الأيسر، دون تأثير على نسق عمله.
صحيح أن أقسام تدريس اللغة الإيطالية والآداب الإيطالية في الجامعات العربية حديثة النشأة، حيث التجربة المصرية تعود إلى العام 1956 والتجربة التونسية إلى 1976؛ لكن هذا لا يبرر نقص الاشتغال على المصطلح الآتي من الإيطالية، على خلاف المصطلح الوارد من لغات أخرى، ولاسيما اللغات الشائعة الاستعمال في الوسط الثقافي العربي كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية أو الألمانية. وصحيح أن تلك الجامعات تدرّس الترجمة، وقد رفدت الساحة الثقافية بجملة من المترجمين الجدد؛ لكن يبقى اشتغال جل هؤلاء على المادة الأدبية. في وقت يمثل فيه نص العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية الغائب الأبرز، والأقل حظوة، بين المترجمين في العربية والإيطالية.
إذ غالبا ما زعم أصحاب القواميس الحديثة أن أعمالهم كافية شافية، تلبي الحاجات اللغوية المعاصرة، وتتيح للقارئ إمكانية العثور على الكلمات والمصطلحات المستجدة، ولكن الصواب أن يصدر هذا الحكم من مستعملي هذه الأدوات لا من أصحاب القواميس. وتقريبا جل القواميس الإيطالية العربية هي مصنفات متجاوَزة لا تفي بالغرض. وإن تكن القواميس الإيطالية الإيطالية المعروفة والمعتمدة تصدر سنويا في طبعات جديدة ومنقّحة، فإن القواميس العربية الإيطالية لا تعرف هذا التجدد. وبصفة معظم القواميس السالفة قد تم إنجازها لأغراض محددة، دينية، أو سياسية، أو تعليمية في نطاق ضيق ، وعدم تمييزها، أو تعمّدها قصدا، دمج ألفاظ دارجة وأجنبية أو مهجورة الاستعمال. فإن التحدي الأبرز أمام مجال الترجمة بين اللغتين وهو خلق معجم إيطالي عربي يكتسي صفة المرجعية، بما يوفر المادة الشاملة في عملية التعريب. ربما يتمثل التطور القاموسي المنشود في إعفاء الباحث، أو المترجم، من الثبات والثقل الذي يرتهن إليه القاموس العربي، وتحويل هذه الأداة إلى جهاز إلكتروني يسهل استدعاؤها سواء داخل الحاسوب، أو الهاتف النقال، أو ضمن أجهزة مستقلة، أو في أقراص مضغوطة، بما يتيح بلوغ المراد بأيسر السبل وأسرعها. كما يكون هذا القاموس متوفرا على آلية بحث دقيقة وبسيطة، متاحة للمتدرب وغير المتدرب. لأن كل إنجاز ينزع نحو التعقيد من شأنه أن يفوّت الفرصة على المستعمل ليكون القاموس الورقي هو الأفضل.
وبشكل عام، يبدو القاموس الإيطالي العربي رهين تطور القاموس الإلكتروني العربي مع اللغات الأوروبية الرئيسية. وإن يكن الحديث عن المعجم الحاسوبي العربي قد مر عليه زهاء العقد، فإننا من الجانب الإيطالي لا نزال خارج مواكبة هذا التحول وما يبشر به من وعود، ولا نزال نفتقر إلى تعامل إلكتروني مبسّط مع القاموس. يقول الأستاذ عبدالمجيد بن حمادو في بحث بعنوان "المعجم الإلكتروني أهميته وطرق بنائه": "بالنسبة إلى اللغة العربية ثمة تقصير واضح في إعداد معاجم حاسوبية تلبي حاجيات المستخدم العربي، بالرغم من إتاحة أمهات المعاجم العربية على أقراص مدمجة أو على الإنترنت. فهذه الخطوة ليست كافية؛ لأن هذه المعاجم تفتقر إلى أبسط مقومات المعاجم الحاسوبية بالمعنى الحديث للكلمة. إنها مجرد "نسخ مرقمنة" لتلك المعاجم الورقية (في صيغة "Doc" أو "HTML") لا يمكن الاستفادة منها بالشكل المطلوب. بالإضافة إلى ذلك، فالأدوات المصاحبة للبحث عن المعلومة بسيطة، كما يتضح في المشاريع المعروفة مثل "عجيب" (لنظام صخر) "وكلمات" و"لسان العرب" / "القاموس المحيط"... فهذه السلبيات تعود أساسا إلى ضعف الهيكلة الحاسوبية التي بنيت عليها مداخل هذه المعاجم" .
رابعا: أوضاع الترجمة بين اللغتين
على مدى تاريخ التواصل الثقافي بين العرب والإيطاليين، لم تتجاوز أعمال الترجمة بين العربية والإيطالية 660 عملا. وتكاد أعداد الأعمال المنجزة تتوزع بالتساوي بين اللسانين، 336 عملا من الجانب العربي و324 عملا من الجانب الإيطالي. ويمكن الرجوع بأولى أعمال الترجمة إلى العربية إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، في مصر وتونس، مع تلمس البلدين سبل اللحاق بركب التمدن. حيث نسجل ظهور أول قاموس إيطالي عربي في مصر خلال العام 1822، من إعداد القس السوري أنطون زخور رافائيل (1759-1831). وقد تم طبع القاموس في بولاق بتشجيع من محمد علي ، تلته ترجمة من قبل أنطون زخور أيضا لكتاب "الأمير" لماكيافيلّي، صدرت تحت عنوان "الأمير في علم التاريخ والسياسة والتدبير" .
وخلال الفترة نفسها شهدت الترجمة من الإيطالية في تونس شيئا من الاهتمام ضمن غرض محدد. حصل ذلك مع تأسيس مدرسة باردو الحربية (1840)، ثم في مرحلة لاحقة مع إنشاء المدرسة الصادقية (1875). حيث كان الحرص بالأساس على تعريب المصنّفات العسكرية والعلمية. بقيت منجزات المدرستين (في حدود أربعين عملا) مخطوطة في المكتبة الوطنية في تونس. ومن الطريف أن عمل الترجمة، في مدرسة باردو الحربية، كان يتولاه ثلاثة أطراف. يجري نقل المصنف بإشراف المدرس الإيطالي حينها، رفقة الضباط أو الطلاب التونسيين، ليتكفّل بالنص في مرحلة أخيرة شيخ زيتوني يقوّم عجمة اللسان وركاكة العبارة.
ولئن كانت الترجمة من الإيطالية في مستهلّها مهووسة باللّحاق بركب الحضارة، فقد بقيت العملية بطيئة ومتقطّعة على مدى عقود. ولم يشهد الأمر تحولا يذكر سوى في تاريخ قريب. فمثلا طيلة الفترة المتراوحة بين 1922 و 1972، أي على امتداد نصف قرن، لم ينجز العرب من أعمال الترجمة من الإيطالية سوى خمسين عملا، أي بمعدل نصّ مترجم سنويا. كانت الأعمال في مجملها أدبية، وتوزّعت بين الرواية والقصة والمسرحية. أما مع ثمانينيات القرن الماضي، فقد دبّ شيء من التحول، حيث تُرجم قرابة الأربعين عملا، أي بمعدل أربعة أعمال سنويا. وخلال العشرية الفارطة بين العام 2000 و 2010 تُرجم زهاء المئة وخمسين عملا .
وضمن تصنيف عام للأعمال المترجمة إلى العربية، فقد توزّعت الأعمال بين 246 عملا أدبيا، و 48 عملا مسرحيا، و 42 عملا في مجالات متنوّعة شملت العلوم الإنسانية والاجتماعية. وهي حصيلة متدنّية، لاسيما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الجوار الجغرافي، والماضي الاستعماري، والثقل الحضاري، لبلد مثل إيطاليا عُدّ بوابة النهضة الأوروبية. علاوة أن تلك الأعمال لم يتكفّل بإنجازها الطرف العربي بمفرده بل ساهم في إنجازها الطرف الإيطالي أيضا، عبر مؤسّسة دانتي أليغياري المعنية بترويج الثقافة الإيطالية في الخارج، وعبر وحدة التعاون الثقافي في وزارة الخارجية الإيطالية، التي بعثت خلال العام 2000.
في سياق هذا التحول النسبي، لقيت ثلة محدودة من الكتاب الإيطاليين ترحيبا لدى المترجم العربي والقارئ العربي، في حين توارى شقّ واسع من الكتّاب يعدّون من خيرة المبدعين في الفكر الإيطالي. في ظل هذا الاهتمام المحدود، نال الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو نصيب الأسد من الترجمة، حيث شهدت أعماله 24 طبعة. تخطى بذلك ألبرتو مورافيا الذي لقي ترحيبا واسعا بين جمهور القراء، حيث بلغت طبعات رواياته 22 طبعة. وحاز المرتبة الثالثة لويجي بيرانديلو حيث بلغت أعداد نصوصه المترجمة 21 نصا. وبلغت أعمال أومبرتو إيكو المترجمة 10، وأنطونيو تابوكي 8 .
كما تشهد في الفترة الحالية أعمال إيكو رواجا، منذ ترجمة أعماله "اسم الوردة" و"بادولينو" و"كيف تعدّ رسالة دكتوراه". مع ذلك، ما فتئ التعويل، بين دور النشر العربية، على لغة وسيطة في الترجمة من الإيطالية. فكتاب جوفاني بوكاتشو الشهير "الديكاميرون"، نقل من الإسبانية، وكتاب أومبرتو إيكو "كيف تعدّ رسالة دكتوراه" نقل من الإسبانية، وكذلك بعض كتابات إيتالو كالفينو المنشورة في دار أزمنة الأردنية، مثل "آلة الأدب" الذي ترجمه حسام بدار من الإنجليزية، و"ماركوفالدو" الذي ترجمته منية سمارة من الإنجليزية. لعل آخر ما ترجم من الإيطالية عبر لغة وسيطة كتاب "لانهائية القوائم" لأومبرتو إيكو الصادر عن مشروع كلمة في أبو ظبي سنة 2013.
بقيت حركة الترجمة من الإيطالية بطيئة طيلة عقود، ومع إنشاء أولى أقسام تدريس اللغة والآداب الإيطالية، في عين شمس وحلوان في مصر، وفي جامعة منوبة في تونس، وفي دمشق في سوريا، تزايدت أعداد الدارسين للإيطالية. فمثلا بلغ العدد في تونس خلال العام الدراسي (2008-2009) 400 طالب بالصف الجامعي الأول. ولكن في هذا التحول كان للجامعة المصرية الدور الأبرز في دفع عملية الترجمة وفي تكوين جملة من المترجمين المقتدرين.
وعبر مسار نقل الأعمال من الإيطالية إلى العربية يمكن الحديث عن أعلام بارزين في المجال مثل: المصري حسن عثمان (1909-1973)، والأردني عيسى الناعوري (1918-1985)، والليبي خليفة التليسي (1930-2010). تَلَتْهم في وقت لاحق كوكبة من المترجمين مثل: سلامة سليمان، ومحب سعد إبراهيم، وسوزان إسكندر، وعامر الألفي من مصر؛ ثم ردفتهم مجموعة متماثلة في التكوين من مدرِّسي اللغة الإيطالية والأدب الإيطالي في الجامعات العربية، شغلتهم الترجمة، منهم الأساتذة عماد البغدادي، وسمير مرقص، وحسين محمود، وأماني حبشي، ووفاء عبدالرؤوف البيه من مصر، ومحمد المختاري من المغرب، وأحمد الصمعي من تونس. ولكن مع موجة الهجرة إلى إيطاليا، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، برز ثلّة من التراجمة يقيمون في إيطاليا، مثل الفلسطيني وسيم دهمش والعراقي عدنان علي والتونسي عزالدين عناية والمصري ناصر إسماعيل وآخرين.
هذا بشكل عام عن أوضاع الترجمة إلى العربية، أما الترجمة إلى الإيطالية فهي لا تختلف كثيرا من حيث انشغالاتها ومن حيث كثافة أنشطتها عن الترجمة إلى العربية. إذ تبرز الإحصائيات في الشأن أنه منذ مطلع القرن الفائت إلى حدود العام 1965، أُنجزت في إيطاليا خمس ترجمات يتيمة. حيث ترجم فرانشيسكو غابرييلي: "قصاصون من مصر" وكذلك "ظلمات وأشعة" لمي زيادة، وترجم أومبارتو ريتزيتانو "زينب" لمحمد حسنين هيكل و"الأيام" لطه حسين، وترجم أندريا زنزوتّو كتاب "سأهبك غزالة" للكاتب الجزائري مالك حداد. ثم بعيد ذلك التاريخ، حاول ريتزيتانو بعث سلسلة قصصية، بالتعاون مع "معهد الشرق" في روما وجامعة باليرمو، نشرت ضمنها ثلاث مجموعات من سوريا وتونس ومصر. ثم سرعان ما توقفت السلسلة، وكأن الوقت لم ينضج بعد للنشر العربي. ولكن علاوة على عدم تهيؤ القارئ الإيطالي، فقد كان نصيب وافر من الترجمات حرفيا وركيكا، وهو ما بقي ساريا حتى الراهن جراء التعويل في الترجمة على طلاب مبتدئين وليس على مترجمين محترفين أو مبدعين. فهناك مسؤولية علمية وأخلاقية للمترجم، وبتدمير وانتهاك دلالة النص في اللغة الأصلية، يتهاوى النص المترجم من عليائه ويفقد بهاءه، وهكذا لن تعود الترجمة سبيلا للتواصل بل مدعاة للتنفير.
يورد مؤلّف "الحضور العربي الإسلامي في المطبوعات الإيطالية" الصادر عن وزارة الثروة والأنشطة الثقافية في إيطاليا (2000)، أنه لم يُترجَم من المؤلفات العربية بين 1900 و 1988 سوى 29 عملا، وقد حصل التحول الحقيقي بين 1989 و 1999 بترجمة 112 عملا أدبيا، كما تُرجم 93 عملا أدبيا فرنكفونيا خلال الفترة نفسها. في حين بلغت الأعمال المسرحية التي تُرجمت إبان الفترة الممتدة بين 1900 و 1999 19 عملا مسرحيا، وحاز الشعر خلال الفترة نفسها 20 عملا. والواقع أن الجوائز العالمية، نوبل لمحفوظ (1988)، وغنكور لكل من بن جلون (1987) ومعلوف (1993)، قد حركت المياه الراكدة وساهمت مساهمة فعالة في لفت الانتباه نحو الأدب العربي، حيث بلغت أعداد النصوص العربية المترجمة إلى الإيطالية حتى موفى السنة المنصرمة 324 عملا. وبشكل أقل ساهمت القلاقل السياسية في تحفيز عمل الترجمة. فعشية اندلاع الثورة الجزائرية تُرجم نصّ يتيم "سأهبك غزالة" لمالك حداد، ثم عقب الثورة خبا ذلك البريق، ليُستأنف الاهتمام ثانية مع فترة النضال الفلسطيني المسلح بترجمة بعض الأعمال مثل "رجال في الشمس" (1985)، و"فلسطين: ثلاث قصص" (1985)، و"عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني؛ و"المتشائل" (1990) لإميل حبيبي . وفي سياق غلبة الترجمة الأدبية على ما سواها، يبقى الأديب المغربي الطاهر بن جلون الممثل الرئيس للأدب العربي في المخيال الإيطالي، فهو الأكثر ترجمة والأبرز حضورا في الإعلام.
قد يتساءل المرء عن أسباب إقلال العرب في الترجمة من الإيطالية؟ الحقيقة أن الإقلال حاصل مع كافة اللغات، ولكن من الإيطالية يأتي بشكل أبرز. وهناك أسباب عدة لعل أبرزها:
- الترجمة من الإيطالية وإلى الإيطالية تبقى أقلهن عناية، وكأن الجوار اللغوي لا معنى له. ففي دراسة منشورة لبسام بركه، يوضح أن الاعتمادات التي توجه نحو الترجمة من الإيطالية إلى العربية هي الأضعف .
- أنه يسود بين العرب عامة نقصٌ في الإلمام بما في إيطاليا وبما في حاضرة الفاتيكان من أنشطة فكرية وسياسية ودينية، وهو في حدّ ذاته حائل موضوعي يعيق الترجمة. وليس الأمر عائدا إلى قلّة المترجمين، كما يروّج أصحاب دور النشر، ممن دأبوا على اعتماد لغة وسيطة في نقل المنتوج الإيطالي.
- علاقة العربية بالإيطالية طيلة القرن الماضي وحتى الراهن هي علاقة أدبية. فجل مدرسي الآداب واللغة الإيطالية في الجامعة المصرية وفي الجامعة التونسية لهم تكوين أدبي. ومن يُعرفون بـ "Italianista"، أي المختصين في الحضارة واللغة الإيطالية، لم يشهدوا تنوعا في التكوين. وربما كان هذا الانحصار في الجانب الأدبي أحد الأسباب التي حجبت المخزون الثقافي الإيطالي.
- أن انتشار أقسام تدريس اللغة والآداب الإيطالية في بعض بلدان المغرب والمشرق، مثل قسم الإيطالية في جامعة منّوبة في تونس، أو قسم اللغة الإيطالية في جامعة محمد الخامس في الرباط، أو في جامعة بغداد، أو في جامعة صنعاء التي شهدت انطلاق تدريس الإيطالية خلال العام 2003، لم تضمن توفير المترجم الجيد والحرفي بعد. وهو أمر عائد بالأساس إلى ما شهدته الجامعات العربية خلال العقود السالفة من اهتزاز قوي أثر على خرّيجيها وعلى تحصيلهم العلمي.
- لكن في خضم هذا النقص العام في الترجمة من الإيطالية، فإننا لا نلغي أيضا ما لأدوات الترجمة، والتي منها القاموس، من تأثير سلبا وإيجابا على تحسين جودة الترجمة والرقي بها، أو كذلك في زيادة تعثرها، ولذا لزم إيلاء هذا المجال بعض الاهتمام بين اللغتين على أمل توفير أداة قاموسية ورقية وإلكترونية في مستوى تحديات الراهن.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- وسيم دهمش.. موّال فلسطيني شجيّ في إيطاليا
- المسلمون والانسداد التاريخي: لا عاصم اليوم إلا العقل
- تحديات المرأة المؤمنة في اليهودية والمسيحية والإسلام
- المؤرّخ ماريو ليفِراني يعيد تشييد بابل في كتابه -تخيّل بابل-
- تحية ترجمة من قرطاج إلى بابل
- كتاب -جدران تونس- رجْعُ صدى الثورة في إيطاليا
- كتاب -إمبراطورية التفويض السماوي- رصدٌ لمنابع النهضة الصينية
- حكاية الثورة التونسية بعيون إيطالية
- المسيحية في المغرب العربي
- تجلّيات مقام الشكر في الأديان الإبراهيمية
- رسالة إلى أخي المسيحي
- البلدان العربية مصابة بمرض فقدان المناعة الاجتماعية لغياب ال ...
- علاقة الدين بالسياسة في الفكر اليهودي
- زيتوني يشرف على ترجمة التلمود إلى العربية
- الدراسات العربية في إيطاليا
- عزالدين عناية في حوار مع الصحفية عبير يونس
- الظّواهر الدّينية المعاصرة من منظور علم الاجتماع
- زمن ما بعد المسيحية
- يوميات دبلوماسي بندقي في إسطنبول
- سفينة النجاة للإسلام السياسي من الانتحار الذاتي هي التمسك بح ...


المزيد.....




- مشاهير الغناء العربي ينعون رحيل أبو بكر سالم
- إلغاء حفل موسيقي أميركي بالخرطوم تضامنا مع القدس
- رحيل الفنان اليمني أبو بكر سالم عن 78 عاما
- غوتيريش يدعو لايقاف -الحرب العبثية- في اليمن
- الأزمي ردا على اتهامه بالعيش في جلباب ابن كيران: أنا بغيت حت ...
- أسوأ 10 أفلام لعام 2017
- رحيل الفنان اليمني أبو بكر سالم عن 78 عاما
- رحيل الفنان أبو بكر سالم
- بالفيديو...فنانة أمريكية توقف مقابلة تليفزيونية لهذا السبب
- العثماني أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية


المزيد.....

- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - القسم الثانى والاخير / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسى المقاوم للنازية - الفسم الأول / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة / سعيد العليمى
- تطور مفهوم الشعر / رمضان الصباغ
- البخاري الإنسان... / محمد الحنفي
- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزالدين عناية - النشاط المعجمي بين العربية والإيطالية وسبل تطوير الترجمة