أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زهير جمعة المالكي - تركيا من تصفير المشاكل الى خلق المشاكل















المزيد.....

تركيا من تصفير المشاكل الى خلق المشاكل


زهير جمعة المالكي

الحوار المتمدن-العدد: 5325 - 2016 / 10 / 26 - 20:01
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


تركيا من (تصفير المشاكل) الى خلق المشاكل
زهير جمعة المالكي
منذ عام 2009 برز توجه جديد في سياسة تركيا الاقليمية اتجاه حدودها الجنوبية مع العراق وسوريا وحدودها الشمالية مع اوربا يتمثل في تغيير السياسة التي اقام عليها حزب التنمية والعدالة استراتيجيته الخارجية والتي اطلق عليها اسم (تصفير المشاكل ) لتتحول الى اسلوب يعتمد على الاستفادة من خلق منطقة مشاكل قلقة من اجل تعزيز دور اقليمي لتركيا وكان اوضح تعبير عن هذا التغيير ما ورد خطاب رجب طيب أردوغان عام 2011، والذي قال فيه (إن تركيا ستكون من أقوى عشر دول في العالم بحلول 2023، وإن فوز العدالة والتنمية هو فوز للشرق الأوسط والقوقاز والبلقان كما هو فوز لتركيا) فهو هنا يذكر المناطق التي فقدتها تركيا العثمانية في اتفاقية لوزان عام 1923 . هذا التغيير في السياسة التركية كان للوهلة الاولى مستغربا ولكن مراجعة التطورات التي ادت الى نشوء حزب العدالة والتنمية ووصولة الى الحكم معتمدا سياسة براغماتية تعتمد على تغير الخطاب حسب تغير الظروف مع الاحتفاظ بالخطوط الاساسية للتوجهات الطورانية ولذلك سنحاول تتبع تلك التطورات للوصول الى اسباب التحولات التي ظهرت واثرها على اوضاع المنطقة .
كان عام 1923 عاما مفصليا في التاريخ التركي وفي تاريخ المنطقة حيث تم توقيع اتفاقية لوزان الثانية التي حددت المعاهدة حدود عدة بلدان مثل اليونان وبلغاريا وتركيا والمشرق العربي. تنازلت فيها تركيا عن مطالبها جزر دوديكانيسيا وقبرص ومصر والسودان والعراق وسوريا، كما تنازلت تركيا عن امتيازاتها في ليبيا التي حددت في الفقرة 10 من معاهدة أوشي بين الدولة العثمانية ومملكة إيطاليا في 1912 في المقابل، أعيد ترسيم الحدود مع سوريا بما يشمل ضم أراض واسعة وتضم من الغرب إلى الشرق مدن ومناطق مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش واورفة وحران ودياربكر وماردينونصيبين وجزيرة ابن عمر وهي الاتفاقية التي شكلت جرحا في الكبرياء التركي وصفه المؤرخ التركي قدير مصراوغلو بقوله (إن الاتراك تخلوا عن قيادة المسلمين ورضوا بقطعة صغيرة من الأرض) ولكن تركيا الاتاتوركيه حققت عن طريق تلك الاتفاقية هدفين سيكونان من الركائز الاساسية الاربع التي تقوم عليها السياسة التركية مهما اختلف القائمون عليها كما سنبين لاحقا وهما المحافظة على كيان دولة اسمها تركيا والتي كانت اتفاقات سان بطرسبورغ عام 1916 قد اغفلتها وقسمتها بين مناطق نفوذ انكليزي وفرنسي وروسي وايطالي والتي جاءت اتفاقية سيفر 1920 لتؤكد وضع كامل الرقعة الجغرافية لتركيا الحالية تحت النفوذ الاوربي والهدف الثاني هو تحطيم الحلم الكردي في انشاء وطن قومي في جنوب تركيا الحالية في المنطقة التي تشمل منطقة حوض الاناضول .
استطاع مصطفى كمال عن طريق التحالف مع القوى التي لم تشترك في اتفاق سيفر من وأد الاتفاق وتحطيم الحلم الكردي في الحصول على كيان مستقل والمحافظة على سيطرة تركيا على المضائق التي كانت العامل الاساس في حصوله على دعم القوى التي خرجت منتصره من الحرب العالمية الاولى الا انه دائما ماكان يرنو بعينيه الزرقاوين الى الجنوب لتصطدم بخط قمم الجبال التي بقيت تؤرق الغطرسة الطورانية التي ورثها من افكار جمعية الاتحاد والترقي في اواخر ايام الامبراطورية العثمانية . اقام اتاتورك نظامه الذي اتخذ من العلمانية المتطرفة شعارا على اساس الابتعاد عن المنطقة العربية ومحاولة الارتباط بالمعسكر الغربي والولايات المتحدة الامريكية . وقد بذل اتاتورك وخلفاؤه كل ما في وسعهم لتحقيق حلم الذوبان في أوروبا والاندماج في حضارتها، بكل المعاني التي يحملها مفهوم الاندماج من النواحي السياسية والاقتصادية، ونمط الحياة الاجتماعية، ورؤية العالم، وكيفية إدراك الذات، وأصول الانتماء الحضاري على النمط الغربي وتم اعتبار المباديء العلمانية من الثوابت الاساسية للحكم وانيطت بالجيش الذي اسسه اتاتورك مهمة حماية العلمانية والتي عبر عنها شفيق بير، أحد الجنرالات بقوله "في تركيا، لدينا ارتباط (زواج) بين الإسلام والديمقراطية. (…) والطفل من هذا الارتباط هو العلمانية. ولكن يمرض هذا الطفل من وقت لآخر. وتكون القوات المسلحة التركية هي الطبيب الذي يعالج هذا الطفل. واعتمادًا على مدى مرض هذا الطفل، نقرر الدواء الضروري للتأكد من تمام شفاء الطفل". . وكانت مهمة حماية العلمانية هي التي ادت بالجيش الى تنفيذ حكم الاعدام برئيس الوزراء التركي عدنان مندريس عام 1960 عندما حاول مراعاة المشاعر الاسلامية للفلاحين ضمن سلسلة اصلاحاته الاقتصادية .
بالرغم من كل المحاولات والمساعي التي بذلتها تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلا أن أوروبا قد تبنت معها سياسة الانتظار المفتوحة، فلا هي التي قبلتها ومنحتها عضويتها، ولا هي التي رفضتها وابقت على السقف العالي من المطالب التي فرضتها على تركيا والتي تتمثل في تحقيق اصلاحات خاصة بحقوق الإنسان، قبرص، بحر إيجة، والمعايير الاقتصادية وهي معايير كان من الصعب بل المستحيل على تركيا القيام فيها في ظل الثوابت التي حددتها تركيا لنفسها مما جعل العلاقة بين اوربا وتركيا يشوبها الغموض .
شهد عام 1989وصول تورغوت اوزال الى سدة الحكم وما ان استلم الحكم حتى توجه بكل قوته نحو إنعاش الاقتصاد التركي من خلال نظرة جديده نابعة من شخصيته المختلفه بعض الشئ عن رؤساء تركيا وقادتها فعمل على المحافظة على المباديء العلمانية التي جاء بها اتاتورك مع الاحتفاظ بشخصيته المتأثرة بالمباديء الاسلامية على الطريقة النقشبنديه وتعاليم زعيم الطريقه "زيد قوتقو" وبحزب "السلامة الـوطني" وممارساته الدينية اللاحقة كالصلاة وأداء فريضة الحـج ثـلاث مـرات وتوظيف النصوص الدينية في خطابه السياسي، كان أوزال أيضاً علمانياً غربي التوجه سواء في "دفاعه عـن العلمانيـة واصـلاحات أتـاتورك واعتبارها غير متعارضة مع حرية الدين والاعتقاد" او في حرصه علـى تكامل بلاده مع المجموعة الأوربية وتعزيـز علاقاتهـا مـع الولايـات المتحدة . من خلال تلك الشخصية المركبة كان تورغوت اوزال اول من طرح مفهوم العثمانية الجديدة ورفع شعار "تركيا من اسوار الصين الى سور برلين "تعبيرا عن طموحات وأطماع توسعية لتركيا عامـة واوزال خاصة.
في ظل حماس تورغوت اوزال وسعيه لفرض افكاره الجديده قام بارتكاب عملين كانا حاسمين في تحديد مصيره الاول اعادة الاعتبار الى عدنان مندريس عام 1990 مما ادى الى اثارة جنرالات الجيش الذين اعدموا مندريس وعملوا على طمس ارثه السياسي والثاني محاولته التوصل الى حل سلمي للقضية الكردية عن طريق المفاوضات مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، أثناء وجود الأخير في دمشق، حيث كلّف أوزال زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، والرئيس العراقي السابق جلال طالباني، بالوساطة بين الطرفين مما قاد الى وفاة اوزال المفاجاءة عام 1993 .
بالرغم من محاولة خلفاء اوزال وخصوصا نجم الدين اربكان الاستمرار بسياسته ولكن فشل اربكان في المحافظة على التوازن مع الجيش ادى الى اخراجه نهائيا من الحياة السياسية في ما عرف في التاريخ باسم مذكرة 1997 العسكرية أو عملية 28 فبرايروتسمى أيضًا ثورة ما بعد الحداثة في اجتماع مجلس الأمن القومي يوم 28 فبراير 1997 والتي عجلت باستقالة رئيس الوزراء نجم الدين اربكان من حزب الرفاه وإنهاء حكومته الائتلافية.
استوعب تلامذة اربكان الدرس وقاموا عام 2001 بتاسيس حزب العدالة والتنمية والذي اعلن بان ايديولوجيته قائمة على اساس وثيقة "تصفير مشاكل مع الجيران" الذي كتبها الدكتور أحمد داود أوغلو، والذي لخص استراتجيته بالقول (تواجه تركيا ضغطا لتولّي دور إقليمي مهم، ما خلق توترات بين التحالفات الاستراتيجية الحالية والمسؤوليات الإقليمية الصاعدة، كان تحدّي إدارة هذه العلاقات ملموسا بحدّة في الأزمات الإقليمية الأخيرة وستبقى تركيا ملتزمة بتحقيق انسجام بين تحالفاتها الاستراتيجية الحالية وجيرانها والمناطق المجاورة) .وأكّد أوغلو هذا المبدأ بقوله في مقال "سياسة تصفير مشاكل في المرحلة الجديدة" بالقول (عندما أعلنّا عن البدء بتنفيذ سياسة تصفير مشاكل، لم تكن غايتنا فقط تطوير المصالح الاقتصادية والأمنية لتركيا ولم نفكّر أبدا في اتّباع أجندة السياسة الواقعية التي تفتقر إلى القيم، بل على العكس كان الهدف منها هو إزالة العقبات دون النظر إلى مصادرها والتي كانت تعيق اندماج تركيا مع جيرانها. هدفنا الأساسي هو السعي من أجل استمرار التواصل بين كافة المجتمعات والشعوب وعلى رأسها شعبنا وشعوب المنطقة برمّتها ضمن ما أسميناه بـ "الحد الأقصى من التعاون").
كانت الايديولوجية التي تبناها حزب العدالة والتنمية في بدايات تاسيسه والتي سميت بسياسة تصفير المشاكل رسالة تطمين للداخل والخارج بان الحزب وان كان ذو توجهات اسلامية ولكنه لن يسعى الى ضرب الاسس العلمانية للنظام في تركيا وسوف يحترم تلك الاسس . نجحت تلك الرسائل المبكرة في ايصال الحزب للفوز بالانتخابات عام 2002
كان اول من معارك الحزب موجه ضد الرئيس التركي انذاك القاضي احمد نجدت سيزر الذي بادر بتحذير القوات المسلحة ضد ترشيح رجب طيب اردوغان قائلا أن "النظام العلماني في تركيا يواجه اكبر خطر منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 ". نجحت التطمينات التي قدمتها حكومة العدالة والتنمية الاولى في جعل رجل الجيش القوي الجنرال يشار بويوكانيت يغض الطرف عن تلك التحذيرات حيث كان رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان خلال الفترة 2003-2007 لايرفض طلبا لجنرال بويوكانيت حتى اصبحت القوانين تخرج من مكتب الجنرال قبل تمريرها في البرلمان حتى جاءت اللحظة التي دقت جرس الفراق بين الطرفين عندما رفض الجنرال بويوكانيت ترشيح عبدالله غول عن حزب العدالة والتنمية لمنصب رئيس الجمهورية خلفا لاحمد نجدت سيزر فالتجاء العدالة والتنمية للتحالف مع رجل الدين القوي فتح الله غولن زعيم حركة (خدمت) الخدمة ذات النفوذ القوي بين اوساط القضاة وصغار الضباط في الجيش وعن طريق هذا النفوذ تمكن حزب العدالة والتنمية من احالة بويوكانيت على التقاعد واستبداله بالجنرال اسيك كوسانير الذي تم دفعه الى الاستقالة ليتم استبداله بالجنرال نجدت اوزيل ثم بالجنرال خلوصي اكار القريب من حزب العدالة والتنمية وبهذا تم قصقصت اجنحة المؤسسة العسكرية .
خلال الأعوام الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية، وافق على اتخاذ عدد من الخطوات القانونية في سبيل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره أحد أهم المصالح الحيوية التركية ، وهي الخطوات التي لم تتخذها حتى الحكومات العلمانية التي حكمت تركيا من قبل، وكان الهدف هو الرد على المخاوف الداخلية من الحكم الإسلامي، وتأكيد التوجه الديمقراطي المقارب للغرب لحزب العدالة والتنمية. وبالرغم من ذلك لم تنجح تلك الجهود والخطوات في فتح ابواب اروبا امام الطموحات التركية .
ادى الرفض الاوربي الغامض الى ان تلتفت تركيا الى الجنوب للاستفادة من محيطها العربي الإسلامي، والانخراط مباشرة في قضاياه من خلال ممارسة دور الوسيط الإقليمي المقبول والمرغوب. تبوَّأ الشرق الأوسط موقعًا مركزيًّا في كثير من خطب وكلمات داود أوغلو في بدايات الالفية الثانية ، كما يوضح النص الآتي، المقتبس من إحدى مقابلاته في عام 2002 " لذلك، على تركيا أن تقيم علاقاتها مع كل القوى العالمية من خلال الشرق الأوسط. وبعبارة أخرى، فإن الشرق الأوسط سيصبح أبرز معالم الدولة المركزية. كلما أصبحت تركيا أكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، ازدادت قدرتها على المساومة في مواجهة القوى الأخرى. وكلما أصبحت مكانتها مركزية في الشرق الأوسط، أصبحت أكثر إقناعا للآخرين" .
اصبحت تركيا تطرح نفسها عالميا واقليميا باعتبارها الوريث التاريخي لتضامن المنطقة الجيوسياسي، والجيوحضاري والجيواقتصادي، وانها يجب ان تعمل مع بقية دول المنطقة إلى إيجاد نهج إستراتيجي للتغلب على التفكك الجيوسياسي والجيوحضاري والجيواقتصادي، واحتضان المنطقة برمتها، وتنفيذ هذا النهج تدريجيًّا وبمرونة تكتيكية. على امل ان هذا النهج الإستراتيجي لن يزيد فقط من تأثير تركيا في المنطقة، بل سيساعدها أيضًا على أن يكون لها دور بين الموازين العالمية والإقليمية، التي لا يمكن أن يتجاهلها أي لاعب . على الاساس المتقدم شهدت الفترة مابين 2002-2009 فترة من بناء العلاقات الواسعة مع الدول التي تعتبرها تركيا اجزاء منفصله من الجسد الام لذلك تم توقيع اتفاقيات تعاون وتبادل تجاري مع سوريا والعراق ودول الخليج ومصر واذربيجان والمغرب العربي حتى ان رجب طيب اردوغان تم منحه جائزة القذافي الدولية للسلام وتم إقامة تعاون إستراتيجي رفيع المستوى بين تركيا وحكومات العراق وسوريا، ولبنان. كما أسست تركيا مجلس تعاون رباعي رفيع المستوى مع سوريا، والأردن، ولبنان لتسهيل منطقة اقتصادية حرة فضلًا عن التعاون في مجالات، مثل النقل والطاقة والسياحة. كما كان الإلغاء المتبادل للتأشيرات بين هذه الدول عنصرًا مهمًّا في رؤية داود أوغلو لجمع شمل المنطقة هذا العام.
شكلت الازمة المالية العالمية في فترة ما بعد عام 2008، والثورات والانتفاضات العربية التي وقعت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نقطة تحول في السياسات التركية باعتبار ان الوضع اصبح مهيئا لاعادة رسم خارطة المنطقة واعادة الاجزاء التي فصلتها القوى الغربية بالقوة عن المنطقة، في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ويرى أن نهاية الفترة العثمانية كانت بمثابة إبعاد شعوب الشرق الأوسط عن بعضها، وهي الحجة التي تفتخر مرة أخرى بالتراث العثماني في المنطقة. وفي العهد الجديد الذي سيبدأ في أعقاب الانتفاضات العربية، يعتقد داود أوغلو أن تركيا ستحلّ محلّ الإمبراطورية العثمانية باعتبارها “حامية” شعوب الشرق الأوسط . طبعا ان تركيا تدرك أن الشرق الأوسط هو المجال الجغرافي الوحيد في جوار تركيا الذي يمكنها فيه لعب دور إقليمي دون الاصطدام بقوى عالمية، بالمقارنة بالقوقاز حيث النفوذ الروسي، حيث ان تركيا اذا اصطدمت بالنفوذ الروسي فقد تفقد الاراضي التي حصلت عليها وفقا لـ"معاهدة موسكو – قارص"، التي تقوم روسيا بالتصديق عليها كل 25 عاما، حيث تم توقيع هذه الاتفاقية عام 1921، وبموجبها حصلت أنقرة على مدينة قارص الأرمينية وأردهان وجبل أرارات مقابل إنهاء المجازر التي تقوم بها ضد الأرمن، ووقّعت الاتفاقية في مدينة قارص في 13 أكتوبر 1921، وصدقت في يريفان في 11 سبتمبر 1922، وشمل الموقعون ممثلين من الجمعية الوطنية الكبرى التركية، وكذلك أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، والتي شكّلن جميعهن جزءا من الاتحاد السوفيتي. وأسست الحدود المعاصرة بين تركيا ودول جنوب القوقاز، والتي ساعدت على إنهاء معركة سردارأباد والحملة القوقازية ككل.كما ان تركيا لاتستطيع ان تتجه الى ألبانيا والبوسنة حيث نفوذ دول أوروبا الوسطى. كما ان تركيا تتجنب اي مماحكة على الحدود التركية الايرانية التي وضعتها اتفاقية جالديران خوفا من اثارة الطائفة الشيعية التي تتمركز في مدينتي ازمير وقارص وكذلك اثارة العنصر الاذري .
من هذا المنطلق فقد عملت تركيا على الاستفادة من الوضع القلق على حدودها الجنوبية مع العراق وسوريا وكذلك التهديد بخلق مشاكل لدول اوربا الغربية عن طريق استخدام ورقة اللاجئين وتدفقهم بعد الاحداث السورية والتي نجحت من خلالها في اجبار دول اوربا على تقديم مساعدات كبيرة للاقتصاد التركي وان لم تصل الى مرحلة قبول تركيا كجزء من اوربا .
على الجانب الجنوبي كان افضل تعبير عن السياسة التركية الجديدة هو قول احمد داود اوغلو في 23 نوفمبر 2009 "إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية, إنهم يقولون هم العثمانيون الجدد. نعم نحن العثمانيون الجدد. ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا." وكانت هذه هي المرة الاولى التي يستخدم فيها تعبير العثمانيون الجدد على اساس ان الشرق الاوسط هو ميراث الدولة التركية الحديثة من الامبراطورية العثمانية وان المسؤولية التاريخية تفرض على تركيا جمع شمل المواطنين التاريخين واعادتهم لحضن الوطن الام بحيث يرتبط مصير تركيا بمصير شعوب المنطقة.
في هذه المرحلة اصبحت ادبيات حزب العدالة والتنمية تركز على ترسيخ فكرة أن الطابع المصطنع للحدود هو قضية جيوسياسية حيوية تحتاج إلى أن تُحلّ في الشرق الأوسط. وكان التركيز دوما يتم على على اتفاق سايكس بيكو السرية بين فرنسا وبريطانيا عام 1916 دون التطرق الى اتفاقية لوزان عام 1923 لان لو لا الاتفاقية الاخيرة لما كان هناك وجود لدولة اسمها تركية حسب اتفاقية سيفر ولكان هناك كيان قومي للشعب الكردي وهو اخر ماتريده العقلية الطورانية الحاكمة في انقرة .
بعد هذا الاستعراض يمكن القول بان الثوابت الاربع للاستراتيجية التركية تتركز على :
1. تركيا دولة واحدة مركزية مركز قيادتها في انقرة ورفض النزاعات القائمة على أسس إثنية ومذهبية تحديداً، استشعاراً لخطورتها على المستويين النظري البحت بشكل عام والعملي الخاص بتركيا وتركيبتها العرقية والذهبية بشكل خاص، بل واعتبار هذا النوع من الصراعات “توريطاً” لتركيا والمنطقة تسعى إليه بعض القوى الخارجية للقضاء على مستقبل المنطقة
2. أولوية الحفاظ على الأمن القومي التركي ومصالح تركيا في الداخل والخارج.
3. عدم السماح بتاسيس دولة كردية في اي جزء من العالم
4. ان تركيا هي ممثل المسلمين الوحيد امام العالم اعتبار أن تركيا وريثة الدولة العثمانية التي كانت المظلة السياسية لكامل جغرافيا المنطقة.
ومهما تغيرت الوجوه او الملامح يبقى هذا المربع الذهبي كما يطلق عليه هو الاساس في تعامل تركيا مع العالم وفي تعامل العالم مع تركيا لذلك فان اللجوء الى خلق المشاكل هو تكتيك مرحلي تحاول من خلاله تركيا الاردوغانية تثبيت دورها الاقليمي في المنطقة لاجبار العالم على التعامل معها باعتبارها لاعبا اساسيا في المنطقة وان الوصول الى منطقة مابعد قمم الجبال هو حق تاريخي يجب ان يعترف به العالم وفقا للعقلية التركية الحاكمة ومن ذلك يمكن ان نفهم اندفاع القوات التركية لمحاولة احتلال مدينة الباب في سوريا وصولا الى حلب ومحاولة خلق منطقة نفوذ في الموصل في العراق والدعوة لانشاء منطقة امنه بحماية تركية .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,146,376
- قانون منع الخمور عندما يرتدي السياسي عمامة رجل الدين
- قراة في جاستا واثارها
- لمن ستفتح بوابات البيت الابيض؟
- سم الفساد في عسل العفو
- غلق التحقيق مع السيد رئيس المجلس
- استجواب السيد الوزير
- نظرة على مسودة قانون مجلس النواب
- المواقع العراقية على قائمة التراث العالمي .... ماذا بعد ؟
- دكتوراه في خداع الشعوب
- سايكس بيكو المظلومة
- ازدواج الجنسية واسترداد الاموال المنهوبة
- الحكم الغيابي وجهود استعادة الاموال المنهوبة
- خدعوك فقالوا اصلاح !
- نحو مبادرة شعبية عراقية لاستعادة الاموال المنهوبة
- لطم شمهودة
- الاحتلال التركي للموصل .. لماذا؟
- حقيقة التوغل التركي والتخبط الحكومي في معالجة الازمة
- كفى ضحكا على الذقون
- نظرة متأنية في نص قانون شبكة الاعلام العراقي
- داعش الاعلام


المزيد.....




- الإمارات تؤكد التزامها ودعمها للمبادرات التي تقودها الأمم ال ...
- ملكة ماليزيا تستنكر اعتقال منتقديها في وسائل التواصل
- انخفاض ملحوظ في عدد جرائم الاتجار بالبشر في الإمارات
- لن نسمح لمن لمصر يذبح
- الأردن و«اليونسيف» يبحثان أوضاع اللاجئين بالمملكة خاصة الأطف ...
- مرصد مكافحة الإرهاب المنظمة المصرية تدين الهجوم الإرهابي على ...
- لمكافحة الفساد... وزارة سورية تطلق تطبيقا يشارك آراء المواطن ...
- اعتقال كريم طابو يذكر بحقوق الإنسان في الجزائر
- الحوثيون: اعتقال السعودية أطر المقاومة إمعان في خيانة قضية ف ...
- مواجهات -السترات الصفراء- في نانت الفرنسية.. اعتقال 26 شخصا ...


المزيد.....

- الحماية القانونية للأسرى وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنسان ... / عبد الرحمن علي غنيم
- الحماية القانونية للأسرى وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنسان ... / عبد الرحمن علي غنيم
- الوهم الدستورى والصراع الطبقى - ماركس ، إنجلز ، لاسال ، ليني ... / سعيد العليمى
- آليات تنفيذ وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني / عبد الرحمن علي غنيم
- بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - ... / سعيد العليمى
- اللينينية ومسائل القانون - يفجينى ب . باشوكانيس / سعيد العليمى
- السياسة النقدية للعراق بناء الاستقرار الاقتصادي الكلي والحفا ... / مظهر محمد صالح
- مبدأ اللامركزية الإدارية وإلغاء المجالس المحلية للنواحي في ض ... / سالم روضان الموسوي
- القانون والإيدلوجيا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / / محمد رضا
- متطلبات وشروط المحاكمة العادلة في المادة الجنائية / عبد الرحمن بن عمرو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زهير جمعة المالكي - تركيا من تصفير المشاكل الى خلق المشاكل