أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - سلامة كيلة - الوطن والوطنية: بصدد المفاهيم






















المزيد.....

الوطن والوطنية: بصدد المفاهيم



سلامة كيلة
الحوار المتمدن-العدد: 1410 - 2005 / 12 / 25 - 11:40
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


إذا كانت الكلمات تُلقى دون معنى، فإن المفاهيم تُطلق دون تحديد لماهيتها، الأمر الذي يجعل السياسة بلا معنى، و الفكر خواء. و لاشكّ في أن مفاهيم الوطن و الوطنية و المواطنة و الوحدة الوطنية و الأمن الوطني التي تتردّد تكراراً، كلها مفاهيم ملتبسة، و ربما تقود إلى سقطات فكرية كذلك. فالوطنية عادة ما كانت تُستغلّ من أجل التغطية على ممارسات و نظم دكتاتورية، و قمع حراك مجتمعيّ يطالب بقضايا أساسية و ضرورية مثل الديمقراطية و الوضع المعيشي و سوء التعليم و الخدمات الصحية. كما كان تعبير الوحدة الوطنية يخفي ممارسات تمييزية و يغطي على إنقسامات مجتمعية عامودية. و كذلك كان تعبير الأمن الوطني مدخلاً لإختراقات خطيرة نتيجة ممارسات السلطة ذاتها، وتفشّي النهب والفساد و التكوين الهشّ لإدارات الدولة. و ربما كان الأبرز هنا هو أن مفهوم الوطنية بات الغطاء لتدمير الوطن و نهبه و تفكيكه و إختراقه.
و إذا كان مفهوم الوطن هو أساس كلّ تلك التعبيرات، فإنه مفهوم ملتبس كذلك. هل هو الأرض؟ أم هو تصوّر ما وهميّ؟ أم هو حدود سايكس/بيكو؟ و هل يؤسّس لتكتل داخليّ عصبويّ هو ذاك الذي يقوم على "مبدأ" الوحدة الوطنية؟
في تاريخ الفكر السياسي يتحدّد الوطن على أنه رديف الأمة، إنطلاقاً من أنه الأرض التي تواجد شعب عليها خلال عقود طويلة، و أصبحت توسم بسمته، و به أصبحت تُسمّى وطن. و بالتالي فالوطن هو التفاعل بين الشعب و الأرض، و هما معاً مع ما ينتجانه من لغة و ثقافة و عادات و وقائع في إطار الصيرورة التاريخية، تشكّل مجتمعة الأمة. و لهذا فإن الوطنية هي سمة الإنتماء إلى الأرض، كما أن الشعور القومي هو سمة الإنتماء إلى الأمة.
لكن وضع العرب إتّسم بما هو شاذ، حيث تقسّم الوطن إلى دول، باتت بصيغة ما تُعتبر أوطاناً، إنطلاقاً من نشوء الدولة ذاتها و بغضّ النظر عن تاريخية العلاقة بين الشعب الذي سكن الوطن الأساسي الذي هو الوطن العربي. و الذي بدوره أصبح شعوباً تأسيساً على الحدود الجديدة التي أتت مع بداية القرن العشرين.
و بالتالي نشأ التفارق بين الإنتماء الوطني و الإنتماء القومي، رغم الوحدة الأصلية التي تجمعهما، و تميّز واحدهما عن الآخر. إنطلاقاً من أن الشعور الوطني هو ذاك الناتج عن الميل للدفاع عن الوطن في مواجهة خطر خارجيّ، الأمر الذي يفرض أن يكون هدفه تحقيق الإستقلال. و هو هنا يسمو على التناقضات الداخلية دون أن يلغيها أو يحدّ من فاعليتها. بينما يكون الشعور القومي هو ذاك المرتبط بالسعي لتحقيق الوحدة القومية و النهوض القومي، أي بما هو داخلي، و يحقِّق تشكّل الدولة/الأمة. مع ملاحظة أن الشعور الوطني يدمج الأقليات القومية و القومية الأكبر إنطلاقاً من الإنتماء إلى الأرض ذاتها، بينما يميّز الشعور القومي بين القومية الأكبر و الأقليات القومية، و بالتالي يعطي حقوقاً مختلفة لكلّ منها فيما يتعلّق بما يرتبط بالهوية القومية (أي اللغة و الثقافة و العادات). في الوقت ذاته الذي يؤسّس الشعور الوطني لحقوق واحدة تنطلق من المساواة بين المواطنين إنطلاقاً من مبدأ المواطنة، الذي هو إشتقاق من مفهوم الوطن، و الذي يقوم على تعريف البشر (الشعب) إنطلاقاً من إنتمائهم إلى الأرض/الوطن.
لكنهما يتشاركان في تأسيس مرجعية جديدة تجبّ كلّ المرجعيات السابقة لها. فالإنتماء إلى الأمة كما إلى الوطن يصبح هو أساس التحديد في المستوى السياسي، في تعريف الشعب. و بالتالي فهما يرتفعان فوق الإنتماءات الدينية و المذهبية، لتحديد البشر بإنتمائهم الوطني أو القومي. ليصبح الإنتماء الديني أو المذهبي شأناً شخصياً لا علاقة له بالسياسة. و هنا تبدو المسألة و كأنها مسألة تجاوز لـ "هوية" كانت هي أداة التعريف في مرحلة من المراحل، و تنطلق مما هو مقدّس، و بالتالي تصبغ البشر بهذا المقدّس وتجعله ينحكم له، إلى هوية تعتمد التميّز على أساس الأرض التي أصبحت في إطار الصيرورة التاريخية معيّنة لمجموعة بشرية لها لغتها و ثقافتها. أو إلى هوية تعتمد ما نتج عن التفاعل بين الأرض و اللغة و الثقافة في إطار الصيرورة التاريخية. و بالتالي أصبح تجاوز الهوية السابقة ضرورياً من أجل تأسيس التفاعل السياسي في الوضع الجديد. خصوصاً وأن الهوية الجديدة تتضمّن حُكماً الهوية السابقة في أشكال مختلفة، منها حرية المعتقد الديني، و منها الثقافة التي ورثت كلّ قيم الهوية السابقة.
إنها إذن، إعادة تعريف للهوية على أسس جديدة، ترتبط بها العملية السياسية، و منها مبدأ المواطنة الذي هو أساس الديمقراطية، و نشوء الحركات القومية التي تسعى إلى تحقيق الدولة/الأمة.
و إذا كان ذلك يتعلّق بتحقيق نقلة في الوعي/الفكر تتجاوز الرؤية القائمة على أساس المقدّس، و تحتكم للعقل و العقلانية، فإنه يفضي إلى رؤية سياسية تحدّد البشر بصفتهم ينتمون إلى أمة، كما إلى وطن (أي بصفتهم مواطنون). و هذا هو الأساس الصلب لتأسيس الدولة/الأمة، و تأسيس الديمقراطية، التي ستكون هنا علمانية بالضرورة، بغضّ النظر عن الصيرورة التي تحكم تحقّق كلّ من الديمقراطية و العلمانية، هذه الصيرورة التي يمكن ألا تكون متساوقة.
و هنا يسقط مفهوم الوحدة الوطنية بالمعنى الدارج، أي الوحدة بين أديان و طوائف و إثنيات لسبب ما يتعلّق بخطر "خارجيّ". لأن مفهوم الدين و الطائفة و الإثنية يكون خارج موضوع السياسة، و يتحدّد في المعتقد الشخصي، و لتصبح الموطنة هي مقياس العلاقة بين كلّ أفراد الشعب. بينما عادة ما يشير إلى تحالف طبقات، أو أحزاب سياسية، لسبب يتحدّد في وجود خطر "خارجي"، و الذي يؤسّس لتحالف في إطار علاقة متكافئة بين القوى ودون هيمنة طرف أو تغييب حرية آخر. و هي هنا ربما لا تتعلّق بالسلطة كذلك حينما تكون مستبدة. بمعنى أن التحالف هنا يقوم على أساس الحرية و ليس بمعزل عنها، و من أجل مواجهة خطر حقيقيّ داهم، و ليس في إطار ديماغوجيا إعلامية. فالوطنية هي "نزعة الدفاع عن الوطن" حينما يتعرّض لعملية غزو خارجي، و لن تكون ممكنة في إطار التمويه على الصراعات الطبقية الداخلية.
ربما كانت هذه المسألة هي مجال الإلتباس. لأن النظم عادة ما تستغلّ مفاهيم الوطنية و القومية في سياقات معاكسة. حيث يجري تضخيم خطر خارجي لقهر الداخل، أو تضخيم الشعور القومي لقهر الأقليات ونشوء النزعة العدوانية تجاه قوميات مجاورة. و هذه مسائل تحدث من أجل تغطية الصراعات الطبقية و السياسية الداخلية، و بالتالي لتصفية الخصوم. ويندرج هنا كلّ نشاط يضعف الوطن و يوهن من مقدرته على المواجهة، مثل النهب وتمركز الثروة و إحتكارها، وتعميم الفساد، وتدمير الحراك السياسي. و بالتالي تهشيم الوطن، و تحويله إلى تكوين هشّ قابل للسيطرة الخارجية. و هنا ينهار الأمن الوطني، و ينفتح الوطن لكلّ إحتمالات الغزو و العبث.
الوطنية إذن هي سمة الإنتماء لوطن، و هذا هو المعنى العام لها. لكنها تتضمّن حكماً قيمياً يتعلّق بالموقف من الوطن ذاته، ليس في مواجهة خطر خارجيّ فقط، و هذه مسألة بديهية، لكن أيضاً في الفعل الداخلي الذي يجعل مواجهة الخطر الخارجي ممكنة، أو يؤسّس لإنتفائها. و هذا العنصر الثاني يلامس الأمن الوطني، لأنه يتعلّق بسلامة التكوين الوطني من أجل مواجهة ذلك الخطر. بمعنى أن تدمير التكوين الإجتماعي و الحراك السياسي، و بناء مجتمع هشّ، كلها مسائل تجعل المواجهة مع الخطر الخارجي مستحيلة، و لهذا فهي مضادة للوطنية.
بهذا ليست الوطنية هي غطاء النهب و الإستبداد الداخليين، و لا تحتمل هذا المعنى. الوطنية هي تحضير القوى من أجل مواجهة جادة مع كلّ خطر خارجيّ. دون أن يعني ذلك قبول التدخل الخارجي بحجة النهب و الإستبداد، لأن ذلك يعني تجاوز الوطنية بمعناها العام.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,517,983,614
- ثورة أكتوبر، محاولة للتفكير
- ملاحظات أخيرة على إعلان دمشق
- أزمة - القطاع العام - في سوريا
- دعوة لتجاوز - إعلان دمشق -
- التاريخ و صيرورة الديمقراطية و العلمانية
- ملاحظات حول - إعلان دمشق -
- الروشيتة الأميركية من أجل الحرّية و الديمقراطية و الإصلاح
- بوش كمخلِّص: جذور النظر الى أميركا
- المقاومة و الإرهاب في العراق
- غزة ... أخيراً
- أوهام اللببرالية و خطاياها
- العلمانية و الديمقراطية و أولوية السياسة
- حول العلاقة بين الليبرالية و الديمقراطية دخول في النقاش السا ...
- العلمانية كمطلب واقعي
- حين تتجرّد الديمقراطية من علمانيتها
- اليسار السوري في ميله الليبرالي
- مناقشة - مشروع بيان غير شيوعي
- منطق الإستبداد لحظة القرار الأميركي بالتغيير في سوريا
- الماركسية و أفق البديل الإشتراكي: الماركسية في أزمة؟
- مأزق اليسار الديمقراطي و إشكالية الإشتراكية الديمقراطية


المزيد.....


- هل نشهد قريبا جدا قانون احزاب عصري؟؟؟ / عبد الرحمن تيشوري
- حزب الشعب الديموقراطي السوري إلى أين ؟ / عادل محفوض
- حاكموا بشار الأسد / أشرف عبد القادر
- النظام السياسي العربي ومواطنه....متى نستعيد انسانيتنا المسرو ... / خليل صارم
- النظام البيلوقراطي..أو المسخ الشرس الذي ينتجه النظام الأمريك ... / خليل صارم
- حزب الله: الهدف الاخير للخطة -الشيطانية- لتدمير لبنان / جورج حداد
- هل أطاح زلماي وعمار الحكيم بعلاوي- باتفاقات سرية؟؟ / كهلان القيسي
- دبور أحمر (1) الطلاب السوريين احتياط قيادة عامة / باسل ديوب
- أزمة الوسط السياسي السوري المعارض / محمد سيد رصاص
- الثالث المأوساوي أو فرص التركيب الوطني الديمقراطي / ياسين الحاج صالح


المزيد.....

- الحكومة والإفلاس الإقتصادي : زيادة أسعار المحروقات أم استرد ...
- حساب الإسلامويين "خُمس مُشكل".(1/2)
- شمارات وانتخابات
- 30 يونيو و المستبد العادل، القمح : اخيراً و ليس آخراً
- نحو أفق جديد: بلا رمشة ضمير
- خالد ابوالروس: الوجوه المتعدده للإبداع
- ملاحظات أولية حول الإبداع الإلكتروني
- قراءات معاصرة في قضايا فكرية
- نعي أليم
- إفطار الإتحاد النسائي


المزيد.....

- حوار موسع في شؤون الثقافة والثورة، والإسلام السياسي والطائفي ... / ياسين الحاج صالح
- حيث لا وقت نبدده فى المماحكات.. لنضع النقاط على الحروف .. عن ... / بشير صقر
- مملكة الاستبداد المقنن في سورية / جريس الهامس
- مساهمة أخرى فى الحوار حول أسباب عزلة اليسار المصرى وانقسامه / بشير صقر
- رسالة للحوار المتمدن والأستاذ إبراهيم فتحى .. حول اسباب انعا ... / بشير صقر
- تسمونهم مقاتلين أفغان / إدريس ولد القابلة
- مشروع التقرير السياسي المقدم إلى المؤتمر الوطني العام السادس ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- في الجذور الاجتماعية والثقافية للفاشية السورية / ياسين الحاج صالح
- قراءة تأملية في ثورة الشباب المصري 11مخاطر على الديموقراطية ... / عبد المجيد حمدان
- نحو جامعة متقدمة وديمقراطية: المسألة الجامعية وقضية الطلاب ف ... / ياسين الحاج صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - سلامة كيلة - الوطن والوطنية: بصدد المفاهيم