أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد مضيه - تجليات الكبد في المحرقة الفلسطينية















المزيد.....


تجليات الكبد في المحرقة الفلسطينية


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 5213 - 2016 / 7 / 4 - 13:44
المحور: الادب والفن
    


تجليات الكبد في جحيم المحرقة
مع المجموعة القصصية "ترنيمة إلى الضفة الأخرى" للأديب القاص ناجي الناجي
حلقة1 من2

قاص مهجوس بهموم شعبه الفلسطيني المشتت. فاشية إسرائيل بنظامها العنصري الجامح تتجلى ثقافة عنف وقسوة تلون بالسواد الكالح ممارساتها ولا إنسانيتها، تعدي حتى ضحاياها وتقض مضاجعهم. في كل قصة يبرز جانبا من القضض، ومن عدوى الداء الوبيل .
القاص ، ناجي الناجي، يشغل منصب الملحق الثقافي بسفارة فلسطين بالقاهرة. أهداني مجموعته القصصية أثناء لقائنا في القاهرة لحضور مؤتمر التجديد الثقافي. من طبيعتي أتعامل مع الفرد كإنسان، سيما وان حظ الأستاذ ناجي وفير من دماثة الخلق وطيب المعشر ؛ وجدت فيه ما آلفه واحترمه. لم أسأله عن نسبه او حسبه. لم اعرف إن كانت هذه هي التجربة الأولى ام لها سابقة أو سابقات . في رسالة بالبريد الإليكتروني بعثها بعد مغادرتي القاهرة، أوقفني منها نهايتها "وإن كتب لي يوماً زيارة الوطن ، فسأتشرف بأن أعرج عليك أينما كنت لنحتسي القهوة سوياً ، ونقلب الأيام والآمال سوياً". تساءلت وما زلت: هل الرجل محروم حاليا من دخول وطنه، شأن معظم شخوص قصصه ؟ هل يعبر عن خلجات نفسه في القصة التي حملت اسم المجموعة ،" ترنيمة إلى الضفة الأخرى"؟
بهزلية تنخرها المآسي يصور القاص في القصة الأخيرة من المجموعة، "جواز سفر"، شتيت الشعب الفلسطيني. بحرفية يرشدها الذكاء يفترض القاص حيزا في الفضاء العربي الشاسع يرتب لقاء إخوة واخوات. في هذا الحيز الافتراضي تتتابع لقطات موضوعية لفيلم درامي واقعي. تفاصيل الدراما استعصت حتى على امن المطار. يتصاعد إيقاع السرد القصصي، لتأتي النهاية متسقة مع طبيعة الإيقاع. وهذا ما يلحظ في القصص كافة، سواء جاء الإيقاع صاعدا ام هابطا ، صاخبا او هادئا. وبلا تكلف أو ارتباك مخلين، يضع الأديب نهاية تتواشج مع الإيقاع .
استجار الضابط المناوب برئيسه، مسئول امن المطار يفك اللغز: "سيادة العقيد لا علاقة لي بدخول هذه العائلة، ابحث الأمر أنت" ...أخذ حاجياته وغادر مكتبه، مر إلى جانب الأحد عشر شخصا الجالسين على المقاعد الحديدية في قاعة المطار. إذن هناك إشكالية في وجود عائلة فلسطينية مكونة من احد عشر "شخصا" ...
"شخص" و"أشخاص" مفهومان وظفهما القاص دلالة إنكار الصفة الرسمية لأي من عناصر القضية الإشكالية.
تولى العقيد حل الإشكال. "قلّب الجوازات وحاجباه مرفوعان إلى أعلى"، لغرابة المشهد. الإشكالية مركبة من عديد المشاكل! جوازات سفر سوداء وزرقاء بأحجام كبيرة او صغيره، بعضها يحمل غلافه نسرا يلتفت يمينا وغلاف البعض الآخر يلتفت النسر شمالا ، وواحد يحمل غلافه شجرة. استدعى الأكبر سنا بين الإخوة يفك الطلسم!! رجل خمسيني (والأكثر تطابقا مع الإشكالية انه سبعيني): "موضوع انكم أحد عشر اخا واختا بأحد عشر جواز سفر مختلفة لا تدخل عقلي. أفهمني ما قصة هذه الجوازات؟ ولماذا جئتم هنا؟"...
يريد العقيد جوابا مختصرا ليفرغ من الإشكال؛ بينما تفكيك الإشكال يحتاج إلى طويل شرح. "إن بدأت لك من الحاضر لن تفهم شيئا ، إن قلت لعاقل ذلك لن يصدق". تلك إذن تعقيدات الحالة الفلسطينية المستعصية على الإدراك! فهي حصيلة تعقيدات تراكمت عبر السنين والعقود، ولا تقبل الاختزال في سؤال وجواب. أحيانا تتطلب شرح البدهيات: " نقول نكبة بدلا من ذكر عام ألف وتسعمائة وثمان وأربعين، ونقول نكسة بدلا عن ذكر عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين". وكل زمن اقتضى نمطا من حق إنساني، واضاف تعقيدات على تعقيدات سلفت.
مع النكبة تشتت الأبناء لأمهات ثلاث، إحداهن كانت تقطن شمال فلسطين، والثانية سكنت القدس، والثالثة سكنت في جنوب فلسطين. وسط الفوضى وانتشار العصابات المسلحة، حيث سهت الأم عن وليدها، توجه كل مع أمه فاستوطن أبناء الأب الواحد سوريا ولبنان والأردن ومصر والعراق. في الأردن حصل من استوطنها بعد النكبة على جواز سفر ورقم وطني، ومن قدم إليها بعد النكسة حصل على جواز مؤقت بدون رقم وطني. ومع النكسة انضافت مشكلة أخوات زوجة الأب.ماتت بالسكتة القلبية بعد ان فقدت بيتها في القدس الغربية.
وينفذ صبر العقيد: يا ألله ... ما شأني بأخوات زوجة أبيك؟ لماذا تعقد الأمور ؟؟
يا سيدي لو ركزت في ما قلته لتذكرت أن كل أخت من أخوات زوجة أبي احتضنت واحدا من أبنائها، لذا هن معنا في الحكاية...
وبعد قيام السلطة حصل المقيمون بالضفة وغزة على جوازات سفر فلسطينية. تجربة تمخضت عن سخرية مرة...
-إذن فأُلغيت الألوان والأشكال الأخرى؟
- لا ، ذلك الجواز خاص بالفلسطينيين المقيمين في الوطن،أو الذين استطاعوا العودة بعد عام 1993, ولا يمنح لمعظم الذين تحدثنا عنهم.
- ولماذا ؟
- الاحتلال رفض منح كل الفلسطينيين بالخارج ذلك الجواز...طبع الفلسطينيون نسخة من الجواز منحت لأي فلسطيني في أي مكان ، لكنه لا يدخله معظم البلدان ، بل لا يدخله إلى وطنه.
- وجواز السفر الإسرائيلي؟
- ذلك ليس لأحد من إخوتي، بل لخطيب ابنة اخي، التي تدرس الطب في بلدكم.
- اذا ستزوجون ابنتكم لإسرائيلي؟!
- بل هو فلسطيني ، ممن استطاعوا البقاء في الوطن بعد النكبة ، ولم يبرحوا ديارهم .. رغما عنهم أصبحوا من مكونات المكان .
حمل العقيد الإشكال وغاب ، عاد بعد ساعتين بحل رفضه الإخوة والأخوات.
المناسبة إقامة حفل زفاف عروسين، امر معتاد، لكنه ملفع بالألغاز والتعقيدات البيروقراطية حين يتعلق الأمر بفلسطينيين!
سمح بإدخال العروس إلى القاعة، عانقت العريس، وأقيمت الزفة على الطريقة الفلسطينية في قاعة الوصول بالمطار .
* * *

معظم قصص المجموعة مفتوحة على شتى الاحتمالات، كأنه يقول ان النهاية ما انتهت إليه سيرورة واقعنا المنكود.
تتلاحق الصور الفنية منسقة باقتصاد في الكلمات, في قصة " ترنيمة إلى الضفة الأخرى" يتعذر الوصول والهدف على مرمى النظر. تضطرب النفس لدى المشاهدة الأولى للوطن، "إلى حد اختلاج الفؤاد وسط الضلوع بهذه الآلية المتسارعة لحد ارتجاج شفتي بحدة مضطربة نتيجة تلك القشعريرة الصردة التي سرت في جسدي فور ان نطق الصغير مشيرا بسبابته -هاي فلسطين" (ص85). مقدمة يصور الكاتب على لسان شخصيته الفنية جوّاب المنافي:" سقط رأسي في منفى وزحفت في آخر وتفوهت بأول الكلام في ثالث، وألقيت نشيد الصباح في غيرهم، واشتد عودي في نظيرهم...". تتدفق مشاعر الحنين بينما سيارة الأقارب المضيفين تهبط الطريق الضيقة المتعرجة إلى الضفة الشرقية للبحر الميت لقضاء أمسية . لأول مرة تلوح لناظريه جبال الضفة من المكان، تشع منها انوار صفراء باهتة، تعرفه العمة – الدليل - انها مدينة اريحا. يوزع القاص الأدوار بين أفراد العائلة كي يقدم صورة بانورامية للمشهد الجديد على تجربة المغترب مع ترحال أسرته ، وتجسيدا عيانيا للتشتت القسري بين أبناء العائلة الواحدة.
تتجلى مهارة القاص في تنسيق الكلمات المعبرة؛ فلتشكل الجملة مشهدا مركبا: "... اقدم ارض في التاريخ والبحر داكن لا يرى بالرغم من الوميض المرسل بين فينة وأخرى عاكسا نداءات القمر الرابض بتواضع محض فوق الجميع". اقتصاد في الكلمات منسقة ضمن حيز محدود لتظهر على سطح مرآة مقعرة مشهدا فنيا مركبا . يدور حوار مع العمة ، التي كررت الترحاب به محتفية. العمة حافظة الذاكرة ومكتنزة ألم الشتات. يتراءى له وجهها تضاريس فلسطين وزفراتها تاريخ النكبة التي ولدت نكبات. بحكمة تقطع الحوار او تحرفه كي لا ينكأ في روحها الجرح الدامي .
استقال من الوسط المحيط واستلقى على مياه البحيرة يطلق العنان للذاكرة؛ وكيف لا تنطلق الذاكرة، كسهم مشدود بقوس أطلقه الصياد. في محاذاة فلسطين دون ان تبلغها، تندفع الذاكرة إلى تلك التي كانت طفلة وهو طفل قبل أربعة عشر عاما. ابحرت الذاكرة تلك المسافة الزمنية النائية في مدرسة مختلطة، شهدت العهد على الوفا، بين قبول والدها ورفض والده. "لا أزال أصاب بغصة مريرة تخنق حلقي كلما تسلل إلى ذهني احتمال ارتباطها بآخر"..عادت مع أسرتها برجوع أبيها إلى الوطن ، بينما واصل الترحال مع أسرته .
التحمت صورة البهاء لفلسطين مع "الغدائر الشقراء المنسدلة فوق الدائرتين الخضراوين السابحتين في العينين النجلاوين، ابتسامة الملاك والروح الطاهرة الماكثة داخل الجسد البض، قطرة اللؤلؤ المنسابة على الخد الأسيل وقت الرحيل ..." . اضطرام الوجد وغموض مصير المحبوبة المتشابك مع غموض مشهد أبعدته السياسة رغم قربه الجغرافي ، أطلق العنان للاحتمالات التي يستحيل التأكد من صحة واحد منها، "ولا امنح عقلي حقه في مشاركتي الإبحار في شؤون الذاكرة ليقيني بقسوته وضيمه." عقله يحرض ضد عبثية الذاكرة.
الحيرة القاسية هيجت النفس ، فأسقطت الذراع بضربة على سطح الماء... تناثر واصاب العينين بحرقة مؤلمة، انتشلته من شباك ذكريات الوجد والفراق، جعلته يفيق على بحيرة شبه خالية من روادها . وصل الطاولة والفريق نيام واخذ الجميع يفيق من غفوة طافت بهم ويستعدون للمغادرة وسط تذمر الكبار وبكاء الأطفال.حال صحوها سألت العمة عن طفل تاه عن ذويه، واحتفظت به العائلة ، " نظر الجميع إلى بعضهم في استطلاع خجول....".
النهاية مشهد شارد لم يخلّ بتماسك السرد، ختم إيقاعات الوجد الأسيان. سلط الضوء على عادة متأصلة تشكل القاسم المشترك لكل مصائبنا ، تركت البؤس يتفاقم فينا وبيننا. لقطة لطفل تاه عن ذويه طعّم بها القاص سرديته ، عثرت العائلة على الطفل عند شاطئ البحر الميت؛ والأطفال يغريهم الفضاء المفتوح فيتوه الطفل عن ذويه ويعتريه الخوف.احتفظت العائلة بالطفل لكي يسهوا عنه إثر غفوة طافت بالجميع ، بينما استقال الضيف بطل القصة "من عالمه فور ان لامست رأسه مياه البحر". ويمضي الطفل إلى مصير مجهول. المشهد يجسد حالة تتكرر تفك لغز المأساة التي انبعثت في الذاكرة حال الشرود مع الذكريات. فهي جزء عضوي من القصة. وهي تجسيد لسيرورة المآل
* * *
تقدير الكاتب للمرأة تكرر في مواقف تشف عن تطلع لتعويض نساء فلسطين عن جور تنزله المحافظة الاجتماعية المطعمة باحتلال جائر. في القصة التاسعة ، "حق وحق" تجترح الطالبة "ملك" مأثرة يحشرها المجتمع المحافظ ومعاييره المختلة في دائرة المخجل. يتقحم خيال الكاتب أرض الاحتلال لينقل مكابدة الجمهور تحت وطأة سفاهة سلطة الحقد العنصري المجاز لها استثنائيا انتهاك الحقوق بلا مساءلة، خاصة حق الحياة؛ تتحول السفاهة بين هزل وجد مشروع جريمة.
ملك، الطالبة بالجامعة، انهت يومها الجامعي وصعدت إلى سيارة تنتظر بقية الركاب كي تنطلق إلى البيت. في طريق العودة ، يوقف السيارة حاجز الاحتلال، ويطول التوقف الاضطراري. تذمر الركاب وصمم الضابط أن ينزل بهم عقوبة جماعية، أرادها مشهدا فانتازيا يرفه به عن أفراد وحدته العسكرية . يأمر شابا بالنزول من السيارة ، ويأمر ملك بالنزول، ويطلب من الشاب تقبيل الفتاة ويرفض. صوّب الضابط مسدسه نحو رأس الشاب. ضابط لا يردعه عن الجريمة رادع وشاب التزم بتحمل عبء شرف الموقف . تحولت ضحكات الجنود من ساخرة إلى متوترة!
استبق القاص الحبكة القصصية بشرح عن ملك: بنت محافظة، أشاحت بوجهها، وهي في السيارة تنتظر اكتمال الحمولة ، اشاحت وجههاعن طالبة من بنات الحي أشيع انها تبعث رسائل الحب عبر هاتفها المحمول. وملك بنت عملية تتولى مساعدة امها في خدمة الأسرة الممتدة، تحضر العجين وتتركه يتخمر بينما تطالع كتابها، ثم تجهز الفرن وتخبز.. يفصّل السرد القصصي مراحل تحول الطحين إلى أرغفة طازجة شهية دلالة على التفكير العملي المغيب في التعليم اللفظي الموبوء بلاعقلانية جامحة حد احلام اليقظة.
بهذه السجايا تدفعها حراجة الموقف المتشكل كي تنقذ الشاب، فتقبله، وينتهي التوتر المنذر بكارثة.
تتشكل مشكلة التضاد الحاد بين نبالة الموقف والمعايير المختلة للمحافظة الاجتماعية. يسبق الخبر السيارة إلى الحي ، لتصل ملك البيت وسط نظرات الأسى والاغتمام من الجيران ومشاعر القهر والهوان لدى الأب. نظرت ملك من شباك غرفتها .. "نسر اسود يضرب بجناحيه بقوة في سماء الحي". الوالد والأهل يستقبلون عائلة الشاب وفدت لتخطب ملك سترا للعار!!
شموخ ملك واعتدادها بفعلتها يتصاعد بشموخ أرقى .
* * *

وفي القصة الثالثة " نثار الأوركيد" تبعث الطالبة بيسان حيوية طالب زميل وتعزز ثقته بنفسه. مرة أخرى يلتحم القاص مع جرائم المحتل. طالب وطالبة تمردا على التفاهة وخرجا من فرقة تمثيل بالجامعة، يشرف عليها طالب مغرور في السنة الأخيرة، " لم يصنعه الإبداع المندفع من باطنه ، بل صاغه حفنة من المهرجين المهللين" ... ومسئولون يغويهم الفن الهابط.
في نظر زياد، " المسرح المكان الذي اشعر فيه ان ما الحياة سوى قطعة صلصال أشكلها كما أشاء ، أضحكها ،أبكيها ، أدهشها، أشعرها بالضجر ؛ كان المسرح صدى صوتي وانعكاس صورتي".(27)
طالع زياد المسرحيات المقترحة وخلص إلى كونها مستهلكة و سطحية. في اجتماع لتقييم العروض المقترحة انتقد زياد بجسارة جميع العروض. تبخرت بسرعة ديمقراطية المشرف ورد بسخرية وابتسامة صفراء ناصرها المهرجون بوصولية عارية . اندفع خارج الاجتماع مغضبا، وإذا بصوت انثوي يناديه باسمه: " زياد، لقد سمعت ما قلته في الداخل، وانا متفقة تماما معك". "رأتني بيسان في أكثر حالاتي ضعفا، ومع ذلك فهي تأتي لتكلمني" . ذات يوم دراسي فتن من النظرة الأولى بمظهرها وبتصرفاتها ؛ مرات راح يعرض حركات خائبة حملتها على ترك المكان. فشلت مساعيه المبتذلة بينما نجحت جسارته وموضوعيته في شد اهتمام بيسان، زميلته في الكلية والسنة الدراسية. نفضت عنه غبار بلاهة لازمته فترة، ظن مَن حوله انها فعل مخدرات او سكر." كانت المرة الأولى التي أشعر فيها ان جرثوما أسود كئيبا يستوطن جسدي النحيل ...". فتاة تبعث شابا من تهالك، تحيي فيه الأمل وتبعث فيه صلابة الإرادة. والمخلوق لا يتمرد على الخالق، شأن مسرحيات بجماليون. ربط بينهما رباط الحب، و انتظرا سنوات أربع دون ان يتوج الحب الطاهر بالاقتران.
اندفع محترفا التمثيل نحو المخيم يقدمان لجمهوره وعلى أرصفة شوارعه . والثقافة المكافحة تتوجه مباشرة للجمهور عازفة عن مخاطبة النخب. " هناك قدمنا عروضنا وامتزج الدمع والأنين بالبسمة والفرح، أخرجت من أحشائي كل انفعالات... وكذلك فعلت بيسان" . فتن الفنانان ب "شقائق النعمان"، أطلقا اسمها على فرقتهما المسرحية وخلية تنظيمية مناضلة، وحجرة أطفال راودت حلمهما .
قطع المسيرة الناهضة نحو النور وزهوة الأحلام "خوذ الجنود تنتشر في الطرقات انتشار الفطريات العفنة في رغيف الخبز". أيام متتالية من حصار رفع لمدة ساعتين استغلهما الشاب للتوجه إلى بيت الحبيبة في يوم ميلادها . عرج على دكان الزهور لشراء باقة أوركيد تحبها بيسان بعد شقائق النعمان التي مضى موسمها، وانتقد تصرفه بائع الزهور. يشتري الزهور بدل مؤونة تعينه أيام الحصار! حمل زياد الباقة واخترق دربه وسط جموع تتحرك بإيقاع سريع، وراح يصعد الجبل حيث شرفة بيت بيسان . يُصدم إذ يجده طللا هدمته جرافات الاحتلال. جاء من يطمئنه ان الأسرة لم تصب بضرر، وقد نقلت إلى المخيم. استبد به قلق وذعر؛ فبالمخيم اقترفت الخوذ الخضراء مجزرة.
"ناداني عبق طيب نابع من بين أكوام الغبار الكئيب ، تتبّعت الفوح حتى بلغته . جثوت منتشلا إياه لأجد باقة من شقائق النعمان، سحبت البطاقة الملتصقة بأوراق الزهر : حبيبي زياد ........ انتخبتك نشيدا " .

* * *
و"في الطرق إليك" تتبع القاص هموم شعبه في الترحال إلى اوروبا في لجوء جديد. في القصة الخامسة، يحكي الفنان، عازف العود، محنة الترحال ممزوجة بوحل الحروب . واضح ان ثقافة القاص الموسيقية تربط مزاج الفنان وسماته بآلة العزف. عازف العود جلود يهتم بالتفاصيل ويتأني قبل إصدار الحكم ؛ بينما "عازف البزق" في قصة أخرى يخضع لتحليل نفسي يلحظ فيه النزق واحتراف الترحال .
يلتقط القاص فتات الحياة المغموس فى نقيع الاقتتال الطائفي ليصوغ هجائية للحرب وللجوء. يتعمد، بدربة الصائغ الفنان، صياغة شغف بطله وراويه بالعزف وولعه باستنطاق العود ألحانا تشجي الجمهور إجازة قبول في وظيفة مغرية وحوافز تشجيعية على الترحال المشئوم .
على دعامات حروب الطوائف وهياكلها تشعبت طفيليات وعرشت ملاذا زائفا للمتعبين والمرعوبين. يبرز "الأفندي" متمظهرا صورة سائق سيارة أجرة يفرض أجوره الاحتكارية على راغبي الهرب في ظل كثرة الطلب وشح العرض.
اختار القاص تقنية الرسائل الإليكترونية، يتبادلها المحبان بإيقاع سريع يشي بلهفة الخلاص وحرارة الشوق. ناتالي، من المانيا تزف الآمال العراض، في تقرير عن رحلة طويلة بالقطار إلى معهد للموسيقى ، استطاعت الحصول على فرصة عمل لعازف العود براتب مغر يثير شكوك الوالدة والأهل. يبث العازف من ارض الموت المجاني لواعج العوز واشواق الخلاص من المخاطر المحدقة والمتربصة. ظاهرة شمول العنف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين تفضح دورا لإسرائيل في استئجار أمراء الطوائف دعاة الحروب بقصد تذويب قضية اللاجئين.
يسّرت الصدف التغلب على تعقيدات ارتفاع أجورالتنقل؛ اصطحب العازف أسرته وخاله وأسرة شقيقته ؛ وأصر على حمل عوده متحديا رغبة الدليل. رضخ الأفندي حين هدد العازف بإلغاء الرحلة ، محملا العازف مسئولية تعثر الرحلة لو اعترض عارض بسبب العود. تم الاتفاق مع المرأتين المشاركتين بالرحلة- ام العازف وشقيقته - حسب إشارة بالإبهام او بالسبابة ، لبس الحجاب او نزعه، الابتسام او التمتمة بأذكار أو آيات قرآنية. إنه المضحك المبكي في تلازم القهر والنفاق. هذا ما كشفت عنه رسائل عازف العود، الحالم برغد العيش في الترحال. مشاق الرحلة يسردها رائد رحلة الموت في رسالته الثالثة.
كل حي تحميه ميليشيا ، والأفندي خبير بالمسارب وحراسها من أمراء الميليشيات، وكل يقبض مقابل إجازة المرور. " كل حي دولة ، وكل دولة تحميها ميليشيا، لا تشبه أي دولة دولة أخرى ، ولا أي ميليشيا ميليشيا اخرى ، وكلهم لا يشبهوننا ، ولا يشبهونك. " دخلت شقيقتي في نوبة بكاء..سمعت صراخ اختي ،نظرت خلفي لأجد أمي ملقاة على الأرض الرملية؛ كانت تبكي بهستيريا.. حملت أمي وواصلنا الركض.
بعد طول مكابدة.. "ننا الآ ن في استراحة في منطقة غازي عنتاب". بقيت رحلة مئات الأميال حتى ازمير. في الطريق، "وعند وصولنا الى ’كانيا‘ حاولت ايقاظ خالي ، لكنه لم يستجب، لم يستيقظ، قضى خالي بحسرته، ودفناه في بلدة في الطريق بين وأقع أسود وحلم مؤجل".
رحلة اهترأت النفوس خلال عثراتها وغاضت الآمال، تخللتها المآسي الدفينة والانكسارات المتوارثة..." . اما ناتالي التي توسطت لإيجاد عمل لحبيبها ودفعت مقدما أجرة بيت معلقة الآمال على زوال غمة المتاعب والفوز باللقاء خلال يومين.. فقد استمرت تبعث رسائل لم تصل ، ولا تصدق أي فال سيئ . يغيض الأمل ويعربش اليأس .
* * *
القصص الواردة أعلاه تمنيت لو كانت إحداها مدخل القارئ إلى المجموعة القصصية. فهي على التصاق مباشر بمكابدة الفلسطينيين؛ ولكن القاص شاء غير ذلك.
في بقية القصص مقاربات لإسقاطات التصحر الوجداني في مجتمعات القهر والاستغلال المتغلغلين في مسامات الحياة الاجتماعية.
يتبع حلقة2من2





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,975,692
- سكب الوقود على المحرقة الفلسطينية
- الليبرالية الجديدة توسع دائرة ضحايا الرأسمال 2
- بريكاريات بدل بروليتاريا.. الليبرالية الجديدة توسع دائرة ضحا ...
- كواليس السياسات الأميركية
- حارس الذاكرة الفلسطينية -2
- حارس الذاكرة الفلسطينية
- اقحام السياسة على الدين يفسد الطرفين
- إمبراطورية الشر وضعت العالم في قبضة الموت
- تدهور التعليم وتدهورت معه المكانة الاجتماعية للمعلم
- وتكشف التزوير في الرواية الصهيونية
- وحدة كفاحية تدمج نضال الأميركيين السود مع نضال الشعب الفلسطي ...
- ربيع ام خريف زمننا العربي الراهم، ام هو التضليل يغيب الصراعا ...
- التربية عتلة السلطوية المحافظة وقد تشحن عناصر التغيير الديمق ...
- الامبريالية الأميركية تكثف الجهود للإطاحة بالأنظمة اليسارية ...
- الامبريالية الأميركية تكثف الجهود للإطاحة بالأنظمة اليسارية- ...
- مصدات في طريق التطهير العرقي
- يحدث في غفلة القيادة الفلسطينية-3
- يحدث في غفلة القيادة الفلسطينية -2
- يحدث في غفلة القيادة الفلسطينية
- ثقافة العنف وازدراء الديمقراطية


المزيد.....




- المرشحة لخلافة إلياس العماري.. طردتها الصحافة واحتضنتها الس ...
- الوزيران أمكراز و عبيابة أمام أول امتحان بمجلس المستشارين
- عقب أيام من طعن ابنها... فنانة عربية تتعرض لحادث سير
- عازفة الكمان صاحبة واقعة الهاتف تعاود الهجوم
- سفير تركيا لدى أوزبكستان يؤكد على وجود خطأ في ترجمة تصريحات ...
- بنشعبون: الحكومة حرصت على اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على ...
- في تصريح جديد… عمار سعداني يتمسك بموقفة إزاء مغربية الصحراء ...
- انتقد القرآن وأوجب الغناء وألف الكتب -الملعونة-.. هل كان ابن ...
- فنانة سورية تعلق على أنباء ارتباطها بزوج الفنانة أصالة
- -المعلم- يفجر يوتيوب بعمل جديد مستوحى من الأمازيغ


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد مضيه - تجليات الكبد في المحرقة الفلسطينية