أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين كركوش - هل المجتمع العراقي عشائري أولا و حَضَرَي ثانيا أم العكس ؟















المزيد.....

هل المجتمع العراقي عشائري أولا و حَضَرَي ثانيا أم العكس ؟


حسين كركوش

الحوار المتمدن-العدد: 5197 - 2016 / 6 / 18 - 16:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عقب الاحتلال الأميركي و سقوط نظام صدام حسين عام 2003 بدأت العشيرة تظهر على مسرح الحياة اليومية داخل المدن العراقية وبالأخص المدن الكبرى ، وتحديدا العاصمة بغداد.
وعندما أقول (بدأت تظهر) فلا يعني أنها كانت غير موجودة أو كانت غائبة. نحن نعني ظهورها في (المدن) ، ونعني ظهورها بهذه الكثافة وبهذه الطريقة الاستعراضية. فالقبائل أو العشائر وُجدت قبل وجود (المدينة) وقبل وجود الدولة.
لكن المدينة العراقية ، هي الأخرى ، لم تظهر أمس. و الحديث عن حضارة وادي الرافدين القديمة يعني ، بالضرورة ، الحديث عن (المدينة) العراقية و سكانها الحَضَر.
وإذا وصلنا إلى المرحلة الإسلامية ، فأن الحديث عن الحضارة الإسلامية في العراق لا يستقيم ولا يكتمل ، بل لا يصح أصلا ، إلا بذكر (المدينة) العراقية وسكانها الحَضَر. أما الأعراب و القبائل فليس لهم دور يذكر في بنائها.
صحيح أن المدن الإسلامية في العراق خُطت وتأسست أصلا على أساس قبلي ، لكنها بدأت تغادر طابعها القبلي و تحولت بسرعة قياسية إلى حواضر مهمة ومدن عامرة ، أضحى تصنيف ساكنيها لا يتم فقط وفقا للهوية القبلية أو الانتماء القبلي ، وإنما وفقا لهويات )جديدة) متنوعة ومختلفة.
وحقيقة أن كون الإسلام ، كدين ونصوص مقدسة ، قد تحول في العراق بوقت قياسي إلى حضارة مدينية (Urban) ، ليست محض مصادفة.
ولا أعني الحضارة بجانبها المادي و نوعية نمط الانتاج ، فحسب وإنما ، أيضا ، على الصعيد الفكري و الثقافي.
و على الصعيد الديني ، فأني أعتقد أن مدرسة (أهل العراق) أو المدرسة الإسلامية (العراقية) التفسيرية المعتمدة على الرأي والاجتهاد ، ما كانت لتظهر لولا (المكان) ، أي (المدينة) العراقية وما تمثله وترمز له : إرث حضارة وادي الرافدين القديمة التي ذكرها القرآن ، التلاقح الفكري بفضل وجود لغات متعددة بجانب العربية ، كالفارسية واليونانية والآرامية والعبرانية والسريانية ، و التنوع الديني في العراق ( اليهودية ، المسيحية ) و (الملل والنحل) الأخرى.
وفي ظل التنوع الفكري الموزائيكي الذي كان يزخر به (المكان) ، أي المدن العراقية ، كان من الطبيعي أن تتحول تلك المدن إلى مختبر تتفاعل داخله آراء متنوعة ومختلفة ، ويظهر التصوف قريبا للمذهب الفلسفي ، وتستخدم الفلسفة في تفسير النصوص ، والحكمة في تأويل القرآن ، ويتم تأويل ما يعتبر من مسلمات الاعتقاد.
و المشتغلون في سوسيولوجيا الأديان ليسوا على خطأ عندما يفردون حيزا مهما لدور المكان في تحديد المقدس والمدنس,
وليست رغبات أفراد هي التي جعلت ، تقريبا ّ، جميع المذاهب الفقهية في الإسلام ، السنية والشيعية تظهر في العراق ، أو بالأحرى في (المدينة) العراقية ، وليس في مكان آخر غير العراق.
وحتى (ديوان العرب) ، الشعر ، لم يظل في المدينة العراقية ، كما كان ديدنه على الدوام. فقد أبعدته (المدينة) من التعصب والتفاخر القبلي و جعلته ينشغل باهتمامات حَضَرَية لم يقترب منها سابقا ، إنسانيا و فلسفيا وفكريا وجماليا وتقنيا.
وهناك ملاحظة قد تبدو لا أهمية لها لأول وهلة ، لكنها عندي عظيمة الأهمية ، وهي الموقف الذي يتفرد به العراقيون ، تاريخيا ، إزاء شرب الخمر
إن الشاعر ابن الرومي ربما كان يمزح عندما قال : (أباح العراقي النبيذ وشربه وقال حرامان المدامة والسكر). لكن ابن الرومي لم يبتعد عن الواقع ، فقد كان العراقيون ( لا يرون بشرب النبيذ بأسا ) ، كما يقول المؤرخ والمحقق القاضي عبود الشالجي. ( هوامش الشالجي في تحقيقه لكتاب التنوخي " الفرَج بعد الشّدّة " ج 2 ص 262 ) ، بل ( بلغ من انتشار شرب النبيذ بين أهل الكوفة أنهم كانوا يعيبون من لا يشربه ) ، كما يؤكد د. يوسف خليف في كتابه ( حياة الشعر في الكوفة إلى نهاية القرن الثاني للهجرة ص 221).
والواقع ، أن العراقيين ، كما يرد في أمهات المصادر ، لم يبيحوا النبيذ وشربه فحسب ، وإنما تساهلوا حد الإباحة والمجاهرة في شرب الخمر ، يستوي في ذلك عامة الناس والنخب والخلفاء والوزراء وكبار موظفي الدولة ، بما في ذلك القضاة المكلفين بتطبيق أحكام الشريعة.
و ما كان ذلك يحدث عند ( أهل الوبر) وإنما عند (أهل المدر) ، أي سكان المدن الحَضَر.


إن السبب ، كما أفترض ، في ظهور المدرسة التفسيرية (العراقية) التي تعتمد الرأي والاجتهاد ، وفي ظهور المدارس الفكرية التي لا تعد ولا تحصى في العراق ، وفي خلق الأجواء التسامحية ، لا يعود ، فقط ، إلى الزمان وما يفرضه من تحديات تقتضي إيجاد أجوبة لقضايا مستجدة ، بقدر ما يعود للمكان ، أي البيئة الديموغرافية الثقافية الاجتماعية المتنوعة وقتذاك ، ولإرث حضارة وادي الرافدين القديمة ، و ثقافتها العقلانية.
فقد وردت حضارة وادي الرافدين ، وتحديدا (بابل) وأهلها ، في القرآن مقترنة ، ليس بالبلادة و بالخمول الذهني وبكسل العقل ، وإنما بنشاط العقل ( طبعا ، نشاط العقل الذي يعنيه القرآن هنا هو توظيف العقل لأغراض "شيطانية" مضادة لتعاليم الإسلام) : تعلم السحر وتعليمه للآخرين ، والفتنة والكفر والتمرد والعصيان : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلّمُونَ الناسَ السَّحْرَ وما أنزلَ على الْمَلَكَيْن ببابلَ هاروتَ وماروتَ وما يُعَلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفرْ فَيتَعَلَّمُون منهما ما يُفَرّقُونَ به بين المرء وزوجه وما هم بضارّين به منْ أحد إلا بإذن الله ويتَعَلَّمون ما يضرهم ولا ينفعهم. البقرة : 102).
و (الناس ببابل) كانوا يشغلون أنفسهم بالسحر لأنهم كانوا يسكنون داخل مدن ، ويعيشون حياة مستقرة ، في دعة وظروف معاشية جيدة ، و متعلمين يملكون ذهنية مركبة ومتطورة. فالسحر كان علما مستقلا له نظرياته وقوانينه وحساباته. وكان السحر حاضرا معهم في كل مرافق حياتهم. ولو كان الناس ببابل من ساكني الصحراء والقرى ، لعَدّوا أمورا كهذه من الكماليات الثقافية و الترف الذهني ، هذا إذا كانوا يعرفونها أصلا. وما يزال (السحر البابلي) حتى يومنا هذا شائعا عند العراقيين ، خصوصا عند الحَضَر من سكان المدن ، يتعلمونه ويعلمونه.
وإذا كانت بابل القديمة ، بحضارتها وناسها ولغتهم ، قد اندثرت فيزيائيا ، فأن بابل الجغرافيا والتاريخ ظلت قائمة ، وظل أسمها متداولا منذ الأيام الأولى للفتح الإسلامي للعراق.
وكان الشاعر الفرزدق قد انتبه لأهمية (المكان) وهو يحسد ( الناس ببابل) ، أي سكان مدينة الكوفة عندما زارها لأول مرة :

يا أهل بابل ما نفستُ عليكم من عيشكم إلا ثلاث خصال
ماء الفرات وطيب ليل بارد وغناء مسمعتين لابن هلال. ( مسمعتان : مطربتان ، وابن هلال : شخص كان يملك دارا للغناء ، وكان أهل الكوفة وقتذاك يسمونه "صاحب إبليس").

والمكان ( الذي هو المكان نفسه لم يتغير منذ حضارة وادي الرافدين ) يشمل ، في آن واحد ، جمال البيئة المناخية بمياهها الوفيرة ومحاصيلها وخضرتها الدائمة وما توفره للسكان من سلام واطمئنان روحي داخلي ، و ما تخلقه هذه البيئة المناخية من رخاء البيئة الاجتماعية لسكان المدن ، بما فيها من ترف ورغد و عيش حَضَرَي يشجع السكان على الانغمار بالمتع الحسية والاهتمام اليومي بالغناء وبالموسيقى. وهي في آن واحد أسباب و نتائج لعقليتهم المدينية الليبرالية وانفتاحهم الذهني.
ولست بحاجة للتأكيد على أن الأمر لا يقتصر على بابل وأهلها ، إنما يشمل جميع المدن العراقية التي تتغذى من مياه الرافدين وفروعهما ، والتي توسعت وتطورت ، وما تزال في كل ميادين الحياة.
وبالطبع ، لم يلغ (سكان المدر) ، أي المدن وسكانها ، (أهل الوبر) ، أي القرى والأرياف والصحارى وساكنيها.

و كما نجد ، فأن الحديث عن العراق ، ماضيا وحاضرا ، لا يُكتمَل إلا بذكر ثنائية المدينة / الريف و القرية ، أو ثنائية الحَضَرَ / الأعراب أو البدو أو القرويين أو الريفيين أو أبناء العشائر.
لكن هذه الثنائية لا تعني ازدواجية الفرد العراقي الحَضَري. فللمدينة العراقية منظومة قيمية وللريف منظومة أخرى. الأولى يختارها ساكنو المدن بطريقة فردية و واعية ، إلى حد ما. والثانية يتبعها أبناء القبائل أو العشائر بطريقة جماعية غرائزية ، و لأنهم خُلقوا معها.
و مازلت المنظومتان في المدينة والقرية في أيامنا هذه تختلف أحدهما عن الآخرى ، حتى لو كان ذلك في بلد زراعي يعيش في حقبة ما قبل الصناعة ، مثل العراق.
الفوارق بين سكان المدينة والريف في العراق كانت قائمة منذ القدم وما تزال قائمة ، الآن. و أرى أن القول : (المجتمع العراقي مجتمع عشائري) ، هكذا بحكم اطلاقي ، ليس صحيحا. هذا تعميم مجاني يفنده الواقع ، ماضيا وحاضرا. المجتمع العراقي حَضَرَي أولا وعشائري ، ثانيا.
وأنا هنا ، وفي السطور التي ستلي ، لست بصدد المفاضلة بين الاثنين ، وليس غرضي الانحياز لأحدهما دون الآخر.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,858,151,499
- جماهير التيار الصدري : الفتات المبعثَر على موائد أثرياء الشي ...
- ( لي سان كيلوت ) : نار الثورة الفرنسية و رمادها
- عراقيون مظهرهم تقدمي و أفكارهم رجعية
- ماذا يحدث بالضبط للتحالف الوطني هذه الأيام ؟
- هل يكتب العراقيون معاهدة ويستفاليا جديدة خاصة بهم ؟
- هل تصح المقارنة بين مقتدى الصدر وبين المرشح للرئاسة الأميركي ...
- حكام آل سعود يعيشون هذه الأيام في رعب وتنتظرهم أيام عصيبة
- روحاني يؤكد أن إيران تقاتل في العراق دفاعا عن مصالحها القومي ...
- الأزمة التي تتعمق في العراق: السبب في (السايبا) وليس في سائق ...
- (الهمج الرعاع) في العراق يحولون حياة النخب السياسية والدينية ...
- العراق في غرفة الإنعاش والعبادي يروي نكات عن التكنوقراط
- مَن يتذكر (رجل من العراق) أسمه وصفي طاهر ؟
- أصبحت (مقاتل) الشيعة العراقيين في زمن حكم الشيعة تُبث على ال ...
- - أنفسنا السنة - لكن - لعن الله الواثق - !
- طوفان الدم والجثث المتعفنة وخيبات الأباء في قصائد سيغفريد سا ...
- الشاعر الإنكليزي العراقي الأصل سيغفريد ساسون
- لماذا لا يخاف الفاسدون وناهبو المال العام في العراق من التظا ...
- المستقبل العراقي يفر نحو (العمة) ميركل هربا من جحيم الماضي و ...
- دولة الحُسينية وحُسينية الدولة
- مَن يقضي على التشيع : (فرقة الخشابة) أم (تدين) الشيعة الجُدد ...


المزيد.....




- رئيس مجلس الأمة الكويتي يرد على الطعن بذمته المالية والتربح ...
- مشنقة من العجين تتسبب بإقالة موظفين بمطعم أمريكي
- مقتدى الصدر عن -الاغتيال الوقح- لهشام الهاشمي: لا يجب أن يمر ...
- -كيف صنعت عائلتي أخطر رجل في العالم-... عندما تتحدث ابنة شقي ...
- اغتيال هشام الهاشمي رسالة لرئيس الوزراء العراقي؟
- معالم سياحية مازالت خالية
- سفينة سوفيتية سابقة لا تزال تخدم في البحرية الأمريكية
- حديث على مستوى قادة الأركان العسكرية بين روسيا وتركيا حول سو ...
- قصف معسكر لقوات فرنسية وأممية في مالي
- موسكو: ستتخذ تدابير جوابية إذا حاولوا تحديد حقوقنا في -السما ...


المزيد.....

- المؤلف السوفياتي الجامع للإقتصاد السياسي، الجزء الرابع (الاش ... / الصوت الشيوعي
- الخلاف الداخلي في هيئة الحشد الشعبي / هشام الهاشمي
- نحو فهم مادي للعِرق في أميركا / مسعد عربيد
- قراءة في القرآن الكريم / نزار يوسف
- الفوضى المستدامة في العراق-موسى فرج / د. موسى فرج
- الفوضى المستدامة في العراق / موسى فرج
- سيرة البشر / محمد سعيد
- المسار- العدد 41 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- موقف الحزب الشيوعى الهندى ( الماركسي ) من المراجعتين اليميني ... / سعيد العليمى
- نحن والعالم والأزمة النقدية القادمة / محمود يوسف بكير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين كركوش - هل المجتمع العراقي عشائري أولا و حَضَرَي ثانيا أم العكس ؟