أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميشيل حنا الحاج - من جعبة ذاكرتي الفلسطينية - 7: أيام عصيبة لدى حصار بيروت ومغادرة عرفات لها.















المزيد.....



من جعبة ذاكرتي الفلسطينية - 7: أيام عصيبة لدى حصار بيروت ومغادرة عرفات لها.


ميشيل حنا الحاج
الحوار المتمدن-العدد: 5127 - 2016 / 4 / 8 - 23:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ملاحظة: هذه حلقة أخرى، وهي أيضا طويلة، بل طويلة جدا، فأعتذر عن ذلك. والسبب في طول الحلقات، هو كونها تشكل فصولا من كتاب قادم بعنوان "رحلة في ذاكرتي الفلسطينية" يروي مأساة القضية الفلسطينية بكافة ابعادها، انطلاقا من تجربتي المعاصرة لها. عذرا، متنمنيا أن تجدوا الوقت لقراءة الحلقة كاملة.
**************

لم أشهد أياما صعبة كتلك التي شاهدتها أثناء حصار بيروت في عام 1982، الا ما سبقها من أيام عصيبة جدا عانيت منها لدى قيام تركيا بغزو قبرص في العشرين من شهر تموز (يوليو) 1974. فبعد عملية الغزو تلك، والتي شاركت فيها قوات مظلية تركية كنا نشاهدها في اليوم الأول من الغزو التركي، من سطح فندق ليدرا بالاس في نيقوسيا، وهي تهبط بالمظلات في الجانب التركي من المدينة، وما تبعها من قيام الأتراك بالسيطرة على أجزاء من الجزيرة كانت تابعة للجانب اليوناني في الجزيرة.

وكان السبب الذي استندت اليه تركيا لتبرير عملية غزوها، هو الانقلاب العسكري الذي نفذه الجنرال غريفاس ضد رئيس الجمهورية المطران مكاريوس. اذ كان غريفاس الذي قاد عمليات المقاومة ضد الاحتلال البريطاني لقبرص في الأعوام التي سبقت اعلان استقلال الجزيرة المقسمة بين رعاياها من أتراك ويونانيين...كان معاديا للأتراك أيضا، ولذا قررت تركيا غزو الجزيرة لحماية رعاياها الأتراك فيها، كما قال الأتراك، دون أن يفسروا أسباب احتلالهم لأجزاء يونانية من الجزيرة، وبسط سيطرتهم عليها، ورفضهم لاحقا التخلي عنها، رغم احباط العملية الانقلابية وعودة الجنرال مكاريوس الى سدة الرئاسة. ولكن ما يهمنا في قضية الغزو تلك، هو عملية محاصرتي مع العديد من الاعلاميين في فندق ليدرا بالاس، الواقع في المنطقة الحدودية الفاصلة بين الجانبين التركي واليوناني من مدينة نيقوسيا، التي كانت حتى ذلك الوقت عاصمة تلك الجمهورية الصغيرة.

فبعد اكتمال العمليات العسكرية التركية في اليوم الأول من الغزو، أعلن الأتراك القابعون في مبنى يقع في الجانب التركي ويقابل فندق ليدرا بالاس حيث نقيم، ولا يفصل بينه وبين الفندق الا بضعة أمتار قليلة... أعلنوا عزمهم على قصف الفندق واحتلاله وضمه للجانب التركي، مطالبين عبر مكبرات الصوت، من المقيمين المدنيين في الفندق، أن يغادروه. وهنا أراد المقيمون في الفندق، ومنهم العديد من الاعلاميين، وكنت من بينهم، مغادرة الفندق واللجوء الى جانب آخر في وسط المدينة أكثر أمنا من موقع الفندق الحدودي. ولكن أعضاء الميليشيا اليونانية التي سيطرت على الفندق فور اشتعال القتال، أغلقوا أبواب الفندق وحذروا المقيمين من محاولة مغادرته.

واقعون بين نارين وجانبين متقاتلين، بتنا نتيجة الخطوة اليونانية والتهديد التركي، دروعا بشرية رغم ارادتنا. فالأتراك يناشدوننا عبر مكبرات الصوت بمغادرة الفندق، والميليشيا اليونانية تلوح مهددة برشاشاتهم ، ومحذرة من محاولة مغادرته، مما اضطرنا لقضاء أيام عصيبة فعلا.

ولم تكن ادارة الفندق التي لم تتوقع الغزو التركي، تمتلك كميات كبيرة من الطعام. وازاء الجهل بالمدة التي سوف يستغرقها ذاك الحصار، فرضت علينا ادارة الفندق، تناول كميات صغيرة محدودة من الطعام خصصت لكل فرد من المقيمين، ولكنها لم تكن كافية أبدا لأي منا. وأنا لم أشهد مثيلا لها خلال حصار بيروت، مع أنني قد شاهدته لاحقا، بعد تسع سنوات، وبكميات أقل جدا من الطعام الذي خصص لكل منا في قبرص، وذلك في كانون ثاني (يناير) من عام 1991، لدى وقوع حرب عاصفة الصحراء، وقيام العراق بعد سبعة أيام من نشوب تلك الحرب، بطرد كل الصحفيين الأجانب من العراق، وبقائي وحيدا فيها مع بيتر أرنيت - مراسل السي أن أن.

ففي ذلك الوقت، ولعدة أيام تلت، كنت وبيتر أرنيت نتلقى على الفطور بيضة واحدة لكل منا، وقطعة صغيرة من الجبن، اضافة الى كسرة من الخبز. وكمية شبيهة لها على الغداء وعلى العشاء. ورغم أن شبكة "ايه بي سي" الأميركية، قد تركت لي كميات كبيرة من علب الطعام وغيرها من المواد الغذائية المعلبة لدى مغادرتها لبغداد، فان هذه المعلبات قد اختفت خلال يومين من غرفتي، حيث قدرت أن الموظفين العاملين معي، وكذلك بعض العاملين في الفندق، كانوا يأخذون منها يوميا كميات غير قليلة لتوفير الطعام لعائلاتهم التي كانت تعاني أيضا وضعا مشابها من شحة المواد الغذائية وخصوصا في الأيام الأولى للحرب.

وقد عذرتهم بطبيعة الحال، فلم أوجه كلمة لوم أو اتهام لأي منهم، رغم معاناتي الشديدة من قلة الطعام، خصوصا وأن انشغالي بالعمل لساعات طويلة من الليل، كان يضطرني لأن أستفيق متأخرا، فلا ألحق غالبا بوجبة الافطار الزهيدة، (كان المطعم يفتح لساعة واحدة في موعد كل وجبة) أو وجبة العشاء التي تشابهها زهدا. فلم يكن يتوفر لي من امكانية تناول وجبة ما، الا في مرحلة وجبة الغداء...اذا كنت متواجدا يومها في بغداد، ولم أكن في جولة خارج بغداد، يصحبني فيها مع بيتر أرنيت، سعدون الجنابي مدير المركز الصحافي العراقي. وهذا أدى الى فقداني 25 كيلوغراما من وزني نتيجة الريجيم القسري الذي فرضته علي ظروف الحرب.

وكان عزائي الوحيد أثناء الحرب في العراق، أنني كنت أستطيع النوم في غرفتي وفي فراش وثير، رغم أن بعض العراقيين المقيمين في فندق الرشيد، كانوا يختارون اللجوء للنوم في ملجأ الفندق. أما في نيقوسيا، فقد ألزمتنا الادارة، حرصا على سلامتنا، بالنوم في الطابق المتواجد تحت الطابق الأرضي في الفندق والمعد كملجأ فيه. ولكننا كنا نضطر للنوم على الأرض الصلبة، بدون فراش يمكننا اسخدامه للنوم عليه. وظل الأمر كذلك لعدة أيام، فلم تنته تلك المعاناة الا بعد مفاوضات طويلة بين الجانبين التركي واليوناني، ورعاها ممثلون عن الأمم المتحدة المتواجدون في قبرص.
اذ نجح ممثلو الأمم المتحدة، بالحصول على تعهد من الأتراك بعدم مهاجمة الفندق أو قصفه لاحقا على خروج المدنيين منه. كما حصلوا على تعهد مماثل من اليونانيين القبارصة، بالسماح لمن يرغب بمغادرة الفندق بمغادرته. وتم فعلا اجلاؤنا من الفندق الى قاعدة بريطانية في الجزيرة. وقد تم اجلاءنا بسيارات شحن ترفع اعلام الأمم المتحدة وبمرافقة جنود يضعون البيريه الزرقاء على رؤوسهم، والمنتمين للقوات الدولية المتواجدة في قبرص.

أما الحصار في بيروت، اضافة الى الحرب التي كانت قائمة على قدم وساق مع كل ما تحمله من مخاطر... لم يضطرانا للمعاناة من تقنين في الطعام، أو من اضطرار للنوم في ملجأ. كان كل شيء عاديا وطبيعيا وكأنه لا شيء يجري حولنا. فالمواد الغذائية كانت متوفرة للمدينة، اذ كانت الشاحنات الناقلة للخضروات والفاكهة القادمة من الريف اللبناني، رغم اضطرارها للمرور عبر حواجز اسرائيلية، كانت تنجح في العبور الى العاصمة اللبنانية نتيجة قيام السائقين اللبنانيين برشوة الجنود الاسرائيليين المتواجدين على بعض من تلك الحواجز. وقد سجل أحد مصورينا على الفيديو، عملية رشوة من عمليات الرشوة تلك، حيث كمن في موقع ما، وتمكن من تصوير الحوار بين الجنود على الحاجز الاسرائيلي وسائق الشاحنة، بل وسجل عملية تسليم النقود لأحد الجنود الاسرائيليين الذي سمح له بعدها بالمرور، مما كشف بأن الفساد لا يعم العالم العربي فحسب، اذ هناك بعض الفساد أيضا في الجانب الاسرائيلي.

فالطعام كان متوفرا بغزارة فاجأتنا، وكذلك النوم بأمان في أسرتنا الوثيرة في غرفنا في فندق الكومودور، لعدم وجود مخاطر قصف المناطق المدنية في المدينة، وخصوصا فندق الكومودور القريب من شارع الحمراء، والذي علم الاسرائيليون أن مجمل ممثلي الصحافة الأجنبية، وهم كثر، يتواجدون فيه. ومع ذلك، فقد أصابت مرة قذيفة مدفع من نوع ما أحد الغرف في الفندق، وكنت عندئذ مع العديد من الاعلاميين العرب والأجانب، نتناول طعام العشاء على ضفاف بركة السباحة في الفندق، عندما أصابت تلك القنبلة غرفة ينام فيها أحد الصحافيين الأجانب الذي لحسن حظه كان متواجدا معنا يتناول عشاءه على ضفاف بركة السباحة. وأذكر ليلتها كيف قفزنا جميعا تاركين ضفاف المسبح .. طلبا للنجاة، خصوصا وقد أصابت بعد لحظات أخرى، قذيفة أخرى المبنى السكني المقابل للفندق.

واذا كان ذلك حالنا، أي فيه نوع من الطمأنينة، فان حي الفكهاني وكورنيش المزرعة حيث مكاتب المنظمات الفلسطينية، كان وضعهما مختلفا، اذ كانت الطائرات تغير يوميا ومرارا على المواقع التي تضم مكاتب لمنظمة التحرير، أو بالذات لحركتي فتح والجبهة الشعبية. وأذكر أننا بسبب القصف المفاجىء غالبا، كنت والمصور رائف ديباجة ومساعده خالد المعني بقيادة السيارة ومساعدة المصور، عندما نذهب الى زيارة مكتب اعلام فتح الكائن في حي الفكهاني، والمتواجد في شارع فرعي ضيق نوعا ما وعلى جانبيه بنايات مرتفعة...كنا نترك موتور السيارة دائرا، كما نترك أبواب السيارة مفتوحة، كي نتمكن من القفز اليها ونقلع مبتعدين عن الموقع اذا ما فاجأتنا غارة ما من غارات اسرائيل المتكررة على تلك المنطقة.

وهناك واقعة أذكرها جيدا. فقد ذهبت مرة مع رائف ديباجة ومعنا خالد الذي هو من أقرباء رائف، لنصور في مقبرة الشهداء المتواجدة في موقع محاذ لمخيمي صبرا وشاتيلا. وكانت الغاية من ذلك، ابراز تكاثر اعداد القبور الجديدة التي كانت تضم بين اليوم والآخر مزيدا من الشهداء. وكانت المقبرة، كما ذكرت، على مرمى البصر من المخيمين العريقين.

وخلال انغماس رائف بالتقاط صور للقبور الحديثة، أغارت الطائرات الاسرائيلية على المخيمين، ربما على مكاتب للفلسطينيين فيهما أو قربهما، وأخذت تلقي بقذائفها هنا وهناك. ولم يكن الموقع المستهدف بعيدا عنا، لأن بعض الشظايا والأحجار المتكسرة كانت تتطاير وتصب جام غضبها علينا. فأخذت أنا "الحيط" حذرا كما يقولون. وفعل مثلي خالد. لكن رائف المشهود له بالجرأة الفائقة، والتي قد يمكن وصفها بالشجاعة الجنونية، تسلق سور المقبرة ليحصل على منظر أوضح وأوسع للطائرات المغيرة.

واقفا على السور المرتفع قليلا، أخذ يلتقط صورا للقذائف تلقى من طائرة بعد أخرى، حيث كانت الطائرات تأتي بموجات واحدة تليها الأخرى. وخشيت أنا أن يصاب رائف بأذى خصوصا وأنه كان يقف على سور مرتفع مما يجعله واضحا لقائدي الطائرات الاسرائيلية، خصوصا وأنه كان يحمل على كتفه كاميرا كبيرة قد تبدو من مرتفع، وكأنها صاروخ أو رشاش مضاد للطائرات، اضافة الى كونه يحمل على كتفه رشاش كلاشنيكوف لا يفارقه أبدا رغم نصيحتي المتكررة له بعدم حمله لدى خروجنا لتصوير حدث ما.

وكنت أنا (وقاية لا جبنا) أقف في أسفل ذاك السور وأصرخ مناشدا رائف أن ينزل عن السور ويسعى للوقوف مثلنا في موقع أكثر أمنا. لكن رائف العنيد تمسك في موقعه، واستمر يلاحق الطائرات والمواقع التي تتفجر على امتداد ناظريه، مسجلا شريطا يكشف مدى وحشية الاسرائيليين التي أصابت قذائفهم أيضا بعض مساكن المدنيين. وانتهت الغارة التي استمرت قرابة الربع ساعة أو أكثر قليلا، دون أن يصاب رائف أو أيا منا بأذى رغم كل الحجارة الصغيرة والقطع المتناثرة التي تطايرت حولنا.

وكان رائف وخالد يشكلان فريقا من أربع فرق تصوير تعمل معي خلال عملية الغزو الاسرائيلي للبنان وما تبعها من محاصرة بيروت، ثم دخولها. وكان رائف وخالد مختصان بتغطية الجانب الفلسطيني من الأخبار، اذ كانا فلسطينيان ومن أبناء المخيمين الشهيرين صبرا وشاتيلا.

وكان هناك فريق ثان يرأسه لبناني شيعي اسمه محمد حيدر، أوكلت له مهمة التصوير في الضاحية الجنوبية وأحياء بيروت الشيعية حيث كان يقطن هو وعائلته. أما الفريق الثالث، فكان مكونا من أسعد فغالي مصورا، يساعده شقيقه فادي فغالي، وكلاهما كان مسيحيا مارونيا ويقطن في المناطق المسيحية حيث تتواجد الكتائب اللبنانية. وكان ما يميزهما عن الفريقين السابقين، أنهما كانا رغم انتمائهما الماروني وتخصيصهما لتغطية الجانب الكتائبي في تلك الحرب، قادرين على عبور الحواجز وتقديم المساعدة لنا بالتصوير أيضا في المناطق الأخرى الاسلامية والفلسطينية. وكان لهما دور هام في الكشف للعالم عن وقوع مجزرة صبرا وشاتيلا، عندما كان ذاك العالم نائما وغافلا عن احتمال كهذا، فوقعت المذبحة رغم وعود الوسيط الدولي فيليب حبيب بحماية الفلسطينيين بعد انسحاب المقاتلين الفلسطينيين الى تونس. أما الفريق الرابع فكان مكونا من مصور بريطاني الجنسية اسمه "كن جوبسون" ويساعده شاب لبناني اسمه "فلادو" ينتمي للطائفة الأوروثوذكسية. وكان هذا الفريق قادرا على التغطية في كل مناطق النزاع.

وفي المكتب، كانت هناك صبيتان تنتميان للطائفة الدرزية، احداهما اسمها (ويدا ريكاردو)، اختصاصها مونتاج الفيديوهات المصورة وكتابة التقارير عنها، وأخرى درزية أيضا واسمها ليندا العقيلي، واختصاصها الشؤون الادارية من طباعة التقارير وارسالها الى لندن. أي أن مكتب وكالة الأخبار التليفزيونية العالمية WTN)) التي كنا جميعا نعمل معها، كان يضم عاملين منتمين لكافة الطوائف المتواجدة في لبنان، فكان بالتالي لبنانا صغيرا بطوائفه المختلفة.

أما مدير المكتب، فقد كان عبد الودود حجاج، مسلم سني، فلسطيني الأصل، حاصلا على الجنسية اللبنانية. وأنا كنت مجرد ضيف على ذاك المكتب. اذ كلفت في مساء الخامس من حزيران عام 1982، بعد شروع الاسرائيليين بغزو الجنوب اللبناني (تقول الويكيبيديا أن الغزو قد بدأ في السادس من حزيران - يونيو)... بالذهاب على عجل الى بيروت، للمساعدة في تغطية عملية الغزو تلك، وتدريب الشباب هناك على كيفية البث عبر اليروفيزوين (اتحاد الاذاعات والتليفزيونات الأوروبية) الذي لم تكن عندئذ لأي من العاملين في المكتب خبرة كافية فيه.

وهكذا غادرت عمان في صباح السادس من حزيران على طائرة خطوط الشرق الأوسط اللبنانية التي حطت أخيرا في مطار بيروت، وكانت الطائرة الأخيرة التي تحط في ذلك المطار، اذ اغلق المطار بعدها. ودام الاغلاق أربعة أشهر أو أكثر، مما اضطرني للبقاء في بيروت طوال هذه المدة، لعجزي عن المغادرة برا عبر الحدود السورية التي تمنعني من الدخول أو المرور عبر أراضيها، كما لم يكن بوسعي الذهاب بحرا الى قبرص ومنها الى عمان، لأن المرفأ في جونيه وكذلك في بيروت، كانا تحت سيطرة الكتائب الموارنة الذين لن يرحبوا ترحيبا جيدا بفلسطيني مثلي، مكروه لهم كرههم (في تلك المرحلة على الأقل) لكل الفلسطينيين. وفي مرحلة ما، ونظرا لطول اقامتي ومخاطرها، خصوصا بعد دخول الاسرائيليين الى بيروت، عرضت علي الادارة أن ترسل أحد العاملين في مكتب لندن ليحل محلي، وأن يرتبوا لي أمر مغادرتي عبر اسرائيل بعد حصولهما على ضمانة اسرائيلية بمرور آمن لي عبر المناطق الفلسطينية المحتلة من الاسرائيليين... الى الأردن. لكني رفضت هذا الحل، وأبيت أن أكون مدينا بشيء لاسرائيل والاسرائيليين، مفضلا البقاء في بيروت الى حين اعادة فتح المطار (الذي لم يفتح الا في أوائل شهر تشرين أول - أوكتوبر)... رغم كل المخاطر التي كانت تلك الحرب تنطوي عليها.

وتصادف أن عبد الودود، مدير المكتب، قد حل موعد مغادرته الى الدانمرك في اجازة كان قد طلبها وحدد موعدها قبل شروع اسرائيل بغزوها. فغادر بيروت فعلا، بعد ثلاثة أسابيع من وصولي اليها في مهمة افترض لها أن تكون تدريبية، لقضاء اجازة مع أسرة زوجته التي كانت دانمركية وتتوق للخروج من جحيم تلك الحرب التي باتت عندئذ مستعرة وعلى أشدها، خصوصا وقد اكتمل الحصار على بيروت، وباتت القوات الاسرائيلية تتواجد في محيطها. وهكذا اضطررت للبقاء في العاصمة اللبنانية، ولادارة المكتب، وتغطية عملية الغزو الاسرائيلي بكل المخاطر التي ينطوي عليها.

وكان قرار غزو اسرائيل للبنان، والذي سمي بعملية سلامة الجليل (الذي كان يتعرض لعمليات فدائية فلسطينية بين الفترة والأخرى)، قد اتخذ بعد جدل طويل في مجلس الوزراء الاسرائيلي الذي رئسه آنئذ مناحيم بيغين. وكان الجدال في المجلس يدور حول حجم الهجوم: هل يكون محدودا ويقتصر على غزو الجنوب اللبناني، وهو ما فعلته اسرائيل مرارا من قبل، أم توسعه ليشمل الوصول الى بيروت والقضاء نهائيا على التواجد الفلسطيني فيها، كما اقترح الصحفي الاسرائيلي والمستشار الاستراتيجي لمجلس الوزراء الاسرائيلي "عديد يالون"، الذي شجع على تنفيذ عملية كبرى تؤدي الى تفكيك لبنان الى دويلات طائفية، كخطوة أولى نحو تنفيذ الشرق الأوسط الجديد. وتذرعت اسرائيل لتبرير عملية غزوها، بقيام مجموعة منتمية لأبو نضال، قائد حركة المجلس الثوري لفتح المنشق عن تنظيم فتح الأم، بمحاولة اغتيال "شلومو آرغوف" - السفير الاسرائيلي في لندن، والذي أصيب بجراح خطيرة، ولكنه عولج ونجا من الموت، فدفع الفلسطينيون واللبنانيون آلاف الشهداء، مقابل حياة اسرائيلي واحد بقي حيا وربما لم يزل.

وكان من مهامي خلال عملية الغزو تلك، أن أتجول برفقة رائف ديباجة ومساعده خالد، بين الفينة والأخرى في أحياء منطقة الفكهاني على أمل اصطياد الرئيس المرحوم ياسر عرفات الذي كان، مع اقتراب الغروب، يتجول في شوارع حي الفكهاني الضيقة نسبيا، ليطلع على الأحوال القائمة في بيروت بعد غارات ذاك اليوم. وكان همه أيضا أن يؤكد للاسرائيليين بأن غاراتهم الجوية المتواصلة لم ترهبه. وقد (اصطدناه) مرة في احد الشوارع، وحصلنا على تصريح منه أكد فيه الصمود اللبناني والفلسطيني، وأن الغارات الاسرائيلية اليومية لا ترهبه أو تبقيه مختبئا في أحد الملاجىء.

ولكني لاحظت وجود بعض التوتر النادر لديه في احدى المرات، وهو توتر تناقض مع حالة الابتهاج الدائمة التي اعتدناها من أبو عمار، وخصوصا ذاك الذي شاهدته في طهران قبل عامين أو أكثر، عندما زارها مهنئا بنجاح الثورة الاسلامية التي كانت فيها بصمات فلسطينية أبرزتها حركة مجاهدي خلق التي دربتها حركة فتح عسكريا.

ففي احدى زياراتنا اليومية لمكتب الاعلام، جاء عرفات فجأة وبدون تمهيد الى ذلك المكتب، ودخل الى غرفة أخرى غير تلك التي كنا نجلس فيها بانتظار محمود اللبدي مدير مركز الاعلام. ومن داخل الغرفة، صاح ابو عمار مناديا بصوت غاضب على محمود الذي لم يكن متواجدا، فذهب اليه أحد العاملين في المركز (لن أذكر اسمه). وسمعت صياح عرفات وحديثه بغضب في أمر لم أفهم مضمونه، ولكني قدرت أن مركز الاعلام قد نشر خبرا ما لم يكن ملائما، ولم يكن عرفات قد اطلع عليه قبل نشره. لقد كان عرفات يومئذ غاضبا بشكل لم ألمسه أو ألحظه من قبل. وأكد حالة الغضب لديه سماعي صوتا صادرا من الغرفة المجاورة بدا لي وكأنه صوت صفعة على الوجه. ولكني لا أستطيع أن أجزم بذلك، رغم أن الموظف الذي تلقى غضب عرفات، قد بدا لي لدى خروجه، وقد ظهرت على خده علامات احمرار لم يكن احمرار الخجل. فقد كان عرفات يومئذ (كان الله في عونه) في حالة من الغضب ومن التوتر الواضح. لكني لم أشهده غاضبا أو ثائرا مرة أخرى في السنوات التي تلت، الا عندما ثار غضبا في وجهي أنا، أثناء لقاء كنت أجريه معه في تونس، بعد سقوط الطائرة به في الصحراء الليبية، ونجاته من تلك الحادثة. ولكني سأوفر تفاصيل هذه الواقعة الى حلقة أخرى.

ولم أعلم عندئذ سبب القلق الذي بات يعاني عرفات منه، وربما جعله متوترا. هل كان ضغوط الحصار والحرب، أم كانت له أسباب أخرى. ولكني تدريجيا بدأت أدرك بعض أسبابه، بعد زيارة لي لمكتب ابراهيم قليلات، وبعدها زيارة أخرى لمنزل صائب سلام، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق.

وكان ابراهيم قليلات - قائد حركة مرابطون التي سلحتها ودربتها حركة فتح باعتبارها الحركة السنية الوحيدة التي حملت السلاح ضد الغزو الاسرائيلي وضد حزب الكتائب والقوات اللبنانية المنبثقة عن الحزب، والتي كانت تخوض الحرب الأهلية في لبنان ضد الفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية، رغم ما لاحظه البعض، أن نشاط المرابطون الفعلي، كان يقتصر على عمليات استعراضية لموكب من المدرعات يقودونها بين يوم وآخر في شارع كورتيش المزرعة، وأحيانا في حي الفكهاني مرورا بمباني جامعة بيروت العربية الكائنة في ذاك الحي.

ففي مكتب ابراهيم قليلات الواقع في شارع كورنيش المزرعة، من أهم شوارع بيروت الغربية بعد شارع الحمراء، التقيت في أحد الأيام.. ب"قليلات" في مكتبه الغارق في الظلام الا من ضوء بسيط لأسباب لم أستطع فهمها أو تفسيرها...وعندها بدأت ألمس تذمرا خفيا (لا يعلن عنه صراحة)، مما يحدث في لبنان وينطوي على احتمالات دخول الاسرائيليين الى بيروت، وما قد يؤدي اليه من ملاحقة المقاومة اللبنانية التي ضمت الى جانب الفلسطينيين، مقاومة ميليشيات من الدروز، اضافة الى مقاومة الأحزاب الوطنية واليسارية كالحزب الشيوعي (جورج حاوي) والحركة القومية والناصرية (نجاح واكيم) وغيرها من الحركات الوطنية واليسارية (كمال جنبلاط) التي ظلت تقاوم الى اللحظة الأخيرة، خصوصا وقد انضمت اليها لاحقا حركة أمل وكذلك حزب الله حديث النشأة.

وكانت حركة أمل ومقاومون من حزب الله، قد تصدوا مرة لمحاولة انزال بحري اسرائيلي على شواطىء الرملة البيضاء والأوزاعي. واستطاعوا بما قدموه من مقاومة عنيدة شملت عمليات جريئة وانتحارية، تدمير عدة دبابات للاسرائيليين اضطر الاسرائيليون بعدها للانسحاب تاركين وراءهم بعض الدبابات المعطوبة، مما ذكرني بمعركة مشابهة هي معركة الكرامة التي جرت في أغوار نهر الأردن في آذار (مارس) عام 1968، اضطر الاسرائيليون عندئذ بعدها، للانسحاب تاركين وراءهم دبابة وبعض القتلى.

ولكن تململ ابراهيم قليلات غير الواضح (وغير المؤكد) من تطورات ما يحدث في لبنان بسبب التواجد الفلسطيني، لم يكن هو التململ السني الوحيد الذي لمسته وربما بات يقلق الرئيس المرحوم ياسر عرفات. ففي احدى الليالي، ذهبت الى منزل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق صائب سلام، والكائن في حي البسطة (على ما أذكر)، على أمل تغطية بعض نشاطه ولقاءاته. وجلست مع أحد المصورين في صالة الزوار منتظرين ظهور الرئيس صائب سلام واطلاله علينا. ولكنه لم يأت، بل جاء ابنه تمام سلام الذي كان عندئذ شابا يافعا. وقد بات الآن رئيسا لوزراء لبنان.

ولم يتحدث "تمام" الينا قط، بل ذهب وانزوى بأحد الحضور من السياسيين أو الشخصيات اللبنانية، وأخذ يتبادل معه اطراف الحديث. وفي لحظة ما، دخل الحوار بينهما مرحلة الهمس. وكنت أجلس بعيدا بعض الشيء عنهما، ولكني لاحظت أن "تمام" قد بدأ يتحدث في لحظة ما وهو يلتفت الي وكأنه يخشى أن أسمع ما يقوله. ولم أسمع بوضوح تام ماذا كان يقول لزائره، الا أنني قد لمست وجود قلق ما لدى طائفة السنة اللبنانية التي يعتبر والده من قياداتها، (لم يكن يومئذ وجود لرفيق الحريري)... تخوفا من اجتياح اسرائيلي لبيروت، فباتوا يتجهون لاقناع الفلسطينيين بالتوصل الى اتفاق ما مع الاسرائيليين التي كان فيليب حبيب، الذي جاء الى لبنان وسيطا أمميا ومبعوثا خاصا من الرئيس رونالد ريغان. وكان فيليب حبيب يطرح وعودا بخروج آمن للفلسطينيين من لبنان، مقابل وعد بألا تدخل القوات الاسرائيلية، المتواجدة الآن في أطراف بيروت، الى العاصمة اللبنانية..

وكانت مخاوف القيادات السنية تتزايد من دخول الاسرائيليين الى العاصمة البيروتية، وما قد يؤدي اليه ذلك من ترجيحهم لكفة المسيحيين اللبنانيين الذين تحالف بعضهم (وخاصة حزب الكتائب منهم) مع الاسرائيليين، مما سيؤدي الى اختلال في التوازن القائم على مدى سنوات بين الطوائف المختلفة، وبالتالي الى تقزيم دور مسلميها من السنة أو الشيعة. وهي مخاوف ربما كانت مشروعة وطبيعية بالنسبة لهم. ولكن القبول الفلسطيني بالانسحاب من بيروت، وانتقالهم الى تونس، كان أيضا غير ملائم لهم، ويشكل ضربة كبرى لتطلعاتهم بالتحرير، اذ أنها تبعدهم تماما عن الحدود الاسرائيلية التي توفر لهم امكانية تنفيذ عمليات عسكرية مقاومة للاحتلال الاسرائيلي. ومع ذلك، ونتيجة مخاوفه من أن يصبح التواجد الفلسطيني المقاتل في لبنان كسمكة خارج الماء اذا فقد غطاءه من الدعم الاسلامي، اضطر الرئيس عرفات لاحقا، وبعد مفاوضات طويلة، لتقبل مقترح فيليب حبيب بالانسحاب من بيروت، بل ومن لبنان كلها، مع ضمانات بألا تدخل القوات الاسرائيلية بيروت، وأن ترسل للبنان قوات دولية تتألف من الفرنسيين والبريطانيين والأميركيين والايطاليين، لحماية الفلسطينيين المتواجدين في المخيمات، من بطش الاسرائيليين.

ومع بدايات شهر أيلول (سبتمبر)، انسحب المقاتلون الفلسطينيون من بيروت التي كانوا قد تجمعوا فيها بعد أن انتقل المقاتلون من الجنوب الى العاصمة اللبنانية.. ونقلتهم عدة سفن الى تونس في هجرتهم الثانية، بعد هجرتهم الأولى من الأردن في عام 1971. وكانت هناك مشاهد وداع مؤثرة في المخيمات وفي بعض الأحياء البيروتية. فكانت هناك مشاهد مؤثرة لبعض المقاتلين يودعون خطيباتهم أوزوجاتهم، وآخرون يودعون شقيقاتهم أو وذويهم من آباء وأمهات. وغادر معهم القادة الفلسطينيون وفي مقدمتهم ياسر عرفات الذي رفع بأصابع يده، اشارة النصر المعتادة. وقد غادرها بعد أن قام بزيارات وداعية لقادة الطوائف الاسلامية ومنهم صائب سلام، وكذلك لقادة الأحزاب السياسية التي ناصرت الحركة الوطنية الفلسطينية وبقيت تناصرهم حتى بعد الرحيل الفلسطيني عن بيروت.

وعقد مجلس النواب اللبناني جلسة خاصة انتخب فيها رئيسا للجمهورية. وكان الرئيس الجديد بشير جميل - قائد القوات اللبنانية المتحالفة مع اسرائيل، والتي تدرب بعض المقاتلين فيها في الداخل الاسرائيلي وعلى يد الجيش الاسرائيلي الذي يسمي نفسه بقوات الدفاع الاسرائيلية، باعتباره قوات تدافع عن اسرائيل ولا تهاجم أحدا، وكأن أولئك الذين يقاتلون الآن ويقتلون الناس في لبنان، لم يكونوا اسرائيليين غزاة، بل كانوا جنودا قادمين من الفضاء.

ولكن بعد يومين أو ثلاثة من انتخابه، تم اغتياله في 14 أيلول (سبتمبر)، وذلك بتفجير المكاتب التي كان يعقد فيها اجتماعا مع بعض قيادات حزب الكتائب والقوات اللبنانية. وكان الزميل أسعد فغالي المتواجد في بيروت الشرقية وتابع عملية تفجير مقر اجتماع القوات اللبنانية، أول من أبلغني باتصال هاتفي، أن الرئيس بشير قد قضى نحبه بالانفجار. وكشفت التحقيقات اللاحقة، أن من نفذ عملية الاغتيال، كان شابا لبنانيا يقطن في المبني الذي يعقد فيه ذاك الاجتماع، واسمه حبيب شرتوني، المنتمي للحزب القومي الاجتماعي الذي كان يضم ميليشيات تقاتل الى جانب الفلسطينيين.

وكانت النتيجة الفورية لاغتيال بشير الجميل الذي كان قد زار اسرائيل، وعولت اسرائيل كثيرا على انتخابه لتحقيق أهدافها الأخرى التي يسعى الغزو الاسرائيلي لتحقيقها، وفي مقدمتها توقيع اتفاقية سلام بين لبنان واسرائيل... أن دخلت القوات الاسرائيلية الى بيروت (خلافا لتعهدات فيليب حبيب) التي كانت القوات الفلسطينية قد غادرتها، في محاولة لبسط سيطرتها عليها.

وأنا أذكر جيدا الاحتكاك الأول لي بالجنود الاسرائيليين. فقد كنت جالسا أمام جهاز التلكس في فندق الكومودور، أتخاطب من خلاله مع الادارة في لندن. وفي لحظة ما، رفعت رأسي لدى سماعي صوت جلبة، لأشاهد ضابطا اسرائيليا برتبة عالية، يصحبه بعض الجنود الاسرائيليين، يقف على كاونتر الاستقبال في الفندق، ويتحاور مع أحد موظفي الفندق. فهنا سرت في رعشة لاعتقادي لوهلة بأنـهم ربما جاءوا لاعتقالي باعتباري فلسطينيا وكانت لي صلات وثيقة وكثيرة مع بعض قادة المقاومة الفلسطينية، وخصوصا مع بسام أبو شريف الذي تعززت علاقتي به كثيرا خلال فترة الحصار والحرب، اذ بات يتردد كثيرا في تلك الفترة على فندق الكومودور، وكنت أقدم له أحيانا خدمات شخصية يحتاجها، كما كنت أسمح أحيانا لبعض الضباط العسكريين من حركة فتح وتربطهم علاقات أسرية بالمصور رائف ديباجة، باستخدام غرفتي في الفندق للاستحمام، نظرا لتعذر ذلك عليهم في أماكن اقامتهم، نظرا لانقطاع المياه عنها والتي كانت تنقطع كثيرا خلافا للمواد الغذائية التي لم تتوقف أبدا عن التدفق.

وذكر لي بسام (الذي فجرت قنبلة بين يديه قبل فترة ما، أودت بأصابع يديه أثناء فتحه رسالة مفخخة مرسلة من مصدر اسرائيلي)...ذكر لي في أحد الأيام، أنه قد أمضى في الليلة السابقة، سهرة ممتعة مع أبو عمار، وأن الرئيس الفلسطيني قد أثار اعجابه كثيرا. وكانت تلك على ما يبدو بداية تحوله في فترة لاحقة، من الجبهة الشعبية التي كان عضوا في مكتبها السياسي، وتوجهه نحو فتح ليصبح مستشارا سياسيا للرئيس الفلسطيني.

وكانت صلتي بالأخ بسام تتزايد يوما بعد آخر خلال فترة الحصار. وحاول يومئذ بسام أبو شريف، أن يصحح وضعي مع السوريين، فطلب من أحد رفاقه من كبار الأعضاء في المكتب السياسي والمسؤول عن الشؤون الادارية في الجبهة، أن يبعث برسالة الى الحكومة السورية تطالبها برفع اسمي من قائمة المحظور عليهم الدخول الى سوريا، مؤكدين باسم الجبهة الشعبية، أنني اعلامي وطني الاتجاه، وتحتاج الجبهة الشعبية لتوفير القدرة لي على زيارة سوريا لتغطية بعض نشاطات الجبهة السياسية والأخرى فيها. وبعث المكتب السياسي فعلا بتلك الرسالة الى دمشق، لكن اسمي للأسف، لم يرفع من قائمة المحظور عليهم الدخول الى القطر السوري العزيز جدا علي، والذي أواصل تقديم دعمي له خصوصا في محنته الحالية الناتجة عن الحرب الأهلية، نتيجة قناعة لدي، بأنه القطر العربي الأكثر تصميما على حمل راية القضية الفلسطينية العادلة.

وبعد تلك الخواطر العابرة التي استعدتها على عجل في خاطري لدى ملاحظتي المفاجئة لتواجد الجنود الاسرائيليين في الفندق، سرعان ما انجلى الأمر حول أسباب تواجد الجنود الاسرائيليين فيه. اذ اصطحبوا معهم السيد "نزال" مدير عام الفندق، وغادروه بهدوء. وكان "نزال" ينتمي لأسرة أردنية، أرجح بأنها فلسطينية، وتخصصت بامتلاك الفنادق في الأردن وفي فلسطين ولبنان كما هو الحال في امتلاكها لفندق الكومودور في بيروت، ومن قبلها لفندق فيلادلفيا في عمان، وبعدها فندق هوليداي ان في عمان أيضا. وتدريجيا انتشر الخبر بأن السبب في اعتقال السيد نزال، هو سماحه خلال فترة الغزو والحصار، بعقد مؤتمرات صحفية لقيادات فلسطينية في قاعات الفندق، وكان بعضها مؤتمرات صحفية يعقدها بسام أبو شريف مما اعتبروه تسهيلا وتعاونا مع الارهاب والارهابيين.

ولكن فور انتشار خبر اعتقال "نزال" واصطحابه للتحقيق معه في مقر قيادة الاحتلال الاسرائيلي التي أقيمت (أعتقد في عين المريسة) في موقع قريب من مبنى السفارة الأميركية في بيروت... ساد الغضب جموع الصحفيين الأجانب، وقرروا التوجه فورا الى موقع القيادة الاسرائيلية والاعتصام أمامها حتى يتم تحرير نزال من قبضة الاسرائيليين. وأردت أن أشاركهم في اعتصامهم ذاك، لكن صحفيا أجنبيا صديقا لي، نصحني بالبقاء في الفندق، لكوني فلسطينيا، وقد ألفت نظر الاسرائيليين لي فيصبح الصحفيون عندئذ بصدد معتقلين ينبغي تحريرهما وليس معتقلا واحدا. ورابط فعلا عدد كبير من الصحفيين الأجانب أمام مقر القيادة الاسرائيلية، رافضين الانسحاب وانهاء اعتصامهم، حتى وافق الاسرائيليون على اطلاق سراح "نزال" بعد أن شرح لهم الصحفيون أن المؤتمرات الصحفية الفلسطينية كانت تعقد في الفندق بناء على طلب الصحفيين أنفسهم، الذين لم يرغبوا في التنقل داخل بيروت في ظروف الحرب، والتواجد في المقرات الفلسطينية المعرضة للقصف اليومي، للمشاركة في مؤتمر صحفي يعقد هناك.

ولكن أمرين معينين اكتسبا صفات هزلية، وقعا بعد اكتمال الاحتلال الاسرائيلي لبيروت. وكان الأول أن عمليات المقاومة ظلت مستمرة لذاك الاحتلال. ومن أطرف تلك العمليات التي تابعتها بنفسي. وطرافتها لم تكن في عملية المقاومة ذاتها، بل بالسلوك الاسرائيلي الذي تبع تلك العملية بالذات.

اذ نفذ العملية مقاوم لبناني كان يقود دراجة نارية. ولدى مروره بمقهى "ويمبي" الكائن في شارع الحمراء، وغير البعيد عن مكاتب وكالتنا الكائنة في مبنى صحيفة النهار، قام المقاوم باطلاق النار على جنديين اسرائيليين يجلسان على احدى الطاولات المتعددة والمنتشرة أمام المقهى المذكور. وأدى اطلاق النار الى مقتل أحد الجنديين. ولدى استغاثة الجندي الآخر بالقوات الاسرائيلية، وردت أفواج منها الى شارع الحمراء محاولين الوصول اليه من الشارع المقابل للمقهى والذي تواجد فيه مسرح البيكاديللي ومحلات "الحذاء الأحمر". المضحك في الأمر، أن الجنود كانوا منبطحين على بطونهم، ويتقدمون زحفا نحو مقهى الويمبي الذي لم يبعد عنهم الا أمتار قليلة. وكان ذلك يجري تحت نظر وسمع المارة الكثر الذين كانوا يسيرون بشكل طبيعي حول أولئك الجنود والى جانبهم، متضاحكين ومستهزئين بالجنود الذين كانوا فزعين جدا ويحملون الأمر محمل الجد، دون أن يقدروا بأن من ضرب قد ضرب وهرب، ولم يعد له أو للمهاجمين وجود في الموقع. كان المنظر مضحكا وكأنه يجري في فيلم هزلي يستجدي فعلا السخرية والضحك.

أما الواقعة الأخرى، فقد تمثلت بعمليات التفتيش الاسرائيلي عن الأسلحة، خصوصا تلك المتواجدة بأيدي الميليشيا اللبنانية والتنظيمات الحزبية المسلحة. اذ كانت تبحث عنها سعيا لمصادرتها وتجريد تلك المجموعات منها. لكن عدة عمليات تفتيش بحثا عن السلاح، كانت تجري يوميا في بيروت وفي ضواحيها، دون أن تعثر القوات الاسرائيلية على أي كم جدي من تلك الأسلحة.

ولم أتفهم آنئذ السبب وراء اختفاء تلك الأسلحة، وتعذر نجاح الاسرائيليين بالعثور على كميات جدية منها. ولكني في أحد الأيام، كنت أستضيف أحد الأصدقاء على العشاء. وكان الصديق درزيا وينتمي لميليشيا درزية. فبعد تناوله العشاء الذي التهمه بسرعة، استأذن بالمغادرة على عجل، فسألته عن السبب في الاستعجال، فقال: "هناك عملية تفتيش اسرائيلية غدا لموقعنا بحثا عن الأسلحة". وسألته عن السبب الذي لا يؤدي الى عثور الاسرائيليين على كميات جدية من الأسلحة بين أيدي التنظيمات المسلحة التي كانت على أرض الواقع تمارس عمليات مقاومة لهم. وهنا ضحك طويلا وقال: "نحن نعلم بموعد وصول اللجنة الباحثة عن الاسلحة, مرات بطريق غير مباشرة، ومرة لأن الاسرائيليين يبلغوننا بأننا قادمون غدا للبحث في موقع (كذا) عن الأسلحة. وهنا يبادر الاخوة المنضمون تحت تلك الميليشيا أو التنظيم، الى نقل الأسلحة الى موقع آخر... وغالبا ما ننقلها الى موقع سبق تفتيشه واعتبر من الاسرائيليين خاليا من الأسلحة الخطيرة". وأضاف الصديق: "وأنا الآن ذاهب للمشاركة في نقل الأسلحة من الموقع الذين نعلم بأنهم سيقومون غدا بتفتيشه".

وهنا ضحكت طويلا، ولم أستطع أن أجزم ان كان الاسرائيليون يتصرفون حقا بغباء كهذا، أم كانوا يتصرفون به عمدا كي يتركوا السلاح بين أيدي الميليشيات اللبنانية، لتمكينهم من مواصلة التقاتل مع الجناح الآخر من اللبنانيين (أي الجناح المسيحي)، اذا ما اضطر الاسرائيليون للانسحاب من بيروت. وقد انسحبت القوات الاسرائيلية فعلا بعد توقيع اتفاق سلام لبناني اسرائيلي وقعه الرئيس أمين الجميل الذي انتخب ليحل محل شقيقه في مركز رئاسة الجمهورية. الا أن المقاومين اللبنانيين رفضوا ذاك الاتفاق الذي لم يدم طويلا.

وتجددت الحرب الأهلية اللبنانية فعلا بعد انسحاب الاسرائيليين من بيروت، وحلول قوات دولية محلهم مكونة في معظمها من الأميركيين والفرنسيين. وتعرض عندها الأميركيون، بعد مغادرتي لبيروت وعودتي الى عمان، لعملية تفجير كبرى في أحد قواعدهم، أدت الى مقتل أكثر من مائتي جندي أميركي، شكلت الخسارة الأكبر في صفوفهم منذ حرب فيتنام. وتعرضت قاعدة فرنسية بعد أيام قليلة، لعملية تفجير انتحارية أخرى أدت الى مقتل أكثر من خمسين منهم. وهكذا اضطرت تلك القوات أيضا أن تغادر بيروت كما سبق وغادرتها القوات الاسرائيلية أيضا، مما أتاح للحرب الأهلية اللبنانية أن تشتعل مجددا وتسقط معاهدة السلام اللبنانية الاسرائيلية الهشة.

ولكن قبل الانسحاب الاسرائيلي، كان من الضروري للاسرائيليين ولحلفائهم من القوات اللبنانية، أن يضيفوا مزيدا من الضحايا لقائمة من قضوا خلال الحرب والحصار. فنفذت القوات اللبنانية تحت اشراف القوات الاسرائيلية ووزير دفاعهم آرييل شارون، مذبحة كبرى في مخيمي صبرا وشاتيلا. وستكون الحلقة القادمة مخصصة لسرد تفاصيل تلك المذبحة التي كنت أول من فجر أخبار وقوعها للعالم كله، والتي كاد زميلي ورفيقي رائف ديباجة ومساعده خالد المقيمان في المخيم وضواحيه... من ضحاياها، لولا عملية جيمس بوندية نفذتها، وتمكنت بها من انقاذهم من موت شبه محقق لاقاه أكثر من الفين من المقيمين في المخيمين.















رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,004,349,319
- أردوغان: الفراشة التي تتراقص حول المصباح المضيء الساطع، متى ...
- أزمة الفساد في العراق وقضية تواجد خلايا نائمة للدولة الاسلام ...
- بعد أوكرانيا، مساع أميركية لفتح جبهة أرمينيا-أذربيجان، تشاغل ...
- بعد تدمر، هل تتوجه العمليات العسكرية القادمة الى الرقة، دير ...
- من جعبة ذاكرتي الفلسطينية - 6: بصمات فلسطينية في ثورة ايران ...
- التناقض الغريب في موقف الولايات المتحدة بصدد مقاتلة الدولة ا ...
- بداية الارهاب في اوروبا مع احتمالات انحسارها في سوريا وانكما ...
- كتاب مفتوح للقادة في دول تضم بيرناردينو، باريس، بيروت، بن قر ...
- أسباب التفاوت في الموقف الأميركي نحو الدولة الاسلامية في الع ...
- من جعبة ذاكرتي الفلسطينية -5 : عندما أنقذتني ورقة من -فتح-، ...
- عودة الدماء للجريان في شرايين جسم تنظيم القاعدة
- من جعبة ذاكرتي الفلسطينية–4: فاروق القدومي والرسالة السرية ا ...
- من جعبة ذاكرتي الفلسطينية – 3 : عندما قدم عرفات خدمة شخصية ل ...
- من جعبة ذاكرتي الفلسطينية– 2: أنا والشهيد -أبو جهاد-
- تصنيف حزب الله كمنظمة ارهابية، يسعى لاضعاف آخر قوة عربية قاد ...
- لقائي الأول مع ياسر عرفات (أبو عمار)
- ما المقصود بخطة ب؟ تفتيت سوريا أم تكريس ظهور قطبين جديدين ال ...
- هل ننتظر -سيسي- تركي يريح انقره من أردوغان، كما أراح السيسي ...
- صراخ ضد قتل يحصد خطأ بعض الأرواح، وصمت ازاء قتل يحصد أرواحا ...
- الهدية في فالنتاين ليست وردة حمراء، بل تسامح وتعايش مع الآخر ...


المزيد.....




- يمكنك الآن استخدام -الماريغوانا الترفيهية- في كندا
- مقتل فلسطيني على الأقل في غارات جوية إسرائيلية على قطاع غزة ...
- وزير الداخلية التركي: لدي قناعات قوية في قضية خاشقجي لا أستط ...
- لاغارد تؤجل زيارتها إلى الرياض
- تدمير مقاتلة أف 16 بلجيكية خطأ في قاعدة عسكرية جنوب البلاد
- تونس تشجع على القراءة وتدعم قطاع النشر بتنظيم معرض وطني للكت ...
- تدمير مقاتلة أف 16 بلجيكية خطأ في قاعدة عسكرية جنوب البلاد
- قوات إيرانية تشارك بتأمين مراسم دينية في كربلاء
- مصادر تكشف تفاصيل عن -العقل المدبر- لعملية خاشقجي
- عضو بمجلس بغداد: جهات سياسية مازالت تمول داعش


المزيد.....

- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما
- مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق الدولة الريعية من المركزية ا ... / مظهر محمد صالح
- الحكم الصالح وإدارة الدولة / جاسم محمد دايش
- صلوات سياسية ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الإخفاقات الذريعة ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الضعف الاستراتيجي لقطاع السياحة في مصر / مجدى عبد الهادى
- الفيدرالية في اليمن.. ماضياً وحاضراً (ورقة بحثية) (الحلقة ال ... / عيبان محمد السامعي
- Dialog oder Crash der Kulturen in Deutschland? / كاظم حبيب
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية 6-12 قوانين الديالكتيك.. / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميشيل حنا الحاج - من جعبة ذاكرتي الفلسطينية - 7: أيام عصيبة لدى حصار بيروت ومغادرة عرفات لها.