أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إبراهيم جركس - صوت الله















المزيد.....


صوت الله


إبراهيم جركس

الحوار المتمدن-العدد: 4829 - 2015 / 6 / 6 - 15:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


صوت الله

موسى سمع صوت الرب يناديه ويحدّثه من أجمة محترقة وينبعث منها اللهب... يسوع كان يسمع صوت والده الذي في السماء وهو يخاطبه... محمد سمع صوت الملاك جبريل وهو معتزل في غار حراء... أغلب القديسين والأولياء كانوا يسمعون أصوات غريبة تحدثهم وتخاطبهم... ماطبيعة هذه الأصوات؟... أهي ذات مصدر إلهي قدسي؟... أم هي مجرّد هلوسات سمعية تحدث داخل رأس السامع المهلوِس؟
أغلب الناس يختلط عليهم المفهوم الذي يقول أنّ الله كامنٌ بداخلهم. وأحد الكتب الهامة التي يمكن أن تغيّر وجهة نظرهم بشكل راديكالي بشأن هذه الإمكانية _والتي نحن بصدد ترجمتها الآن إلى العربية ونشرها في هذا الموقع_ هو كتاب ((أصل الوعي في انقسام العقل الثنائي The origin of Consciousness in the Breakdown of the Bicameral Mind)) للدكتور جوليان جاينز. هذا الكتاب أُلّفَ من وجهة نظر علمية، لادينية، ومادية-عصبية بحتة، وهو يعالج فكرة الله كنتاج للعمليات العصبية التي تحدث في الدماغ: فمعتقداتنا الدينية ناتجة من الطريقة التي ترتبط بها العصبونات داخل أدمغتنا.
الدماغ البشري يتكوّن من نصفي كرتين دماغيتين مرتبطان مع بعضهما برباط ثخين من الأنسجة الموصلة التي تسمى بالجسم الثفني corpus callosum. كلا نصفي الكرة الدماغية غير متطابقان. فعند الأشخاص الذين يستخدمون يدهم اليمنى، يكون نصف الكرة الدماغية الأيسر هو المسيطر، والمتحكّم بالطرف الأيمن من الجسم، في حين أنّ نصف الكرة الدماغية الأيمن يتحكّم بالطرف اليساري الأضعف نسبياً من الجسم. مصطلح "الثنائي" هنا يعني "ذو الحجرتين" وهو يقدّم طريقة مثالية لوصف الدماغ البشري بشقّيه المختلفين لكن المترابطين في الآن نفسه.
نصف الكرة الدماغية الأيسر عادة يعتبر مركز اللغة والعمليات المنطقية، في حين أن نصف الكرة الدماغية الأيمن يعتبر أنّه مركز الحدس الفني، الرياضيات والموسيقى. العلماء المصابون بالتوحّد يظهرون مهارات تقنية مذهلة في مجالات الفن، الرياضيات، والموسيقى لكنهم يعتبرون عادةً متأخّرون في مجالات اجتماعية أخرى كاللغة، المنطق، والتعاطف. ويعتقد أنّ هؤلاء الأشخاص كانوا قد عانوا من صدمة في نصف الكرة الدماغية الأيسر وهم في رحم أمهاتهم وذلك بسبب استجابة غير طبيعية لهرمون التستسترون، ممّا يؤدّي إلى هيمنة نصف الكرة الدماغية الأيمن. المرضى الذين عانوا من سكتات دماغية في نصف الكرة الأيسر عرف عنهم أنّهم مرّوا بتغييرات جذرية في حياتهم وأظهروا مهارات فنية وموسيقية ورياضية عالية المستوى لم تكن واضحة أو موجودة لديهم سابقاً.
يتميّز نصف الكرة الدماغية الأيسر بأنّه انتقائي، مركّز، ومنهجي. إنّه ينتقي المعلومات ليسمح برية "الصورة الكبرى". أمّا الدماغ الأيمن، من جهةٍ أخرى، فإنّه يتعامل مع كافة المعلومات والتفاصيل التي تجاهلها واصطفاها الدماغ الأيسر. لذلك فمجتمعنا هو مجتمع الدماغ الأيسر الذي يرى "الصورة الكبرى"، لكن هذا لايعني أنّه كان دوماً هكذا. تنصّ فرضية جوليان جاينز الراديكالية أنّ مانعتبره على أنّه "الوعي الحديث أو المعاصر" مرتبط بشكل حميمي ووطيد بالهيمنة المتطوّرة للدماغ الأيسر، وبالتحديد إلى تطوّر اللغة والكتابة. أمّا قبل ذلك، كان الدماغ الأيمن هو المسؤول، وما نعتبره الآن كوعي لم يكن موجوداً آنذاك. في الواقع، يعتقد جاينز أنّ الوعي الإنساني كما نعرفه الآن ونفهمه لم يوجد إلا منذ حوالي ثلاثة آلاف عام.
أمّا ماكان موجوداً قبل الوعي فكان "العقل الثنائي". يجادل جاينز أنّ البشر، ما أن تعلّموا بدايات اللغة الاعتباطية، بدؤوا يمرّون بنوع من الهلوسات السمعية في أوقات التوتر والشدّة. كانوا يسمعون أصواتاً داخل رؤوسهم تأمرهم بالقيام بأفعال معينة: "قاتل"، "اهرب"، "اشرب"، "استرِح"، "اذهب للصيد"، "كُلْ"، "ابحث عن مأوى" وهكذا. أمّا صوت الهلوسة المسموع فكان هو صوت زعيم القبيلة أو شخصية قيادية ما. ينفّذ الشخص الأوامر بشكل أعمى وبدون تشكيك. لم يكن هناك وجود لأي شكل من أشكال الوعي يسمح بمعالجة هذه الأوامر، أو التمعّن فيها أو الامتناع عن تنفيذها. كان يتمّ تنفيذها بشكل تلقائي وآلي. وحتى عندما كان يموت زعيم القبيلة، كان يظلّ صوته المهلوس مسموعاً لزمنٍ طويلٍ بعد وفاته. بهذا الشكل، كان يبدو وكأنّه لم يمت فعلياً. هل تمّ رفع زعيم القبيلة إلى مرتبة "الإله" في هذه المرحلة؟ (يرى جاينز أنّ هذا هو أصل الاعتقاد بالحياة بعد الموت وبالحساسية الدينية عند البشر). ومع زيادة تعقيد المجتمع، ظهرت أصوات إضافية أخرى تعكس أصوات زعماء آخرين وآلهة أخرى.
العقل البشري الثنائي يتمتّع ببنية /سيّد-عبد/ متأصّلة فيه: أحد جزئي الدماغ يصدر الأوامر، والجزء الآخر ينفّذها على الفور. ممّا يسمح بحدوث استجابة فورية وسريعة وحاسمة في الأزمات والمواقف الخطرة. إنّها نمط أكثر تعقيدًا من السلوك الحيواني، وأغلبها مبرمج مسبقاً وغريزي. الحيوانات لاتفكّر بسلوكها أو تصرّفاتها، ولا تستغرق الكثير من الوقت لتفكّر بالذي يجب أن تقوم به، ولا العقل الثنائي يقوم بذلك.
حسب أطروحة جاينز، الأصوات المهلوسة تظهر في نصف الكرة الدماغية الأيمن للدماغ وتُسمَع في النصف الأيسر. كان الدماغ الأيمن هو السيد يصدر أوامر تنفيذية صارمة، والدماغ الأيسر هو العبد الذي ينفّذ تلك الأوامر بطواعية وبشكلٍ أعمى. من هنا جاءت النزعة البشرية إلى علاقات /سيد-عبد.
يعتقد جاينز أنّ نموذجه يقدّم باباً مفتوحاً على مصراعيه لفهم عملية التنويم المغناطيسي. الصوت السلطوي الآمر للمنوَم يصبح هو صوت الدماغ الأيمن السيّد الذي كان يتحدّث من قبل إلى البشر. أمّا الدماغ الأيسر فينقلب ويعود إلى حالته العبودية الأولية الغريزية ويطيع أوامر السيد طاعة عمياء.
في برنامج تلفزيوني يقدّمه الساحر البريطاني الشهير ديرين براون، كان يرنّ هاتفاً عمومياً وينتظر أن يجيب أحد من المارّة على مكالمته. ما أن يأتي شخص ويرفع السماعة، كان الساحر يصرخ ""اذهب للنوم!". الغريب أنّ العديد من هؤلاء الذين أجابوا على المكالمة كانوا يسقطون على الفور أرضاً ويغطّون في نومٍ عميق. أمّا تفسير براون لهذه الحالة فهو أنّ هؤلاء الناس كانوا قابلين جداً للإيحاء. وقد أشار بأنّ أغلب الناس سيتجاهلون هاتفاً عمومياً يرنّ في مكانٍ عام، مفترضين أنّه رقم خاطئ ويعرفون أنّهم ليسوا المقصودين. أمّا أولئك الذيم استجابوا للمكالمة فإنّهم يتمتّعون بسمات سلوكية بافلوفية: فهم يشعرون بأنّهم ملزمون بالإجابة على الهاتف والتقاط السمّاعة إذا كان يرنّ، بغضّ النظر عن الموقف أو الحالة أو الظرف، وكأنّهم مبرمجون منذ ولادتهم لفعل ذلك، ولايملكون أي خيار واعي لذلك. هل "القابلية للإيحاء" هي أثر باقٍ من آثار العقل الثنائي القديم؟
خلال ستينيات القرن الماضي، أشيع أنّ جهاز الاستخبارات المركزية CIA كان يجري أبحاثاً عن "التحكّم من خلال الصوت"، كجزء من مشروع MK-Ultra بالغ السرية. الفكرة كانت تتلخّص في استخدام نوع من التنويم المغناطيسي السماعي عن طريق الهاتف للسيطرة على الشخص في الجانب الآخر من الخط. عميل يستخدم أوامر صوتية غير ملحوظة ونغمات سمعية معيّنة للسيطرة على سلوك السامع والتحكّم به ثمّ التلاعب به لتنفيذ الأهداف المطلوبة منه. وقد قيل أنّ نصف الدماغ الأيمن كان أكثر تأثّراً من الأيسر ويمكن استهدافه بسهولة. ما أن يتمّ السيطرة عليه حتى يستخدم لتوجيه نصف الدماغ الأيسر. بعدئذٍ يصبح من الممكن محو ذاكرة الشخص المستهدف لينسى تماماً ما الذي حدث. هذا الإجراء متوافق تماماً مع نظرية جاينز.
هل الشيزوفرينيا أو الفصام، حيث يسمع المصابون بها أصواتاً تأمرهم بالقيام بأفعال معينة، هي انتكاس إلى مرحلة العقل الثنائي القديم؟ هل "الأصدقاء الخياليين" الذين يختلقهم معظم الأطفال هم نتيجة العقل الثنائي القديم؟
هل الأطفال الصغار واعين؟ كم واحداً منّا يستطيع تذكّر تفصيل واحد حتى من سنواتنا الأولى؟ ومع ذلك فإنّنا قد قمنا بالكثير من الأمور، مع أنّنا لم نكن واعين بأي شكل يمكننا تذكّره. ربّما كنّا منقادين بالعقل الثنائي خلال فترة طفولتنا، وهلوسات أصوات أهالينا هي التي كانت تطنّ في رؤوسنا وتخبرنا ألا نقوم بأمور معينة إذا كانوا غائبين عنا. لايمكننا تذكّر هذه المرحلة في حياتنا لأنّنا لم نكن نمتلك وعياً لتنظيم ذكرياتنا. الأطفال خلال مرحلة طفولتهم يظهرون سمات مماثلة للمصابين بالتوحّد، فهم لايفهمون مفاهيم معيّنة كالخداع والتعاطف والشفقة. وبنفس الشكل لم يكن البشر الأوائل ذوي الأدمغة الثنائية يفهمون هذه المفاهيم. هل المصابون بالتوحّد يتصرّفون وفقاً لعقلية ثنائية؟
هل القائد الذي يتمتّع بكاريزما قيادية فذّة ويمتلك مهارات لغوية تنويمية _شخص ما كهتلر مثلاً، أو موسوليني، أو عبد الناصر، أو مارتن لوثر كينغ، أو حسن نصر الله، أو فيديل كاسترو_ يجسّدون صوت الهلوسة للزعماء القبليين أو الآلهة في الأزمنة التي ساد فيها العقل الثنائي؟ ألهذا السبب يلهمون الجماهير بهذا الإخلاص ويسيّرون الحشود بإمرتهم؟ في أوقات الحملات الانتخابية والاقتراع، هل ينقلب البشر إلى ذواتهم الثنائية البدائية؟ ألهذا السبب هم يحبّون القادة الأقوياء، السلطة، المشاهير والنجوم الأثرياء؟ هل وضعوا هؤلاء الناس في مصاف الآلهة الثنائية القديمة؟ هل الحشود الغوغائية ماهي إلا تجسيد للعقلية الثنائية في أوج تخبّطها؟ القائد يأمر والغوغاء تطيع بشكل أعمى. هل التراتبية الوظيفية حيث يشعر الناس أنّهم مجبورون على إطاعة مدرائهم الحمقى وغير الكفوئين ماهي إلا انتكاسة إلى العقلية الثنائية القديمة؟ فالناس يقولون أنهم يخشون خسارة وظائفهم إذا لم يطيعوهم. من الواضح أنهم أقل تخوّفاً من خسارتهم لاحترامهم لذواتهم.
عندما صعد موسى إلى قمّة جبل سيناء وقابل يهوه، عندما ذهب محمد إلى جبل حراء واعتزل في الغار وقابل الملاك جبريل، عندما تحدث يسوع مع والده السماوي، هل كانوا جميعهم يمرّون بحالات أو نوبات "عقلية ثنائية"؟ ويعتقد أنّ هذه النوبات تتكرّر بشكلٍ أكبر إذا كان الشخص صائماً، أو في حالة عزلة وتأمّل. باختصار، إذا كانت لوحدك في البرية لأربعين يوماً، فستكون الفرصة لإصابتك بنوبة عقلية ثنائية مرتفعة. هل هذه النوبات هي أساس مايسمّى بـ"الوحي الإلهي" عند اليهودية والمسيحية والإسلام؟ هل "كلام الله" هو نفسه "صوت الله"؟
في تجربة شهيرة وفريدة من نوعها قام بها العالم بنجامين ليبيت، يقدّم دليلاً قوياً على أنّ الوعي يشمل إدراكاً ارتجاعياً لأحداث تمّ التقرير بشأنها مسبقاً من قبل الدماغ، أي أنّ الإرادة الحرة قد تكون مجرّد وهم. لكن هناك تفسيراً آخر محتملاً. ربما الدماغ الثنائي الأقدم يتصرّف قبل العقل الواعي، إلا أنّ الهلوسة الصوتية المسموعة ما هي إلا صمت. عندها يدرك العقل الواعي الحدث وكأنّه من عمله الخاص.
هل شعور الشفقة والتعاطف، أو قدرتنا على وضع أنفسنا مكان الغير وتصوّر ماقد يفكّر فيه الآخر أو يشعر به، قد تطوّر عن العقل الثنائي القديم والعقل الواعي الجديد وهما يحاولان فهم بعضهما الآخر ويبحثان عن نوع من التناسق والفهم المتبادل بينهما؟ بمعنى آخر، كان شعور الشفقة، حسب وجهة النظر هذه، داخلياً في الأصل قبل أن يمتدّ إلى الآخرين، وربّما نابعٌ من دماغنا ذو الحجرتين. فنحن بإمكاننا إجراء عملية محاكاة للشخص الذي نتعاطف معه داخل نصف دماغنا الأيمن، في حين أنّنا نقارنه بأنفسنا داخل نصف دماغنا الأيسر. هذه مقدرة تطوّرت عن عقلنا الثنائي الأقدم. إذ أنّ نصف الدماغ الأيمن في الماضي كان يصدر "صوت الإله"، وكان نصف الدماغ الأيسر يطيع، بينما الآن بات بإمكان نصف الدماغ الأيسر خلق أي صوت داخل نصف الدماغ الأيمن والتعامل معه على أنّه شخص آخر منفصل. قد تصبح المحاكاة قوية جداً ونشيطة لدرجة أنّ الصوت المخلوق قد يبدو حقيقياً في النهاية. بعض الروائيين زعموا أنّ شخصياتهم الخيالية قد طغت عليهم وكتبت كتابها الخاص، بدون أي تدخّل واعي من الكاتب. هؤلاء الروائيين يقولون أنّ بإمكانهم تصوّر وضع الشخصية في أي موقف حتى خارج سياق الرواية، ومعرفة كيف ستتصرّف الشخصية بالضبط. وهذه حقيقة متّفقة مع العقلية الثنائية، بشخصية مختلقة تتكلّم بصوتها الخاص، وتعيش حياتها الخاصة.
هل حبّنا للتمثيل وأخذ الأدوار، القص والرواية والخيال، لتقليد الآن وشخصنة الشخوص الخيالية، لافتراض هوية لألعاب الكومبيوتر، هل هذه الأمور جميعها مرتبطة بالوجود المتأصّل لطبيعة ثنائية نابعة من النصفين الدماغيين الأيمن والأيسر، ومن العقل الواعي الحديث والعقل الثنائي القديم؟ أظهرت الدراسات وجود فروقات في الطريقة التي يستخدم فيها كل من الرجال والنساء نصفي دماغهم الأيمن والأيسر. هل المرأة ميّالة أكثر للسلوك الخاضع والطيّع لأنّها أكثر ثنائيةً من الرجل؟ هل الهوس الإنساني بالأضداد، وبالمنطق الثنائي، مردّه إلى العقلية الثنائية؟ هل مفاهيم مثل "المزدوج"، "البديل"، الظل، و"الآخر" جميعها مرتبطة بشدّة مع العقلية الثنائية؟ هل الجذر النهائي لثنائية الخير والشر يكمن في ثنائية العقل؟ ليس هناك فعلياً أي مجال في الحياة الإنسانية لايمكن اعتباره كنوع من أنواع الظواهر الثنائية.
هل الجنس البشري كنوع ميّال للإصابة بالهلوسات الفردية والجماعية بسبب هذه العقلية الثنائية؟ هل يعقل أن بإمكان البشر خلق مثل هذه المحاكاة القوية "لأصوات" أخرى يناشدونها فعلياً بوصفها آلهة، أشباح، أرواح، أخيلة، مصاصي دماء، مستذئبين، وغيرها من الوحوش والكائنات الغريبة التي يمكن أن تخطر ببال الكائن البشري، ثم الإيمان بها وبأنّها حقيقية وموجودة فعلياً؟
بعض المرضى يعانون من شخصية مهلوسة يزعمون أنّ هذه الهلوسة تعرف عنهم أكثر ممّا يعرفونه هم عن أنفسهم. ماذا يعني ذلك؟ ربما أنّ الدماغ الأيمن، والذي يستطيع الولوج إلى جميع التفاصيل التي صفّاها وفلترها الدماغ الأيسر، يمتلك بداخله حصيلة معرفية أعظم وأغنى بكثير. إنه يحتوي جميع الحقائق والأفكار والذكريات التي نسيها الدماغ الأيسر منذ أمَدٍ بعيدٍ جداً.
بعض الناس يجرون عمليات "فصل دماغ" من ضمنها إجراء يقتضي تدمير منطقة الجسم الثفني. أيمكن أن تؤدي هذه العملية إلى خلق شخصين منفصلين لدى المريض بدلاً من شخص واحد؟ لم يتمّ إجراء أي بحث علمي كافٍ حتى الآن على مرضى عمليات فصل الدماغ. لكنهم قد يمسكون المفتاح لإقناع العالم حول واقعية فرضية العقل الثنائي.
كلمة "بارانويا/جنون الارتياب" تعني حرفياً وجود عقل آخر بجانب عقل المرء. وهذا بالضبط معنى الثنائية bicameralism.
هل مرض تعدّد الشخصية (MDP) _عندما تنقسم شخصية إنسان ما إلى شخصيتين أو أكثر_ ناتجٌ عن الثنائية؟. هل آلهة الشعر أو شياطين الشعر التي تلهم الشعراء والكتّاب والفنانين، هل هي أصوات ثنائية صادرة عن العقل الثنائي؟ متلازمة توريت، هل هي عبارة عن صوت ثنائي داخلي ينبعث فجأةً داخل الرأس وبطريقة لاإرادية؟ هل كون المرء "ممسوساً"هو تعبير عن صوت ثنائي قديم يظهر على جسد الإنسان؟ وفي حالات التعاويذ وطرد الأرواح، فهل الذي يتمّ تسكينه عبارة عن "شيطان" ثنائي؟ عرّافة معبد دلفي الشهيرة، هل كانت هذه الكاهنة تستنطق أفكار إله كانت تهلوس به؟
في روما القديمة، كان "ذكاء" الإنسان هو مرشده وحاميه وروحه الحارسة. هذا "الذكاء" يمكن تأويله بسهولة على أنّه صدى للدماغ الثنائي القديم.
عندما كان سقراط يُحاكَم، كان قد تحدّث عن شيطان كان يساعده ويمدّ له يد العون في أوقات الشدّة والأزمات. وقد وصفه على النحو التالي: ((...نوع من الأصوات التي تأتيني، وكانت كذلك منذ عهد طفولتي، وعندما كانت تأتيني كانت تنصحني بالعدول عن القيام بما كنت سأقوم به، ولم تكن تشجّعني على ذلك أبداً)). أشار جون ميلتون إلى "راعي سماوي" كان يلهمه شعره. ويبدو أنّ وليم بليك قد عاش حياته بين وفرة من الأحلام والرؤى والهلوسات السماعية. وقد بلغ فاغنر ذروته الإبداعية عندما بحث في داخله عن أفكاره الموسيقية بدلاً من البحث في العالم الخارجي. أمّا عالم الرياضيات فرانسيسكو تشاتلين فقد قال أنّه سمع صوتاً علّمه طريقة جديدة لفهم الأرقام والرياضيات.
هل حالات اختلال المزاج ثنائي القطب (أو الهوس الاكتئابي)، والتي يعاني منها الكثير من الفنانين، مرتبطة بالعقلية الثنائية؟ فخلال النوبات، نرى أنّ المصاب مفرط في النشاط، العواطف والإبداع. هل هو في هذه الحالات يشعر بأصوات مسموعة في رأسه، حيث أنّنا نراه صامتاً لكنّه يوجّه حركاته، غارقٌ في بحر ذكريات الصوت الثنائي؟ المرحلة الاكتئابية ستظهر وتنطلق عندما يختفي "الصوت الداخي أو الهلوسة" وسيدخل المرء في مرحلة اكتئاب ليوجّه سلوكه هو بنفسه، أو قد تتفاقم حالته لتصل إلى مرحلة مرضية وحتى إلى محاولات الانتحار. وهنا لاننسى محمد بن عبد الله عندما حاول الانتحار بإلقاء نفسه من تلّة عندما فتر الوحي وانقطع عنه. سنلاحظ علامات الذهول والفاجعة مرسومة عليه وكأنّه فقد شيئاً ثميناً.
بعضهم يقول أنّ الصوت الثنائي اللاوظيفي القديم قد يكون موازياً لمفهوم "الظلّ" الذي وضعه يونغ للشخصية، أو لمفهوم الـ"هو" الفرويدي. فما يشار إليه على أنّه "اللاوعي" ربّما قد يكون تفاعل أو تداخل بين العقل الواعي الحديث والعقل الثنائي القديم. في حالات معينة، وفي حالات التوتر الشديد بشكلٍ خاص، قد يطفو العقل الثنائي على السطح بوصفه عنصراً أكثر صرامةً ونشاطاً من العقل الواعي.
عندما ينجح الثملون في الوصول إلى منازلهم من البارات والخمّارات ودون أن يكون لديهم أي ذكريات خلال طريقهم من البار إلى منزلهم، فتسمعهم يقولون في بعض الحالات أنّهم كانوا في وضعية الطيار الآلي، أو أنّهم لايعرفون كيف وصلوا إلى منازلهم، لكن ربما ذلك هو الصوت الثنائي الداخلي القديم الذي قادهم وأرشدهم ليصلوا إلى منزلهم بأمان. ماذا عن حالات المشي أثناء النوم؟ هل قاموا من فراشهم بفعل صوتهم الثنائي الداخلي لذلك لايتذكّرون شيئاً بعد استيقاظهم؟ أمّا بالنسبة للأحلام، فالبشر ليس لديهم أدنى فكرة عن خلفية الأحلام أو من أين تنبع أحداثها. بل يتمّ إيقاظهم ليخبروا عمّا كانوا يحلمون به. وهذا يعني بطبيعة الحال أنّ عقلهم الواعي يحاول التدخّل وفهم هذه الصور القليلة التي يستطيع تذكّرها. من الممكن أنّ أرض الأحلام هي المسرح الخصب للعقل الثنائي أكثر من العقل الواعي، وفيه يحاول أن يبلغ رسائله لوعينا، حيث أنّ أغلب هذه الرسائل تبقى منسية مالم تكن واضحة وجلية تماماً. يعتقد جاينز أنّ البشر ذوي العقلية الثنائية لم يكونوا يحلمون بتاتاً. حيث أنّهم لم يكن لديهم شعور "بالذات". هم لم يكونوا يتصوّرون أنفسهم في أماكن أخرى، وأزمنة مختلفة ومواقف مختلفة أخرى، كما يفعل البشر ذوي العقلية الواعية الحديثة في أحلامهم. إنّما كان الإنسان الثنائي يختبر نفس الأصوات والهلوسات في منامه كما في يقظته، بمعنى أنّه كان يسمع أصواتاً تحدثه، مرفقةً بصور لزعماء قدماء أمواتاً، وآلهة، وأبطال وملائكة وعفاريت. يعتقد جاينز أيضاً أنّ اللقاء الجنسية بين القدماء الثنائيين كانت مملّة ونادرة إذ أنّهم كانوا يفتقرون إلى المخيلة _وخصوصاً الجنسية_ لترفع من إثارتهم. والحال أنّ الناس الثنائيين بعيدين تماماً عن المعاصرين الحاليين بقدر بعد إنسان نياندرتال عنهم، على حدّ تعبير جاينز.
هناك مجموعة من الأشخاص يطلقون على أنفسهم اسم "حركة سماع الأصوات Hearing Voices Movement" يزعمون أنّ مابين 2% إلى 4% من سكان العالم يسمعون أصواتاً بشكلٍ متكرّر، لكن حوالي ثلث هؤلاء يصبحون مرضى عقليين ويدخلون المصحّات العقلية. بمعنى آخر، هناك أناسٌ يسمعون أصواتاً لكنّهم يتكيّفون معها ويعيشون حياةً طبيعية. وأحد الأمثلة على ذلك هو العالم جون ناش، الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، تمكّن في النهاية من التكيّف مع الأصوات التي كان يسمعها طوال حياته.
هناك ظاهرة غريبة تعرف "بالشخص الثالث"، وهذه التسمية مستوحاة من قصيدة ت. إس. إليوت "أرض اليباب":
من هذا الشخص الثالث الذي يسير بجانبك دوماً؟
عندما أعُدّ، هناك أنا وأنت معاً فقط.
لكن عندما أنظر إلى أعلى الطريق الأبيض،
هناك دائماً شخص آخر يسير بجانبك.
الفكرة هنا هي أنّه في أوقات التوتر الشديد، يظهر أمامك كيان غريب قد يحدّثك وربما يرشدك، ويبعدك عن الخطر. الكثير من الناس في مواقف مهدّدة للحياة وصفوا وجود كيان محسوس يرشدهم ويحادثهم. في الحقيقة أغلبهم كان يزعم أنّ هذا الكيان ذو أصل إلهي أو قدسي، أو يقول أنّه ملاك حارس. أغلب متسلّقي الجبال، الرياضيين، والطيارين المحلّقين على ارتفاعات عالية أبلغوا عن وجود شخص ثالث. عادةً يرجع العلماء هذه الظاهرة إلى نقص في الأكسجة بالدماغ ممّا يؤدّي إلى انهيار الوظائف الدماغية، ثمّ الهلوسة. وظاهرة أخرى من نفس النوع تعرف بظاهرة الحضور المحسوس sensed-present effect" وهي الشعور بأنّ هناك أحد ما أو شيء ما موجود معنا في نفس المكان. هناك ظروف وأحوال أخرى تصاحب الحضور المحسوس منها: التوتر، الظلمة، المناظر الطبيعية القاحلة والموحشة، العزلة، البرد، الإصابة، التجفاف، الجوع، التعب والوهن، الخوف، والحرمان من النوم. شعر تشارلز ليندبيرغ بوجود "حضور شبحي" خلال عبوره للمحيط إلى باريس على متن الطائرة. وقد شعر متسلّق الجبال النمساوي الشهير هيرمان بوهل بوجود محسوس بعد صعوده قمّة نانغا باربات التي يبلغ ارتفاعها 266660 قدم حيث قال واصفاً الأمر: ((... أرى نقطتين. كنت أصرخ بفرح... كنت أسمع صوتيهما أيضاً، أحدهم كان يناديني "هيرمان"، لكني سرعان ما أدركت أنّهما كانتا صخرتين... هذا المشهد يتكرّر بشكل دائم... أسمع أصواتاً، أسمع أحدهم ينادي اسمي بوضوح وجلاء _[لكنّها مجرّد] هلوسات وأوهام... كان ينتابني شعور قوي بأني لم أكن لوحدي)). ويقول الباحث الشكوكي مايكل شيرمر أنّ ((مهما كانت أسبابها المباشرة (الحرارة، الارتفاع، نقص الأكسجة في الدماغ، الإرهاق والوهن الجسدي، الحرمان من النوم، التضوّر جوعاً، الوحدة، الخوف) فإنّ أهم سبب وراء تأثير الحضور المحسوس موجود داخل الدماغ: 1) امتداد للحضور المحسوس الطبيعي الذي نشعر به للناس من حولنا، 2) صراع بين طريق العواطف البطيء وطريق العقل السريع، 3) صراع داخل أنظمة الجسم، أو إحساسنا المادي بالذات، حيث ينخدع الدماغ ويظنّ أنّ هناك أحدٌ آخر، 4) صراع داخل نظم العقل، أو شعورنا السيكولوجي/النفسي بالذات، حيث ينخدع الدماغ ويظنّ أنّ هناك عقل آخر.)) [راجع مقال: لماذا يرى الناس آلهة، أشباح، شياطين وملائكة]
بطبيعة الحال، فإنّ الناس الذين يمرّون بهذه التجارب لايبدو أنّهم يمرّون بحالات ضياع أو فوضى قد تؤدّي إلى موتهم، بل على العكس، قد لاينتج عنها شيء، وقد تنقذ حياتهم أيضاً. ما السبب في ذلك؟ كيف يمكن لهلوسة أن تنقذ حياة الإنسان؟ المؤمنون يقول أنّ العناية الإلهية ساعدتهم، أو أنّ ملائكتهم الحارسة كانت ترافقهم. أمّا حسب نظرية جاينز، مايحدث هو أنّ الدماغ الأيسر يسلّم عصا القيادة إلى الدماغ الأيمن، ويتمّ العمل على نظام الطيار الآلي/العقل الثنائي القديم خلال وقت الأزمة.
ربّما فرضية جاينز تخمينية إلى حدٍ بعيد، لكنّها تعالج بشكل مقنع العديد من المسائل التي لايمكن تفسيرها ضمن سياق الفرضيات البديلة والمثيرة للجدل.
ليست هناك أيّ عناصر غامضة أو صوفية في نظرية الدكتور جاينز. فهم يحاول عقلنة مجال واسع من الظواهر وفق اختلافات وفوارق محدّدة نصفي الكرة الدماغية الأيمن والأيسر، ممّا قد يؤدّي _حسب ظنّه_ إلى أصوات مهلوسة (وربما رؤية صور مهلوسة أيضاً). هذه الهلوسات هي أساس المعتقدات الدينية لدى الإنسان.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,421,494
- هل هناك دليل أخلاقي غير الكتب المقدّسة؟ [روبرت إنغرسول]
- يغالطونك إذ يقولون [2]
- ما الخرافة؟ [2] (روبرت إنغرسول)
- ما الخرافة؟ [1] (روبرت إنغرسول)
- خمسون وهماً للإيمان بالله [15]: الأفضل أن أعبد الله على أن أ ...
- خمسون وهماً للإيمان بالله [14]: إلهي يسمع الصلوات ويستجيب له ...
- ما الدين؟ [روبرت إنغرسول]
- الدين عبارة عن اختبار رورشاخ
- الله قادر على كل شيء: حجّة الضعفاء عقلياً
- نشاة الكون: طبيعية أم ماورائية؟ [2]
- نشاة الكون: طبيعية أم ماورائية؟ [1]
- أسوأ 12 فكرة زرعها الدين ونشرها بين البشر
- يغالطونك إذ يقولون [1]: أنّ الانفجار الكبير خطأ، لأنّه لايمك ...
- هل تمّ إثبات نظرية التطوّر؟
- أيمكن أن يكون الله مطلق العدل ومطلق الرحمة في آنٍ معاً؟
- لماذا حرّم محمد على أتباعه التشكيك به أو بقرآنه؟
- الموت للكفرة [2] العنف السياسي بوصفه إرهاباً: دراسة سوسيو-سي ...
- الموت للكفرة [1] العنف السياسي بوصفه إرهاباً: دراسة سوسيو-سي ...
- ستة دلائل تشير إلى أنّ الدين يضرّ أكثر ممّا ينفع
- متلازمة الصدمة الدينية


المزيد.....




- وزراء خارجية «التعاون الإسلامي» يؤكدون على مركزية القضية الف ...
- البطريرك كيريل: مأساة انفصال الكنيسة الروسية في الخارج انتهت ...
- كان الوريث المحتمل للقاعدة.. كيف كانت حياة حمزة بن لادن؟
- -ليست أكذوبة-... الحكومة السودانية تتحدث عن -دولة الإخوان ال ...
- تحالف المعارضة الماليزية يتعهد بحماية الملايو ومكانة الإسلام ...
- ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن في عملية عسكرية
- بعد تسريبات صحفية.. ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن نجل زعيم ال ...
- بعد تسريبات صحفية.. ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن نجل زعيم ال ...
- الرئيس الأمريكي يؤكد مقتل ابن زعيم القاعدة السابق بن لادن
- ترمب يؤكد مقتل حمزة بن لادن على الحدود الأفغانية- الباكستاني ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إبراهيم جركس - صوت الله