أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تجمع اليسار الماركسي في سورية - طريق اليسار - العدد 70















المزيد.....



طريق اليسار - العدد 70


تجمع اليسار الماركسي في سورية

الحوار المتمدن-العدد: 4764 - 2015 / 3 / 31 - 00:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



طريق اليســـــار
جريدة سياسية يصدرها تجمع اليسار الماركسي في سورية / تيم /
* العدد 70 ـ آذار / مارس 2015 - mhd.s2012@gmail.com E-M: *


* الافتتاحية *
تأثيرات «الربيع العربي» في المشهد الشرق الأوسطي

عندما قتل أسامة بن لادن في أيار(مايو)2011، سادت الإعلام المرئي والمقروء العربي مقولة أن «الربيع العربي» سيقود إلى انتهاء أو إضعاف التطرف الإسلامي بما فيه تنظيم القاعدة: في سورية ومع نهاية2011 ولد فرع «القاعدة» المتمثل في «جبهة النصرة» عبر تناسل تنظيمي امتد من جبال أفغانستان حيث يوجد خليفة بن لادن، أيمن الظواهري، وعبوراً بأمير «دولة العراق الإسلامية» أبو بكر البغدادي، الذي أرسل أبو محمد الجولاني لسورية لتأسيس «النصرة» بناء على نصيحة الظواهري في استغلال الاضطراب السوري.
بعد تنامي قوة «النصرة» في التربة السورية رأى البغدادي مصلحته في تأسيس «دولة الإسلام في العراق والشام: داعش» يوم 9 نيسان (إبريل) 2013 وإلحاق «النصرة» به ضد إرادة الظواهري ثم تأسيس، بناء على تلك النواة، «دولة الخلافة الإسلامية» في أول رمضان عام 2014 التي امتدت على الفرات من الفلوجة إلى جرابلس ومن ديالى إلى أطراف حلب ومن الموصل إلى أطراف الحسكة والقامشلي ليشكل البغدادي تنظيماً أخطر من «القاعدة» أصبحت له امتدادات ومبايعات في سيناء وليبيا أيضاً.
من خلال تنامي «داعش» وصولاً إلى سقوط الموصل بيد البغدادي يوم 10 حزيران (يونيو) 2014، نشأ مشهد عراقي جديد أعاد جمع واشنطن وطهران بعد فراق استغرق تسع سنوات منذ تباعدهما إثر استئناف الإيرانيين لبرنامج تخصيب اليورانيوم الذي أدى إلى كسر تحالفهما الثنائي المقام في غزو العراق واحتلاله، ثم تجسد هذا التحالف في «مجلس حكم» بول بريمر الذي تم تأسيسه في تموز (يوليو) 2003 بعد ثلاثة أشهر من احتلال بغداد. كان انتهاء مهلة الستة أشهر في 24 أيار2014 من دون اتفاق، التي أعقبت توقيع (الاتفاق الموقت) لمجموعة (5+1) مع إيران في شأن البرنامج النووي، قد أعطى مؤشرات على توترات أميركية- إيرانية جديدة كان يمكن، لولا سقوط الموصل بيد البغدادي بعد أسبوعين، أن تقلب المشهد الإقليمي رأساً على عقب، كما حصل من توليد لمشهد إقليمي جديد في مرحلة ما بعد استئناف طهران لبرنامج تخصيب اليورانيوم في آب (أغسطس)2005 عندما قادت التوترات الأميركية الإيرانية إلى حرب 2006، التي كانت حرباً بالوكالة، وإلى تعويم أميركي لأنقرة من أجل مجابهة التمدد الإيراني.
صحيح أن طهران قد ضحت بالمالكي بعد شهرين (من الموصل) ولكن من أجل الاتفاق على شراكة أميركية – إيرانية جديدة في بغداد شبيهة بما كان في فترة 2003-2005 وأيضاً من أجل تقاربات بين واشنطن وطهران أنتجها تمدد «داعش» في ما يخص الملف السوري باتجاه تخفيف واشنطن من تشددها تجاه السلطة السورية وباتجاه تقاربات في (الملف النووي الإيراني) ظهرت في اتفاق 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 الموقت ومهلته التفاوضية المحدد انتهاؤها في 30 حزيران2015، ومراهنات إيرانية على أن هذا سيقود إلى تباعدات أميركية- تركية ظهرت جلية في خريف 2014 أثناء (معركة عين العرب).
من دون هذه التقاربات الأميركية - الإيرانية لا يمكن تفسير سقوط صنعاء بيد (الحوثيين) أتباع طهران في خريف 2014، في استغلال إيراني لتنامي القلق الأميركي من «القاعدة» في اليمن وللتناقض السعودي – الإخواني حيث كان إسلاميو (التجمع اليمني للإصلاح) هم الركيزة السياسية الكبرى للرئيس منصور هادي. أنتج التقارب الأميركي – الإيراني توترات بين واشنطن وتل أبيب. أيضاً قاد سقوط صنعاء، الذي يعادل استراتيجياً بأهميته سقوط الموصل بيد البغدادي، إلى مراجعة سعودية تظهر معالمها الآن مع الملك سلمان بن عبدالعزيز، وهو ما يمكن أن تكون له تأثيرات على المشهد المصري في المدى المنظور وأيضاً على المشهدين اللبناني والسوري.
في ظل هذا الوضع المستجد تحاول أنقرة تقوية نفسها من جديد عبر إمساكها ببعض أوراق الملف السوري، مثل سيطرتها على (الائتلاف السوري) منذ انتخابات 5 كانون ثاني (يناير) 2015 بعد أن فقدت السيطرة عليه منذ توسعة أواخر أيار2013، وهي تستعد لإنضاج طبخة كبرى تعد لها منذ سنوات وهي مصالحة واتفاق مع عبدالله أوجلان، ربما ظهرت ملامحها الأولى من خلال تعاون قوات حزب (ب .ي .د) السوري الموالي لأوجلان مع القوات التركية في «عملية ضريح سليمان شاه»، التي ستكون لها تأثيرات باتجاه استتباع تركي لأكراد تركية وسورية والعراق وإيران وهو ما سيكون له تأثيرات كبرى على عموم المشهد الشرق أوسطي.
كما قاد هجوم «داعش» إلى تقوية طهران إقليمياً، بعد أن آلت تأثيرات «الربيع العربي» إلى تنامي قوة سنة غرب العراق مما دفعهم للتحرك منذ الشهر الأخير لعام 2012 وهو ما أدى إلى إضعاف المالكي الذي كان رجل طهران في بغداد منذ أيار2006، فإن الأزمة السورية قد أعطت موسكو فرصة لكسر الأحادية القطبية الأميركية في فترة ما بعد الحرب الباردة في أزمة بلد أصبح ساحة مكثفة للصراعات الإقليمية وليصبح منذ فيتو 4 تشرين أول (اكتوبر) 2011 الروسي- الصيني في نيويورك ساحة لمجابهة روسية – أميركية أيضاً.
في اتفاق 14 أيلول (سبتمبر) 2013 حول (الكيماوي السوري) ظهرت ثنائية جديدة في العلاقات الدولية قادت إلى القرار2118 بمجلس الأمن الذي رسم خريطة طريق (نزع الكيماوي السوري) وإلى (جنيف2) قبل أن تقود الأزمة الأوكرانية، منذ 21 شباط 2014،إلى موت (جنيف2) السوري وإلى مجابهة روسية – أميركية من الواضح فيها ترابط كييف ودمشق.
على الأصعدة الداخلية قاد «الربيع العربي» إلى تنامي قوة القوى النابذة في مجتمعات عربية عديدة: الحوثيون والحراك الجنوبي وتنظيم القاعدة باليمن، أكراد سورية، القوى الجهوية في ليبيا، و «داعش» في سورية ومن خلالها العراق، وعبر تنامي قوة «داعش» زادت بالمقابل قوة أكراد العراق فيما ضعفت القوى غير النابذة أي شيعة وسنة العراق العرب حيث أتت قوة الأكراد و « داعش « من خلال الصراع العراقي السني- الشيعي وبسببه في مرحلة ما بعد 9 نيسان 2003. قاد هذا الصراع إلى أن يلقي بتأثيراته منذ 2004 في لبنان ممتداً من بلاد الرافدين وهو ما بدأ في العام نفسه أيضاً في اليمن مع بداية التمرد الحوثي على سلطة صنعاء.
عموماً، «الربيع العربي» لم يقد إلى تنامي قوة المجتمعات أمام السلطات الحاكمة، أو إلى تقوية قوة العرب في عموم الإقليم الشرق أوسطي، ولم يؤد إلى زيادة قوة دول عربية محددة منفردة أو مجتمعة في الإقليم. زاد من قوة الدول الكبرى الخارجية، ودول إقليمية مثل إيران وتركيا، في الدواخل العربية. زاد من القوى الداخلية النابذة في مجتمعات عربية عديدة وقلقل الوحدة الداخلية التي كانت قائمة في دول عربية محددة.
------------------------------------------------------------------------
عن مؤتمر باريس
نوار الملوحي 10-03-2015

دخلت في الأيام السابقة معارك كلامية حول ماجرى ويجري داخل هيئة التنسيق من تجاذبات وهذه المعارك لاناقة لي ولاجمل بها فأنا خرجت من الهيئة منذ سنين ولن أستفيد من أي نتيجة يمكن أن تؤول إليها هذه الصراعات أو الاتجاه الذي ستنتهي به أو النتائج التي ستتمخض عنها ,,, فلماذا أرهق نفسي وأكسب أعداء ( فكرياً ) وأنا الوسطي بآرائي دائماً ولا أتخذ مواقف صلبة أو جارحة تجعلني في مواجهة أي فريق مهما كان ؟؟ وهنا لابد من توضيح التالي فهماً لطبيعة موقفي وما أرمي له حقيقة ,,,
أولاً : عندما خرجت من هيئة التنسيق منذ زمن بعيد لم أخرج وأنا على خلاف مع أحد وكانت أسباب خروجي ذاتية محضة ومع وجود ملاحظات على كيفية العمل داخل الهيئة إلا أنها لم تكن السبب الرئيسي لتركي لها بل ربما هذه الملاحظات كانت تدفعني للبقاء داخلها إيماناً مني بضرورة الإصلاح وأن أي إصلاح يكون من الداخل وأي أحد موجود من الخارج سيكون عنصر تخريب أكثر من كونه عنصراً يدعو للإصلاح ,,, لذلك تجدني ومنذ خرجت منها لا أتدخل بقضاياها الداخلية لأنها لاتعنيني عمليا من ناحية ولأنها مهما كانت معتدلة وتوافقية وصحيحة فهي ستكون مخربة ( لأنها ستأتي من خارج جسمها ) من ناحية أخرى
ثانياً : منذ انتسابي للهيئة وحتى اليوم أعتبر نفسي جزءاً منها وانسحابي منها كان بشكل تنظيمي أكثر بكثير من كونه خلافاً فكرياً معها أو تعارضاً مع مواقفها ( وطبعاً أتكلم بالتعميم لأنه جائز في حال وجود قضية معقدة كالقضية السورية لها آلاف الأوجه والتداخلات ) لذلك أعتبر كل مايجري داخلها يعنيني حتى لو لم أكن منتسباً تنظيمياً لها وأي مكروه يصيبها يصيبني فأجد نفسي متحمساً منفعلاً عندما أشعر بخطر يتحدق بها
ثالثاً : عند انسحابي من الهيئة كنت على يقين بأن انسحابي لايؤثر شروى نقير عليها فلم أكن بالعضو الفعال ولم يكن بيدي أن أصبح ذاك العضو لأسباب كثيرة منها ذاتي ومنها موضوعي ,,, ولو اعتقدت للحظة أن انسحابي منها سيؤثر عليها لما اتخذت هذا القرار أبداً
رابعاً : الهيئة ومنذ تأسيسها تدعو وتعمل على تقارب المعارضة واتفاقها دون النظر إلى ماهية هذه المعارضة وثقلها في الشارع وعملت على ذلك في جميع المحطات ودعت إليه في كل المواقف وكان دائماً المعيار الذي تبني عليه موقفها هو على ماذا نتفق وليس مع من نتفق فهي تبحث عن شريك برنامج لاشريك أيديولوجي فالوطن اليوم لايملك ترف البحث عن أيديولوجيات إنما عن برامج وآليات تنقذه من الهاوية التي وقع فيها ,,, لذلك أي عمل يصب في هذا الاتجاه يعتبر جزءاً بنيوياً من الهيئة وليس قضية فرعية وبالطبع نظراً لأن الهيئة ائتلاف سياسي سيحدث بين مكوناتها خلافات حول ذلك ودائماً تنتصر وجهة نظر الهيئة ذاتها نظراً لأن من بداخلها يعلمون ويعملون على ذلك فمنذ تأسيسها لم تأخذ خلافاً أيديولوجياً بين مكوناتها وبين من هم خارجها معياراً لطبيعة موقفها وحتى لو كان هذا الخلاف طويلا ومؤلماً في كثير من المحطات فما يهمنا اليوم هو وقف هذا الانهيار والذهاب بمشروع متكامل وبقوى وازنة للتفاوض والخروج من الهاوية .
خامساً : في ضوء هذه المعطيات أرى ماحدث في القاهرة شيئاً إيجابياً ويمكن البناء عليه وتطويره لكنه مع إيجابيته ليس كاملاً بسبب تعنت القيادة المصرية على انتقاء من يحضر ومن لايحضر في تدخل سافر بالشؤون السورية يذكرنا بما فعلته أنقرة والدوحة في الانتقائية ووضع فيتوهات على تيارات وأفراد عانينا منه في السابق كهيئة فلايمكن أن نؤيده اليوم وهو يحصل مع غيرنا
سادساً : كان لابد من مكمل للقاهرة يدعمها ويجعلها وازنة وتمثل الشريحة الأكبر من تيارات المعارضة فجاءت باريس لتقوم بهذا الدور وتم بها مانقص في القاهرة فأصبحت المروحة أكبر ومنتجة أكثر
سابعاً : طبيعة العلاقة بين الهيئة والتيار الإخواني في الائتلاف تدعو لأن يتم كل شيء بشكل سري وبعيداً عن الأضواء لأن الاتفاق بينهما حول برنامج يعتبر عملاً متقدماً بشكل كبير في تقارب المعارضة مع بعضها ويوجد لدينا ولديهم من يرغب بتخريب أي اتفاق يمكن أن يحصل لذلك لابد من الانتقال التدريجي والاتفاق التدريجي والتفاوض التدريجي حتى ينجح أي تفاهم بينهما لذلك رغب من مشى في طريق باريس أن يتم كل شيء بهدوء وأن يعلن عنه باللحظة الأخيرة وهذا ماحصل ,,, على عكس ماحصل في القاهرة فالتيار السعودي بالائتلاف ويمثله الجربا معظمه كان على توافق مع الهيئة بل منه من كان جزءاً منها والاتفاق معهم سهل في هذا الاطار ولايعتبر إنجازاً بحد ذاته مالم يضم باقي أطراف الائتلاف وأهمها مانسمية التيار التركي القطري المتمثل بالإخوان
ثامناً : القاهرة مازالت تتلمس طريقها وعوامل فشلها تساوي عوامل نجاحها لذلك الاعتماد عليها منفردة يعتبر من الغباء السياسي وما جرى في باريس سيكون أكبر داعم للقاهرة فالتيار المعول عليه تخريب القاهرة جرى إشراكه في باريس وكما قال هيثم مناع في كثير من المناسبات " العنصر الغائب مشاغب " وهو ماتم تداركه في باريس فأصبح اجتماع القاهرة القادم مدعوماً بشكل أكبر وعوامل نجاحه أكبر بكثير
تاسعاً : ردة الفعل التي نتجت عن لقاء باريس من بعض أعضاء الهيئة والأفعال المجنونة التي قاموا بها من نشر بيان غير مذيل بأسماء واستخدام موقع الهيئة الالكتروني لنشره وتخوين من قام بهذا اللقاء واتهامهم ببيعهم لشرفهم ولمبادئهم بل يعد هذا البيان تقريراً أمنياً مجانياً للسلطة يحاول رفع الغطاء السياسي عن الذين شاركوا بباريس فيسهل اعتقالهم أو تصفيتهم خلقت كل هذه البلبلة مع أن تيارات القاهرة ( إذا استثنينا هذا التيار ) كلها باركت ماحصل في باريس من ميشيل كيلو إلى المنبر الديمقراطي إلى غيرهم وردة الفعل هذه خلقت شرخاً كبيراً زادها أنهم يملكون وسائل إعلام أكثر بكثير مما يملكه الطرف الآخر وعقلانية الطرف الآخر بالرد الذي لم يتعدى منشوراً هنا أو هناك دون التعرض لرموز هذا التيار أو اتهامهم بالعمالة كما جرى معهم وهو ماجعلني أستفز بشكل كبير وأجند نفسي للدفاع عن أناس خبرتهم وثقتي بهم غير محدودة في رد هذا العدوان والاتهام القميء
عاشراً : أكبر طعن يشعر به الإنسان عندما يكون قد عمل عملاً شاقاً مضنياً ونجح نجاحاً باهراً به ويأتي ليس فقط من يشكك بهذا العمل بل من يقوم بالطعن في من أرهق وأضني للقيام به ,,, فشعرت بأني معني بشكل شخصي بذلك وأيقنت أن الهجوم على باريس لم يكن لما تحقق في باريس أو لخلاف حول جدواه إنما هو خلاف شخصي جندت لها فئة من الهيئة سباً وطعناً وتخويناً فكان لابد من الحدة في الرد وربما يجب أن يتعدى الرد إعلامياً إلى مقررات تنظيمية تعطي كل شخص حجمه وتوقفه عند حده
إنني إذ أكتب ذلك أشعر بالألم على هيئة مشروعها بالنسبة لي ولكثير من السوريين يعتبر المشروع الحلم يتم تفتيتها من داخلها لنرجسيات عند بعض أفرادها وهو ماقررت الاستمرار به حتى النهاية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خلافات هيئة التنسيق : بين المحاصصة وشخصانيّة الدور السياسي
أليس مفرج* 1232015 http://soutraya.fm/article /
يعود الصراع والخلاف داخل (هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي) إلى أكثر من بعد سياسي وتنظيمي، جوهره الأساس حول كيفية تعامل الهيئة مع فصائل المعارضة المتموضعة خارج سوريا (المجلس الوطني سابقاً، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية)، وبعض الفصائل في مناطق سيطرة النظام والتي تحابيه مثل “جبهة التغيير والتحرير سابقاً”، و”هيئة العمل الوطني الديمقراطي”محمود مرعي، ميس كريدي”)، وإلى المحاصصة التنظيميّة في المكتب التنفيذيّ للهيئة وبعض فروعه ومنها “فرع المهجر، فرع دمشق، اللاذقية، ومكتب الشباب..”.
تاريخيّة الخلافات:
يظهر الخلاف والصراع داخل الهيئة منذ أول اتفاق سياسي تنظيميّ عقدته الهيئة مع”المجلس الوطني” في نهاية العام 2011، حيث سحب الدكتور برهان غليون توقيعه عن ورقة التفاهمات السياسية التي أُودعت لدى الأمين العام للجامعة العربية “نبيل العربي”، في حين ثبّتت الهيئة توقعيها على هذه الورقة عبر رئيس فرعها في المهجر هيثم مناع، حيث عبّر أكثر من فصيل سياسي في الهيئة عن استيائه من الأداء، وتوقيع الهيئة قبل أن يوقع “المجلس الوطني” على هذه الوثيقة.
كذلك لعب تنظيم الإخوان المسلمين في حوارات القاهرة صيف 2012، للمعارضة السورية دوراً معرقلا للجنة المتابعة بعد الحوارات التي عملت عليها المعارضة، وكانت نتيجتها وثيقة العهد الوطني، ويضاف إلى ذلك الارتهان لرغبات الدول الراعية للائتلاف الذي حلّ مكان المجلس بشأن تشكيل وفد المعارضة لمؤتمر جنيف (2) في مرحلتيه الأولى والثانية، وشكّلت اجتماعات القاهرة مع وفد الائتلاف خطوة في الاتجاه الصائب، التي خرج عنها إعلان القاهرة ذي النقاط العشر، ويأتي لقاء باريس وبيانه خطوة في تعزيز الاتجاه الصحيح والصائب ذاته.
لكن يبدو أن تيار هيثم مناع الاستقلاليّ الذي يتوق لتشكيل حالة سياسية مدنية تظهّرت في تيار” قمح” بعد ثلاث سنوات من اللعب التنظيمي والسياسي بدعوى وجود المستقلين في هيئة التنسيق، رغم أنهم أكثر تنظيماً خصيصاً لزاوية “الاستزلام” السياسي والتنظيميّ من بوابة المستقلين، “ومن الطبيعي أن هناك مستقلين محصّنين باستقلاليتهم”، ويدّعي المناع أن مشاركة خالد عيسى في الوفد كانت تضفي على وفد الهيئة الشرعية السياسية والتنظيمية، على اعتبار الوفد خارج إطار الشرعية، في حين صادق المكتب التنفيذي على شرعية الوفد والنتائج التي خرج بها في اجتماعه المؤرخ بتاريخ 28/2/2014، هذا الصراع والنقاش السياسي يحتل حيّزاً كبيراً وواضحاً في المكتب التنفيذي، وشارك في هذا الصراع المحتدم سياسياً وتنظيمياً بقايا من مكتب الشباب المحسوبين على مناع. ويمكن إرجاع هذه الصراعات والخلافات إلى انتخابات فرع المهجر التي انتخب فيها خلف الداهود رئيساً لفرع المهجر، ودخوله المكتب التنفيذي حيث بدأت تتشكّل بعيداً عن هيمنة وسيطرة مناع علاقات سياسية دولية، وهذا ما أجّج الصراع الداخلي في فرع المهجر الذي تُوّج في عملية (ديمقراطية.!.) أطاحت بالدّاهود، وجاءت بماجد حبو المحسوب على جماعة مناع في فرع المهجر، إضافة إلى صدى حمزة أمينة سر فرع المهجر.
وقد دأب مناع على تقديم استقالاته انتصارا لمواقفه، وآخرها استقالته المقدَّمة للمكتب التنفيذي إثر خلاف مع الدّاهود وعدد من زملائه في فرع المهجر، إضافة إلى الانتخابات التي حصلت في فرع دمشق حيث خرج جماعة هيثم مناع من قيادة الفرع في إطار العملية الديمقراطية التي طالبوا بها منذ تشكيل قيادة فرع دمشق المؤقت في العام 2013، كل ذلك أضعف مواقع هيثم مناع فاستعان على هذه الهزائم الداخلية باللعب من وراء المكتب التنفيذي بتشكيل هيئة من الشخصيات المستقلة في الداخل والخارج، لتشكيل فيما بعد لجنة مشتركة في القاهرة توسعت لتشمل قرابة العشرين شخصاً في اجتماع جنيف، اختارها مناع بذاته ليستطيع التحكم بحضور الشخصيات المستقلة وتمثيل المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق فيها.
الشخصانيّة والدور السياسي :
منذ تشكل هيئة التنسيق الوطنية برزت شخصيات سياسية في قيادة الهيئة من أهم تلك الشخصيات الدكتور عبد العزيز الخير الذي ظهر كزعيم سياسي ووطني ذي حضور وفاعلية كبيرين في السياسة الداخلية والخارجية في الهيئة، وكان له الدور الضاغط في تشكيل منظومة علاقات دولية فاعلة تجاوزت النظام في التأثير على الدول الحليفة له، ماساهم في توريطهم لاعتقاله مع إياس عياش عضو المكتب التنفيذي وماهر الطحان ، واستمر دور السيد رجاء الناصر الذي لايقل فاعلية تجاه توحيد المعارضة حيث أن مناع كان شريكا لابل مزاودا حتى تكرر السيناريو باعتقال الناصر، ما أدى إلى تفريغ الساحة من منافسيه بقوة التأثير، واستغل غيابهما بحساباته الخاصة بفرض سياسة الفرد الواحد بلبوس شكلي متضامن مع المجموع ليحرف بوصلة الهيئة تجاه خط عمّق الخلاف بين صفوفها بسبب مواقفه وتصريحاته المحابية للنظام، وأشاع أنه كان على اتصال مع مسؤول الملف السوري في الخارجية الروسية، والساعي لإطلاق سراحهم من قبيل ذر الرماد في العيون رغم أننا لاننفي تواطؤ المكتب التنفيذي والترقيع لممارساته والتصريحات الإعلامية بشكل عام التي تنتقص من نهج الهيئة الثابت واللعب على وتر استقلالية القرار والخروج على اتفاقات المكتب، من باب الحفاظ على كيان الهيئة ووحدتها، ماجعلها تدفع الثمن إلى ماوصلنا إليه لاعتبارت الشخصنة والدليل احتفاظ المنسق العام السيد حسن عبد العظيم في منصبه لأربع سنوات متتالية.
وكان مناع قد لعب في العشريّة الأولى من القرن الحالي دورا في منظمات حقوق الإنسان خصيصاً كناشط وكاتب على أكثر من صعيد في منظمة مع زميله وصديقه الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي، وعلى ما يبدو إن الأدوار السياسية التي لعبها مناع منذ بدية الثورة السورية غير كافية لتحقيق طموحه السياسي، فهو يعد ذاته بدور سياسي أكبر مما هو عليه كعضو مكتب تنفيذي في هيئة التنسيق الوطنية، فالطموح السياسي مشروع نحو رئاسة وزراء سوريا في مرحلة سياسية ما، لكن ليس على حساب هيئة التنسيق في جعلها عتبه لصعود نجم هيثم مناع السياسي.
فالشخصانيّة والبروز تتيحها الشلليّة والاستزلام وشراء الذمم، ولا يتيحها العمل السياسي المنظم في المكتب التنفيذي الذي مازال مناع يحاول تمرير مشاريعه الشخصية عبره، بالإضافة إلى ما سبق، فما كتاباته ونشره الحوارات الداخلية في المكتب التنفيذي والتهديد بالاستقالات الجماعية(في الداخل والخارج من الهيئة)، إلّا تهديد وهذه ليست المرة الأولى التي يقوم فيها مناع بابتزاز المكتب التنفيذي.
وعلى الرغم من تقديم مناع ذاته على أنه مستقل إلّا أنه يتصّرف كزعيم فوق المكتب التنفيذي وغير خاضع لأي مساءلة، حيث يعتقد أنه يستطيع تمرير كل مشاريعه ومنها ما يُحضَّر لمؤتمر القاهرة في الأيام الأخيرة لشهر نيسان 2015، وذلك (كما يدعي) لعلاقته المميّزة بالخارجية المصرية. ومن المعلوم لنا أن اجتماع القاهرة تم التحضير له في لقاءين سابقين من جنييف للإمارات بمباركة سعودية ما يضعنا أمام تساؤل عن مصداقية دفاعه المستميت عن استقلالية القرار السوري، والهيئة خاصة بعيدا عن الأجندات الخليجيّة، وهو الذي صرّح في وقت سابق بخلاص السعودية من البندريّة، ما يجيز له التعامل معها ؟!
على الرغم من تقديم مناع ذاته على أنه مستقل إلّا أنه يتصّرف كزعيم فوق المكتب التنفيذي وغير خاضع لأي مساءلة، حيث يعتقد أنه يستطيع تمرير كل مشاريعه ومنها ما يُحضَّر لمؤتمر القاهرة في الأيام الأخيرة لشهر نيسان 2015، وذلك (كما يدعي) لعلاقته المميّزة بالخارجية المصرية. ومن المعلوم لنا أن اجتماع القاهرة تم التحضير له في لقاءين سابقين من جنييف للإمارات بمباركة سعودية ما يضعنا أمام تساؤل عن مصداقية دفاعه المستميت عن استقلالية القرار السوري، والهيئة خاصة بعيدا عن الأجندات الخليجيّة، وهو الذي صرّح في وقت سابق بخلاص السعودية من البندريّة، ما يجيز له التعامل معها ؟!
إن المناخ الإقليمي والدوليّ لا يميل إلى استبعاد أي فصيل سياسي سوري يقبل بالحل السياسي على أساس بيان مجموعة العمل من أجل سورية في 30 ( حزيران، يونيو) 2012، المعروف في”بيان جنيف”، بكافة بنوده الذي يشكل الأساس لحل المسالة السورية وما ينتج عن العملية التفاوضية بين المعارضة الموحدة على قيام نظام ديمقراطي أساسه التداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية، وضمان حقوق وواجبات جميع السوريين على أساس المواطنة المتساوية.
أخيرا إن هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي همها الأساسي الوصول إلى رؤية سياسية، توحد المعارضة السورية بكافة أطيافها دون إقصاء أو استبعاد أيّ فصيل، لأن المرحلة الانتقالية في سوريا تحتاج تكاتف جميع أطياف الشعب السوري احتراما لمعاناة السوريين الكارثية، ولاشك أن التناحر المستمر ضمن الدوائر المغلقة لجميع القوى السياسية في سوريا ولاأستثني الهيئة أفضى إلى قصور الفعل السياسي قولا وفعلا ، فلم يرتق لمستوى تضحيات الشعب ومازال عاجزا عن درء الموت عن السوريين ،في ظل نظام موغل في الإجرام مستقويا بالتطرف الداعشي تحت مظلة مجتمع دولي مستقيل من النزيف السوري ومشروعه الديمقراطي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-الملف الماركسي- فيسبوك ماكتبوا 21 فبراير، 2013 •
قراءة في فكر مهدي عامل: اختلاف أزمان وتقاطع أفكار
هيفاء الجندي*
كاتبة وباحثة سورية – لها كتابات في الفكر السياسي والنقد الأدبي
– هنا قسم أول من دراسة لها في جوانب من فكر مهدي عامل -.
من غفوته ينهض مهدي، يطل على حاضر الثورات، حاضر لطالما لازمه وأقلق فكره، حاضرٌ تأمله وانتظره، لكنه باغتنا برحيله المفاجئ وترك انتظاره أمانة نخبئها بين أيدينا، ننتظر ونتأمل تأمله ونقلق قلقه، نطلُّ من شرفة مهدي حيث هوى، شرفة أطل منها على التغيير والثورة وبعيني عصفور وبصيرة بوسع المدى أنتج فكراً رؤيوياً قائماً على التمايز، الاختلاف، الجدل والتناقض، ومن التزام المثقف الثوري، التزام الحركة والصيرورة، أسس لوعيه الحزبي الشقي والثوري، هي شرفة أطلت على مستقبل الحاضر، أخافت القتلة والفاجرين، انطلقت رصاصات الغدر، رحل مهدي وبقيت الشرفة، رحل وبقي القتلة يلازمونها يحاصرونها ورغم الحصار، نطل من الشرفة وبنظارتيه نبصر ونحلل الأحداث، أصبحت الشرفة شرفات وملأ المكان جماهير تشبعت فصائل منها بفكره وحوّلته صيرورة و سيرورة مادية تتعثر أحياناً، تتمرحل ولكنها ستصل حتماً.
منذ وقت ليس بالقليل وأنا أتهيب الكتابة عن مهدي عامل، كنت أقرأ كتبه مساء، ليعود ويظهر خياله ووجهه شاخصاً أمامي في المنام، كان يخاطبني قائلاً:
ـ لماذا تهربين مني؟ اقتحمي عالمي، وابدأي وسأساعدك.
إلى متى ستهربين من الأوراق البيضاء المنسية على الطاولة، إنها تناديك سارعي إليها، أخرجي ما خبأته لي من حب وقلق أفكار ضمنتها حواريات الليل و الفجر، حينها، كنت أخشى إيقاظكِ وإذ أتفاجأ بأنكِ في سهاد الأفكار تتداولين. أقلقتكِ وأخفتكِ نعم، ولكن منحتكِ فرصة التفكير والحوار.
ـ نعم، أنت محق يا صديقي مهدي، إذ وطوال فترة إقامتك معي – عبر كتاباتك - جمعنا حبٌ لا متناه امتزج بالتحدي، الندّية والرغبة الدائمة بالمشاكسة، كان عراكاً فكرياً، هزمتني مرات وهزمتك مرة واحدة لأنني أنتمي إلى حاضري وتنتمي إلى ماضٍ أسستَ لحاضره وتركتَ خلفك زوادة ثقيلة لجيلي ولأجيال قادمة.
مهدي: أراك الآن جالساً أمامي بلحيتك الكثة وابتسامتك الوضاءة، المشرقة ، تحاورني ، تجادلني بقسوة وصرامة المفكر النقدي، وتداعب أنوثتي وتغازلني برقة الشاعر، إن فكرك يستفزني ، يحرضني ويخيفني، ولكنه يخلق فيَّ روح التحدي ، إذاً لتكن حوارية بين زمنك وزمني ، جيلي وجيلك ، حوارية لا تخلو من مغازلة ، مشاكسة، تعمّقان الحب ، الاحترام، وتجعلان التواصل والوصال أمتع أجمل وأصعب.
خلف الغموض النظري لفكر مهدي وتعالي البنية بأزمنتها، تناقضاتها، مستوياتها وانغلاقها النسبي، يقبع فكر واضح، مجتهد، فكر بمثابة عمارة نظرية محكمة البنيان أبوابها كثيرة ومن يجيد فتح الأبواب ويبحث عن مفاتيح الفهم، سوف يلتقط حقيقة ما تقوله الكتابة، ويقبض على متعة الوصول ونشوة الفهم ولا سيما عندما يغرق مهدي في التجريد فنغرق معه في التفكير، عندها ينجلي الكثير من الغموض ويظهر الواقع المتواري خلف البنية، واقع لطالما اختزل مهدي غناه، تعدد فئاته ، شرائحه ، طبقاته، بمفاهيم أخذت شكل معادلات فكرية رياضية، ولكن ما يلبث أن يعود التواضع لنصه وتنتصر إرادة الواقع، المتمرد على نصه ، عندها فقط يتم إنتاج الضرورة والمعنى ، في نص مهدي ، يختفي التماثل والغائية ودوران الفكرة ورحيلها الأبدي، لأن أفكاره تكون فتتكونن ولا تتكون ، تكون بتمردها الدائم على الأمانة الغبية للنص وبخيانتها له، وهذا أتاح لمهدي أن يبدع نصه المتمايز، المختلف والمتخالف مع السائد ومنطق الثنائيات وانتهازية الكتابة.
عندما تضيف الفكرة بشكلها النخبوي، تبدأ بالبحث عن فضاءات أوسع وأكثر رحابة للتجلي تريد أن يطرق أبواباً وتختبر مناخات أخرى، تريد أن تتحرر من حجاب اللغة والشكل لتظهر وتتكشف حتى يبرز جمالها، ألقها، فتنتها وتعيش الحلم البهي، تفكك أغلالها وقيودها الشكلية وتصل مبتغاها وتنتصر بالناس وللناس. اختبر مهدي فكره المناضل بالتزامه الممارسة السياسية الحزبية، وهو انتماء وصل به حد الطهارة الحزبية، إلا أن هذه الطهارة لم تمنعه من صياغة نظريته المتحررة من التقليد، واستنتاج القوانين وابتكار التناقضات، وسهل له هذا الإبداع المناخ الحر والديمقراطي داخل حزبه آنذاك.
ومن هنا أتت ضرورة إعادة القراءة في فكر مهدي ليس من باب التماهي، التماثل، وإنما من باب الحوار، النقد الدائم لمقولاته ومفاهيمه، سيما وأن الشعارات البيانات والخطب الرنانة لا تنتج فكراً نقدياً وكذلك بيروقراطية تلك الأحزاب التي تضيق بدينامكية الشباب وبالفكر الحر وهذا ما يفسر ذلك النشاط الثوري خارج أطر الأحزاب الكلاسيكية، وبالتأكيد سيتابع الشباب المستقل بالحقل النظري مسار التجديد ووصل ما انقطع، مستضيئين بالمنهج المادي الجدلي، لينتجوا اختلافهم وتمايزهم ونصهم الذي يشبه مرحلتهم وواقعهم، مبتعدين عن التيه، والتقليعات الفكرية، وبهذا المسار يكون مهدي فخوراً وراضياً ومطمئناً بأنه ترك خلفه شباناً يستكملون ما بدأه ويتابعون مشروعه ـ مشروعهم اللامكتمل دائماً.
نعم، بالكتابة عن مهدي نؤكد على الفكر النقدي، الفكر المقاوم، المغامر والجريء فكر يستشهد لحظة القبض على الحقيقة على عكس الفكر السهل الذي يفتقد القلق ووجوه الناس، لأنه فكر مقاول يختبئ في الفنادق والكهوف، هو فكر هارب، لاجئ وأيَّ نص يكون خالياً من تعدد المستويات ، الصراع ، التناقضات ، الجدل، لا يعدو كونه تأملات نظرية وثرثرة فكرية، يصعب عليها أن تهتدي إلى كنه وجوهر الأمور، لأن هذا الفكر لا لون له ولا رائحة، ولأن نص مهدي يئن من التعقيد والتناقض، التعدد، فإن قراءته تحتاج إلى هدوء وتأن يسبه تأمل وجهه الصادق، الحقيقي.
يا صديقي مهدي، إني استحضر قيامتك من جديد بوجوه شباب حالم، متقد الذهن سوف يسهم في التفاعل الجديد مع الفكر الماركسي النقدي، الثوري والتقدمي.
في أيامنا هذه انتفضت الشعوب لتمزق وتحرر السياسة وتتحرر هي أيضاً من الدوران والمتاهات الهيغيلية والأصنام.
من الجنوب الذي له موقع القلب والثورة حيث يندلع التمرد والمقاومة، تبدأ الحكاية، حكاية بدأها لينين برصده تحولات الجنوب الروسي بتحليل دقيق، رفيع وعينيّ في مؤلفه الأساس « تطور الرأسمالية في روسيا» والارتكاز عليه، قاد ثورته الاشتراكية. أما غرامشي الذي احتضن فلاحي الجنوب الإيطالي ليتم فيما بعد بلترتهم وتمايزهم عمالاً مأجورين بعدما توفرت لهم شروط الانتقال.
أما الجنوب العربي فلا يزال فلاحوه يتعرضون لأشد وأسوأ أنواع الاستغلال من قبل بورجوازية رثة تمتص تعبهم، كدحهم، وتُراكم فائض عملهم في بنوك الشمال لتنعم هي والغرب الرأسمالي بهذه الخيرات المنهوبة ضمن شروط التبادل اللامتكافئ.
وأمام هذا الاستقطاب والتفاوت ينهض ماركسي عربي ليعلن انحيازه ووقوفه إلى جانب الفقراء والمهمشين ويكشف النقاب عن آلية الاستغلال التي ساهمت في تكريس التخلف والتفاوت بين البنى الكولونيالية والامبريالية.
فما هو الإسهام التجديدي الذي أضافه مهدي على مستوى العلاقة بين البنيتين وما هو الجديد الذي قدمه على صعيد تحليل التركيب الاقتصادي ـ الاجتماعي للبنية الاجتماعية الكولونيالية؟
وإلى أي حد ساعده المنهج البنيوي الذي اتبعه بفتح آفاق جديدة في التحليل، الكشف والبحث? أم هو أربكه وأوقعه في تناقضات جمة؟؟
هذه التساؤلات وغيرها من الأفكار والمقولات تحاول هذه الدراسة أن تتصدى لها، وأن تقتصر على الأفكار التأسيسية والجوهرية التي جاءت في كتابيه الهامين "مقدمات نظرية" بجزأيه "في التناقض" و "في نمط الإنتاج الكولونيالي" و"النظرية في الممارسة السياسية(بحث في أسباب الحرب الأهلية في لبنان).
في الحقيقة، ما لفتني عند الانتهاء من قراءة كتاب "في التناقض" وتسجيل بعض الملاحظات أن أطروحة مهدي حول نمط الإنتاج الكولونيالي، كانت قد سبقت وأسست لما كتبه المفكر الماركسي سمير أمين عن التراكم على صعيد عالمي، رغم ما عُرف عن أمين من شمولية لفكره النظري وتاريخيته في التحليل هذه التاريخية التي غالباً ما افتقدها مهدي عندما رفع من شأن منسوب التحليل المرحلي، بمعنى أنه صبَّ كل جهده النظري لمرحلة بعينها وهي التغلغل الامبريالي في البنى الاجتماعية الكولونيالية وما نتج عن ذلك من تشوه وانحراف لشكل التطور الرأسمالي في هذه البنى عبر تكريس الأشكال الما قبل رأسمالية عبر ما أطلق عليه مهدي العلاقة الكولونيالية التي ربطت الإنتاج الكلولونيالي بالإنتاج الرأسمالي الاستعماري وزد على ذلك، أن مهدي انطلق من مفهوم البنية ومن خصوصية البنيان اللبناني بينما سمير أمين انطلق بتنظيره من التشكيلة وهي مفهوم أكثر تاريخية ولكن ما يجمع البنية والتشكيلة هو أنهما يضمان عدة أنماط إنتاج مع وجود نمط إنتاج سائد، ويتلاقى المفكران بأنهما ينتميان إلى ذات المدرسة وهي مدرسة "التبعية"، (مفهوم "للتبعية")، بمعنى دراسة الارتباط التبعي للانتاج المحلي بالنية العامة للنظام الرأسمالي، واعتمادها، في هذا، على قانون تفاوت التطور الذي أسس له لينين متابعان تحليلهما العيني والمشخص من بعده.
ولأن الماركسية ابنة مرحلتها ومجتمعها وواقعها، لم تتطرق وتنتج نظرية خاصة بمجتمعاتنا إلا فيما ندر، ومن هنا أتت اجتهادات المفكرين الماركسيين النقديين الذين تجاوزوا المنهج المادي الجدلي بإنتاج النظرية الخاصة بمجتمعاتنا والذي كان لمهدي اليد الطولى في هذا الإسهام، واليوم تفرض علينا الثورات العربية وواقع التحولات أن نتناول نقدياً بعض طروحات مهدي وننظر إلى حال العلاقة الكولونيالية بناء على تحديد سمات هذه المرحلة من الامبريالية واختلافها عن المراحل السابقة بالإضافة إلى التناول النقدي لمقولات الصراع الطبقي والوطني ، الثورة والانتقال إلى الاشتراكية، الاستبدال الطبقي ومفهوم الطغمة المالية، ولنا محطة ووقفة مع الأحزاب، اليسار، والمثقف والالتزام وسنمضي مع القارئ إلى استحضار صفحات مضيئة من انتفاضة نيسان والتلاحم الكفاحي بين الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية لاستخلاص العبر والدروس، أعتقد أن جملة هذه المفاهيم تحتاج إلى ورشات فكرية، تعمل، تبحث، تفكر وتنتج. ولكن سنحاول مقاربة بعض أفكار مهدي عامل انطلاقاً من الراهن، وحده الحاضر سيكون الحكم وينظر إلى مفاهيم مهدي، حضورها، استمرارها، راهنيتها، تجاوزها، تجذرها معقولينها وطابعها الاستشرافي الرؤيوي والأفق المستقبلي لهذا الفكر العميق.
يقول مهدي: «إن إعادة الإنتاج لا تكرر المفاهيم بل تميزها وفي التميز توالد الاختلاف من غير أن يقود الاختلاف إلى خروج عن التربة النظرية التي تتم عليها تلك العملية. ويقول أيضاً.. من الماركسية اللينينة ننطلق في إنتاج فكرنا الماركسي اللينيني وحركة الإنتاج تتم بالضرورة في إطار الحركة التاريخية وطبيعي أن يكون إنتاجنا هذا تمييزاً له بحكم قانون تفاوت التطور نفسه» في التناقض ص 176.
وتأكيداً على ما ذكره مهدي يقول سمير أمين " أن الماركسية بناء غير مكتمل و الكسل الذهني هو الذي يحول الأطروحات المؤقتة إلى إجابات نهائية مطلقة.."
والآن إن الضرورة التاريخية تلح علينا بإقامة جسور فيما بيننا ، لنمضِ، إلى الجديد الذي يأخذ شكل المصادفة التاريخية.
علاقة الاختلاف بين البورجوازية الكولونيالية والامبريالية:
التكون التاريخي للكولونيالية.
في معرض تحليله ودراسته لتاريخ تكون البورجوازية واختلافها عن البورجوازية الامبريالية تبدأ لعنة البنوية وانغلاقها النسبي بتركيز مهدي على مرحلة محددة دون التوغل في تاريخ الأشكال التي سبقتها وهنا تظهر حيرته وارتباكه.
يقول مهدي: «عملية الهدم الثوري لعلاقات الإنتاج السابقة عملية لم تحققها البورجوازية عندنا قبل بدء التغلغل الاستعماري ولم يحققها الاستعمار بالرغم ما قام به من تفكيك لعلاقات الإنتاج»، «الاستعمار لعب في تطور بنياتنا الاجتماعية الدور التاريخي الذي لعبته الثورة البورجوازية إلا أن علاقات الإنتاج الكولونيالية التي تولدت بفعل تغلغله ليست مماثلة للرأسمالية» ويضيف: قد يكون البعض محقاً أن بوادر إنتاج رأسمالي طبيعي أخذت تظهر في بنياتنا الاجتماعية قبل التغلغل الاستعماري أي بفعل تطورها الداخلي.
ويتابع مهدي أيضاً «من الواضح أن البنية الاجتماعية الرأسمالية لم تخرج بالعنف الثوري من أحشاء البنية الاجتماعية السابقة سواء أكانت إقطاعية وهذا مستبعد أم استبدادية وهذا الأرجح نمط الإنتاج الكولونيالي» ص464-266.
كائن من كان، لا يشك في عبقرية مهدي واجتهاده الذي يطال مرحلة تاريخية دون سواها واكتشافه للعلاقة الكولونيالية «التبعية» إلا أنه احتار وزاد من حيرتنا في ارتباكه النظري لما يخص الأشكال الما قبل رأسمالية، لم يشرح ويبين كيف تم تفكيك وتحويل للأشكال الما قبل الرأسمالية من قبل الاستعمار في الوقت الذي يثبت فيه ظهور بوادر تطور رأسمالي، وعلى مقلب آخر، لم يحدد مهدي بتحليل عيني لطبيعة الأشكال الاجتماعية الما قبل رأسمالية التي ينعتها تارة بأنها استبدادية وتارة أخرى بالإقطاعية وهو العارف بأن أنماط الإنتاج الآسيوية والإقطاعية والخراجية تنتمي إلى الاستبدادية.
لجأ مهدي إلى التعميم ليلتف على حيرته وهو المعروف بدقته النظرية وكان حرياً به أن يحسم هذه الحيرة والارتباك من خلال التحليل العيني لعلاقات الإنتاج، الاستحواذ على الفائض وطبيعة الريع. وهو على دراية بأن أي تشكيلة اجتماعية تتركز حول تحليل نمط توليد الفائض من خلال معرفة توزيعه بين الطبقات، وأن يظهر مستوى تطور القوى المنتجة التي وصلته لأن شرط أي تشكيلة مرتبط بتطور قواها المنتجة وهذا التطور هو الذي يسمح بظهور الفائض والفائض يكون غير سلعي أي ريع طبيعي.
وبهذا الخصوص يقول سمير أمين: أن الفائض الناجم عن أي تشكيلة ليس متجانساً ، إنه يتكون من فوائض من أصول مختلفة والمسألة الأساسية هي معرفة نمط الإنتاج السائد وبالتالي شكل الفائض السائد ومعرفة إلى أي مدى يعيش هذا المجتمع على فائض ناجم عنه وتوزيع الفائض يعطي التشكيلة وجهها الحقيقي لأن مفهوم التشكيلة مفهوم تاريخي فإذا كان السائد هو إقطاعي فإن الاستحواذ على الفائض يتم من قبل أسياد الأرض، وإذا كان خراجياً فإن الطبقة العليا السياسية تستملك الفائض، لأن البنية الفوقية تهيمن على القاعدة، وهناك المركزة الدولاتية للفائض وعندما تكون الغلبة للبنية الفوقية فهذا يعني أن الغلبة للقيمة الاستعمالية على مستوى القاعدة الاقتصادية، بالعموم يعتبر سمير أمين أن نمط الإنتاج الإقطاعي هو خراجي غير مكتمل بسبب ضعف السلطة السياسية ولا مركزيتها، أما في النمط الخراجي فهناك تطابق البنية الفوقية مع علاقات الإنتاج-(سمير أمين« الطبقة والأمة في التاريخ وفي المرحلة الامبريالية»).
بما أنه تم إدخال النمط الرأسمالي من الخارج عن طريق السيطرة السياسية ولكن لم يحصل تفكك في العلاقات القروية الما قبل رأسمالية وإنما تشويه وتخريب لها جراء خضوعها لقوانين التراكم الرأسمالي، وهذا ما دفع بقسم كبير من المنتجين الصغار والفلاحين إلى التهميش والإفقار دون بلترتهم وتكديحهم بسبب ضيق ومحدودية السوق الناجمة عن الرأسمال الطبيعي حيث الملاك الكبير ينتج من أجل التصدير ولذلك نرى أن القوى المنتجة متقدمة في القطاع التصديري ومتخلفة في بقية القطاعات أو السوق المتولدة عن القطاع التصديري لا بد أن تكون مبتورة ومحدودة كما أسلفنا والنتيجة أن البورجوازية الكولونيالية تنعم بالاستهلاك الفاجر والجماهير بالإفقار والتهميش، وإذا كان من بروز لتطور رأسمالي، لكنا شهدنا حتماً تعميماً للشكل السلعي وفصل المنتجين عن وسائل إنتاجهم وتحويل قوة العمل إلى سلعة.
ويشاركنا أيضاً هذه الملاحظة الاستاذ صلاح العمروسي، ففي معرض حواره ونقاشه لمهدي يقول العمروسي ما مفاده (أن المشابهة حتى ولو كانت مجازية بين العنف الثوري والعنف الاستعماري والثورة البورجوازية وثورة الغزو الاستعماري تنطوي على خطأ منهجي واضح ، فالعنف الثوري ليس مجرد عنف ، رغم أنه يمثل الجانب الذاتي بمعنى معين في تقويض العلاقات القديمة حيث تقوم الطبقات الثورية نفسها وبإرادتها بهذا العمل من خلال إجراءات سياسية عنيفة في فترة وجيزة والتي تستغرق سنوات من التطور الاقتصادي السلمي البطيء، ولكن من المستحيل أن يكون لكل هذا أي جدوى إذا لم يكن قد حدث تطور رأسمالي سابق، في ظل النظام القديم نفسه الذي يكون قد أخذ في التفكك، فالعنف هنا لا يكون سوى قابلة لولادة هذا الجنين في أحشاء القديم نفسه وإزالة العوائق التي تعيق انطلاقته، أما إذا لم يوجد هذا الجنين في أحشاء القديم، فلن يؤدي العنف مهما كان شديداً إلى الحصول على أي وليد من أي نوع بل ربما إلى هلاك البنية الأم نفسها أو على الأقل تدهور حالتها ، ليكون الحمل اللاحق واهناً ومشوهاً ومتعثر الولادة، بمعنى إذا كان الكاتب ينطلق من أن غياب أي تطور رأسمالي سابق أو إذا وجد يتم وأده، فإن الحديث عن أن العنف الاستعماري يلعب دور الثورة البورجوازية يصبح بلا معنى أو ستكون تصوراته عن التطور الرأسمالي الذي يحدثه الغزو الاستعماري لا تخرج عن إجراءات تقنين الملكية الخاصة وتوسيع التجارة الخارجية المرتبطة بالزراعة التجارية الموجهة للسوق الرأسمالي العالمي، انتهى كلام العمروسي)ز (ص189 النظرية والممارسة في فكر مهدي عامل).
ونكمل من حيث انتهى صلاح العمروسي عن توسيع التجارة الخارجية المرتبطة بالزراعة التجارية الموجهة للسوق الرأسمالي العالمي، وذلك حتى نبحث في العلاقة الكولونيالية التي اعتبرها مهدي علاقة تبعية بنيوية بين بنيتين متميزتين من علاقات الإنتاج وليست تبعية طبقية بين طبقتين وفي هذا الصدد يقول مهدي ( أن التبعية للامبريالية قائمة في وجود هذه البنية المتميزة من علاقات الإنتاج الكولونيالية التي تكونت كبورجوازية تجارية، زراعية، وقانون التفاوت في تطور الرأسمالية هو الذي يتحكم بتكون هذه الطبقة من كبار الملاكين الزراعيين وبتطورها يخضعها له في توحيده للسوق العالمية كسوق رأسمالية وقد يجتمع التاجر، الصناعي، الملاك الكبير والبنكي في شخص واحد وهو البورجوازي الكولونيالي. (ص 269 نمط الإنتاج الكولونيالي).
في الحقيقة، لم يشرح مهدي للقارئ وبشكل عيني كيف تكرس البنية العلاقة الكلولونيالية وتعيد إنتاج علاقات الانتاج الكولونيالية – ولكننا سنحاول هنا أن نتصدى لهذه المهمة.
من المعروف أن البورجوازية الكولونيالية تكونت خلال المرحلة الامبريالية ولم تتكون انطلاقاً من ثورة فلاحية، وهي تتميز عن سائر الطبقات بأنماط معيشة فاجرة في استهلاكها وكل الطبقات الاجتماعية الأخرى وتحديداً المنتجين الصغار، (جمهور الفلاحين والبورجوازية الصغيرة) تقدم فائضاً لصالح الرأسمال الذي تمثله هذه البورجوازية ويتم الاستغلال عن طريق الإبقاء على الأشكال الما قبل رأسمالية في ظل تقسيم عالمي للعمل تفرضه الامبريالية ومن تداعياته أن يؤدي إلى تزايد البطالة في الجنوب الكولونيالية في حيث يتقلص في المركز ويتم نقل تناقضات الرأسمالية إلى الجنوب الذي تهيمن عليه الامبريالية، ومن يستفيد من فرط الاستغلال هو الرأسمال الاحتكاري أما البورجوازية لا تعدو كونها وسيطاً أو حليفاً للامبريالية ومن فائض العمل الذي تستحوذ عليه الرأسمالية تسرَّع في عملية التراكم في الوقت الذي تتشوه فيه في الأطراف وذلك عبر تحويل للقيمة يعيد إنتاج شروط التقسيم العالمي اللامتكافئ للعمل، وما يؤكد فكرة مهدي أن التبعية هي تبعية بنيوية أن كل الطبقات وتحديداً صغار المنتجين الغير المبلترين يقدمون فائض عمل يتحول إلى ربح للرأسمال وعلى أثرها تتحدد البورجوازية كوسيط، ليس لها دور في عملية الإنتاج الاجتماعي سوى أنها تسهل امتصاص الفائض الذي تنتزعه بالوكالة من المنتجين وهذا ما سماه سمير أمين بالتطور التخارجي الذي يضمن للأقلية دخلاً متزايداً ضرورياً لإتباع أنماط استهلاك يقوي من ريعية القطاع الذي ينتج منتجات البذخ ويؤكد الاندماج الاجتماعي ـ الثقافي للفئات المحظوظة ويهمش السواد الأعظم من الجماهير ويفقرها، ولذلك صرح مهدي أنه قد يجتمع التاجر الصناعي، الملاك الكبير والبنكي في شخص واحد وهو البورجوازي الكلولونيالي لأنه ببساطة ينتج من أجل التصدير ويقوم باستغلال فاحش للبرولتياريا والفلاحين المندمجين في المبادلات التجارية واللذين يدفعون ثمن التبادل اللامتكافئ.
وللدقة نقول أن البروليتاريا التي هي قيد التكون، ولا يمكن وصفها بالمتكونة، المتجانسة، المتمايزة، لأنه لو افترضنا تكونها وتمايزها لأقرينا بوجود تطور رأسمالي مستقل ومكتمل وللدقة أيضاً نقول أن الغزو الامبريالي للبنية الكلولونيالية شوه النمط التقليدي وذلك بطرده لقسم من السكان دون أن يخلق طلباً يتيح استخدام هذا الفائض السكاني الناتج عن خضوع البنية الما قبل رأسمالية إلى متطلبات الرأسمال الأجنبي ويستحيل دمجهم بالتصنيع، وهذا ما يفسر ازدياد الضغط على الأرض وزيادة الريع العقاري والتطور التخارجي - كما يفسر سمير أمين - يحكم على الزراعة بالركود وتدمير الحرفة المحلية تحت تأثير المنتجات المصنعة ويعاد إنتاج التخلف وتتشوه العلاقات الريفية من جراء التبعية التجارية والمالية.
بالمحصلة، هناك تمفصل قطاع تصديري واستهلاك البذخ وهذا ما يميز البنية الكولونيالية، ومن نتائجه أن تصبح القوى المنتجة متطورة في القطاع التصديري ومتخلفة في بقية قطاعات الاقتصاد والسوق الداخلية المتولدة عن تطور القطاع التصديري لابد أن تكون محدودة ومبتورة لأن السيطرة الساحقة للرأسمال الأجنبي تفرغ سوق الرساميل من مضمونها ويظل النظام النقدي والمالي متجهاً نحو الخارج وهيمنة الرأسمال الأجنبي تحول دون إمكانية الكلام عن سوق معممة لقوة العمل.
باختصار، إن الطابع المتجه نحو الخارج يحول دون قيام سوق محلية للرساميل ولسوق العمل وإنما ما يجري هو نقل تناقضات التراكم باتجاه الجنوب.
من الآراء التي استوقفتني في معرض النقاش والجدل مع مهدي حول نمط الإنتاج السائد في البنية الكولونيالية هو رأي صلاح العمروسي الذي اعتبر أن مهدي يبحث عن نمط يتميز بعلاقات إنتاج لا توجد في مجال الإنتاج وإنما في مجال التداول أي في مجال التجارة الخارجية ويضم طبقة لابد أن تكون تجارية وتمثل البورجوازية الامبريالية وتفتقر إلى الأسس التي تجعل منها طبقة ، فيقول العمروسي أين التراكم البدائي المرتبط بنزع ملكية الفلاحين سيما وأن نمط الإنتاج لا يمكن أن يدور في مجال التداول وإنما في تشريح الوحدة الديالكتيلية بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج تلك التي ينطوي عليها أي نمط إنتاج والتي تحدد بدورها علاقات التبادل، أي استبدل مهدي تحليله لنمط الإنتاج بعلاقات الإنتاج واختزل الرأسمالية إلى نظام تداول لا إلى نظام لإنتاج السلع وقام بنقل علاقات الإنتاج من مجالها الأساسي إلى مجال التداول والتداول الخارجي والتبادل الغير المتكافئ.
ربما مهدي لم يميز بشكل كافٍ ويوضح الفروقات بين نظام إنتاج كولونيالي ونمط إنتاج وهذه واحدة من تناقضاته. ومع احترامي الكامل لآراء العمروسي التي خصت مفهوم نمط الإنتاج عند مهدي عامل، وبعد تشريحه وتحليله لنمط الإنتاج فاته أن يذكر الصفة الجوهرية التي وصفها مهدي بنمط الإنتاج وهي « الكولونيالية» والتي ميزته عن سائر المفكرين، وتناسى العمروسي أن القوى المنتجة متطورة فقط في القطاع التصديري وأن علاقات الإنتاج الطبقية طبعاً هي التي تتحكم بعملية التداول وتقوم بشفط الفائض وتحويله إلى الخارج.
لربما لم يحلل مهدي كما يجب عملية توليد الفائض ولكن هذا لا يعطي ذريعة للنقاد أن يوجهوا نقدهم فقط لعلاقات الإنتاج وهم لا يدرون أن التداول العالمي للفائض تتحكم به علاقات الإنتاج الرأسمالية وهي الفاعلة على صعيد عالمي لأن معدلات فضل القيمة الأكثر ارتفاعاً تكون في الأطراف. وخلف الأسعار يختفي تولد الفائض وتوزيعه تحتمه سيرورة هذا التداول ويتحكم التوزيع بأشكال التراكم بمعنى: نمو مفرط وغير منتج في قطب وإفقار مطلق في القطب الآخر، والملاحظات التي تطال قطاع التداول تخفي رغبة في رفض تحليل الفائض على الصعيد العالمي لحصر تولده في المركز كما يقول سمير أمين.
وفيما بعد يتساءل النقاد: كيف تكون العلاقة الكولونيالية علاقة إنتاج بين إنتاجين؟ ببساطة لأنها كولونيالية حيث تكون العلاقة بين إنتاج خاضع ومسيطر عليه محدد شكل تطوره من قبل الإنتاج المستغل، المسيطر، ينهب، يستغل ويراكم ضمن قانون تفاوت التطور والتبادل اللامتكافئ بين الإنتاجين. إن التبعية «العلاقة الكلولونيالية» وظروف التبادل اللامتكافئ وتحويل للقيمة ونهب الأشكال الما قبل رأسمالية لا تسمح بإقامة تراكم مستقبل وطني حيث تعميم الإنتاج السلعي وسوق العمل وتحديد شكل رأسمالي يعني وجود طبقتين متناقضتين تحدد شكل التصرف بوسائل الإنتاج والاستحواذ على الفائض وتوزيعه أما في ظل البنية الكلولونيالية فيوجد فئات شعبية مقهورة، فلاحين،حرفيين، منتجين، وبورجوازية كولونيالية.
حالياً، وفي ظروف تطورنا الراهن من يقوم بشفط الفائض هو الدولة وهذه الدولة عبارة عن ائتلاف (بورجوازية طفيلية ريعية، تجار، سماسرة) راكمت ثروات من خلال بيروقراطية السلطة واستثمرت هذه الأموال فيما بعد في قطاعات خدمية أو في مجال العقارات في المضاربات أو راكمتها في البنوك، هي باختصار طبقة تعمل للخارج ومقتصرة على التداول دون الإنتاج وتحافظ على الجوهر الكلولونيالي والشكل الرأسمالي وهي ذات الطبقة التي قطعت الطريق على أصحاب المال الصغير وتحول البلد إلى مزرعة للزمرة المالية الحاكمة المندمجة اقتصادياً وتقوم بخصخصة القطاعات الأكثر حيوية بسبب العلاقة الكولونيالية، هذه الطبقة التي تغوص في استهلاك باذخ ونمط عيش مستفز في بذخه وهذا ما دللت عليه واقع الأسر الحاكمة أثناء الثورات أو ما كشفت عنه هذه الثورات من تراكم أموال منهوبة، عقارات، مجوهرات، في الوقت الذي يتعرض فيه الفقراء تحديداً الفلاحون لابتزاز واستغلال مضاعف وتصادر أراضيهم بأسعار بخسة ليغلب تشييد وإنشاء الفنادق والملاهي بدلاً من دعم الإنتاج الزراعي ـ الصناعي المتواضع والمثير للضحك. أن البورجوازية الطفيلية وتحديداً في سورية قامت بإنشاء مصانع لصناعة السيارات ومخصصة للطبقة الوسطى المصنعة «محدثي النعمة» تم إنشاؤها فقط لأن صناعتها تحتاج إلى رساميل وكأنها معدة للاستهلاك الجماهيري.
عن الاستعمار والتخلف
إن مفهوم الاستعمار يكاد ينقرض من التداول هذه الأيام ويمر البعض على ذكره مرور الكرام وبخجل وخفية وكأن التعاطي مع هذا المفهوم لحظة التحليل أمسى تهمة!.. وأتصور أنه من أكثر المفاهيم التي تفرض علينا تحدياً فكرياً للبحث في طبيعة الاستعمار اليوم، تمظهراته، أشكاله ، تجليه، وهو من المواضيع التي تصدى لها مهدي وأنتج تمايزه الفكري من خلال البحث في علاقة الاستعمار والتخلف ويعود الفضل إليه في الحث على إنتاج نظرية التخلف للبلدان العربية.
وفي هذا الصدد يقول مهدي عامل (إن الاستعمار ضرورة تاريخية لتطور الرأسمالية، والرأسمالية وحدت العالم بتوحيدها للسوق الخارجية وتوسعها ليس إلا استعمار للعالم ووضعه مع الإنتاج الرأسمالي في علاقة هي العلاقة الكولونيالية والتجارة الخارجية وتوظيف الرساميل يتخذ شكلاً كولونيالياً لصالح البلد الرأسمالي لأنه يتلقى كمية من العمل على شكل بضائع أكثر من كمية العمل التي يصدرها في منتوجاته).
نعم إن الاستعمار -كما قال مهدي، وأثنّي على رأيه - بأنه مرحلة دائمة في الرأسمالية وليس كما يحاول البعض أن يغيّب الامبريالية ويتجاهل دورها الهيمني والمسيطر من أجل أن تظهر وكأنها مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية كي يجري الالتفاف على التبادل الغير متكافئ، وينطبق هذا التوصيف على رأي وموقف عصام خفاجي الذي اعتبر أن الرأسمالية نظام عالمي والامبريالية مظهر لتجلي عالمية الرأسمالية في حقبة تاريخية معينة واعتماداً على ظرف محدد (ص 363، النظرية والممارسة في فكر مهدي عامل).
إن عصام خفاجي وكثرٌ غيره من الذين يلتفون على مفهوم الاستقطاب الملازم للتوسع الرأسمالي والاستقطاب الناتج بطبيعة الحال عن قانون القيمة على الصعيد العالمي وهو قانون معولم لأنه يستبعد سوق قوه العمل فيما يقبل باندماج سوقي السلع والرساميل وقانون القيمة يولد الاستقطاب الملازم للرأسمالية في كل مرحلة من تطورها ويتم تفسير على بلدان الجنوب من تفتت الإنتاج، التبعية وإعادة إنتاج الأشكال الما قبل رأسمالية القديمة والمشوهة والخاضعة لمنطق التراكم.
ماركس العظيم يقول (لا يطور الإنتاج الرأسمالي أي تقنية ويدخلها في سيرورة الإنتاج الاجتماعي إلا بعد أن يستنفذ في الوقت نفسه المصدرين اللذين تنبع منهما كل ثروة وهما الأرض والعامل).
إن الامبريالية يا صديقي مهدي توحد العالم ولكنها تفتته وتجزئه، واستثماراتها وتوظيفاتها تحقق أرباحاً وفوائض تُسحب من أنماط إنتاج خاضعة لرأس المال حيث يتم تحويل فائض القيمة من الأطراف إلى المراكز وفق الصيغ الخاصة بكل مرحلة من مراحل تطور الامبريالية ويتابع رأس المال مسيرته بتصدير الرساميل لغزو مساحات جديد ة يخضعها لتوسعه.
والتبعية، كما أكد مهدي، لا تكون دائماً بالاحتلال العسكري المباشر وإنما بالعلاقة الكولونيالية. وذهب سمير أمين إلى اعتبار حتى السويد وسويسرا بلدان استعماريان بدون مستعمرات وهما جزء من النظام الامبريالي، وهذا موجه للنيوليبراليين اليوم الذين يستعينون بالمجتمع الدولي صباح مساء لتحريرهم من أنظمة الاستبداد، والامبريالية ليست ظاهرة سياسية تنشر الحرية بقدر ما تسعى للسيطرة لأنها نتاج المنطق الذي يحكم تراكم رأس المال وما أقرب اليوم بالأمس حيث دار نقاش ومعركة بين لينين وكاوتسكي بهذا الخصوص.
اليوم يبدأ تحويل وتدفق الأرباح من الجنوب إلى الشمال وهذا الانفتاح على الرساميل يستلزم خراباً هائلاً في المجتمعات، لأن انفتاح الزراعة على توسع الرأسمال لا يقابله توسع في فرص توظيف الفلاحين المطرودين من الريف في أنشطة إنتاجية وغالباً ما يتحولون متسولين على أرصفة المدن أو يعملون في قطاعات طفيلية خدمية وأعتقد أن الامبريالية الجديدة سوف تقودنا إلى حرب دائمة وهذا وضع تقتضيه بنية الامبريالية في المرحلة الجديدة من انتشارها لأنها تريد أن تلتهم نصيباً كبيراً من الفائض المحقق على مستوى العالم، تريد أن تغزو الكون وتستنفذ ثرواته وخيراته برعاية حكيمة من تدخلات الأطلسي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية اللتان يقع على عاتقهما إدارة التفاوت باستدعاء متزايد من وسائل العنف، وأمريكا هي رأس الحربة في هذه الإدارة.
وماذا عن مصير الفلاحين، عندما تجتاح الرأسمالية المجال الزراعي، وأصلاً هي بالأساس غير قادرة على حل المسألة الزراعية، وأعتقد أن الإبادة الجماعية للفلاحين في المراحل المقبلة ستكون الحل للأزمات التي تعصف بهذه الرأسمالية وستوكل المهمة إلى الأنظمة المستبدة والمتوحشة التي تدير أزمتها وأزمة أسيادها بمزيد من الفاشية والحرب والإبادة الجماعية وتستعين امبريالية اليوم بمنظمة التجارة الدولية التي لا تحافظ على حرية الأسواق بقدر ما تقدم الحماية للاحتكارات وتخضع نظم الإنتاج لهذا الإلزام.
وهنا أستحضر رأي الباحث العراقي فالح عبد الجبار الذي اعتبر صندوق النقد الدولي الذي يمثل
(السلطة النقدية للاستعمار الجماعي مع منظمة التجارة مؤسستان ناشطتان اقتصادياً ووظف هذا النشاط كما يجب في بلده العراق).
وبالعودة إلى الموضوع الأساسي وهو أنظمة الإنتاج والعلاقة الكولونيالية، يقول مهدي بهذا الخصوص: (لا يوجد في البلد المتخلف بنيتين واحدة تقليدية والأخرى رأسمالية وإنما تعايش عدة أنظمة إنتاج مع نظام إنتاج رأسمالي، والتمازج لنظامي الإنتاج في البلد المستعمر تحويل لهما وليس إبقاء عليهما ومعنى ذلك أنه لا وجود لإنتاج رأسمالي في البلد المستعمر إلا في تطوره التكراري داخل الإطار الكولونيالي تحويل لهما، التطور بين الإنتاج وإطاره التاريخي هو الذي يتيح لنا التكلم عن نظام إنتاج متميز يحدد إنتاج البلد المستعمر المتخلف وهو نظام إنتاج كولونيالي) ص 429 ـ ص 430 نمط الإنتاج الكولونيالي.
مما لا شك فيه، أننا نتفق مع مهدي من حيث الأساسيات والقانون العام الذي يحكم مسار فكره على ضوء العلاقة الكولونيالية التي من خلالها يبرهن على طبيعة النظام الكولونيالي ولكنه يتغافل عن عدم تمييزه بين نظام إنتاج ونمط إنتاج ولربما السبب في هذا التغافل يعود إلى البنية وانغلاقها النسبي وتركيزه فقط على التكوين العربي في العهد الاستعماري، لم يتعرض للمراحل التي سبقتها.
ولم يحدد ماهية الوليد الجديد من نظام الإنتاج، وإذا كانت البنية غير مستقلة في تطورها، وهذا بحد ذاته يعيق التوجه الرأسمالي الطبيعي، فكيف إذاً يعاود مهدي التحدث عن نمط إنتاج رأسمالي يتعايش مع أنماط أخرى?. وإذا كان ما يحلله صحيحاً فهذا يعني تحرراً للقوى المنتجة وبداية للتراكم الذاتي وتعميم الإنتاج السلعي وانفصال المنتجين عن وسائل إنتاجهم وتحول قوة العمل إلى سلعة,
أما ولم يحصل هذا التطور المستقل بسبب العلاقة الكولونيالية، فما هي خصائص وسمات النمط الكولونيالي الذي تحدث عنه مهدي بوصفه مختلفاً، هل يحتفظ بالخصائص الجوهرية لنمط الإنتاج الرأسمالي أم نحن إزاء نمط جديد وليس شكلاً من نمط رأسمالي، لأنه إذا كان هناك غلبة للنمط السائد فهذا يعني تطوراً للعلاقات السلعية.
من جانب آخر، تجاوز مهدي تحليله للأشكال الما قبل رأسمالية، ليجد البديل في تحليل نمط الإنتاج الكولونيالي وهذا لا يعفيه من بناء علاقة بين الأشكال الما قبل والنمط الوليد عبر آلية توليد الفائض، وكيف يمكن أن ترسمل الامبريالية المجتمع ويبقى نمط الإنتاج محافظاً على صفة الركود ويفتقد عنصري الحركة والتحول. لربما السبب في ذلك يعود للمنهج البنيوي الذي يعطي التحليل طابع الثبات.
ومن الملاحظات التي يمكن أن نوردها ، هي إرتباك مهدي على المستوى النظري، ولكن عندما ينتقل إلى المستوى العيني، المشخص، نجده أكثر دقة ولا نلمس ذات التناقض.. ولا نجد أجمل من أن ننهي هذا المحور بقول لماركس: (إن مسارات التاريخ ترسمها الصراعات. وحل أعنف التناقضات يجري إما بتجاوز النظام الاجتماعي الذي عفا عليه الزمن أو التدمير الذاتي لهذا المجتمع).
وانطلاقاً من مقولة ماركس نعود فنؤكد من جديد ان الرأسمالية لا يمكن أن تكون إلا مرحلة عابرة في التاريخ. وعندما تحرم شعوب الغرب الرأسمالي من الريع الذي يأبتها من البلدان الفقيرة والمنهوبة ستتمكن من أن تنتفض وتعلن انضمامها إلى شعوب الجنوب وتكوين جبهة معادية للامبريالية والاحتكارات، وأعتقد أن بوادر بدأت تظهر وتتكشف وتعلن عن نفسها في أوروبا ولذلك سوف تسارع الولايات المتحدة إلى إعلان حرب كونية ضد الإرهاب بقيادتها وبقيادة حلفائها في الجنوب من كومبرادور وبتردولار.
لن تدوم طويلاً رأسمالية الاحتكارات المعممة، إنه خريف الرأسمالية وربيع الشعوب ولذلك لا خيار أمام الشعوب: إما استمرار الاستغلال والنهب أو الاشتراكية.
لأنه من جراء عدم استكمال بناء الرأسمالية على أساس التراكم الوطني الذاتي تتعرض الفئات المضطهدة للاستغلال المتناهي ويتعرض الفلاحون لاستغلال مزدوج من قبل أشكال سابقة من الرأسمال الاحتكاري وأن استمرار الأشكال الما قبل رأسمالية تنتج استغلالاً أكثر وفائض عمل مبتز يجري على أساسه توزيع الفائض بين الرأسمال المالي الامبريالي والبورجوازية المتواطئة معه.
عن الطغمة المالية والجدل مع المفكر فواز طرابلسي:
إن مفهوم الطغمة المالية واحدة من المفاهيم التي أثارت جدلاً مع المفكر اللبناني فواز طرابلسي، ودفعت مهدي لسجاله والنقاش معه وكان حواراً فيه من التشابه والاتفاق أكثر من الاختلاف الذي بالغ مهدي في إظهاره.
في البداية سوف نورد نصاً لفواز طرابلسي ومن ثم نبدأ بالتعليق والتحليل، يقول الدكتور طرابلسي: "إن مفهوم الطغمة المالية الذي استخدم لفترة طويلة في تعيين نمط الإنتاج السائد في لبنان وفي تحديد طبيعة السلطة الطبقية فيه، إنه نموذج براني، فينتقل بطريقة ميكانيكية من حقل نظري إلى حقل نظري آخر".
ومفهوم الطغمة المالية يقيم تطابقاً خاطئاً بين الطبقة المسيطرة اقتصادياً وبين الفئة السياسية الحاكمة ، إن البورجوازية التجارية ـ المصرفية هي الطبقة المسيطرة اقتصادياً لكنها تحدد دورها كفئة حاكمة وكوكيل سياسي للبورجوازية - ص 219ـ220 « النظرية في الممارسة السياسية ».
من جانبه، يعتبر مهدي عامل أن الحقل النظري الذي نقل عنه طرابلسي له طابع كوني خاص بنمط الإنتاج الرأسمالي كنظام عالمي في طوره الامبريالي وبالتالي يضع طرابلسي علاقة البنية الاجتماعية الكولونيالية في علاقة خارجية مع البنية الاجتماعية الامبريالية ويقيم فاصلاً ويعزل فيما بينهما وتوجد - والكلام لمهدي - علاقة بنيوية تربط تناقضياً وصراعياً بنيتين متميزتين مختلفتين في بنية معقدة هي البنية الكونية لنمط الإنتاج الرأسمالي الذي يتميز في وجوده التاريخي في شكلين منه مختلفين متناقضين: شكله الامبريالي وشكله الكولونيالي، وبتغييب العلاقة الخارجية التي يقود تغييبها إلى تغيب الطابع الكوني، عندها ينزلق إلى صعيد المنطق الميكانيكي ويسقط العلاقة الكولونيالية ولذلك استخدم مفاهيم برانية وجوانية.

بعد أن استعرضنا وجهتي النظر، لا أجد غضاضة أن نعتمد على لينين بما يخص مفهوم الطغمة المالية ليكون الخصم والحكم، لينين الذي اعتبر أن تاريخ نشوء الطغمة المالية ناتج عن اندماج البنكي بالصناعي وعلى أثره، يصل الإنتاج إلى درجة من التمركز حيث تنشأ الاحتكارات ويظهر رأس المال الاحتكاري الذي يسمح لنا بالتكلم عن وجود الطغمة المالية وهي تشكل ذروة التطور الرأسمالي والذي مرَّ بمراحل متعددة من رأسمال نقدي تجاري تم تحويله إلى صناعي ومن ثم إلى بنكي وصولاً إلى الفئة المهيمنة من البورجوازية الامبريالية، ويعني ذلك أن سيطرة الرأسمال المالي هي مرحلة عليا من تطور الرأسمالية حيث يفصل ملكية الرأسمال تعني سيطرة الطغمة المالية.
إن نشوء الطغمة المالية على أساس الرأسمال المالي افتتح عهد الاحتكار حيث حلت الاحتكارات محل المزاحمة الحرة بل تعيش فوقها - « لينين: الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية ».
من خلال التوصيف الدقيق الذي قدمه لينين لتاريخ تكون الرأسمال المالي، يمكن الاستنتاج أن الطغمة المالية / الفئة المحتكرة، أتت في سياق التطور التاريخي للرأسمالية في الغرب، فأين البنية والتركيب الاقتصادي ـ الاجتماعي اللبناني من هذا المسار ومن التوصيف اللينيني، سيما وأن الطغمة المالية نشأت عن الرأسمالية حيث الإنتاج البضاعي والمزاحمة، فهل اختار مهدي ما يناسب البنية وأسقط مجموعة من السمات التاريخية التي ارتبطت بهذا المفهوم يا ترى؟
وهذا يقودنا إلى أن الدكتور طرابلسي كان منسجماً مع ما طرح من حيث إنكاره لوجود الطغمة المالية لأنه لم يؤكد بالأساس وجود نمط إنتاج رأسمالي ولم يكن هاجسه البحث عن نمط إنتاج سائد أو مهيمن كما مهدي الذي كان يحاول دائماً ببحثه وتنظيره أن يثبت نمط إنتاج سائد في البنية وهو ما أطلق عليه تارة نمط إنتاج كولونيالي وتارة أخرى نظام إنتاج كولونيالي ولكن يبقى القاسم المشترك بينهما أي بين النمط والنظام هو الارتباط البنيوي التبعي بالإنتاج الامبريالي عبر العلاقة الكولونيالية والتي اتهم الدكتور طرابلسي بإسقاطه لها وكيف يتهم مهدي الدكتور طرابلسي بإسقاطه للعلاقة الكولونيالية أو التبعية في الوقت الذي أعطى فيها هذا الأخير للبورجوازية اللبنانية صفة التجارية والمصرفية ولا أعتقد بأنه يوجد اختلاف بين البورجوازية الكولونيالية والتجارية إلا بالتسمية!. أليست البورجوازية التجارية هي كولونيالية ، سنورد نصاً لمهدي يظهر تناقضه من حيث هو متفق مع ما طرحه طرابلسي يقول مهدي:(البورجوازية الكولونيالية هي تجارية ويستحيل أن تصبح صناعية لأنها ولدت مشلولة عبر العلاقة الكولونيالية ولأن الرأسمال التجاري لا يستطيع أن يتحول إلى صناعي لأن التجارة تجارة كولونيالية قائمة على الاستيراد والتصدير، والذي مكن انتقال الرأسمال التجاري في الغرب إلى صناعي هو أن حركة الانتقال كانت تتحقق بشكل مستقل بمعزل عن العلاقة الكولونيالية.
كيف يتهم مهدي عامل الدكتور طرابلسي بنقله للمفاهيم بشكل ميكانيكي وهو الأدرى بالسياق التاريخي لتكّون الطغمة المالية من حيث أنه أسقط المرحلة الصناعية من هذا المسار? وبطبيعة الحال فإن الرأسمال التجاري لا يمكن أن يتحول إلى صناعي ولا يحق أن ندين أحداً ما وننعته بالتماثل لمجرد أنه لم يورد مصطلح العلاقة الكولونيالية في الوقت الذي أقر طرابلسي بوجودها التاريخي عندما وصفها بالتجارية ـ المصرفية ولا أعتقد أن مهدي يختلف مع طرابلسي من حيث أن البورجوازية التجارية هي المسيطرة اقتصادياً وتحكم بواسطة الإقطاع السياسي بالوكالة.
وبهذا الخصوص يقول مهدي: لأن البورجوازية تفتقد النفوذ السياسي الذي تمتلكه الإقطاعات بحكم موقعها السياسي التقليدي المسيطر في علاقات الإنتاج السابقة على الرأسمالية والبورجوازية توكل الإقطاعات بدور سياسي وهو ضرورة سياسية طبقية لمنع تكون الطبقات الكادحة كقوة سياسية مستقلة وتأخذ ريعاً لقاء خدماتها التي تؤمن تجدد السيطرة الطبقية وضبط حركة الصراع).
وهل يمكن لأحد أن ينكر التقارب بين الاثنين؟ لا أعتقد ذلك ولكن ألمس تناقضاً عند مهدي حيث أنه يحاكم طرابلسي من حيث حاكمناه في بداية هذه الدراسة ويظهر ارتباكاً وتناقضاً في الوقت الذي أبدى فيه الآخر واقعية وعيانيه أكثر، والاختلاف كان لفظياً أكثر منه فكرياً مع أن مهدي لم يظهر بشكل كافٍ الفروقات الموجودة بين مفهوم الرأسمالية التجارية عند طرابلسي والبورجوازية الكولونيالية على مستوى المسميات واللذان لهما ذات المعنى والهدف.
ومن أجل تعميق الحوار والسجال والحث على التفكير الذي يثيره هذا النقاش الغني الذي يحقق متعة للقارئ ندعوه إلى أن يشاركنا هذه الحوارية كعنصر فاعل و مؤثر في عملية الحوار التي تدور بين المفكرين اللذين ينتميان إلى ذات المدرسة الفكرية.
من بين الأفكار التي استدعت رداً ونقاشاً من قبل مهدي عامل على ما طرحه طرابلسي لجهة التركيب اللبناني ما مفاده أن البورجوازية في لبنان تجارية ـ مصرفية تلعب دور الوسيط بين السوق والداخل العربي وتشكل جزءاً من نمط الإنتاج الامبريالي، التحقت بنمط الإنتاج الامبريالي دون أن تبني لنفسها نمط إنتاج خاص وهي تغزو أنماط الإنتاج (نمط سوقي صغير في الزراعة، والإنتاج الحرفي، ونمط الإنتاج الرأسمالي الصناعي الخاضع من الخارج) أي تستغل المنتجين بالمحافظة على علاقات التبعية التقليدية وشبه الإقطاعية السابقة. والاستغلال الذي تمارسه الرأسمالية التجارية ـ المصرفية على المنتجين يجد أساسه في استمرار علاقات الولاء والتبعية، العصبية، العشائرية، الطائفية (ص 223) و يضيف طرابلسي لجهة المجتمع اللبناني بأنه في مرحلة من التكون الطبقي الانتقالي المعاق ينطلق مهدي بنقده من هاجسه الأساسي الذي استحوذ على إنتاجه الفكري وهو: إثبات نمط إنتاج مسيطر، والاختلاف بين المفكرين ليس إلا إقراراً بالاعتماد على النص السابق إلا بالاتفاق على تحديد هذه البورجوازية موقعها و دورها من حيث ما تقوم به من نهب للأشكال الما قبل رأسمالية بحكم كونها وكيلة الرأسمال الأجنبي ، فهل يمكن القول بأن طرابلسي أسقط العلاقة الكولونيالية من تحليله و هو القائل أن الرأسمالية جزء من الإمبريالية و لا أدري لماذا يتغافل مهدي عن صفة الرأسمالية ذاتها على أنها تجارية و لو كانت حقاً مستقلة لما كان طرابلسي نقد مفهوم الطغمة المالية . و بمجرد إطلاق صفة تجارية على الرأسمالية فهذا يعني وجود فئة تعمل للخارج و مقتصرة على التداول و التجارة الخارجية بعلاقتها بالبلدان المتخلفة هي شكل من أشكال الاستعمار و هذه الرأسمالية غير منتجة و بناء عليه ينقد طرابلسي النقل الميكانيكي لمفهوم الطغمة المالية لأنه لم يؤكد بالأساس وجود نمط إنتاج رأسمالي في لبنان ولو أكد لا ننفي وجود الأشكال الما قبل رأسمالية وجرى تعميم لسوق العمل وبدأت عملية التراكم المستقل والوطني.
ورداً على فكرة طرابلسي بأن المجتمع اللبناني في مرحلة من التكوين الطبقي الانتقالي المعاق يتساءل مهدي من أي بنية إلى أي بنية ينتقل المجتمع معتبراً أن الإعاقة ليست في الانتقال وإنما الإعاقة هي التطور ذاته والإعاقة في التبعية التي سدت آفاق التطور الرأسمالي الطبيعي ومن ثم يتساءل مهدي هل المجتمع اللبناني في مرحلة انتقال من الطائفية إلى بنية العلاقات الطبقية.
بعد ذلك يستنتج مهدي من خلال حواره مع فواز طرابلسي بأنه يوجد بنيتين هما في علاقة خارجية لكنهما مختلفتان بنية علاقات الإنتاج وهي بالتحديد علاقات الإنتاج السابقة أما الثانية فهي مصرفية ـ تجارية وهي ليست ببنية علاقات إنتاج ويحددها بأنها الخارج الملتصق بالإنتاج الداخلي في المجتمع اللبناني يتعايش الداخل والخارج.
إذا كانت العلاقة خارجية بين البنيتين، كيف يفسر مهدي استخدام طرابلسي لمفاهيم مثل تستغل، تغزو ، تنهب ألا يؤكد هذا على وجود العلاقة الرأسمالية التي هي علاقة استغلال وعلاقة الاستغلال تستوجب وجود طرفين هما في علاقة خضوع، سيطرة، بمعنى وجود طرف خاضع ، مستغل وآخر مسيطر ومستغل ، ينهب ويشفط الفائض من المنتجين كونه وسيط الرأسمال الأجنبي.
وطبيعي أن توظف الرأسمالية التجارية أشكال الوعي التقليدي لتكريس سيطرتها ولربما نختلف مع الدكتور طرابلسي بحالة الانفصال التي أقامها بين قطاع تقليدي متجه نحو الداخل ورأسمالي نحو الخارج سيما وأن القطاع التقليدي خاضع للرأسمال الأجنبي بواسطة البورجوازية التجارية القائمة على الزراعة التصديرية وهذا يعرض الفلاحين والمنتجين للاستغلال المضاعف و يطردهم تحت مزاحمة المنتجات الأجنبية، وفي ظل الهيمنة الامبريالية يستدرك مهدي ومعه كامل الحق في ظل غزو الرأس المال المالي ضمن التقسيم العالمي للعمل لا يوجد داخل وخارج لأن القطاعات كلها بالنسبة للرأسمالية هي منتجة للربح والربح هو المحرك الأساسي والقطاع الذي يدر أرباحاً طائلة في لبنان ( وبهذا الشرح أكد ما عبر عنه طرابلسي من طبيعة الرأسمالية أنها تجارية ـ مصرفية ) وهو قطاع الخدمات والصيرفة.
بحواره مع فواز طرابلسي، كان مهدي يفكر فكره ويطرح تساؤلاته، ولوهلة انتابني إحساس أن مهدي يحاور مهدي، وهذا تناقض مهدي التاريخي وخاصة عندما نقد فواز طرابلسي بثنائية الداخل والخارج وهو القائل بأن تطور الإنتاج في البلد المستعمر يحافظ على الإنتاج التقليدي في حركة تفكيكه وتهديمه له. والتطور التكراري للإنتاج التقليدي ليس ممكناً إلا في إطار الإنتاج الرأسمالي المشوه، الكولونيالية.
مهدي يحاور مهدي ويحاول أن يفكر مفاهيمه من خلال استحضار الاختلاف مع فواز طرابلسي.
عن التحرر الوطني والصراع الطبقي
والبنية اللاتفارقية:
قدم مهدي عامل قراءة جدية ومعمّقة للبنة الكولونيالية ، جعلته يتفرد عن سائر أترابه بهذه القراءة المبتكرة ـ التجديدية ـ فأنتج تخالفه مع النص الماركسي بإبداعه نصاً ماركسياً متمايزاً نابعاً من خصوصية التركيب الاقتصادي ـ الاجتماعي.
إن تخالفه عن النصوص الكلاسيكية للنظرية الماركسية يرتبط بطبيعة الصراع الطبقي في البنية الاجتماعية الكولونيالية، من حيث ارتباطه بالعلاقة الكولونيالية، يعطيه طابعاً وطنياً ويحدد حركته كحركة تحرر وطني من الامبريالية. وقطع العلاقة الكولونيالية لا يتم إلا بتوقف تجدد علاقات الإنتاج الكلولونيالية التي تمثل القاعدة المادية للسيطرة الامبريالية وتجدد السيطرة يكمن بتجدد قاعدتها المادية وقاعدتها المادية هي بنية علاقات الإنتاج ولذلك لا يمكن الفصل بين حركة التحرر من الامبريالية عن حركة الصراع الطبقي.
إذاً إن الصراع الطبقي في البنية الكولونيالية له طابع وطني ويتحرك في إطار من التبعية البنوية كصراع بين قوى اجتماعية تهدف إلى الحفاظ والإبقاء على علاقات الإنتاج وتأبيد علاقة التبعية وقوى نقيضة تهدف إلى تحويل هذه العلاقات وقطع العلاقة الكولونيالية وهنا بالتحديد، لا يمكن للصراع الطبقي أن يتحرك في شكله الخاص إلا كصراع وطني بين قوى تابعة للامبريالية وقوى معادية. وهذا الموضوع يحيلنا إلى موضوعة غاية في الأهمية وتشير إلى عبقرية مهدي وهي الاستبدال الطبقي، وهي واحدة من المقولات التي ارتبطت بفكر مهدي وميزته.
إن الاستبدال الطبقي يطال البورجوازية الصغيرة دون سواها، وبمعنى أنها عرفت تفارقاً طبقياً بأن تمايزت فئة منها ـ بعدما اعتلت سدة الحكم ووصلت إلى السلطة بانقلاب عسكري واتخذت لنفسها صفة: « الأنظمة التقدمية » التي تشهد زوالها اليوم وبئس المصير، بعد هذا التحول أصبح من يحكم هو البورجوازية الكولونيالية وليس البورجوازية الصغيرة وصيرورة تحولاتها وضعتها في تناقض مأزقي مع تجدد علاقات الإنتاج الكولونيالية الذي هو شرط بقائها في السلطة بالرغم من الإصلاحات الفوقية التي أجرتها وكانت قاعدة مادية لإثرائها فيما بعد وإثر تغير وضعها الطبقي تغير موقفها من الامبريالية. وبهذا التحول قطعت مع سائر الفئات الأخرى اقتصادياً وسياسياً دون أن تقطع إيديولوجياً، وتحولها إلى كولونيالية منعها من حل القضية الوطنية والحل يكمن بتحويل علاقات الإنتاج والتحرر من التبعية وبهذا الخصوص يقول مهدي (إن الأزمة ليست في حركة تحويل علاقات الإنتاج بقدر ما هي في حركة تجددها الدائم لأن التحويل هو حل للتجدد وبالتجدد تتأمن سيطرة هذه الفئة، والانتقال المرحلي لا يحدث تغييراً جوهرياً. ويقصد بالانتقال المرحلي هو الاستبدال الطبقي داخل الطور الواحد من الإنتاج أي ما يمكن تسميته نهوض في طور الأزمة حيث يجري تثبيت علاقات الإنتاج ويمنع نهوض الطبقة العاملة في مرحلة تكون الطبقة المسيطرة الجديدة وفشل هذه البورجوازية في تحويل البنية كتابع لفصلها بين الوجه الوطني ـ والاجتماعي:
الاجتماعي كحركة معادية للرأسمالية، والوطني القائم على معاداة الامبريالية.
إن حاضر البورجوازية المتجددة «الريعية» يعطي شرعية لتأكيد ما أبدعه مهدي حول مفهوم الاستبدال الطبقي وتحولات هذه الطبقة التي كان شرط بقائها في السلطة هو تبعيتها وهذه التبعية وقفت عائقاً أمام التحرر الوطني من حيث هي حركة معادية للامبريالية.
هذه الفئة من البورجوازية التي وصلت بانقلابات عسكرية واغتنت وتحولت إلى بورجوازية تجارية، مالية ، طفيلية ـ ريعية وأفرزت فيما بعد زمرة مافيوية / عائلية متحكمة بالمقدرات الاقتصادية للبلدان العربية من مصر إلى سورية وتونس وغلفت هذا النهب بايديولوجية عروبية ـ علمانية، دينية. وموقعها الجديد جعلها تندمج وتتحالف مع الرأسمال المالي الاحتكاري وبدأت بتنفيذ سياسات الليبرالية الاقتصادية والبدء بالخصخصة لأكثر القطاعات ربحية، مما أدر عليها أرباحاً طائلة، معمقة الاستقطاب والتفاوت وعلاوة على ذلك قامت بشفط الفائض وحيازتها للعائد والريع عبر التبادل الغير متكافئ، أفقرت البورجوازية الكومبرادورية شرائح عديدة من موظفي الدخل المحدود، الفلاحين، صغار المنتجين، الحرفيين اللذين تضرروا بفعل مزاحمة البضائع الأجنبية وانفتاح الأسواق كما أن أصحاب المال الصغير حوصروا وعوقبوا ولجمت استثماراتهم المتواضعة في القطاعات الإنتاجية.
إن البيروقراطية المغلقة دفعت البعض إلى مراكمة الثروات الطائلة وجعلت منهم أقلية مستثمرة في القطاعات الخدمية، العقارية... إلى أن أتت اللحظة التاريخية وأزاحت الشعوب الغمامة والغشاوة عن وعيها. ضاقت الشعوب ذرعاً بالبذخ والاستهلاك الفاجر ومن انعدام الحريات والديمقراطية ولم يعد ينفع معها عطاءات، مكرمات، فالمنح تروض وعي الناس وتميعه تجاه عدوها الإنساني، الطبقي ، القهري.
انتفضت شعوبنا وهبت وهي المعينة، دون سواها، بالمسألة الوطنية وبتحريرها من متاجرة البورجوازية الطفيلية لأن القضية الوطنية هي قضية فلاحين هجروا من أراضيهم وتحولوا إلى متسولين وعمال في القطاعات الخدمية وآخرون يرزحون تحت خط الفقر، أقول هذا لأن هذه الفئات المسحوقة لا تفصل في نضالها بين الوطني والديمقراطي والاجتماعي وهذا ما سيزيد من فاشية البورجوازية المدعومة من الامبريالية ومشيخات البترو دولار لأن سادة الأنظمة هذه وأصحاب رأس المال الاحتكاري يريدون تمييع الثورة وقطع الطريق عليها من خلال عسكرتها أو بافتعال الحرب الأهلية أو صناعة بديل نيوليبرالي يحافظ على الجوهر الكولونيالي ويحسّن شروط التبعية تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ويكرّس الارتهان للخارج.
الثورة مستمرة لأنها سيرورة وصيرورة والشعب يريد الانعتاق والتحرر من البورجوازية العربية، الريعية، ومن الامبريالية الداعمة لها، ولأن الثورة صيرورة سوف تتعثر وتمر بمراحل انتقالية طويلة وقاسية.
وأمام التناقض المأزقي للبورجوازية الكولونيالية بما يخص القضية الوطنية ، يطرح مهدي البديل، والبديل هو الطبقة العاملة التي ستقوم بكسر الإطار البنيوي لبنية علاقات الإنتاج الكولونيالية وأن الممارسة السياسية لصراعها الطبقي هي حتماً ممارسة وطنية، وحل التناقض الوطني في بنية العلاقات الكولونيالية، هو حل اشتراكي يحدده منطق الصراع الطبقي وأن الطبقة العاملة هي الحبلى بالمستقبل الاشتراكي.
من حيث المبدأ لا غبار على التحليل النظري المجتهد للبنية وعلاقات الإنتاج فيها، و تموضع الطبقات ولكن يمكن أن ندون بعض الملاحظات على هذا التحليل الذي لا يخلو من التناقضات والالتباس بين المستوى النظري والتعيين الواقعي.
يكمن التناقض عند مهدي في النظر إلى الطبقة العاملة على أنها متكونة أحياناً وأن التبعية تمنع التكون أو هي عائق في وجه التكون.
وإذا انتقلنا من المستوى النظري إلى المستوى السياسي أو التناقض الرئيسي (وهو التناقض المرحلي) وغالباً ما تتسم هذه المرحلة بأنها تحالف قوى ثورية « مرحلة تحول ديمقراطي » وبهذا الخصوص يقول مهدي إن الشرط الأساسي للتكون المستقل للجماهير الشعبية في وجه البورجوازية هو التكون المستقل للطبقة العاملة، وانسجاماً مع ما طرح أتصور: أن شرط استقلال الطبقة العاملة هو استقلال الجماهير الشعبية.
وكان الحري بمهدي أن يتحدث عن فئات شعبية للدقة الواقعية، فإن اقتصار الحديث عن الطبقة العاملة ربما يعود لطهرانيته الحزبية. ألم تندلع الثورتان الروسية والصينية وكانت الطبقة العاملة قيد التكون.
إن الثورة الشعبية الديمقراطية تفتح الأفق والمدى الطويل للانتقال إلى الاشتراكية ومن هنا تنبع أهمية طرح تروتسكي حول الثورة الدائمة. إذاً، هي ثورة شعب بكل مكوناته، قواه، طبقاته، في وجه الطغمة التي نمثل رأس المال الاحتكاري.
التحرر من الامبريالية يمر حتماً بالتحرر من ممثلتها وتتصف هذه المرحلة بأنها مرحلة انتقال إلى الاشتراكية وليس إلى الرأسمالية كما يحاول البعض أن يروج معتبراً أن الطبقة الوسطى هي من تقود الحراك الشعبي وسوف تقضي على الأشكال الما قبل رأسمالية ليتم الانتقال إلى الرأسمالية ولكون المرحلة هي مرحلة ثورة ديمقراطية شعبية والسواد الأعظم في هذه الثورة هم من الكادحين، المهمشين بما يؤدي للانتقال إلى الاشتراكية، من جانب آخر فإن البعض يتجاهل الامبريالية ويعتبرها مجرد مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية.. فتجاهل الامبريالية وإسقاطها من منظومة البعض يعني رفض الإمكانية التاريخية لإستراتيجية ثورة متواصلة على مراحل والتعلل بأوهام تطور الرأسمالية في العالم العربي.
إذاً، الثورات بشعوبها وشبابها هي ثورة مجتمع ضد سلطة ومهما اختلف شكل التحليل والتوصيف يبقى هناك شعب يثور ضد الاستبداد وطالما هناك رأسمالية في العالم فالظلم والاستغلال قائم.
واليوم، مع الثورات الشعبية، نطوي صفحة الوطنية الشعبوية، (الإصلاحات الفوقية وديكتاتورية الحزب الواحد). وننظر إلى المستقبل بعين الرجاء بولادة ديمقراطية حقيقية، وفي المستقبل لن تكون هناك عدالة بدون ديمقراطية ولا منجزات ديمقراطية دون تقدم اجتماعي، ولأن فكرنا الماركسي لن نجده في الكتب وإنما في التفكير العميق بالتحولات. والتحدي الأكبر هو إنتاج نظرية للثورات تستمد خصوصيتها من المعطيات والتحولات: وعملية إنتاج الماركسية كما يقول مهدي هي عملية مستمرة باستمرار الحركة الثورية من حيث هي حركة تغيير للعالم وانتقال به من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وعملية إعادة إنتاجها متجددة بتجدد الشروط التاريخية الخاصة بتحقق السيرورة الثورية، وتقع على المثقفين النقديين كونهم على معرفة علمية بقوانين التطور التاريخي للبنى أن تدفع بهم وتحثهم على أن يستخلصوا ويبنوا نظرية للثورة خاصة ببلدان العالم الثالث، يوجد شعب لم يقرأ لينين وماركس وغرامشي ولكن الوعي الذي يتم إنتاجه ويتكشّف للجميع خلال الثورات ملفت ويحيرني شكل توصيفه ـ ذكاؤه بالرغم من فطريته ، عفويته، تلقائيته، إن الممارسة السياسية تنتج نظريتها وشعاراتها وخصوصيتها وعناوينها.
*
----ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


حتى نلتقي .....
" تمخّض الجبل .."
إلى مهدي عامل
* الشيخ *


عندما يتشرنق اللاعب السياسي حول ذاته ،
عندما يختزل - وطناً نازفاً - بنرجسيته ،
عندما يضع معياراً للوطنية استزلامه ،
عندما يضع نفسه فوق كل دستور ،
عندما يشخصن كل الخلافات الفكرية ،
عندما لا ينظر إلا من ثقب مصراع بابه ،
عندما يدير للنور ظهره ،
عندما (يشحد) على ضحايا وطن مدمر ،
عندما يتلطّى خلف مآسي وطنٍ ،
عندها يكون استنسخ تجربة أسياده ،
ولكن شتان بين الأصل .. وما تمخض عنه الجبل ..!؟
.. وهل بعد هذا نستطيع القول يا مهدي :
"إما أن يكون الفكر نقدياً وإما أن يكون مخصياً "
لقد ولد مشوهاً ، نعم (ولد) !.



تجمع اليسار الماركسي " تيم "

تجمع لأحزاب وتنظيمات ماركسية . صدرت وثيقته الـتأسيسية في 20 نيسان2007.
يضم (تيم) في عضويته:
1- حزب العمل الشيوعي في سوريا .
2- الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي .
3- الحزب اليساري الكردي في سوريا .
4- هيئة الشيوعيين السوريين .
الموقع الفرعي لتجمع اليسار في الحوار المتمدن:
htt://www.ahewar.org/m.asp?i=1715








للاطلاع على صفحة الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي على الفيسبوك على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/pages/الحزب-الشيوعي-السوري-المكتب-السياسي/1509678585952833





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,361,542,323
- طريق اليسار - العدد 69
- طريق اليسار - العدد 68
- طريق اليسار - العدد 67
- طريق اليسار - العدد 66
- طريق اليسار - العدد 65
- طريق اليسار - العدد 64 أيلول / سبتمبر 2014
- طريق اليسار - العدد 63
- طريق اليسار - العدد 62 تموز / يوليو 2014
- طريق اليسار - العدد 61
- طريق اليسار - العدد 60 أيار / مايو 2014
- بيان توضيحي من الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي
- من أجل اللقاء التشاوري للمعارضة السورية في القاهرة
- تقرير سياسي لدورة المجلس المركزي المنعقدة بتاريخ14-1532014
- طريق اليسار - العدد 59 نيسان / أبريل 2014
- طريق اليسار - العدد 58
- طريق اليسار -العدد 57
- طريق اليسار - العدد 56 كانون ثاني / يناير 2014
- طريق اليسار - العدد 55
- طريق اليسار - العدد 54
- طريق اليسار - العدد 53


المزيد.....




- بيلوسي تتمنى تدخل أسرة ترامب لمصلحة البلاد والرئيس يرد: فقدت ...
- تعز.. حفلا فنيا وخطابيا احتفاءً بالبعيد الـ 29 للوحدة اليمني ...
- القوات الحكومية في الضالع تواصل تقدمها في قعطبة وتستمر في تق ...
- الضالع.. المعركة من الصفر وانهيارات كبيرة للانقلاب
- أزمة -التابلت-.. السيسي يلتزم الصمت ومطالبات بمحاسبة وزير ال ...
- قمة ثلاثية بالأردن تدعم حقوق الفلسطينيين
- كريم التاج: على أحزابنا أن تجتهد وعلى باقي المؤسسة التوفر عل ...
- بعد تراجعه عن الاعتزال... أسامواه جيان يقود هجوم غانا في كأس ...
- بعد تعنيف فريق عمله بسببها... ماغي بو غصن ترسل إنذارا لرامز ...
- صحيفة بريطانية: حاخام يساعد إسرائيل في العثور على أنفاق لـ-ح ...


المزيد.....

- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله
- رسائل مجاهدة / نورة طاع الله
- مصر المسيحية - تأليف - إدوارد هاردى - ترجمة -عبدالجواد سيد / عبدالجواد سيد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تجمع اليسار الماركسي في سورية - طريق اليسار - العدد 70