أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السعدنى - مصر بين سياسات الاحتواء وتجسيد الفكرة















المزيد.....

مصر بين سياسات الاحتواء وتجسيد الفكرة


محمد السعدنى
الحوار المتمدن-العدد: 4684 - 2015 / 1 / 7 - 09:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لعله واحد من المبادئ المستقرة حديثاً ان السياسات الخارجية للدول ما هي إلا انعكاس إلي حد كبير للمبادئ الحاكمة للعمل العام داخلياً, وأن سياسات الخارج والداخل كلتاهما مرتبطتان تؤثر كل منهما في الاخري إن سلباً أو إيجاباً, وتنجح الدول عندما تكون رؤيتها الاستراتيجية مبنية علي التكامل المرن بين ما تؤديه من عمل خارجي مع ما تنتهجه من سياسات داخلية. من هنا كان اهتمامنا في محاولة تشريح وتحليل ذلك الفصام الكبير بين سياساتنا الخارجية التي تبدو ناجحة ومؤثرة وذكية إلي حد كبير وبين مثيلاتها الداخلية التي لاتزال تتعثر ما بين أفق بليد بلا رؤية تقوده حكومة غير قادرة علي الوفاء بمتطلبات مرحلة مفترض أن تؤسس للانطلاق نحو الدولة العصرية الحداثية الجديدة التي لا يفتأ رئيس الجمهورية يتحدث عنها ويعمل من أجلها, ذلك الفصام الذي تتبدي شواهده بابتعاد الحكومة كل يوم عن فكر وأداء الرئيس, وهو أمر لو استمر فإنه لا يخصم من الاحتشاد الجماهيري الداعم له والمراهن عليه والواثق فيه والمؤمن باخلاصه وقدرته وصحيح توجهه, وإنما تمتد خطورة ذلك الفصام لتخصم من فرص الداخل والخارج وتؤخر ما يمكن إنجازه وما يتوجب عمله ويتجلي مردوده علي حياة الناس للخروج بالمجتمع من قلق الترقب وإحباط التردد إلي رحابة التحقق ونجاح الأهداف في التحول من مجتمع الكفاف إلي مجتمع الكفاية, لنتحول من داخل غير متوازن طبقياً إلي مجتمع العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص, مجتمع يقتسم فيه الجميع أعباء المرحلة لا أن يتحملها البسطاء وحدهم, كما يتقاسمون ما يتساقط من تجلياتها ونجاحاتها حتي ولو كانت محدودة. ولعل سبباً رئيساً وراء ذلك هو عقم السياسة في حياتنا العامة واحتكارها لعدد محدود من نجوم النخبة التي يتم تدويرها في العمل العام والإعلام وحتي دعوتها الدائمة للتواجد حول الرئيس علي الرغم من إفلاسها ومحدودية قدراتها وقصر رؤيتها, وهذا لا يسأل عنه الرئيس قدر مسئولية الأجهزة التي تقدم وتعيد وتكرر معظم هذه النماذج حوله, وكأن اختيار الأقل كفاءة هو رهان لايزال يصر عليه البعض رغم عمران مصر بكفاءات قادرة ومؤهلة لكن تبعدها عن الصورة محاولات البعض للتحكم في مقادير الدولة, فيعمدون للنهج القديم الذي أضاع دولة مبارك وهو اختيار واستوظاف واستوزار غير القادرين علي المبادرة والحسم والرؤية وحوكمة التنفيذ ليظل في مواقع المسئولية مجرد موظفين بيروقراطيين أو»بوسطجية» ينتظرون الأوامر والتعليمات, وبذلك يكونون أسلس قياداً وأقل تكلفة, وهذا هو ما يؤخر العمل العام ويتنزل به إلي درك متدن من الأداء المتردد والبليد والركيك. ولعل الرئيس تنبه لذلك ووجه نداءه المهذب بأن غير القادر علي تحمل أعباء المسئولية عليه أن يتركها, ثم انتقل إلي نقد واضح وصريح للأداء الحكومي وعدم رضائه عنه, وبدا أن قراره بإطلاق موقع إلكتروني للتواصل معه إنما هو محاولة للاستكشاف والفرز. ولقد كتبت في مقال سابق أن تعيين اللواء خالد فوزي رئيساً للمخابرات العامة ينبغي أن يكون بداية لمرحلة جديدة عنوانها الكفاءة والقدرة علي الفرز وتقديم البدائل للخروج من قديم يصر علي عدم مبارحة مراكزه لصالح جديد ينبغي أن توظف قدراته وملكاته لصالح وطنه ومستقبل يشارك في استشرافه وصنعه واستقبال بشاراته.
ولا أتجاوز الحقيقة إذا قلت ان هذا هو واجب الوقت الذي لا تصح بدونه مقدمات العمل العام الذي ينبغي أن يحقق المأمول من نتائجه, خصوصاً ونحن علي أبواب حركة دولية ناشطة لإعادة رسم خرائط المنطقة, وإعادة هندسة القوي الفاعلة فيها بما يحجم من قدرات مصر وانطلاقتها, ومحاصرة النظام العربي في محيط التشتت والتشظي والتناحر والفرقة والحروب الطائفية والمذهبية. وفي تقديري أن الدولة تحاول تجاوز واقع الاستنامة التي عاشتها أربعة عقود عجاف خسرت فيها دورها وتحالفاتها وعمقها الاستراتيجي في إفريقيا والعالمين العربي والاسلامي ومحيطها الحيوي في دول عدم الانحياز وأمريكا اللاتينية والقوي الناشئة المنافسة في الشرق الناهض مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وكذا تبعيتها التي بدت مستهلكة وطويلة ومملة ومستسلمة للإملاءات الأمريكية وحلفائها في الاتحاد الأوروبي, الذين بدأوا في حربهم الباردة الجديدة لا علي روسيا والصين وإنما شملت مصر منذ أن أطاحت بحلفائهم المتآمرين من الإخوان والقوي المتأسلمة وطردتهم من صدارة المشهد المصري إلي غياهب التاريخ. وتبدو الدولة المصرية الطموح وكأنها تحاول الطيران نحو مكان فاعل ومؤثر تحت شمس العالم, لكنها تطير بجناح واحد يقوده فكر واستنارة وطموح وذكاء عبدالفتاح السيسي الذي يتحرك استراتيجياً في محيطنا الخارجي بتخطيط واقتدار ملحوظ, بينما لا تساعده قوي الداخل ولا تسعفه قدراتها علي التحليق وسرعة الوصول إلي أهدافه الوطنية بجناحها المكسور وكفاءتها المحدودة.
هنا تتجلي خطورة ما تخوض في غماره الدولة المصرية الوليدة ما بين التخوف من نفاد صبر الجماهير التي تثق في صدق توجه الرئيس نحو مصالحها وتعاني عكس ذلك من حكومته, بينما الغرب الذي يتحرش بمصر يمارس معها حرباً باردة بأدوات جديدة وآليات أعاد إحياءها من تراثه الاستعماري القديم ولكن في أثواب جديدة. فبعد إشعاله المنطقة من حولنا علي الحدود الغربية في ليبيا والشرقية في سوريا والعراق والجنوبية وفي البحرين الأحمر والأبيض, في باب المندب واليونان وقبرص وتركيا وقطر, وتهديدات الإرهاب الداعشي والقاعدي والإخواني في سيناء ورفح والشيخ زويد وفي العمق المصري في محاولة لإنهاك قوانا واستنزاف مواردنا وتشتيت جهدنا, عاد ليمارس سياسة الاحتواء CONTAINMENT POLICY بتقليل حدة انتقاده للسياسات المصرية والتظاهر بتقبله لنتائج 30 يونيو والتعامل مع السيسي باعتباره رئيسا منتخبا يمثل خياراً وطنياً لا انقلابياً ليتيسر ضربنا ببطء من الداخل. اعتمدت سياساته في ذلك علي خلق واقع جديد مصطنع في المنطقة يوحي بتحييد القوي الإقليمية المناهضة لنا والتابعة والمنفذة لمؤامراته بمصالحة تبدو شكلية مع قطر, وغزل لايزال غير عفيف من جانب تركيا تبدي فيه استعدادها للتفاهم, وتصريحات تكتيكية عن استعداد الإخوان للمصالحة, وتسليم الأمريكان طائرات الأباتشي, في محاولة لادعاء رغبتها في علاقات طبيعية مع مصر وتحييد قوي الشر ضدنا وبما يدفع لانكشاف ظهر النظام بأنه لم يعد في حرب مع الإرهاب وليرفع عنه ما كان يعطيه زخما شعبيا ودعما منقطع النظير, ثم يبدأ اللعب من وراء ستار في الداخل بأوراق المطالب الفئوية وارتفاع تكاليف المعيشة واحباط الناس من السياسات الحكومية القاصرة وغير الرشيدة.
الآلية الثانية التي يعتمدها الغرب ضدنا هي محاولة «تجسيد الفكرة», فالأفكار المجردة عن الاستقلال الوطني والتحرر والنهضة يصعب ضربها ما دامت مجردة, ولكن إسقاطها علي شخص الرئيس «تجسيدها» يسهل ضربها, إذ السيسي لا يمثل نفسه إنما هو رأس جسر لمصر التي نريدها حديثة ناهضة متقدمة, وبالإساءة إليه والخصم من رصيده الجماهيري يمكن النيل من مشروعنا الوطني الذي يمثله, وهنا تتجلي مخاطر ضعف وعدم كفاءة الحكومة التي تكشف ظهر الرئيس ولاتدعمه.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,101,876,662
- هل تعيين خالد فوزى عنواناً لمرحلة جديدة؟
- إتجاه مصر نحو الشرق ضرورة استراتيجية
- رؤية المفكر وحيرة النخبة: لويس عوض دراسة حالة
- لئلا يرقص البيض مع الحجارة
- حكومة محلب والعقل المؤسسى المفقود
- المسئولية الوطنية للجامعة من محمد عبداللاه إلى خالد الطوخى
- بيت الأسماك فى التراث والإرهاب والسياسة
- الأزهر ينعى ويشجب ويغط فى سبات عميق
- سياسات الجرى فى الشوارع والأفق البليد
- هانى سرى الدين ومصطفى الفقى وجيل الوسط
- وليام روجرز والثعلب فى مصيدة جمال عبدالناصر
- داعش: حصان طروادة الأمريكى الجديد
- أخبار اليوم.. من المؤسسة إلى فضاء الدولة
- أرامل المخططات الأمريكية والأمن القومى
- مصر فى إطار رؤية استراتيجية: من رد الفعل إلى تخطيط المبادرة
- أبو العز الحريرى: عندما يكون النضال ديناً للوطن
- الخارجية المصرية وفضيحة فيرجسون الأمريكية
- محمود درويش... كزهر اللوز أو أبعد
- حمدى قنديل والرؤية من -خرم إبرة-
- إبراهيم عيسى يؤذن فى المغرب لا فى مالطا


المزيد.....




- -كاف- يحدد تاريخ حسم مستقبل أمم أفريقيا 2019
- حادث مأساوي بالبوندسليغا.. لاعب فوق الميدان ووالده يتوفى في ...
- -حشيش فاخر-.. صورة رونالدو لترويج المخدرات
- بالفيديو.. العراقي سلومي هاوي الطيور والقطط
- -منحة من أجل النجاح- غيّرت حياة أربعة آلاف فتاة مغربية
- تونسيات يقاومن التحرش في وسائل النقل بتطبيق -يزينا-
- مخاوف من نشوء جيل من السوريين بلا جنسية
- المصحات القانونية بالمغرب تقدم خدماتها بالمجان
- المشّاية قد تُعيق تطور المهارات الحركية لدى طفلك
- كيفية التعامل مع الحساسية لدى الأطفال?


المزيد.....

- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السعدنى - مصر بين سياسات الاحتواء وتجسيد الفكرة