أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جاسم المطير - التواتر السيكولوجي المتواصل والتجاوز الفني المتاح في رواية حصار العنكبوت..















المزيد.....


التواتر السيكولوجي المتواصل والتجاوز الفني المتاح في رواية حصار العنكبوت..


جاسم المطير

الحوار المتمدن-العدد: 4628 - 2014 / 11 / 9 - 16:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



أول شيء تمكنتُ من التقاطه بعد انهائي قراءة رواية (حصار العنكبوت) للكاتب العراقي )كر يم كطافة ) هو ان مؤلفها قال اشياء كثيرة ليس لقرائه العراقيين من الانصار البيشمركة فقط ،ليس إلى غير الانصار المقاتلين لنظام صدام حسين فحسب ، بل انه أراد لروايته ولأقوال شخوصها وأبطالها حول حادثة معينة من حوادثها الفاجعة أن يكون لها وزن في تقييم حالات النضال السياسي والثوري في فترة صعبة من فترات النضال العراقي. معنى ذلك انه أراد تقديم معطيات اختبارية من سيرته الذاتية حيث كان قد دفع ثمنا باهظا من ايام شبابه مقاتلا مع رفاقه من شعب كردستان العراق في ثمانينات القرن العشرين. استجاب لقرار الحزب الشيوعي العراقي في استبدال سياسته السلمية لمقاومة دكتاتورية صدام حسين بسياسة المقاومة بالعنف والسلاح في فصائل الانصار في جبال ووديان كردستان .
لم يكن هذا الاستبدال عملاً سهلاً رغم أنه كان متسقا مع التكوين الثقافي لمجموعات النخب التي استجابت له بارتياح نفسي وبمغزى سياسي بعد أن أدرك الشيوعيون العراقيون، داخل الوطن وخارجه، أن من غير الممكن ان يُسقط النظام الدكتاتوري او يُكبح بعضٌ من طغيان صدام حسين ،على الاقل، بمجرد اصدار بيانات او قرارات سياسية مصاغة بمفردات (المحكومين) التي لا يحترمها ولا يأخذ بها ( الحاكمون).
بين الوعي والمعاناة
في نضال الانصار ، في كل مكان بالعالم وفي كل زمان، يوميات من المعاناة لا تطاق، وأشكال من الصعاب شديدة القسوة، وطرق عديدة من التصرفات، منتصرة او محبطة ، تــفرض عادات الطاعة والتراتبية في علاقات النصير مع رفاقه او مع رفيقاته او مع قادته ، ربما كما هو الحال، كما في بعض صوره، في علاقات وتصرفات أي جندي عادي مع منظمته العسكرية بفارقٍ واحدٍ هو أن الانصار ، في القيادة والقاعدة، هم من النخبة الواعية، سياسياً واجتماعياً . الأنصار، في الغالب الأعم هم نخبة بمستوى عالٍ من الوعي النضالي تتحرك بواقعٍ واحدٍ مميزٍ من الثورية والاستعداد التام للتضحية والجود بالنفس.
ذات يوم قال أرنست همنغواي : أن النصير هو الانسان الوحيد الذي يعيش على حافة حادة دقيقة بين الموت والحياة، بين النجاة والقتل، وهو بكل الاحوال أقرب للموت اكثر من الحياة . كان ارنست همنجواي يعمل مراسلا حربيا لإحدى الصحف الامريكية في الحرب الاسبانية الاهلية عام 1936 اكتسب خبرة كبيرة عن الجو الاجتماعي حين وجد فئة من الناس المناضلين يقدمون احد اهم الامثلة المفصّلة عن بطولات خارقة في التضحية بالنفس في القتال ..
رواية الحقيقة الصعبة
هنا نجد عند كريم كطافة امثلة مفصّلة عن حوار الانصار العراقيين في لحظات صعبة من لحظات الكفاح الانصاري ، من خلال ايقاع حوار حاد في علاقات انسانية داخل العلاقة الانصارية العائلية الواحدة وهي علاقة مأساوية، غير متوازنة. كان البناء الروائي في حصار العنكبوت قد اجبرني كقارئ على الاصغاء التام ، بشوق حار، الى صراع المتحاورين. تجسد الحوار ، بقلم كريم كطافة، و بكتابة فنية ، وبقدرة روائية، كنوع من انواع (الثورة النفسية) بين النصير وأفراد عائلته من المحاصرين، الذين كانوا يواجهون الموت في أية لحظة ، مما جعل الكاتب ان يصنع رواية قادرة على قول الحقيقة، أي أنه قام بإنجاز (عمل شاق) حاول فيه ان يمجد كرامة 194 نصيرا لا زالت مقبرتهم الجماعية غير مكتشفة حتى صار امر زوجات واطفال مجموعة كبيرة من الانصار المذبوحين بخناجر أو رصاص نظام صدام حسين حالة مجهولة الى الابد . هذا الإنجاز يذكرني ان همنغواي هو القائل: (الكتابة تبدو امرا سهلا غير انها في الواقع من اشق الاعمال في العالم ) . معنى ذلك ان العمل الشاق الذي قام به كريم كطافة في عمله الروائي بتلخيص بعض تجارب الانصار البيشمركة كما هي تجارب الانصار في مختلف بلدان العالم ان التضحية بالنفس، هي الأمر الاساسي الاول في عملية استنفار المناضلين الشجعان في حركات قتالية انصارية ضد قوى الظلم والظلام . كان مؤلف هذه الرواية سقراطياً اكثر منه همنجوائياً حين قدم للأنصار كثيراً من (الاسئلة الشائكة) ثم قدم الكثير من (التلميحات الذكية ) لمساعدة عناصر الانصار للحصول على الاجوبة . بهذا تتميز الموهبة الروائية الابداعية لهذا الكاتب العراقي.
كلام روائي متراصف
كنتُ، خلال السنين الماضية، قد قرأتُ العديد من الروايات والمقالات والدراسات ذات المضامين المتعلقة بالأنصار البيشمركة، لكن انعكاس اغلبها كان محدودا في محاولة اشباع القارئ بالمبادئ النضالية المميزة لمقارعة نظام هو الاكثر توحشا في العالم خلال الثلث الاخير من القرن العشرين تحت راية نشاطٍ قومي الادعاء ، شيطاني الأساليب، فاشستي النزعة بقيادة صدام حسين. ربما أغلب ما قرأته كان نمطياً مجرداً ، غير ان قراءتي لرواية (حصار العنكبوت) كانت ذات تأثير مختلف فكلامها المتراصف بالوصف والعرض والحوار محسوب بدقة وحركتها ليس فيها هدر. وقد وجدتُ كاتبها حاضراً بقوة للتمييز بين ما هو قويّ في الممارسات الانصارية وما هو ضعيف ، بين ما هو بسيط في القتال الانصاري وما هو معقد ، بين ما هو متوتر في سلوكية النصير وما هو ازمة، بين ما هو مهمش في التحرك الثوري وما هو متغير، بين ما هو مترقب على التلة العسكرية وبين ما يجب الحذر منه . استخدم كريم كطافة حواراً وتصرفات وكلمات ، مستترة وغير مستترة، ليقدم من خلالها تفاصيل يومية كانت جلية كأنها على ضوء تفاصيل جورج اورويل في دراسته المعنونة (اطلاق النار على فيل) حيث تخصص اورويل بهذه المقالة في البحث عن التفاصيل (الصغيرة) ودورها (الكبير) في الامتلاء الإنساني والتحقق من صدق الأحداث الروائية المتتابعة . لقد ظهر من خلال ما اكتشفته بقراءتي النقدية هذا الوضع التفصيلي في راحة ووضوح روائيين داخل نصوص وحركة رواية (حصار العنكبوت) بطريقة شبيهة بقدرة عبد الرحمن منيف في استخدام حالات (الهدوء) و(التوتر) الروائيين، إن لم أقل أنها متميزة بقدرة ذاتية خاصة، كي يبلغ ضغطه على القارئ حدّه الاعلى من الشدة والانتباه . وجدتُ كريم كطافة قد ادرك بنفسه قدراته الروائية الذاتية الخلاّقة وروح تجاربه المتميزة وهو يكتب بصدق و صراحة ليس فقط ليتحقق الابداع فحسب، بل لجعل القراء يفهمون ويدركون العقل الأنصاري في صيرورة جوانب من حقائق التاريخ العراقي القريب بأنها ذات معنى نضالي روحي بدون تأويل، أي بمعانٍ كشفتْ الاقوال والافعال بصورة مقنعة وامينة ليس فيها مزاعم ولا ادعاءات، بل فيها تعبيرٌ يسيرٌ متواضعٌ عن نوع من الضمير الثوري غير متنصل عن المسئولية ،الفردية والجماعية ، خلال اخطاء استحوذت على بعض المواقف والمواقع.
بين كولن ولسن وكريم كطافة
حين التحق كولن ولسن بالقوة الجوية البريطانية عام 1949 كان شابا يقرأ بنهمٍ لبعض الروايات العالمية . لم يكتفِ بتلك القراءات ، بل حمل معه بعض الكتب باختيار دقيق أراد قراءتها في أوقات فراغه أو استراحته بعد التدريب العسكري الشاق، كان من بينها روايات (دكتور فاوست) لتوماس مان و(ستشرق الشمس حمراء) لهيمنغواي وبعض كتب جيمس جويس، وقد أُثــّرت عليه هذه المجموعة من الكتب وغيرها الى حد جعلته ينغمس في كتابة روايته الاولى (طقوس في الظلام ) وهو في عمر الثامنة عشرة نشرها بعد عقد من زمان كتابتها.. كان هدفه من الكتابة ان لا تكون فيها تعابير قابلة للتأويل . لا ادري ماذا حمل كريم كطافة معه من كــُتب وماذا قرأ أو كتبَ خلال وجوده في جبال كردستان مقاتلا من اجل حرية شعب العراق، الذي كان يواجه واقعا في غاية القسوة . الشيء الواضح الآن هو أن رواية (حصار العنكبوت) نُشرت بعد أكثر من عقدين من المعاناة السيكولوجية في تلك الحقبة ومن ثم معاناته في الغربة، ليكسب سعادته الشخصية من خلال مساهمته مع نخبة مناضلة في تدوين بعض صفحات تاريخ الكفاح المسلح في بلده العراق وليدخل في (التاريخ) من باب الفن الروائي حين وجد ذاتَ يومٍ لاحقٍ أنه أمام مجموعة من الأوراق قال عنها: (( رزمة اوراق قديمة ، كتبتها حين كانت الاحداث لم تزل طازجة يتصاعد بخارها من أجسادنا ، من تنظيراتنا، من احتفالات عدونا بنصره علينا، من هذيان مذيعين ومذيعات وصحف لم تنصفنا يوماً. لاحقتُ فصولها حين كان كل شيء لم يزل ينبض بدمه وبحرارة مراراته وملابساته الكثيرة. حكاية تصاعدت لولبياً مع صعودنا وهبوطنا على تجاعيد وأخاديد تلك الوديان الناظر إليها من فوق لا يجد فيها غير هاوية الجحيم. حكاية تلك الكهوف التي كانت قبل أن نسكنها للوحوش . تلك الغرف التي نحتناها بنضيح عرقنا وهواجس جنوننا بموقد النار في حصارات الثلج التي لم تكن تمزح مع اهمالنا المديني.. حكاية الحرب التي كانت فيها زوجاتنا واطفالنا وامهاتنا واخواتنا واباءنا هم الاسرى والاسلاب وهو الثمن الذي لم تختلف حول خمسه او سدسه قبائل الامن والمخابرات . تقاسمت رفاتنا خارطة الدفن الجماعي التي افترشت البلد والتهمت المنافي القريبة والبعيدة ومن قاوم عوامل فنائه وفاض على حفلات الدفن. .)).
التفاصيل الروائية
الحقيقة التي اقولها في بداية حديثي عن رواية كريم كطافة انه استطاع ان ينجح منذ البداية في كشف الكثير من تفاصيل الحياة الانصارية القاسية متحرراً من روح الصراخ حول المأساوية المعتادة في كتابات الاخرين وذلك من خلال الجمع بين (مشاهد سردية) و(حوار مسرحي) و(حركة سينمائية) لكي يقف أمام وخلف ابطال روايته . الحقيقة التي اقولها ،أولا، انني كقارئ لم اتعرف على واقع سيكولوجية ومعاناة الانصار البيشمركة في كردستان بصورة دقيقة إلا من خلال قراءتي لرواية حصار العنكبوت حيث وجدتُ النصير البيشمركة قريباً مني أحس حركته ومعاناته بشيء من الاتساع . تناهى الى سمعي و فكري من خلال قراءة الرواية ان المقاتل لا يعاني فقط من الارتباك والقنوط في حركته القتالية، بل يعاني ، نفسياً، من مجمل ما يحيط بنشاطه اليومي ،يمكن ان يؤثر ،سلبا او ايجابا ، على احاسيسه الداخلية كقوة داخلية تتحكم بالراحة او التوقع بالانتصار في معركة صعود جبل أو نزول من تلة أو عبور هذا الوادي أو ذاك.
تغلب كريم كطافة على خوفه ككاتب وتشبث بشيء من القوة التعبيرية الروائية ليثير انتباهنا نحن القراء الى حالات مدوية في داخل المناضل المقاتل وهو يواجه أشكالا مختلفة من المعاناة اشير الى بعضها واهمها :
1 – يعاني من نفسية الانسان المحصور بشِباكِ وحشية النظام الدكتاتوري حيث بلوغ الظلم والمعاناة حد الذروة .
2- يعاني المقاتل من اجل الحرية في تلك الجبال من حالتين متناقضتين بذات الوقت ، حالة الضبط التنظيمي النظامي، وحالة التنصل من هذا الضبط نتيجة بعض نزوات اصيلة في اعماق المقاتل نفسه او نتيجة نزوات العنف الواقع عليه من المدافع والطائرات المعادية.
3 – يعاني المقاتل من قسوة الظروف الطبيعية والحياة الجبلية ، خاصة لدى المقاتل القادم من المدن العراقية او من المدن الأوربية التي كان مقيماً مرفهاً فيها .
مشاعر التوجس والقلق
هذه المعاناة في حالاتها الثلاث نجدها مرسومة في عدد من صفحات ووقائع الرواية ومنها ، مثلاً، نجده في الصفحة 143 : حين انقشع الظلام تماما وكانت اصوات القصف المدفعي ما زالت تـُسمع حيث سادت مشاعر التوجس من شيء خطير ومجهول قد يواجه سكان القرية من الزيباريين وغيرهم مثلما كان يواجه قمم سلسلة جبال تلك المنطقة واكتافها الصخرية الوعرة النازلة الى وديان(الكًلي) التي كان فيها مجموعة بشرية من النساء والاطفال والشيوخ والبيشمركة من مجموعة (النصير حاتم) وهم يرددون كلمات القلق الشديد عن مدى تقدم العدو الحكومي نحوهم . كان الموت متربصاً بسكان القرية وبمجموعة الانصار المصاحبة له. كان الانصار في حالة ليست متيقنة من خبر وصول وحدات الجيش الحكومي الى مواقعهم لكن بذات الوقت ربما يكون الخبر مجرد اشاعة.
المقاتل هنا رسمته رواية (حصار العنكبوت) الصادرة عن دار نون – الامارات العربية المتحدة 2014 رسما دقيقا على ضوء الرؤى السيكولوجية الناتجة عن قلق فئة قروية يصحبها مقاتلون انصار لا يحملون غير اسلحة ضعيفة امام فئات من الجيش العسكري الحكومي حاملين منتجات الصناعة العسكرية المتقدمة ، حديثها إلى جانب قديمها، والعدة الاكبر منها مستعدة لمستوى القصف والقتل الجماعي بمعنى ان كفاية العدو في الحركة والتسلح غدت هي الاساس الذي يجبر وحدات البيشمركة الانصار وقادتهم على اتخاذ القرار السريع وهو في العادة قرار خطير له نتائج سيكولوجية متعمقة .
هذا المثل وعشرات غيره قوّى اداة الكاتب وامكانياته في تنمية صعود او نزول الفعل الروائي اثناء تاريخ الرواية وربما ما بعده، ايضا، ليظهر لقرائه تطور الوضع السيكولوجي والسسيولوجي بصور واضحة حددها ببعدين اساسيين: البعد الاول في عروض موجزة لمدى تلاؤم النصير البيشمركة مع الظروف الجديدة التي وجد نفسه داخلها بصورة فورية من دون تمهيد. اعتقد انه ككاتب لم يكن قادرا على نجاحه الرئيسي هذا لو لم يكن نفسه مع الواقع القتالي. والبعد الثاني يتعلق بالكاريزما الجديدة الناتجة عن هذا التلاؤم او عن صعوباته.
التجربة والتوازن
ربما الواقع المفروض هو الذي خلق هذين البعدين الروائيين لكن التوازن الروائي حققه كريم كطافة نفسه في هذا الواقع نصيرا من مقاتلي البيشمركة على مستوى عال من الرؤيتين القتالية والروائية ولو لم يكن مالكا وعيا عميقا من علم الاجتماع الجدلي المنطلقة من تجاربه الشخصية الميدانية التي استحضرها في ميدان صياغة روايته نفسها (حصار العنكبوت) حيث امتدت تجربته بمجملها لتحديد اين كانت اخطاء الأنصار مرتفعة واين كانت منخفضة..؟ لعل القضية المركزية في الرواية هي محاولة تحديد عناصر إرادة التحرك الانصاري لتحقيق نصر جزئي في المقاومة هنا في هذا الجبل او ذاك الوادي. كان كريم كطافة منتبها لكل حركة على كل لسان او شفة من المحيطين به للتعرف على الحركة الاجتماعية في روايته حيث يكشف العراك بين القائد سهراب وزوجته نازين احدى ملامح هذه الحركة الاجتماعية حول قضية اساسية حادة من تلك القضايا التي واجهها الانصار البيشمركة .
تضمنت احداث الرواية صورا عديدة بقدر كبير من الدقة عن توافقات واختلافات وتمايزات في افكار المقاتلين وقد استحضرها روائيا بصورة طبيعية وملموسة - وهذا اهم عنصر من عناصر قوتها- ان كاتبها اعتمد على البنيوية الكاريزمية في تحدي الرمزية الروائية كاشفا عن المنطق الاساسي لرسم ومعالجة كاريزما ابطال روايته وشخوصها الاساسيين والفرعيين لإيصال القارئ الى متغيرات احداث الرواية ووقائعها وفقا لبساطة الكاريزما او تعقيداتها على اساس النظرة الموضوعية بميزان دقيق للغاية بين رغبات المقاتلين ومخاوفهم من جانب وبين الحركات الأنصارية الذاتية والخطوات الأنصارية العشوائية من جانب اخر . عالج بفكر روائي مدروس حركة مختلف انواع الكاريزما المناضلة وفقا للتشخيصات التالية:
1ــ كاريزما (الغضب) في بعض مواقف أو حوارات المقاتلين.
2 ــ كاريزما (الحماس) في بعض فعاليات الانصار وقد وجدت النصيرة في الرواية تتمتع بمكانة خاصة بين الجميع.
3 ــ كاريزما (الشجاعة) القتالية اعني الشجاعة الشخصية النادرة التي تميز بها بعض الانصار والنصيرات.
4 ــ كاريزما (البطولة) التي كشفتها الرواية لدى بعض المقاتلين ممن امتلكوا هالة خاصة، وميزات خاصة، اثرت بشكل مباشر وغير مباشر على جميع الانصار من الشجعان او المترددين.
5 ــ كاريزما (الجاذبية) الثقافية لدى مجموعة الانصار المثقفين وكان لها بصورة او اخرى تأثير على الانضباط الفكري الانصاري.
هذه الاصناف من الكاريزما نراها عند مجموعة ابطال الرواية وشخصياتها من امثال حاتم وابو منيب، وافي ،كمال الزيباري، زيكو، ونجاتي ،حيدر ،حسام وخديدة، وانور ،ومناف. يضاف إلى ذلك أسماء نساء عديدات وغيرهم استطاعت الكاميرا الروائية بعين كريم كطافة ان تصورهم فرداً فردا، ليحكي بواسطة تفاعلاتهم وانفعالاتهم النابعة من نتائج فوتوغرافيا كل انواع الكاريزما في روايته . ربما كان قد اطلع على السلسلة الشعبية الهولندية المعروفة بعنوان (حرب الجرذان على الهر) المرسومة عام 1797 حين احتلت القوات الفرنسية هولندا. الجرذان سيئة والهر في الكثير من قصد التورية كانت في رواية العنكبوت مصحوبة بوسائل اشد قسوة رسمها مؤلف الرواية رغم ان قلمه كان صريحاً فصيحا بلغته.
نص مكتوم ليس غامضاً
قدّم كريم كطافة ــ ربما بمحض خياله ــ امثلة موجزة عن تصوير قمع وهجوم عسكر صدام حسين على عائلات بعض مناضلين أنصار اختطفوا أولادهم وشيوخهم ونساءهم لدفنهم في مقابر سرية جماعية لم تُكتشف حتى الآن . رسم للقراء صوراً شبيهة بإحدى الصور الشعبية الهولندية تلك حيث الجرذان القذرة تحيط بالهر المتحفز من كل مكان . على ما اعتقد ان نص كريم كطافة قد لا يكون مقنــّعا بالصور الشعبية الهولندية، بل اتصور انه بخلاف ارنست همنغواي الذي ما روى تفاصيل تجربته الصحفية في الحرب الاهلية الاسبانية ومجايلة الانصار في روايته (لمن تقرع الأجراس). مؤلف خيوط العنكبوت كان يملك خلال 30 عاما نصا روائيا ، تفصيلياً ، مكتوما ،ليس غامضا ولا مقنــّعا، بل هو جزء اساسي من التراث الانصاري البيشمركي المكتوم في تجارب واعماق الآلاف من الانصار الشيوعيين ما زالت واقفة خلف المسرح بانتظار الفرصة للتعبير المستقل عنها بنفس جراءة كريم كطافة في التعبير عن تجارب كانت فيها العربة مربوطة بالحصان أحياناً ، بينما في وقت اخر شاهد بعينيه وتجاربه ان العربة تجر الحصان ..!
الصور الروائية وواقعها
كانت صوره الروائية اعادة انتاج مطابقة للواقع الذي عاش فيه وعايش تفصيلاته ، بما في ذلك متابعة قصة حب واصفاً نشأتها في الزمان الخطأ والمكان الخطأ. كما تابع قصة فنان تشكيلي ظل يدور مع المحاصرين وهو يحمل على ظهره معرضه الشخص لينتهي مصيره برصاصة مسدس يضعها بنفسه على رأسه بعد ان حوصر في كمين خلال محاولة من محاولات النفاذ من الحصار العنكبوتي . استطاع ان يصنع صورة غاية في الدقة في تناوله هذه القصة داخل مبنى الرواية ليؤكد ان الموت يمكن ان يخلـّد الحياة بلحظة معينة ونتيجة موقف معين من خلال هذا البروفايل الروائي والحالة المزاجية لأحد شخصيات روايته. الشيء المشترك بين السيرة الذاتية الانصارية لكاتب الرواية وبين الخبرة اللغوية في التصوير ساعده ، كثيراً ، في ان يقدم لنا عملا سرديا ً متطوراً، ممسكا بلحظة تاريخية عرفت بتصادمها العميق والمستمر مع نظام الدكتاتورية .
تجلى مضمون هذه الرواية وحركة افعال ابطالها في تحديد المكانة الرفيعة والبسالة العسكرية والمعارف الثقافية الرفيعة لدى انصار بيشمركة شيوعيين وغير شيوعيين بما فيهم انصار من احزاب كردية اخرى ومن رجال عشائر كردية. كما كشفت الرواية بعض الاختلافات السياسية والعسكرية وحتى الطبقية بين عدد من الانصار الشيوعيين وغير الشيوعيين مما كان له التأثير والدلالة في اطار وساحات الكفاح المسلح في كردستان العراق ضد القوى النازية التي سيطرت على بلاد الرافدين في فترة مظلمة من عمر العراق.
ملاحظات أخيرة
الشيء المهم الذي استخلصته من الرواية أنها استطاعت أن تسجل جزءا هاما من تاريخ المناضلين الانصار ، بل يمكنني القول بإيجاز تام أن رواية حصار العنكبوت هي رواية تاريخية من نوع خاص سيكون لها وزن في تقييم اوضاع الماضي العراقي في المستقبل . لا بد من الاشارة هنا ان اعتماد الحوار على اللهجة العامية كان قد اجبر المؤلف على دفع ثمن باهظ ضيعت له فرصة كبيرة لتنفيذ قدرته اللغوية البليغة القدرة في التعبير الكلامي ولتجنب كل ضعف او انحدار في التسلسل الروائي وفي الاهمية التحليلية لهذه التجربة الجماعية في الكفاح المسلح ضد أحدث سلطة غاشمة في التاريخ الانساني. كما شعرتُ من خلال قراءتي ان صوت المؤلف في بعض مواقف واحداث التسلسل الروائي كان مخنوقا لديه أو حتى لدى بعض أبطال روايته، ،خاصة ما يتعلق بالإيقاع القيادي في تجارب فترات جميلة في التاريخ العراقي رغم ان خيوط العنكبوت قد حرمت المناضلين من حق الابتسام والتسلية والضحك على نداءات الجنرالات الحاكمة في جيش النظام الفاشي ولا اناشيده الصادرة من جوقة اصوات الكراهية لكل شكل من اشكال الحب والحرية ، إلا بنطاق جدّ ضئيل. كما لم ار في الرواية ذلك الهزء المتميز بالنظام التسلطي الذي عرفت به كريم كطافة بسخريته المقلوبة التي عرفته بها خلال روايته السابقة عن (جمهورية حمار) فقد كان فيها ناجحا جدا باستعماله السخرية الروائية كآلية كاشفة لرغبات الحكام الخطيرة والحاقدة والفوضوية. كانت ارض الرواية ملائمة جدا للواقع الذي يستحق ان يهجوه كريم كطافة لوصف السلطة الغاشمة وحراسها وعدوانيتها بما يمثله الادب الساخر من قدرة في الوصف والحوار والمعالجة .
رواية خيوط العنكبوت تمثل ،بنهاية الامر، معادلة حرة مثيرة عن سلوك مجموعة من الناس الأحرار المجبرين على طلب الحصول على حرية الشعب كله برؤوس مكشوفة ،بأيادٍ تحمل سلاحا ،بعيون مرفوعة ومرتفعة باليقظة والمجد ، بقلوب منتشية بالكفاح والبطولة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بصرة لاهاي في 25 – 9 – 2014






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,413,862
- حكاية نادرة في البرلمان عن 3 خصاوي مفقودة ..!
- الديمقراطية تنتصر حين يستيقظ الديمقراطيون..!
- محمود صبري يعود حياً..
- مسلسل سامكو تفسير غير موفق في الواقع الاجتماعي..
- حين تغضب الدنيا على المرأة تجعلها بدينة..!
- لا شيء مستحيل في وزارة الصحة إلا العلاج..!
- تكشخون بالمؤتمرات ولا تتغيّرون في المسارات ..!
- الدولة العراقية بلا توازن: رئيس واحد و3 نواب ..!
- بعض السادة القادة يحب ارتداء فستان من حرير ..!!
- أكثروزراء بلدنا هم أصدق الكذابين ..!
- الشيطان في بلادنا يحتاج إلى طبيب نفساني..!
- اللصوص جبناء لكن الشاعر ألفريد سمعان شجاع..!
- اسوأ اختراع عراقي: وزارة التعليم العالي ..!
- لا شيء ينمو في العراق غير الكروش..!
- يا حيدر العبادي .. اسمع موسيقى موزارت رجاء..!
- كل قصر جمهوري فيه أثاث جميل ، لكن (الكرسي) هو الأجمل..!
- نوعان من الحكام :‏ واحد يترك بصمة‏..‏ وآخر يترك وصمة..!‏
- دجاجة نوري المالكي لا تبيض بعد اليوم..!
- ولاعة السجائر هي اختراع اسرائيلي قبل اكتشاف التبوغ..!
- المناصب الحكومية لا تدوم .. حب الناس يدوم..!


المزيد.....




- إليزابيث: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أولوية الحكومة
- حرائق تجتاح مناطق لبنانية.. ونيشان: مواطنون أصبحوا نازحين
- -حرائق لبنان-.. تداول فيديو لمراسلة تبكي عند سماع صرخات السك ...
- مايك بنس يصرح بأن ترامب طلب من أردوغان -وضع حد لغزو سوريا- ...
- اليوم السابع: آخر تطورات العملية العسكرية التركية في شمال سو ...
- الغارديان: -التسوية أو الإبادة...الأكراد مجبرون على الاختيار ...
- اتهامات بالتحرش والفعل الفاضح لنائب في البرلمان التونسي منتخ ...
- كيف أسقط المحتجون ألمانيا الشرقية بلا انترنت أو هواتف محمولة ...
- فتح تحقيق بحق نائب تونسي بعد اتهامه بممارسة العادة السرية أم ...
- البنتاغون: رئيس الأركان الأمريكي يناقش مع نظيره الروسي سوريا ...


المزيد.....

- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جاسم المطير - التواتر السيكولوجي المتواصل والتجاوز الفني المتاح في رواية حصار العنكبوت..