أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد قنديل - رحلتى مع الكتابة















المزيد.....

رحلتى مع الكتابة


فؤاد قنديل
الحوار المتمدن-العدد: 4503 - 2014 / 7 / 5 - 23:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا أتصور أن هناك كتابة أدبية دون قراءة ، فالقراءة أم شرعية للكتابة ، وعندما اكتشفت القراءة وسحر العوالم المعرفية التي فتحت لي أبوابها على مصاريعها أدركت أني دخلت مغارة "على بابا" العامرة بالكنوز، لذلك لا أنسي البداية التي أشرقت مع أحداث سياسية كثيرة في مطلع خمسينيات القرن الماضي خاصة بعد محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954فقررت قراءة الصحف للتعرف على الحقيقة ، ولفتت نظري مقالات طه حسين وكامل الشناوي وفكري أباظة وإحسان والخميسي وغيرهم، .. فجأة تفجر بداخلي غرام بالمعارف والكتب مصدرها الأول فتوجهت إليهاحيث تكون ..استعرت واشتريت وسرقت ونقلت ثم لجأت إلى عشة الدجاج فوق سطوح بيتنا وكانت غرفة غير مكتملة ، فطردت الدجاج وحوّلت الغرفة إلى صومعة .

قرأت كتاب شجرة البؤس والأيام لطه حسين وعودة الروح وأهل الكهف وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وألف ليلة وليلة وعشرات الروايات المترجمة والروايات البوليسية وقرأت كتبا عن سير الأعلام مثل الإسكندر ونابليون ومحمد على وصلاح الدين والرسول والمسيح والقديس أوغسطين وعلى وعمر وإخناتون ورمسيس . قرأت كل الأدب الروسي تقريبا شعرا ونثرا وقرأت كذلك الأدب الفرنسي والإنجليزي وأعجبنى طاغور حتى أدمنته ثم جبران ومع الأيام استولي علىّ شوقي وحافظ وإبراهيم ناجي والشابي وأحمد رامي وبيرم التونسي وجاهين.. في بعض الأيام كنت أقرأ عدة كتب صغيرة في اليوم وكان أمناء المكتبات يدهشون كيف أستعير الكتب وأعيدها في اليوم التالي وأستعير غيرها لأعيدها سريعا بعد الانتهاء منها .

ترسخ في ذهنى أن الشعراء والكتاب هم عيون وقلب الحياة ..هم من يجب اقتفاء آثارهم .. هم النور والعلم والمستقبل والفكر .. كلما قرأت كتابا أبصرت أكثر ومضيت أفكر فيما قرأته وأبنى عليه ، وكنت أغفل عن الطعام والشراب والنوم وتزداد عزلتى وتطول الساعات التي أقضيها بين الكتب حتى بدأت هواياتي الأخري تتراجع تدريجيا لتسمح للقراءة بأن تحتل كل الوقت ، حتى انبثقت الحاجة إلي التعبير . كتبت في البداية خواطر وتعليقات خاصة ومبتكرة من وحي ما قرأت ، ثم انتقلت إلى الشعر العامي والفصيح وحصلت على بعض الجوائز في المسابقات .

قرأت كل الكتب التى توفرت في مكتبات مدينتى بنها، ولما سمعت بسور الأزبكية قررت ادخار كل مصروفي الشخصي طوال الأسبوع ويصل أحيانا إلى خمسين قرشا لأسافر إلى هذه السوق ، لكن مشكلة مالية كانت تدفعنى للهروب من المحصل والحرص بكافة السبل والألاعيب لتجنبه في الذهاب والعودة لأن قرشا يُنفق على غير الكتب تبديد مرفوض.. لذلك اضطررت أحيانا للاختباء في دورة المياه وإغلاقها علىّ من الداخل ويظل يطرق الباب بيده وكتفه دون جدوي حتى يضيق صدره فيمضي لأخرج بعد لحظات وأعود إلى المقاعد ، وقد أدخل متكورا لأتواري تحت المقاعد ، وفي مرات واجهت المحصل الطيب الذي أتوسم في ملامحه وابتسامته الخير وأنه لن يصر على تحصيل مال الدولة فأعترف له بكل وضوح أن كل مصروفي تبدد على الكتب ونسيت ثمن التذكرة ، وكثيرا ما كان يتغاضي عن تسليمى لشرطة السكة الحديد .

أسرع فور عودتي بالانقضاض على ما حملت من الكتب حتى أنتهي منها مساء الخميس ومن ثم يتجدد قيامى بالرحلة الاسبوعية فأمضي مع شروق شمس الجمعة إلى القاهرة وأتوجه أولا لحضور ندوة العقاد في مصر الجديدة لأشحن بطارية المعرفة وأعبئ روحي وعقلي بالفكر والأدب والتاريخ والفلسفة والجمال وسيرة الأعلام وأجمل الأشعار في حضور ثقاة الرجال مثل المفكر زكي نجسيب محمود والرسام صلاح طاهر والشاعر عبد الرحمن صدقي والصحفى أنيس منصور والشاعر العوضي الوكيل والشاعرات شريفة فتحى وروحية القلينى وجليلة رضا وخليفة التونسي وعشرات الحضور من الشيوخ والشباب ولما تنتهى الندوة أسرع إلى سور الأزبكية وأمر على الأكشاك كأنى قيس يقول وأمر على ديار ليلى أقبل ذا الجدارا وذا الجدارا .. أنتقي الكتب التى أشعر أني بحاجة إليها ، وكم أسعدنى حظى فعثرت على أروع الكتب وأعمقها فكرا وعلما بقروش قليلة وأظل أجمع في غذائي الأسبوعي حتى آخر قرش ولا أتذكر المحصل إلا وأنا أدخل محملا بزادي الثقيل باب القطار الذي كنت أحيانا ما أجري وراءه حتى ألحق به وما أن أبلغ المقعد حتى أنزل حمولتى الثمينة بمنتهى الحذر حتى لا يسقط إحداها على الأرض فأشعر بجرمى البالغ إذ تهاونت حتى تسببت في إهانة المعرفة فأجلس وأعكف للحظات أرتب راحة الكتب إلى جواري عوضا عما اقترفت في حقها ولما أطمئن على حالها أبدأ من جديد فرزها والتطلع إلى عناوينها وأسماء كتابها وأمضغ في عقلى بعض الحلاوة التى تسيل منها في أعماقى بينما بدنى وروحي تركبان رياح السعادة التى تحلق بى بعيدا عن القطار والركاب بل والأرض جميعا.

في أوائل الستينيات أحسست أن الشعر لا يعبر عنى تماما ويدفعنى حبى للبسطاء والمهمشين كي أكتب عما تمور به نفوسهم فانتقلت إلى القصة القصيرة تلك البلورة المشعة ونشرت أول قصة وعنوانها " الفوج القادم " بجريدة المساء عام 1966، وشجعنى الدكتور محمد مندور وغيره من النقاد لتتوالي القصص والجوائز ، وأتراجع عن الاستمرار في إعداد رسالة الماجستير في الفلسفة بعد أن قطعت معها شوطا كبيرا فقد خامرني إحساس عميق مثل ما خامر نجيب محفوظ بأن الأدب هو طريقي .لكن السؤال المهم ظل يقتحمنى وهو : ما الذي يمكن أن أضيفه لجيلي ولمن سبقنى من حيث الشكل ؟.. كانت الرومانسية والواقعية بدرجاتها والتسجيلية والانطباعية والتاريخية هي المذاهب السائدة ، ولأننى أدرك أن اختيار شكل بعينه للتعبير من خلاله عن الموضوع ليس مجرد رغبة أو توجه قصدي وإنما هو نتيجة لانصهار فكر وتجربة ومعاناة ومعايشة وثقافة وشعور ، فقد رأيت الانتظار حتى ينبثق هذا الشكل من التجارب المتعددة التي يتعين أن أسلم نفسي لها منصتا برهافة لما تنوي العزف عليه أو الغناء له.

عندما اجتاحت اسرائيل سيناء ومدن القناة عام 67 استولت علىّ رغبة ملحة كي أكتب رؤيتى القصصية عنها فكتبت روايتى الأولي " أشجان " التي بدأتها بحماسة وفوجئت بكل شخصية من الشخصيات تختطفنى نحوها لأكتب عنها وحدها ، ثم تختطفنى الثانية فالثالثة وهكذا خرجت رواية تسمى رواية الأصوات ، ولم أكن قرأت من هذا النوع غير رواية الرجل الذي فقد ظله لفتحى غانم ، ثم ظهرت رواية " ميرامار " لمحفوظ في الاتجاه ذاته.

وفي عام 78 أعلن السادات عزمه تغيير مادة الرئاسة في الدستور لتكون له مدي الحياة فظللت قلقا حتى كتبت رواية "السقف " التي تصور سقفا يضغط على سكان بيت بالتدريج حتى يدخلون من الأبواب في انحناء وتتعدد صور الانكسار، رواية " روح محبات " وبطلها ديك جميل نما وكبر حتى أصبح في حجم إنسان دفعته ذكورته لمضاجعة النساء. رحبت به نساء القرية حتى أنجب منهن جميعا ولما اكتشف الرجال آثاره في المواليد طاردوه وتتوالي الأحداث .وهكذا مضت الموضوعات تختار أشكالها وما أنا إلا عاشق مطيع.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- رمضان في عيون الغرب
- ابتسامات ..أول ضابطة عربية
- ماذا يريد الرئيس من الشعب ؟
- أغبياء .. من يكرهونها
- لماذا أكتب ؟
- ماذا نريد من السيسي ؟
- قلبى حمامة شقها سكين
- هل حقا هناك احتلال إسلامي وشيك لأوروبا؟
- هل طرد عبد الناصر اليهود من مصر ؟
- أحزان شجرة البرقوق
- رجال ضد الإنسانية - أبو حمزة المصري
- الكتابة .. زوجتى الحقيقية
- ملامح المشهد الثقافي في مصر الواقع والمأمول
- وقائع موت معلن - لرجل عجوز جدا بجناحين عظيمين - بعد أن عاش ط ...
- سقطة فادحة لتشومسكى أهم مثقفي العالم
- الفكرة المدهشة والنص البديع رواية- حُسن الختام - نموذجا
- رصاصات قليلة تمنع كوارث كثيرة
- الحدأة ابتلعت سحابة
- قوس قزح يغازل أماني فؤاد
- المثقف المصري .. طموحات وأشواك


المزيد.....




- بالفيديو.. الحريري لإعلامية لبنانية من باريس: كنت دائما حرا ...
- من ساحة إعدامات -داعش- في الرقة.. مبعوث ترامب ينشر صور الدما ...
- البابا لشعب بورما: أتوق كثيرا للقائكم
- مشروع قرار جديد حول سوريا في مجلس الأمن
- إنقاذ 600 مهاجر في يوم واحد قرب السواحل الإسبانية
- اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في القاهرة
- للمرة الأولى في تاريخها.. نيو أورلينز تنتخب سيدة عمدة لها
- جنرال أميركي: يمكن رفض أمر استخدام السلاح النووي إذا كان غير ...
- احتجاجات بعدن تطالب بعودة محافظها المستقيل
- مجازر التحالف العربي باليمن في 2017


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد قنديل - رحلتى مع الكتابة