أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الصادق عبدلي - مارتن هيدغر وهيرمنوطيقا الهُم/الناس: الدّازين والآخرية (الهُمْ-الناس) وانحسار معنى الكينونة في أفق الزمان (القلق -الموت):















المزيد.....



مارتن هيدغر وهيرمنوطيقا الهُم/الناس: الدّازين والآخرية (الهُمْ-الناس) وانحسار معنى الكينونة في أفق الزمان (القلق -الموت):


الصادق عبدلي

الحوار المتمدن-العدد: 4462 - 2014 / 5 / 24 - 16:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


(وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) (سورة الأنعام، آية.116)



" لا تسبوا الغوغاء فإنهم يخرجون الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السُّوق".
أبو حيان التوحيدي، "الإمتاع والمؤانسة"،
الليلة الثالثة عشر، ص.180.



"بيد أنّه في صلب هذا التّنائي الذي يطبع الكينونة –معًا إنّما يثوّي هذا: أنّ الدّازين، من حيث هو كينونة-يوميّة الواحد –صحبة- الآخر، إنّما يقع تحت سيطرة الآخرين. إنّه ليس هو ذاته الذي يكون، فالآخرون قد انتزعوا منه الكينونة".
(مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ترجمة الدكتور فتحي المسكيني.)



.1. الدّازين والآخرية (الهُمْ-الناس)[1]:
إنّ طرافة الغمز الفلسفي لدى هيدغر في تحليله لعالميّة العالم بإعتبارها ظاهرة الكينونة في العالم قد أبرز للعيان الطّبقات الوجودانيّة الثّاوية خلف المستوى الوجودي من خلال تحليله لكينونة –تحت- اليد المشار إليها بمادّية الأشياء ونبش في كل مسكوت عنه ولا مفكر فيه ميتافيزيقيا، يتعسّر على البصر. قد أماء إليه هيدغر ورفع عنه الغطاء. إذ انتهى الفصل الثّالث بمكانيّة الدّازين ورفع مسألة المكان من المجال الطبيعي الفيزيائي المادّي الذي يحيل على القيمومة، يعني من مستواه الأنطيقي-الوجودي المقولاني الذي يسأل بسؤال لماذا؟ إلى سقف الوجوداني الذي يسأل بسؤال من؟ الذي هو من جنس البناء الأنطولوجي بما هو فينومولوجي من جهة المبحث الفلسفي إلى تبيان أنّ المكان من جنس الوجوداني ينخرط في بنية الدّازين ليحوّله إلى كينونة مكانيّة تستمدّ وجاهتها من الجهة والبعد والقرب والتّوجيه التي تحمل دلالة وظيفيّة ومدلوليّة مقيمة سلفا في بنية كينونة الدّازين المكانيّ. فإنّ هذا الضرب من التفلسف يرفع النّعاس عن لغة الأنطولوجيا القديمة والحديثة التي تعسّر عليها كشف هذه البنى وهذا الإبصار الفلسفي "الخارق للعادة" الذي تجشمه فيلسوفنا لم يستطعه الأوائل، ألم يقل هيدغر "هو صراع مع العمالقة"؟. بيد أنّ هذا النّحت لجملة المفاهيم الفلسفيّة وقراءة نَحْوَ الجملة الميتافيزيقية، قراءة "بعيون مائلة"[2] بعبارة جاك دريدا، تستنطق بقدر ما تحرج وترجح بقدر ما تؤكد، قراءة تقرأ ما لم يقرأ بعد، هي قراءة استكشافية [3](Heuristique)، بقدر ما تحفر في خفايا الميتافيزيقا، تفضح عمقها وتخترق السكون الذي ينطو عليها، هي قراءة "حسنة"[4] بعبارة هيدغر وهو إحياء للفلسفة في عصر تآكل وإهترأ من فرط تكرار متكرر مكرور قائم على الإجترار يفتقد بلغة نيتشه إلى "معدة تمتلك أسنان"[5]، أصاب الفكر أشبه باللّعنة أو القدر الذي تعسّر على الفلاسفة دحره وزحزحته، غير أنّ هيدغر قد أفلح في حرث أرض بكر لم يزني بها الفلاسفة وإنّما اشتق من تربتها تربة صالحة لغرس بذور التفلسف الأصيل الذي يختفي في الأصيل والمتأصّل ويعيد صقله وشحذه على الجهة الغير مقروءة وفتح الكُوَى المغلقة والمستغلقة على الفكر، إعادة فيما لم تقتدر عليه الفلسفة ولم تفكر فيه أو اللاَمُفَكّر فيه أنطولوجيا. إنّ التّحوّل الذي أجراه هيدغر من الكينونة –تحت-اليد التي تطال الأشياء في مادّيتها وطينتها لتفسير ظاهرة عالميّة العالم والإنتهاء بمكانيّة الدّازين وإبراز المعنى الوجوداني المنطو سلفا في مظان ظاهرة عالمية العالم لينتقل من الأشياء إلى الأشخاص وهو انتقال يؤدّيه السؤال من الأسفل إلى الأعلى، من الأشياء إلى الأشخاص. هو سؤال إجرائي مترسّم سلفا ضمن خطّة الفينومولوجي الهيرمنوطيقي للظواهر التي من خلالها تخبر عن معنى الكينونة، ككينونة -في- العالم إلى كينونة –مع نفترض وجود أشخاص الذي سيطبعهم هيدغر بطابع الهُم –النّاس- وهو إحالة على المستوى الوجودي الأنطيقي للأشخاص وكشف الأبعاد الوجودانيّة الثاوية خلفها وغير المتبصرة فيه.
لا مُسْتَرَابَ في القول إنّ هذا الانزياح الطريف الطارف في الآن ذاته من سؤال الما هو؟ الذي يشير إلى تقليد فلسفي وعُرف لم تبلغ به الأنطولوجيّة القديمة ولا الحديثة إلى الشأو والغاية المطلوبة، بل سقطت في نسيّان كينونة الكائن واستبدله هيدغر بسؤال من؟ الوجودانيّ المُشار به إلى الوجود (existenz) وما الوجود غير الكينونة التي من جنس الدازين الذي هو نحن كلّ مرّة وهذا السؤال من؟ يختلف عن سؤال لماذا؟ المشار إليه إلى القَيْمُومَةِ (vorhandenheit) العالم الموضوعاني، لذلك سيكون هذا الفصل (الفصل الرّابع) فصل حاسم عاج فيه هيدغر عن بنية السؤال ما هو؟ إلى بنية السؤال من؟ أي من الأشياء إلى الأشخاص.
ما المقصود وما الغرض الذي صوّب إليه هيدغر؟ وكيف يمكن أن نستبصر البعد الوُجوداني من البعد الوجودي للهُم/ النّاس؟ أليس السؤال من؟ الوجوداني ينحته هيدغر من أفق الأنطولوجيا ليبرز ثالوثا من المعاني الوجودانيّة الحافّة بسؤال من هو الدّازين؟ والذي وقعت الإشارة إليه في الفصول السابقة، لكن هيدغر سيجذّر هذه المعاني الوجودانيّة من هو الدّازين بإعتباره "كينونة النفس" (أي أنا أكون أنا نفس) وكينونة معا (أنا أكون مع الآخرين) وظاهرة الهُم (أن يكون الآخرون من حيث هم-النّاس) "المرء بعامة". أليس ذلك ما جعل هيدغر يؤكد على أنّ الدّازين هو كينونة النفس حيث يقول: "إنّ الدّازين هو الكائن الذي هو أنا نفسي في كلّ مرّة، الذي كينونة هي لي في كل مرّة".[6] وبالجملة أنّ الدّازين رغم هذا التعدد والكثرة التي نشترك معه في وجوده فهو المشار إليه بالنّفس" أنا" الذات، الجوهر(subjectum) ثابت في هذا الذي هو زائل ومتغيّر، لا تفسد هويته الغيريّة وإنّما هو إنيّة من شأنها الثّبات، تتجذّر فيما هو أنطيقي ولكنّها لا تفهم إلاّ من جهة ما هو أنطولوجي وجودانيّ، يقول هيدغر:"إنّ هذا التعيّن إنّما يشير إليه تقوّم أنطولوجي (...)، ولكن ليس أكثره فهو يتضمّن في نفس الآن المهمّة الأنطيقيّة، -وإنّ بلا تهذيب- بأن هذا الكائن هو أنا في كل مرّة وليس غيره".[7] فهذه الهُوهويّة للدّازين اليوميّ باعتباره "أنا"[8] في كل مرّة لا تبدو عينيّة باعتباره يتكرّر في كل لحظة يكونها هُوهويّة لأنّها مرتسمة سلفا في الأنطيقي. لذلك سيسرّح هيدغر الأنا التي للدّازين اليوميّ من عزلتها لتكون "الأنا الآخر"، "عينيّة-غيريّة" أو "الذّات عينها الآخر"[9]، يقول هيدغر:"لقد بيّن إيضاح الكينونة –في-العالم أنّه لا "تكون" في أوّل الأمر ولا هي معطاة أبدا ذات مجرّدة بلا عالم. كما أنّه في النّهاية ليس ثمّة لأول وهلة أنا معزول معطى بلا آخرين".[10] وليس ذلك بغريب أنّ الدّازين سيكفّ عن كونه "أنا" أو "نفس" أي سيندغم في الآخر حتى يفقد استمرارية كونه ذاتا أو نفسا، لكي يصرّف المعاني الوجودانيّة التي تثّوي في كينونته – ككينونة- في- العالم، "وإذا كان الدّازين ليس هو نفسه إلاّ من حيث هو موجود، فإنّ استمرار النّفس يستجوب، كما هو حال إمكانيّة عدم-استمرار-النّفس"[11]. فالدّازين اليومي هو "أنا الآخر" لأنّه سيبحث عن معنى لوجوده مشتق من الغيريّة وباعتباره دوما في تخارج عن ذاته وليس هو ممتلك العرفان بذاته حتى وإن أزلنا عنه الأشياء والعالم. كما كان يلوّح ديكارت في شكّه المنهجي "وعندما نرفض على هذا النحو كل ما يمكن أن يناله أقل شك، بل نعتبره كاذبا، فإنّه من السهل علينا، أنّه ليس هناك إله ولا سماء ولا أرض وأنّنا بدون جسم، ولكنّنا لا نستطيع أن نفترض أنّنا غير موجودين عندما نشكّ في صحّة هذه الأشياء كلّها، إذ من غير المستطاع لنا أن نفترض أن ما يفكّر غير موجود بينما هو يفكّر"[12]. بلا ريب، ديكارت لا يستطيع أن يشكّ في ذاته أنّه يشكّ، ولو لم توجد أرض ولا سماء، دلالة على مركزية الذّات كذات "واحدية"(Solipsisme) ستكون مصدر المعرفة، غير أنّ ذلك لا يمنع من أنّ هيدغر سيحدّق من جهة أخرى غير مطروقة في الفلسفة، سيجعل الذّات أو الأنا التي للدّازين في كلّ مرّة ليست أنا معزولة وإنّما هي –مع- تفترض أنطيقيّا وجود الآخرين أي غيريّة يشار إليهم بالنّاس أو الهُم على أن الجوهر حسب ما يدلي به هيدغر: "الإنسان ليس هو الرّوح من حيث هو مركب النّفس – الجسد، بل الوجود"[13]. فإنّ هذا التفطّن الفلسفي إلى أنّ الإنسان لا ينحصر تعريفه في الجسم أو الروح، بل هو الوجود ولا غير ذلك وبهكذا طريقة سيصعّد هيدغر نحو ارتسام أفق فلسفي أرحب ليجعل من الفلسفة مادّة طيّعة للتفلسف من "الجهات السِّت".[14]
فكيف تمارس الغيريّة دكتاتورية على الدّازين؟
إنّ هيدغر يمزّق الحُجُبَ عن معنى كينونة الدّازين تمزيقا لا يقبل ترقيعا ولا تلفيقا، باعتبارها كينونة- في- العالم، وبما هي في العالم تفترض سلفا أن تكون داخل العالم، وبما هي داخل العالم ستلتقي بالكينونة تحت- اليد والعالم المحيط وبذلك تبرز ظاهرة العالم التي هي من جنس العالمية والتي ترفع البنى الوجودانيّة لمكانيّة الدّازين بإعتباره كينونة –في-العالم وإن كان ذلك كذلك فهي كينونة مع- الآخرين أي أنّها تندغم مع الآخرين حتّى تذوب فيهم وبذلك تفقد جملة الهيئات الأساسيّة التي ترمّم مَهِيعُ -طريق الدّازين نحو القِبْلَةِ التي ينشدها لإظهار المعنى الحافّ بدلالة الكينونة التي تسكنه وهي معه وفيه وإليه كلّ مرّة رغم خُفُوتها وإنحجابها مع الآخرين الذين ليسوا من جنسها الحقيقي الأصيل، بل هذا الهُم –النّاس-الأناسي، هذه الكثرة تفسد وحدة وفرادة وتفرّد وخصوصيّة الدّازين[15] حتّى يتحوّل إلى دّازين يوميّ منهمك في شؤونه اليوميّة التي تطال الحقيق والآكد منه وتذروه على الجهات السّت حتّى تفقد البنى الوجودانيّة التي يتقوّم بها ولا يقدر على زحزحة سلطة اليوميّ أو دحرها، لأنّها تمثّل عقبة، عائقا، كجلمود صخر لا يقدر على إزاحته من أمامه، كالقدر الذي يجثُم على كَلْكَلِهِ ويثبّط عزيمته، ويردّه إلى دّازين يعيش غربة مستغربة وغريبة مغربة عن كينونته. فإنّ دَيْدَنُ الهُمْ كما يقول هيدغر:""الآخرون" هذا لا يعني شيئا من قبيل ذكر البقيّة الباقية خارج نفسي، التي يستثني الأنا نفسه منها، بل الآخرون هم بالحريّ الذين لا يميّز المرء نفسه غالبا عنهم، الذي يكون المرء أيضا، هذه الكينونة –هناك، أيضا معهم ليس لها الطابع الأنطولوجي للكينونة –القائمة- "معا"- في نطاق عالم ما"[16]. فهذه المَعِيَّة "مع" هي نمط الدّازين التي من خلالها يمكن استجلاء المعنى الوجودانيّ، عكس "أيضا" التي ترفع مقام الدّازين ككينونة إلى التطابق والتماهي والإندغام "من حيث هي كينونة –في- العالم منشغلة-مبصّرة"[17]، فعالم الدّازين هو دوما عالم مع الآخرين يشترك معهم في انشغلاتهم وهمومهم ويدخل معهم في تواطئ داخل الأنطيقي الوجودي يكلّفه ذلك ثمنا باهضا هو ضياع وتشتت المعنى الوجودانيّ الذي يقيم فيه أنّى رفع ومزّق الحجب تمزيقا لا يقبل معه ترقيعا أو تلفيقا، أنّى لهيدغر أن يقول:"إنّ عالم الدّازين هو عالم –معًا وإنّ الكينونة في هي كينونة (Mitwelt) معًا صحبة الآخرين"[18]. فهذه الكينونة- مع تحمل معنى وجودانيّا أنطولوجيّا، يقول هيدغر موضحا ذلك:"إنّ الدّازين هو من حيث الماهيّة كينونة–معًا. إنّما لها معنى وجوداني-أنطولوجي"[19].
إنّ هيدغر يصرّف جملة من المفاهيم وينزلها من سمائها، لأن "المفاهيم ليست أجساما سماويّة"[20] بعبارة جيل دولوز، بل أنّ مفهومي الوحدة والغربة لا يفهمان إلاّ داخل وضمن الكينونة-معًا. فإنّ هذه "المَعَ" هي التي تكشف البعد الوجودي الأنطيقي للدّازين في إنخراطه مع الآخرين، فتتلاشى العُرَى التي تمسك بكينونته، فيقف الآخرون كالصدإ الذي ران على مرآة الدّازين الذي تنعكس فيه كينونته فتنجب في تحاجيب اليوميّ الوجودي- الأنطيقي للهُمْ الذين يصرفون بصره عن كينونته، فيقف حائرا وتنحسر رؤيته لكينونته، فتصير حائلة وحؤولة تَحْرِنُ حَرْنًا عن تمزيق الحجاب الذي أغشى بصره وأتلفته عن الجهة التي منها يلتمس حقيقته والحآق فيه. ههنا يقول هيدغر:"وهذه الضروب من الكينونة تكشف من جديد عن طابع الألفة والبداهة في الدّازين-معًا اليومي الذي من شأن الآخرين داخل العالم، تماما كما في الكينونة –تحت- اليد الأداة التي تنشغل بها يوميا"[21]. بيد أن المستوى الوجودي الأنطيقي يبرز في أنطيقيّة الهُمْ الذين تذوب خصوصيتهم في الكثرة المتكثرة على نحو جماعي يشتركون في نفس السلوك ونفس القواعد التي يرثونها من التّعوّد والإعتياد والألفة بينهم ويعيشون على نفس الوتيرة لا يبصرون أنفسهم إلاّ في الإنشغال اليومي ويتهافتون على البديهي والمتهافت والوهم والزّيف وغير الأصيل دون إبصار أو تبصر أشبه بسجناء الكهف الأفلاطوني تشدّهم الأغلال والأصفاد، يقدّون حياتهم من الوهم، عيشهم سَبَهْلَلاَ، وعدم المبالاة والإكتراث، بهكذا طريقة يتحدث هيدغر:" فإنّ كينونة –الواحد-مع-الآخر تتأسس بديّا وحصرا على نواح عدّة ضمن ما هو، ضمن هكذا كينونة، منشغل به على نحو جماعي. إنّ كينونة–ما-للواحد-مع الآخر تنبع من أنّ النّاس يباشرون نفس الشيء".[22]
وبالجملة يستمدّ الهُمْ-النّاس-الأناسي في يوميته الأنطيقيّة قوّته من الوجودي في الإنشغال بما يعرّفهم عن بعضهم البعض، فيزول الإختلاف والتّمايز ويظهر التشابه في مجرى انهماكهم بما هم منشغلون، باعتبار أنّ الدّازين بما هو كينونة - معًا يشترك مع الآخرين فهو لا يقتدر على دَرْكِهم، لأنّهم ضرب من الغير المجهول يدفع الكينونة معًا إلى زعزعتها وخلخلة البنى الثّابتة فيها فيحرّكها نحو الجهة التي لا ترى فيها ذاتها، إذ تتباعد عنه، لأنّها تعيش نقصا في داخلها، فتنأى عن الهُمْ وهذا النّأي والإبتعاد ما يجعلها تتميز عن الهُمْ، لأنّها تملك خصوصيتها في بنيتها الوجودانيّة، يقول هيدغر مبيّنا ذلك: "ومتى يجبرنا عن ذلك على نحو وجوداني قلنا إنّ لها طابع التّنائي".[23] (Abstä-;-ndigkeit) وههنا يبرز المعنى الوجوداني في رسم هذه المسافة التي تميّز الواحد عن الآخر، فالهُمْ يرسم هُوّة بينه وبين الدّازين ممّا يجعله غريبا عن ذاته فاقدا لخصوصيّته، لأنّ هذا الغير المجهول "من هي المحايد-الهُمْ"[24] أو النّاس يمارسون سيطرة ونفوذا على الدّازين كأَضْرُبٍ من الدّكتاتوريّة (dictature) التي منشأنها "الشَيْعُوعَة"[25]، التعميم والتّسطيح وتعتيم الأصيل-الأثيل في صلب الدّازين. آنذاك فقط يقول هيدغر موضحا ذلك: "بيد أنّه في صلب هذا التّنائي الذي يطبع الكينونة –معًا إنّما يثوّي هذا: أنّ الدّازين، من حيث هو كينونة-يوميّة الواحد –صحبة- ألآخر، إنّما يقع تحت سيطرة الآخرين. إنّه ليس هو ذاته الذي يكون، فالآخرون قد انتزعوا منه الكينونة"[26]. أو بعبارة صريحة لهيدغر هنا "من" المحايد المتنكّر للدّازين بإعتباره كينونة مع، هذه "المع" التي أدخلت في صلبه الآخرين للبحث عن معنى للكينونة، قد بدت للآخرين حجّة ضدّه لنزع كينونته وإستلابه وجعله مغتربا عن كينونة فهي سَلاَبَةٌ وسَلْبُوتٌ اختلست منه كينونته وسيطرت عليه إلى حدّ أنّها صارت تمارس عليه دكتاتوريّة مشطّة التي من شأنها التعميم والتّسطيح وخلط الحابل بالنّابل والفكر بالهَذَرِ والمَذَرِ والهرج والمرج، والجدّ باللعب واللهو والثرثرة والقيل والقال، يقول هيدغر في هذا الموضع: "هنا حيث لا شيء يلفت النّظر ولا شيء يثبت بسط الهُّم دكتاتوريّة الحقيقة"[27].
ههنا يغرق الدّازين في يوميّته وتتبذّر جملة المعاني الوجودانيّة ضمن ما هو وجودي أنطيقي يبرز من خلال تعميم التشابه على كلّ شيء والذي هو من شأن الهُّم- النّاس كنمط وجودي لهم يقول هيدغر: "الهُم يمتصّ في كلّ وهلة الدّازين في يوميته"[28]، وعلى الدّازين أن يفك وثاقه من سلطة الهُمْ عُنوة وبقساوة لا تلين وكأن "الحياة لا تكسب إلاّ غلابا"[29]. لذلك سيزجّ هيدغر بمفهوم "الوسطيّة" التي للهُمْ لإبراز المعنى الوجودانيّ الذي يعوزه هذا المفهوم يقول أيضا: "يمتلك الهُّم هو ذاته طرقا خاصّة في الكينونة"[30]، وهو عين المشار إليه بالإعتياد والمكرور من اليوميّ والمتكرّر على نفس الشّاكلة والوتيرة، يلزم لزوم ما يلزم من جهة عموميّته على الدّازين، فتسوّي الأمور لدى الكينونة ويطلق عليها هيدغر "التّسوية" وتعني ما تعنيه التّواطؤ الذي يقصي التّمايز والاختلاف، فيصبح كلّ الأشياء سَواءَ، مستنبطا ومطروحا طرحا لا اختلاف فيه "كطرح الحيّة جلدها"[31]. فهذه العموميّة التي هي من جنس الهُمْ ينعدم فيها الاختلاف وتتنكّر لكلّ أصالة-أصيلة وكل حقيق وآكد تثبت ما هو زائل وتزيل ما هو ثابت، تزيف ما هو أثيل وتجتّث ما هو أصيل وتقتلع ما هو حقيقي بيّن بنفسه وليس بغيره. وبهكذا طريقة يقول هيدغر:" إنّ العموميّة تعتّم على كلّ شيء وتقدّم ما عتّمت عليه هكذا على أنّه مشهور وفي متناول أيّ كان"[32]. ههنا هيدغر يكشف الإشارة المدفونة في لفظة "العموميّة" التي تحيل على المعنى السالب وغير الموجب للهُمْ في بسط سيطرتهم وهو معنى وجودي يختصّ به الهُمْ، رغم أنّ المعنى الموجب منها يتجلى في المعنى الوجوداني للوسطيّة التي للهُمْ. فلا غرابة في الأمر أنّ هيدغر قد تبصّر وتفطّن تفطّنا غير مسبوق إليه في الفلسفة من أرسطو حتى نيتشه إلى أنّ المعنى الوجودي- الأنطيقي يلازم المعنى الوجوداني- الأنطولوجي تلازما لا مُراء فيه أثناء تحليله الهرمنوطيقي لجملة الظّواهر التي تهيئ أرضيّة كل مرّة لإبراز المعنى الوجوداني الموازي للمعنى الوجودي في التّساؤل عن معنى كينونة الكائن الذي هو الدّازين في كلّ مرّة والذي هو نحن بما هو خاصّتنا وقوام وجودنا نستخلصها من تناسل هذه المفاهيم من بعضها البعض كـالتنائي، الوسطيّة، التسوية والعمومية[33]. فالهُّم يتقدّم دائما الدّازين ويثبّت كينونته ويشدّد على سلطان رأيه وسيطرته التي يوزّعها إلى من حوله فيبسطها على الكينونة- في- العالم. فهذه الكينونة معًا الواحد- صحبة الآخر اليوميّة تقرّب اقترابا شديدا ولصيقا إلى حدّ الإدغام والتشابه مع القيمومة، لكنّها في بنيتها مختلفة وفي ظاهرها من جهة رتبتها الأنطولوجيّة تدنو دنوّا من القيمومة. بيد أنّ كينونة النّفس الأصيلة هي ضرب من تسريح وجودي للهُمْ من جهة ما هو وجوداني ثاوٍ وعالق في ماهيتها. يقول هيدغر :"إنّ الكينونة الأصيلة للنّفس لا تقوم على حالة استثنائية للذات التي فصلت عن الهُم بل هي تنويع وجودي للهُم من حيث هو وجوداني ضارب في الماهيّة"[34]. فلا غِرْوَ أنّ الغيريّة التي للنّفس بما هي "أنا الآخر" تتوفّر على أصالتها من جهة منطلقها الوجوداني- الأنطولوجي تفترق عن ثبوت وتحجّر الأنا التي هي منغرسة في تربة المعيش الزّائل، فهي الثّابت في هذا الزّائل والزّائل في هذا الثّابت. وبذلك سيحدّق هيدغر من جهة أخرى للكينونة-في بما هي كذلك في الفصل الخامس.§.28.
.2. انحسار معنى الكينونة في أفق الزمان (القلق -الموت):
إنّ هيدغر يحدّق من جهة أخرى بعد ظاهرة الإنحطاط التي هي نمط وجوداني من كينونة الكينونة-الفيّة- في العالم والمقذوف بها والمصاحبة للآخرين. يرفع الحجاب الذي ران على كينونة الدّازين والقفل الذي سدّ المنافذ حولها والكُنَّ التي ستر وأخفى كينونة الكائن-الدّازين، إذ من خلال ظاهرة العناية المشار إليها بكونها ظاهرة وجودانيّة أصيلة تجعل الدّازين منفتحا على ذاته، وتؤسس كليّة الدّازين وماهيته بإعتباره كلاّ بنيويًا موحّدا. رُبّ إستخراج عنيد قام به هيدغر إذ وجّه التحليل صوب فهم الكينونة من جهة ظاهرة الإنحطاط التي تقودنا إلى ظاهرة القلق[35]، أي من دَرَكٍ أنطيقي-يوميّ وجودي إلى رَدَج وجوداني يصوّب نحو فهم كينونة الدّازين من الدّاخل بإعتبار كينونة وجدان وفهم. فظاهرة القلق تنبع من الوجدان وتقترب من الخوف وهي ليست منه في شيء، من القلق ومن (cura) جلدته ستشق العناية (cura) فالقلق يقودنا ضرورة إلى العناية التي هي من شأن كينونة-الدّازين، ليبصر أصالته وكليته الموحّدة. ولكن ظاهرة القلق ستحفّ بها جملة من الظّواهر الأخرى التي ليس من جنسها، إذ يقول هيدغر:"ثمّة الإرادة والرّغبة والميل والإندفاع".[36] فكيف يكون القلق وجدانًا يتميّز به الدّازين دون غيره من الكوائن؟
إنّ القلق بما هو وجدان، يقيم في طيّاته به ومنه وفيه، فيصبح الدّازين منفتحا على نفسه، منكشفا، ينضو عن عرائه ليصير مبصرا من جهة فهمه لكينونته، غير أنّ ذلك لا يصير ممكنا إلاّ إذا فهمنا ظاهرة الإنحطاط التي تزجّ بالدازين داخل الهُمْ ويوميته وفي إنشغاله الدّائم والمكرور الذي لا يبثت على شيء، وكذلك الخوف من حيث هو وجدان يجعل الدّازين ككينونة متخلّفة عن ذاتها، مدبرة، فهو في فرار عن ذاته، لا يقرّ له قرار، وكأن في نفسه تدويمًا ومن خلال ظاهرة الإنحطاط والخوف، يصبح الدّازين كينونة مخطوفة، يقول هيدغر:"إنّ الدّازين يُعرض عن نفسه في الإنحطاط".[37] ومن هذه الجهة يمكن أن نتأوّل ظاهرة القلق بما هو وجدان لا ينكشف بقدر ما يقبع في الوجدان ويقيم في "لا مكان". إذ أنّ ما يهدّد هو ما يخوف "ذلك ما يختصّ به ما أمامه القلق".[38] فإنّ هذه الضبابيّة، التي تظهر من خلال ما يهدّد كينونة-الدّازين. هي ما يجعله يقلق ولكنّه يأتي من اللاّمكان، اللاشيء داخل العالم، ممّا يضفي ضربا من الغموض وتتعسّر الرّؤية وتنحجب المدلوليّة وتسقط جملة الرّابطة الوظيفيّة، ولكن ما يقلق القلق ليس ما هو أنطيقي وجودي كشيء ما تحت-اليد داخل العالم، ولكن هذا اللاشيء،لا مكان هو جنس ما هو تحت-اليد داخل العالم الذي هو إمكان أنطولوجي لكينونة الدّازين ككينونة –الفيّة التي للعالم. يقول هيدغر:"ما أمامه يقلق القلق هو الكينونة –في-العالم ذاتها".[39] فالقلق نمط وجوداني للدّازين، يدفعه إلى إبصار ذاته، يقذفه في دوامة البحث عن ذاته، فهو "يفتح الدّازين بوصفه كينونة ممكنة"[40]، فالقلق هو فهم واستشراف وإمكان يختصّ به الدّازين حتى يكون أصيلا ولا يكون متأصّلا إلاّ إذا أصبح كينونة حرّة يختار بنفسه دون الاستعانة بالآخرين، يدرك، ويفهم ذاته دون أن يفهم الآخرون عوضا عنه، باعتباره كينونة الفيّة تنحت كيانها من جلدة نفسها ضمن الإمكانات التي بحوزتها. فالقلق يجعل الدّازين يقلق ما أمامه الذي هو العالم يصير بلا واسطة وتسقط الرّوابط عنه، فينفتح بالقلق على العالم، يخترقه ليس من جهة التشابه، بل هو اختلاف معه، فيصير عتبة يمرّ منها الدّازين نحو العالم منفتحا على ذاته، وقد تجلّت ونضت عن عرائها وسقطت كلّ الأقفال المقفلة والمستغلقة دونه.
بيد أنّ الدّازين يكون قلقا و"على قَلَقٍ"[41] كأنّ الرّيح تحته يشعر بالقلق على نفسه، فينعزل ويتوحّد ككينونة معزولة ومنحطة ومُلقى بها، ومقذوف بها في العالم. فتصاب بإضطراب يشقّها ويخترقها من الداخل، فيصير الدّازين كالمخطوف أو كالمصاب بمَسٍّ، هي حالة بأي حال تضع الدّازين ككينونة غريبة الأطوار، تردّه عصا القلق غير مستقرّ على حال حاله كحال أبي هريرة المسعدي[42]، كذا هو الدّازين يطلب المستقرّ فلا يجد "بأرض مستقَرّا"[43]، وفي هذا الشأن يقول هيدغر:"كلّما ازداد قلقا ازداد وحشة وغربة "لكن الوحشة تعني بذلك في عين الوقت ألاّ –يكون-المرء-في-بيته"[44]. فهذه الوحشة (Unheimlichkeit)"أُوْنهايمْليشكايْتْ"[45] التي تزيل ما هو ثابت في قرارة الدّازين اليّومي الغارق والمنغمس في بداهة اليّومي-الأنطيقي للهُمْ والمقذوف به داخل العالم، فتزجّ به في دوّامة القلق التي لا يقرر لها، فيتحوّل فيها الدّازين إلى كينونة قلقة على نفسها تفقد الثّقة بكلّ بديهي ومألوف ومعتاد، فتشعر بشعور غريب نابع من الوجدان من شأنها أن تكون ليس في أَرْكَيُوِنها « Arkéon » بيتها (das Nicht-zuhause-sein)، غريبة مغربة، عن وطنها[46]، (die Heimat )، تطلب المستقر بكلّ أرض فلا قرار يشدّها، تسافر في القلق بحثا عن المعنى وكشفا[47] لحقيقتها، فتصير كلّ الفجاج[48] عريضة بحثا عن ما يؤثّث بيتها/أركيونها، وهو التساؤل عن معنى الكينونة. يقول هيدغر:"إنّ الطّريقة اليوميّة التي بها يُفهم الدّازين الوحشة هي الإعراض المنحطّ الذي "يُعمي" عن ليس –في-بيته."[49] إنّ المقصد الأساسي المشار إليه هو كينونة الدّازين التي تصاب بـ"القلق"[50] l’angoisse, die Angst لأنّه ضارب فيها متجذّر، متأصّل، لا يستطيع اجتثاث عروقه، بل سيستمدّ قوته من تربتها التي جعلتها أرضيّة خصبة قد أفلح القلق في إنمائها وانغرس، فصار مقامًا مناسبا لها، وصار القلق حاملاً إيّاها نحو العالم بدون واسطة حتّى تنفتح وتبصر ذاتها، بما هي كينونة الفيّة وتتخلّص من معيّة الهُمْ اليوميّة المصاحبة لها بإعتبارها كينونة المع- صحبة الآخرين. هاهنا هيدغر يخلص من المستوى الوجودي-الأنطيقي للهُمْ إلى المستوى الوجوداني الصريح في ظاهرة القلق التي ترتبط بحرّية الكينونة واختيارها لإمكانياتها في كلّ مرّة على نحو أصيل وأثيل وحقيق وحآق. إنّ الدّازين كينونة-متقدّمة على نفسها تبحث عن إمكان وجودها خارج ذاتها يقول هيدغر:"أنّ الدّازين هو بعد أبدًا في كينونته متقدّم على نفسه"[51] (das Sich-worweg-sein) تجد إمكانها في القلق الذي هو وجدان به ستنحت الممكن الذي يخصّ كينونة الدّازين على نحو أصيل ووجوداني وواقعانيّ بإعتباره كينونة عناية ولكن العناية هي ضرب مخصوص مشتقّ من هيئة الدّازين من خلالها يسْتشْرِف صوب الإمكان الذي يخصّه، حيث يقول:"بوصفه ما علينا الإنشغال به أو ما ينبغي أن نحمله بواسطة الرّعاية إلى كينونة"[52]. إنّه كينونة متقدمة على نفسها، ترى في نفسها ما لا تراه في غيرها، ضرب من التّخارج عن ذاتها لترى ما تراه في غيرها، ضرب من التّخارج عن ذاتها لترى ما تراه على جهة الكليّة بإعتبار أنّ العناية هي ما يوحّد بناها الوجودانيّة. لكن كينونة-العناية يثوي في بنيتها ضروب من المراتب كالميل والاندفاع ميل الكينونة الحياة والاندفاع إلى العيش تنتمي من الجهة الأنطيقيّة الوجوديّة إلى الكينونة بما هي كينونة مقذوف بها في العالم، وبما هي كذلك متقدّم على نفسه، أي كينونة العناية التي توحّد المتعدد لجملة البنى الوجودانيّة التي تثوي داخلها. فيقول هيدغر موضحا ذلك:"إنّما يقصد بعبارة "العناية" ظاهرة أنطلوجيّة-وجودانية أساسيّة هي على ذلك ليست بسيطة في بنيتها".[53] لا مُستراب في القول إنّ العناية هي كينونة الدّازين المتقدّم على ما هو وجوداني-أنطولوجي ينزع إليه نزعا، لأنّه يمكن العناية أن ينظر إليها من جهة الوجودي-الأنطيقي بكونها ضربا من الهَمِّ والغَمِّ الذي يصاحب الكينونة داخل ما هو يوميّ، غير أنّ هيدغر سيقوم ههنا بإستخراج عنيد لطبقات الوجودانيّة التي تمكث في بنية العناية، ملتفّتا نحو الما- قبل أنطولوجي من خلال سرد "حكاية قديمة"[54] غير فلسفيّة، أسطوريّة بالأساس تبيّن أن كينونة الدّازين كينونة تاريخانيّة قابلة للتفسير وجودانيّا على صعيد أنطولوجي. ههنا هيدغر يستخرج المعنى الوجوداني للعناية من صلب الأنطيقي –الوجودي باعتباره غير فلسفي وسابق على ما هو أنطولوجي، يعتصر الأزمنة ويقفو أثر التاّلد والضّارب في العراقة، لنشأة مفهوم العناية وإحيائه من التراث القديم السّابق على ما هو أنطولوجي. ومن هذه الجهة نخلص إلى القول بأنّ الصّعيد الوجودي للعناية سابق في تاريخ الدّازين عن الصّعيد الوجوداني، إذ يقول هيدغر:"إنّ التأويل الأنطولوجي للدّازين قد حمل التفسير الذّاتي السّابق عن الأنطولوجيا لهذا الكائن باعتباره "عناية" إلى رتبة التّصوّر الوجوداني للعناية"[55]. غير أنّ في الفقرة 43 بعنوان الدّازين، العالميّة والواقع سيرفع الغطاء عن علاقة الواقع بالكينونة باعتباره مشكلا أنطولوجيا حينما تظهر كينونة الكائن من خلال القدرة على المقاومة داخل العالم وكشف النقاب عن البؤر التي تحجب الدّازين، ممّا يجعل المشار إليه هاهنا بديّا للعيان أنّ هيدغر يجعل من الواقع مشكلا بات لديه محسوما، إذ قام بتسريح الواقع من ظاهرة فيزيائية تسلط الأضواء عليها الإبيستيمولوجيا[56] إلى ظاهرة فينومينولوجية بحتة، فجعله بنية من البُنى الوجودانية للدّازين يتقوم بها في نزع الإحتجاب Verborgenheit عن فهم كينونته، إذ من صلب ماهيته ينكشف فيصير كينونة منارة أو كينونة عناية. فإذا كانت الحقيقة إنكشاف وظهور وتجلي ونور، فإنّ الدّازين هو القبس الذي سيقدح زناد الحقيقة من صلبه حينما يصير انكشافا لكينونته وانفتاحا عليها بإعتبار أنّ "الكينونة في الواقع" تسير جنبا إلى جنب أو حَذْوَ النعل بالنعل والقُذَّة بالقُذَّة ** "مع الحقيقة"، وهنا هيدغر يرأب الصدع بين الكينونة والحقيقة التي ظلت لأمد طويل متخارجة عن كينونة الدّازين وصارت عُرفا وتقليدا فلسفيا وكأنّ بين الكينونة والحقيقة هوّة سحيقة لا ينبغي ردمها.
لذلك سيحدّق هيدغر من جهة تاريخ الأنطولوجيا الذي جعل الحقيقة ضربا من الطابقة مع الموضوع المعرفة، من أرسطو حتّى كانط[57]. يقول هيدغر موضحا ذلك:"إنّ تخصيص الحقيقة بوصفها "تطابقا" (adaequatio)، هو بلا ريب جدّ عام وفارغ"[58].
رُبّ استخراج عنيد قام به هيدغر حيث إلتفت إلى اللاّمفكّر فيه ميتافيزيقيّا بأنّ الحقيقة هي إنكشاف هي اللاّتحجّب وهي ما تجعل الكينونة مكشوفة لذاتها، ترى نفسها دون لُبْسٍ أو غموض، لذلك جعل هيدغر الحقيقة ضرب من التّعرّي تنضو عن عرائها كاشفة مفاتن إغرائها كونها لا تحمل التّحجّب والسّفور، وبضرب من المعاندة الفلسفيّة رفع هيدغر الغطاء وأماط اللّثام عن الحقيقة بما هي إنكشاف وتكشّف للكائن في "مكشوفيّته"، فإنتبه إلى البنى الوجودانيّة التي من جنس الدّازين والتي وجد صداها في ما قبل السقراطيين نحو مفهوم الحقيقة التي وقع طمسها وتضليل الطّريق نحوها وصوبها.
بيد أنّ مفكّر الغابة السوداء هيدغر سيقوم بتفكيك الجملة الميتافيزيقيا وخلخلة نحوها (grammaire) الذي منه وقع نسجها وهذا التّفكيك ليس تحطيما، أو تهديما، بل هو قلب للتراث الفلسفي وإعادة تملّكه (Aneignumg) على نحو موجب يقوم بتسريح المفاهيم كمفهوم الحقيقة من الخطل الذي وقع فيه الفلاسفة، إذ يقول:"فإنّ "تعريف" الحقيقة الذي قدّمناه ليس نفضا لليد من التّراث، بل التّملّك الأصلي له"[59]. بهكذا طريقة يمكن أن نخلص إلى أنّ الحقيقة كظاهرة أصليّة هي وجودانيّة في أصلها باعتبارها انكشافا وتجلّي للكينونة الحقد "من حيث هي كينونة –كاشفة هي طريقة كينونة خاصّة بالدّازين"[60]. يعني ذلك كينونة الكائن الدّازين ككينونة في العالم، لا يتقوّم وجوده إلاّ بكونه منفتح في كلّ مرّة على كينونته. ولا يمكن أن ينحت بناه الوجودانيّة إلاّ من جهة طرحه لكينونة ككينونة انفتاح كـ"طرح الحيّة جلدَها"[61] بعبارة سعيدة المسعدي وكأنّ الدّازين لا يستطيع درك ذاته إلاّ حينما "ينسلّ من إهابه الذي لَصِق به"[62] ويهرول نحو كينونته، إذ يكون دائما على أُهْبَة وإستعداد صوب تلقي الإشعاع الذي يأتيه من داخل نفسه باعتبار أنّ "الدّازين هو "داخل الحقيقة"" (in-der-Wahrheit)" وهذا القول له معنى أنطولوجي"[63]. هكذا يكون الدّازين داخل "أركَيونه" (Arkéon) وهذا يعني انفتاح الدّازين كلّ مرّة نحو ذاته ممّا يجعله كينونة مقذوف بها في العالم أي ما يشار إليها بـ"المقذوفيّة" التي تشدّه شدّا إلى العالم الذي لا محيص منه، فيختار وجوده على الجهة التي بها يكون مبصرا لذاته أي منفتحا لأنّ الإنفتاح الذي يخصّه هو ذاته دون غيره من الكوائن هو أمر واقعاني يفترض سلفا أن يكون هو نفسه كلّ مرّة يصرّف وجوده على نحو وجوداني أصيل، باعتباره مستشرف على كينونة المستطاع التي من خلالها يفهم ذاته وينصت إلى المُهْمّت المطمور بداخله. إذ يومىء هيدغر إلى ذلك، فيقول:"هذا الإنفتاح الأصيل يشير إلى ظاهرة الحقيقة الأصيلة على جهة الأصالة، وإنّ الإنفتاح الأرسخ أصلا وبلا ريب الأكثر أصالة، الذي فيه يمكن للدّازين أن يكون بما هو قدرة على الكينونة، إنّما هو حقيقة الوجود"[64]. بيد أنّ الدّازين ككينونة انحطاط تسقط في شيوعة الهم فتنثني على ذاتها دون أن تطمس شغفها بأبصار ذاتها، تضلّ ثاوية في عدم الحقيقة، أي اللاّأصالة التي تنتمي إلى الوجودي-الأنطيقي من جهة القيل والقال والفضول والإلتباس. يقول هيدغر:"فمن شأن الدّازين، من أجل أنّه منحطّ، أن يكون طبقا لهيئة كينونته "داخل-عدم-الحقيقة"[65]. فيقدم ما يكون الدّازين منفتحا ومنكشفا ومتجليّا لذاته، داخل الحقيقة أي أصيلا بقدر ما يكون بالإنحطاط، منغمسا في عموميته الهمّ، منغلقا ومتحجّبا ومطمورًا غير مدرك لذاته، أي داخل اللاّحقيقة التي يعني اللاّ-أصالة. يقول هيدغر:"إنّ الدّازين بعد في كلّ مرّة داخل الحقيقة واللاّحقيقة"[66]. فإنّ هذا التوازي الذي يجرّبه هيدغر بين المستوى الوجودي الأنطيقي والمستوى الوجوداني-الأنطولوجي لهو ضرب من معاندة فلسفيّة غير مسبوقة في الفلسفة سواء في عراقتها أو في جدّتها.
إنّ هيدغر يمسك بالخيط الهادي الذي من خلاله نستطيع تبصر تجربة الموت التي تكمن في صلب كينونة الدّازين بما هو كينونة عناية ويُحوّلُها هيدغر إلى تجربة تعاش ولا توصف لأنّها تخصّ الدّازين بإعتباره كينونة تتجه صوب النهاية التي هي الموت كظاهرة وجودانيّة ترمّم بنية أو هيئة الدّازين، وتسعفه من نقصه فترفعه إلى الإكتمال أشبه بالدّائرة التي توشك أن تكتمل، وكأنّه يسعى لوضع نقطة للجملة التي تحتها من كيانه فصارت به تعرف ومن خلالها نستطيع إستبصار معنى وكُنُهَ الدّلالات الحافّة به. فهذه الكينونة نحو الموت، نحو النّهاية، "التماميّة" هي تخصّ الدّازين وحده ولا يمكن أن تفهم خارج الدّازين لأنّها تجربة أصيلة وجودانيّة تثوي سلفا في مظان كينونته. لذلك ميّز هيدغر بين الموت الذي يعني الوفاة للآخرين فهذا الموت الخارج عن بنية الدّازين لايمكن أن نعيشه إلاّ من جهة المشاهدة والفرجة وكأنها وضعت على خشبة مسرح الحياة اليوميّة، فيبدو هذا الموت خارج كينونة-الدّازين أي هو من شأن الأغيار التي تقع تحت سيطرة الهّمّ وضرب وجودي لا يرتقي بنا إلى فهم وإبصار كينونة الكائن الذي هو الدّازين في كلّ مرّة. ههنا هيدغر سيحدّق من جهة وجودانيّة بأن الموت الذي هو نهاية وإكتمال الدّازين في كليته حيث يقول مفكّر الغابة السوداء:"إنّ الموت، بقدر ماهو "هو"، هو طبقا لماهيته دوما ذاك الذي يخصّني"[67]، وكأنّ الموت يلازم الدّازين كالظلّ للمسافر من خلاله ينحت وجوده على النحو الذي يبلغ به تماميته ويحقق كليته، فيصير وحدة. بيت القصيد هو أن الموت تجربة نعيشها كينونة الدّازين وتنهمّ بها فتحرّك فيه المعاني الثّاوية والمنطوية فيه فيبصر بها فاهما لذاته/ لكينونته لأنّ الموت الذي يكون بالنّسبة للمحتضر لا يرقى إلى السقف الأنطولوجي، بل الموت الذي يخصّ الدّازين وحده والذي يكابده ويعيشه كمحنة من الدّاخل وليس الخارج لأنّ الموت لا يفهم إلاّ من جهة أن نعيشه كتجربة وهو ضرب من "التأجيل"[68] أو "الإرجاء"[69] وكما يقول باسكال:"نحن نموت وحدنا"، أي أن تمارسه الكينونة كإمكانية من إمكانياتها التي تبلغ بها الشأو والمأرب هو التماميّة، وبذلك ينزع هيدغر الموت من طابعه الوجودي الأنطيقي للآخرين الذين هم النّاس داخل اليوميّة الرتيبة والتي ترى في الموت هدّام اللّذّات، فتصاب بالهلع والجزع منه وحضورها في الجنائز والمآتم للحدّاد على الميّت ليس إلاّ طمأنة لنفوسهم وخوفهم من الموت، غير أنّ هيدغر سيخرج الموت من الإبتذال اليوميّ إلى الصعيد الوجوداني من جهة أن الموت إمكانيّة وجودانيّة أصيلة لا يمكن أن يكون إلاّ في التضحية من أجل الغير، أمّا صوت الكينونة فهو يخصّها لوحدها بإعتبارها كينونة من أجل أو نحو الموت. وإذا لم تبصر ذلك فقد بقيت في العمى والحّرة ولا تبصر المعنى الذي من أجله تبحث. إذا كان الدّازين على قلقٍ يحرّكه السّؤال "من هو الدّازين؟"[70] كلّ مرّة بحثا عن معنى للكينونة التي خاصيته التي بها يتميّز ويكون بها على النّحو الذي إرتضاه لنفسه لذلك يمكن القول بأنّ إنيّة الدّازين يستجدّ ليس غيريّة مغايرة لذاته سيتلفها من خارج كينونته وإنّما سيقدّها من داخله، هي غيريّة تأتي من الدّاخل، وليس من الخارج، "أنا الآخر"[71] أو "كُنْ آخرا"[72] ، أو "الوجه هو الآخر"[73].

الهوامش:

[1]- Jean Greisch, Ontologie et Temporalité, Esquisse d’une interprétation intégrale de Sein und Zeit, Presses Universitaires de France, 1994, Voir aussi -;-Youssef Ben Ahmed, De la Diaphorologie, la pensée de la différence selon Martin Heidegger, Centre de Publication Universitaire, 2007. Voir aussi -;- Jacqueline Russ, Philosophie, Les auteurs, les œuvres, éds, Bordas, Paris, 2003. Chapitre IV : l’être au monde- en tant qu’être avec et en tant qu’être soi- même, le « on ». p.470 : « le chapitre IV est absolument décisif. » تقول جاكلين روس : "بخاصة إنّ الفصل الرّابع حاسم ".
[2] -Jacque Derrida, Marges de la philosophie, Paris, Minuit, 1972.
[3] -Hans Jonas, le principe Responsabilité, une éthique pour la civilisation technologique, éds. Du CERF, 1997
[4] - Heidegger, Acheminement vers la parole, Tr. De l’allemand par Jean Beaufret, Wolfgang Brokmeier et François Fédier. É-;-ditions Gallimard, 1976.
[5]- نيتشه، العلم المرح، ترجمة وتقديم حسان بورقية ومحمد الناجي، دار أفريقيا الشرق، 2000.
[6]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ترجمه من الألمانية إلى العربية الدكتور فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2013 ، الفقرة 25، ص.114..
[7]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع، الفقرة 25، صص.114-115.
[8]- الأنا المشار إليها هنا تعني الخصوصية وليس الأنا بالمفهوم الحديث.
[9]- بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة وتقديم وتعليق د. جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى بيروت، 2005.
[10]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، مرجع سابق، ص.116.
[11]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع، ص.117.
[12]- ديكارت، مبادئ الفلسفة، الجزء الأول، ص.196-200، ترجمة نجيب بلدي، دار المعارف بمصر، 1968.
[13]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، مرجع سابق، صص. 117-118.
[14]- عبارة نستلفها من المسعدي وتتردد أيضا لدى الغزالي.
[15]- نيتشه، هكذا تكلّم زرادشت، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2007. الفقرة 9، ص.57:" انظر إلى المؤمنين من كلّ عقيدة، على من يحقدون أكثر من أيّ كان؟ على ذلك الذي يكسر ألواح قيمهم القديمة؛ المخرّب، المجرم، لكن ذلك هو المبدع. رفاقاً يريد المبدع لا جثثاً ولا قطعاناً ومؤمنين أيضاً. رفاقاً يريد المبدع، يخطّون قيماً جديدة على ألواح جديدة ". يذكرنا هذا المعنى بزرادشت نيتشه الذي خرج من الوحدة التي دامت عشرة سنوات في الجبل بحثا عن معنى لوجوده وخروجا من طَوْقِ الإِلْفَة والعادة والتّعود نحو استكشاف قيما جديدة تؤسس للإرادة في اتجاه الإقتدار (Der Wille zur Macht).
[16]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، مرجع سابق، ص. 118.
[17]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع، ص. 118.
[18]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع، ص.120.
[19]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع، ص.120.
[20]- Gilles Deleuze, Qu’est-ce que la philosophie ?, éditions de minuit, 1991, p.11: « les concepts ne nous attendent pas tout faits, comme des corps célestes. Il n’y a pas de ciel pour les concepts ».
[21]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، مرجع سابق، ص.121.
[22]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع، ص.121.
[23]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع ، الفقرة 27، ص. 126.
[24]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع، الفقرة 27، ص. 126.
[25]- عبارة نستلفها من التوحيدي من كتابه "الإمتاع والمؤانسة"، وهي تعني الشيوع والإنتشار.
[26]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان،مرجع سابق، الفقرة 27، ص. 126.
[27]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع، الفقرة 27، ص. 126.
[28]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع ، الفقرة 27، ص.127.
-Martin Heidegger, Etre et Temps, Op.cit. §.27, p.171 « le «on» déchange chaque fois le Dasein dans sa quotidienneté ».
[29]- المتنبّي، الديوان، دار الجيل، بيروت، 2005.
[30]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، مرجع سابق، الفقرة 27، ص.127.
[31]- عبارة نأخذها لتأدية المعنى المطلوب في هذا السياق من كتاب "حدّث أبو هريرة قال" للأديب محمود المسعدي.
[32]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع ، الفقرة 27، ص.127.
[33]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع ، الفقرة 27، صص.127-128-129.
[34]- مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، نفس المرجع، ص.130.
[35]- د. فتحي المسكيني،نقد العقل التأويلي أو فلسفة الإله الأخير، مارتن هيدغر من الأنطولوجيا الأساسية إلى تاريخ الوجود (1919-1944)، مركز الإنماء القومي، بيروت، الطبعة الأولى 2005، ص.213.
[36]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، مرجع سابق،§.39.ص.182.
[37]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع ،§.40.ص.185.
[38]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.40.ص.186.
[39]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.40.ص.187.
[40]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.40.ص.188.
[41]- عبارة القلق نجدها مبثوثة في شعر المتنبي، نشير إلى أنّ "على قَلَقٍ" فيها قراءتان المعنى الأوّل تحيل إلى حال الشاعر، أمّا في القراءة الثانية "على قَلِقٍ"، فهي صفة لموصوف محذوف يدل عليه السياق وهو الجواد. را: المتنبي، الديوان، دار الجيل للنشر والطباعة والتوزيع، 2005، صص.140-234:
فَما حاوَلتُ في أرض مُقامــاً ولا أزْمَعْتُ عن أرض زَوالا
على قَلَـقٍ كأنّ الرّيــحَ تحتي أُوَجّهُها جَنُوبا أو شَمَالا
وأيضا يقول: كَريشَةٍ في مَهَبّ الرّيح ساقِطَةٍ لا تَسْتَقِرُّ على حالٍ منَ القَلَقِ
[42]- محمود المسعدي، حدّث أبو هريرة قال، مرجع سابق، أنظر: حديث الجماعة والوحشة، ص.137:"فطلع علينا أشعث مغباراً قاسيَ الوجه أليماً، حتى كدنا لا نعرفه".
[43]- يذكرنا ببيت مشهور لأبي العتاهية أنّى يقول:
طلبتُ المُسْتَقَرُّ بكل أرضٍ فلمْ أَر لي بأرضٍ مُستقَرَّا
[44]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، مرجع سابق،§.40.ص.188.
[45]- د. فتحي المسكيني، الفيلسوف والإمبراطورية، مرجع سابق،الفصل الثاني:الفيلسوف والإمبراطورية، را: صص.47-48-49-50-51-52-53-54-55-56-57-58-59-60-61-62، ويعرّف هذه اللفظة "دي أُوْنهايمْليشكايت" في الصفحة 56:" إنّ لفظة die Unheimlichkeit إنّما تعني في أصلها "اللاّوطن". ومن هذه الجهة المتوارية أتى Unheimlich من بعدُ إلى معنى ما هو "موحش" و"مخيف" و"رهيب" وما هو مصدر " قلق" شديد. ومن ذلك المنبت الصامت انبثقت من بعدُ عبارة Unheimlichkeit معاني الوحشة والخوف والرهبة والقلق. وإنّه من الطريف حقا أنّ هيدغر قد أثار مسألة "اللاّوطن" في الفقرة 40 من الكتاب، حيث يتعلق الأمر بإيضاح ظاهرة "القلق" (l’angoisse, die Angst) بوصفه "وجدانا أساسيا للدازين" بما هو وجود-في-العالم." راجع أيضا: سارة كوفمان وروجي لابورت، مدخل إلى فلسفة جاك دريدا، تفكيك الميتافيزيقا وإستحضار الأثر، ترجمة إدريس كثير وعز الدين الخطابي، دار النشر، إفريقيا الشرق، الطبعة الثانية 1994، ص.63 وبعدها وص.86-87، إذ تعتبر سارة كوفمان أنّ اللاشعور الذي ابتدعه فرويد وجعله سكة تأويلية لفهم ما هو دفين ومطمور في الإنسان، قد اعتبرته كوفمان "أُنهايمليشكايت" Unheimlichkeit تقول:"يمكننا القول لأنّ اللاشعور لا مكان له لا يوجد في أي مكان" وتشبهه بالكتابة التي لا مكان لها لذلك تعتبر جاك دريدا فيلسوفا Unheimlich.
-Voir aussi : Jean-Yves Lacoste, Expérience et Absolu, Questions disputées sur l’humanité de l’homme, éds. Puf. Presses Universitaires de France, 1994.p.12.§.4.« Etrangéité » : « la condition est celle de l’apatride : l’Unheimlichkeit, l’ « étrangéité ».
[46]- بلا ريب أنّ أبا حيان التوحيدي أشار إلى معنى الغربة والغريب عن الأوطان. را: أبو حيان التوحيدي، الإشارات الإلهية، تحقيق عبد الرحمان بدوي، صص.112-113-114-115-116-117-118-119:" هذا وصف غريب نأنى عن وطن"،"وأين أنت عن غريب لا سبيل له إلى الأوطان"،"بل الغريب من هو في غربته غريب"،"وأغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه"،"يا هذا أنت الغريب في معناك". را: المتنبي، الديوان، مرجع سابق، صص.20-22:
ما مُقامي بأرض نَخلةَ إلاّ كمُقام المسيح بين اليهود
أنا في أمّة تدارَكَها اللّـ ـهُ غريبٌ كصالح في ثَمودِ
[47]- يذكرنا سفر الكينونة في البحث عن الحقيقة الكامنة فيها من خلال القلق الوجوداني بالمتصوف محي الدين ابن عربي في الفتوحات المكيّة بأنّ "السفر بإعتباره يسفر ويكشف عن سجايا الناّس" أو في الطواسين للحلاّج، غير أنّ هيدغر يعوج عن المشار إليه لأنّه تلفت دينيا وليس فلسفيا، فيعرض عنه رغم وجود تشابه لا نستطيع دركه هاهنا. را:
-Ibn Arabî, Le Dévoilement des effets du voyage, texte arabe édité, traduit et présenté par Denis Gril, édition bilingue, éditions Cérès, 1994, Introduction -;- Du voyage : « Un adage cité aussi bien dans le K. al-isfâr (§17) que dans les Futuhât l’explique : « le voyage est appelé ainsi parce qu’il dévoile (yusfiru) les caractères des hommes ».
[48]- عُروة ابن الورد والسَموأل، الديوان، دار صادر، ص.19، يقول عُروة :
وسائلة: أين الرحيل؟ وسائل ومن يسأل الصُعلوك: أين مذاهبه؟
مذاهبه أنّ الفِجاج عريضة، إذا ضنّ عنه، بالفّعال، أقاربه
[49]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، مرجع سابق،§.40، ص.
[50]- هاهنا يتفلسف هيدغر في معنى القلق من جهة غير مسبوقة تختلف عن ما قصد إليه القديس أوغسطين ولوثر، إذ ارتبط لديهما القلق بالخطيئة والإثم وهي نظرة لاهوتية مسيحية ترد القلق إلى حالة نفسية عرضية تسقط بمجرد فحص الضمير وتطهيره من كل الشوائب حين يصدق الإعتراف بالخطيئة وهذا الفهم يرميه هيدغر عُرض الحائط، لأنّه سيء الطرح. كذلك يعترض هيدغر على تحليل سورين كيركغارد لظاهرة القلق والتي أسبر الغور فيها، لكنه لم ينجو من قبضة المستوى النفساني، ولكن هيدغر سيعتبر ظاهرة القلق رأس المشكلة الأنطولوجية التي ستقود إلى ربط الزمان بالكينونة، كينونة متزمنة دهرية، كينونة نحو الموت تشتق بناها الوجودانيّة الأنطولوجية من صلب ماهيتها، ونشير أيضا إلى أنّ هيدغر قد ربط ظاهرة القلق بمفهوم البطلان في كتابه "ما-الميتافيزيقا؟" و"المفاهيم الأساسية للمتافيزيقا"، إلى حد أنّ هيدغر سيجعل الإندهاش نابع من السؤال عن البطلان، لأنّ البطلان يبطل، أو في صيغة أخرى سابقة على ترجمة الدكتور فتحي المسكيني لكتاب "الكينونة والزمان"، "العدم ينعدم". را: القلق ضمن: د. فتحي المسكيني، نقد العقل التأويلي أو فلسفة الإله الأخير، مرجع مذكور، ص.213. ومفهوم القلق لدى كيركغارد ولدى هيدغر ضمن: عبد الرحمان بدوي، الزمان الوجودي، مرجع سابق، صص.170-177.
[51]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، مرجع سابق،§.41، ص.192.
[52]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.41، ص.194.
[53]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.41، ص.196.
[54] - مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.42،ص.197.
[55]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، مرجع سابق،§.42، ص.200.
[56]- نشير هنا إلى أنّ هيدغر تفطن إلى أن الواقع كظاهرة ابيستيمولوجية قد بلورها ديكارت من خلال إحجامه عن الإجابة عن الشطر الثاني من الكوجيطو "أنا أكون" "cogito sum"، لأنّه قام بتغييب الواقع كبنية من مقومات الدّازين وبذلك تداعت شجرة المعرفة بالسقوط لأنّ الكوجيطو بقي منقوصا ومخروم الجوانب.
** القُذَّة: ريشة الطائر كالنسر والصقر بعد تسويتها وإعدادها لتركب في السهم.
[57]- ورد ذكر ابن سينا في كتاب الكينونة والزمان مرّة واحدة في الفقرة 43، ص.214.
[58]-مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، مرجع سابق،§.43، ص.215.

[59]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.43،ص.220.
[60]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع ،§.43،ص.220.
[61]- محمود المسعدي، حدّث أبو هريرة قال، مرجع سابق، ص.9.
[62]- أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 2003، صص. 188-189: "ولهذا يطرح الإنسان ثوبه عنه، وربما مزّقه كأنّه يريد أن ينسلّ من إهابه الذي لصق به، أو يُفْلِتَ من حصاره الذي حُبس فيه ويهرول إلى حبيبه الذي قد تجلّى له وبرز إليه."
[63]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، مرجع سابق،§.43، ص.221.
[64]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.43،ص.221.
[65]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.43، ص.222.
[66]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع ،§.43، ص.222.
[67]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.47، ص.240.
[68]-مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع،§.47،ص.242.
[69]- مفهوم دريدي يشتقه من صلب فلسفة هيدغر ويفلسفه على الجهة التي ارتضاها وهي فلسفة التفكيك. أنظر: سارة كوفمان وروجي لابورت، مدخل إلى فلسفة جاك دريدا، تفكيك الميتافيزيقا وإستحضار الأثر، مرجع مذكور، ص.38: "التأجيل la Temporisation".
[70]- مارتن هيدغر،الكينونة والزمان، نفس المرجع ،§.54، ص.267.
[71]-Mahamed Mahjoub, Ê-;-tre-autre ou ne pas être, in colloques, Unité de l’homme, diversité de l’humain, Op. Cit, p. 250 : « je suis l’autre ». - "أنا الآخر".
[72]-Mahamed Mahjoub, Ê-;-tre-autre ou ne pas être, in colloques, Unité de l’homme, diversité de l’humain, ibid, p.239 : « et la recherche d’une altérité radicale comme une variante fondamentale de toute quête de sens, c’est -à- -dir-e de toute compréhension de « soi-même comme un autre », selon la formule heureuse de Ricoeur, alors nous sommes d’accord pour -dir-e que : « être- autre ou ne pas être », c’est désormais la formule qui introduit à notre nouvelle tragédie ».
- "والبحث عن غيرية جذرية هو بالتالي تغيير أساسي لكل بحث في المعنى، يعني ذلك لكل فهم للذات بما هي الآخر، حَذْوًا بعبارة سعيدة لبول ريكور، إذن نحن موافقون من أجل القول:" كن آخرا أو لا تكون"، من الآن فصاعدا، ستكون هي القاعدة التي تقدم قصتنا التراجيدية."(الترجمة من عندنا)
[73]- ايمانويل ليفناس يقول:"العلاقة بين الإنسان والآخر تكون أفضل كاختلاف وليس كوحدة، والاجتماع هو أفضل من الاندماج. بل أنّ قيمة الحب تتمثّل في استحالة اختزال الآخر في ذاتي عينها والتطابق ضمن المشابهة. فمن وجهة نظر أخلاقيّة، نحن نستطيع أكثر حينما نكون اثنين، إذا تشكّل مقاربة الوجه هو الآخر أمام الموت، فهو ينظر بشكل جانبي، عارضا الموت من خلال ذلك النظر. من جهة ثانية يعتبر الوجه هو الآخر الذي يطلب مني بأن لا أتركه يموت وحيدا، وكان تركي له يجعلني شريكا في موته. هكذا فإنّ الوجه يخاطبني قائلا: "لن تقوم بالقتل أبدا". را: مجلة أوراق فلسفية، العدد 17، ص.18، حوار أجراه رتشارد كيرني مع إيمانويل لفيناس سنة 1981 بباريس. أنظر أيضا ص.109: مقال مصطفى كمال فرحات، صروف "الكينونة" بين ليفناص وهيدغير حرب الإيطيقا ضدّ الأنطولوجيا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,262,574
- فتحي المسكيني الفيلسوف والمترجم:
- هل أعلنت الفلسفة عن إفلاس بنوكها؟ قراءة في فكر الفيلسوف التو ...
- الشاعر والفيلسوف فتحي المسكيني: تعليق على قصيدة بعنوان -الشه ...


المزيد.....




- حسني مبارك يتحدث عن ذكريات أكتوبر 73 في فيديو نادر: حتى يستع ...
- مشروع في مصر للأمن الغذائي والهدية -الإقامة مجاناً-
- مساعد وزير الخارجية الأمريكي يحمل رسالة إلى قطر حول إيران
- أردوغان يرفض وقف العملية العسكرية بسوريا ما لم يقض على -التن ...
- تبادل لإطلاق النار بين الأمن الهندي ومسلحين في كشمير
- بومبيو: انتخابات الرئاسة التونسية "علامة فارقة" في ...
- اليوم الثامن: آخر مستجدات العملية العسكرية التركية في شمال س ...
- عملية نبع السلام: المدنيون العالقون جراء القتال في شمال سوري ...
- بومبيو: انتخابات الرئاسة التونسية "علامة فارقة" في ...
- اليوم الثامن: آخر مستجدات العملية العسكرية التركية في شمال س ...


المزيد.....

- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الصادق عبدلي - مارتن هيدغر وهيرمنوطيقا الهُم/الناس: الدّازين والآخرية (الهُمْ-الناس) وانحسار معنى الكينونة في أفق الزمان (القلق -الموت):