أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسام عامر - قلب أسطورة الفساد رأساً على عقب















المزيد.....

قلب أسطورة الفساد رأساً على عقب


حسام عامر
الحوار المتمدن-العدد: 4447 - 2014 / 5 / 8 - 20:40
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


قامت منظمة الشفافية الدولية مؤخرا بنشر تقريرها الأخير لمؤشر مدركات الفساد (CPI), ووضعت فيه خارطة عالمية ملفتة للنظر(1), حيث لونت فيها الدول الأقل فسادا بلون أصفر مبتهج ولطخت فيها الدول الأكثر فسادا بلون أحمر متجهم. تعرّف المنظمة الفساد بانه "إساءة استعمال السلطة العامة من أجل تحقيق منفعة خاصّة"(2), وتستمد المنظمة معلوماتها من 12 مؤسسة مختلفة ومن ضمنهم البنك الدولي ومؤسسة بيت الحرية ومنظمة المنتدى الاقتصادي العالمي.

ما أصابني بالدهشة فور رؤيتي للخارطة هو حقيقة أن معظم المناطق الملونة باللون الأصفر هي بلدان غربية غنية, ومن ضمنها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة, في حين أن اللون الأحمر يغطي كل الجنوب العالمي تقريبا, ولطخ عدد من البلدان مثل جنوب السودان وأفغانستان والصومال باللون الأحمر الداكن.

ينسجم هذا التقسيم الجغرافي مع وجهات النظر العامة السائدة التي ترى الفساد على أنه وباء العالم النامي (مع ترديد كليشيهات شائعة عن طغاة أفريقيا وعن الرشوة في الهند). لكن هل هذه الرواية دقيقة؟

ترى الكثير من منظمات التنمية الدولية أن المسبب الرئيسي للفقر الدائم في الجنوب العالمي هو الفساد المنتشر بين المسؤولين الرسميين المحليين. أدى القلق المتزايد من الفساد الى قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2003 باعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد, والتي تؤكد على أن الفساد موجود بكل الدول وعلى أن هذه "الظاهرة الشريرة" تسبب "دمارا فائقا" في الجنوب العالمي, حيث "أنها العامل الأساسي المسبب لضعف الأداء الاقتصادي وتشكّل عقبة أساسية أمام جهود تخفيف الفقر وأمام التنمية"(3).

توجد مشكلة واحدة فقط في هذه النظرية: أنها غير صحيحة.

-فساد على طريقة القوى العظمى-

وفقا للبنك الدولي, ان الفساد الذي يمارسه المسؤولين الحكوميين على شكل رشوات وسرقات في الدول النامية -وهي أشكال الفساد التي ركزت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد- يكلف الدول النامية ما بين 20 الى 40 مليار دولار كل عام(4). تلك أموال كثيرة. لكنها نسبة قليلة جدا –أي حوالي 3% فقط- من مجموع الأموال الغير مشروعة التي تتدفق متسربة من المال العام في الدول النامية(5). في المقابل تسرق الشركات المتعددة الجنسيات من الدول النامية أكثر من 900 مليار دولار سنويا عبر التهرب الضريبي ووسائل أخرى غير مشروعة(6).

تسهّل عملية تدفق الثروات من قبل نظام مالي مريب يتضمن وجود ملاذات ضريبية وشركات ورقية وحسابات بنكية مجهولة الهوية ومؤسسات وهمية, وتشكل مدينة سيتي أوف لندن محور ذلك النظام المالي. أكثر من 30% من الاستثمارات الأجنبية العالمية المباشرة مسجلة من خلال الملاذات الضريبية(7), وفي الوقت الحاضر يخبأ في كل الملاذات الضريبية مجتمعة سدس الثروة العالمية الخاصة.

تلك مسببات واضحة وأساسية للفقر في العالم النامي, ومع ذلك لا تدخل ضمن التعريف السائد للفقر, وتغيب تلك المسببات عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد, ونادرا ما تظهر على أجندات منظمات التنمية الدولية.

مع كون مدينة سيتي أوف لندن محورا لشبكة الملاذات الضريبية العالمية, كيف ينتهي الأمر بتقييم المملكة المتحدة على أنها من الدول الأقل فسادا؟

يزيدنا هذا السؤال دهشة عندما نعلم أن مدينة سيتي أوف لندن تتمتع بحصانة تحميها من عدد كبير من القوانين الديمقراطية للدولة ولا توجد على المدينة أيضا أيّة رقابة برلمانية. ونتيجة لتمتعها بهذه المكانة المميزة حافظت المدينة على عدد من التقاليد البالية التي تتعلق بحكم الأثرياء. خذ مثلا العملية الانتخابية على سبيل المثال: أكثر من 70% من الأصوات المشاركة في انتخابات المجلس البلدي للمدينة لا تأتي من المواطنين بل من الشركات- وتأتي خاصّة من البنوك والمؤسسات المالية. وكلما كانت الشركة أكبر كلما حصلت على أصوات أكثر, وتحصل كل واحدة من كبرى الشركات على 79 صوتا انتخابيا. وهذا يأخذ نمط الولايات المتحدة في معاملة الشركات على أنها أشخاص الى مستوى آخر.

وللانصاف, لا يعتبر هذا النوع من الفساد شاذا في دولة تملك فيها العائلة الملكية الاقطاعية 120 ألف هكتار من أراضي الدولة وتمتص سنويا حوالي 65.7 مليون دولار من الأموال العامّة. وفيما يتعلق بالبرلمان, يملأ مجلس اللوردات عن طريق التعينات لا عن طريق الانتخابات, حيث يورث 92 مقعدا من قبل العائلات الارستقراطية المترفة, ويوضع جانبا 26 مقعدا لقادة أكبر الطوائف الدينية الموجودة في الدولة, وتباع العشرات من المقاعد لأصحاب الملايين(8).

الفساد في الولايات المتحدة أقل وضوحا من ذلك بقليل. ومع أن مقاعد الكونغرس ليست متاحة للشراء الصريح بعد, لكن حكم المحكمة العليا الذي يحمل اسم (Citizens United vs FEC) يتيح للشركات إمكانية انفاق مبالغ مالية غير محدودة على الحملات الانتخابية لضمان انتخاب المرشحين الذين تفضلهم الشركات(9), وبررت هذه الممارسة عبر استخدام مضلل لشعار "حرية التعبير".

-عامل الفقر-

صدقت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد عندما قالت أن سبب فقر الدول النامية هو الفساد. لكن الفساد الذي يجب أن يقلقنا الى أبعد حد توجد جذوره في البلدان الملونة باللون الأصفر على خارطة مؤشر مدركات الفساد, لا في البلدان الملونة بالأحمر.

لا يقع الذنب فقط على منظومة الملاذات الضريبية. نحن نعلم أن ما عجّل حدوث الأزمة المالية العالمية عام 2008 هو الفساد المنظم والمتفشي بين المسؤولين الرسميين الأمريكيين الذين لهم صلات وثيقة مع مصالح شركات سوق وول ستريت للأوراق المالية(10). وعلاوة على نقل تريليونات الدولارت من المال العام الى الجيوب الخاصّة عن طريق عمليات الإنقاذ المالي(11), تسببت الأزمة بمحو جزء ضخم من الاقتصاد العالمي وكان لها أيضا أثرا مدمرا على الدول النامية التي جف الطلب على صادراتها, مما تسبب في حدوث موجات ضخمة من البطالة(12).

ويمكن رواية قصة مشابهه عن فضيحة مؤشر ليبور في المملكة المتحدة. عندما تواطأت بنوك لندن الرئيسية في التلاعب بمعدلات الفوائد بغاية امتصاص 100 مليار دولار تقريبا من أموال الناس(13), وحتى من أموال أناس يعيشون خارج بريطانيا. كيف لا تصنف أي من تلك الفضائح على أنها إساءة استعمال للسلطة العامة من أجل تحقيق منفعة خاصّة؟ هذا النوع من الفساد الذي يمتد تأثيره عالميا يجعل من السرقات والرشوات الصغيرة التي تحدث في العالم النامي تبدو وكأنها تافهه عند اجراء المقارنة.

لكن تلك ليست القصة كاملة. اذا ما أردنا حقا أن نفهم الكيفية التي يتسبب فيها الفساد بزيادة الفقر في الدول النامية, فنحن بحاجة الى أن نبدأ بالنظر الى المؤسسات التي تتحكم في الاقتصاد العالمي, مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

تسببت السياسات التي فرضتها تلك المؤسسات على الجنوب العالمي في الثمانينيات والتسعينيات -بعد تبني اجماع واشنطن- بانهيار معدلات نمو دخل الفرد بنسبة 50% تقريبا(14). قدّر الاقتصادي روبرت بولين كمية الأموال التي كانت قد خسرتها الدول النامية خلال تلك الفترة بحوالي 480 مليار دولار سنويا من الناتج المحلي الإجمالي المحتمل(15). من الصعب وصف حجم الدمار الإنساني الذي تمثله هذه الأرقام. في حين أن الشركات الغربية قد استفادت كثيرا من تلك العملية, حيث حصلت على منافذ لأسواق جديدة وعلى مواد خام رخيصة وعمالة رخيصة, وحصلت كذلك على ممرات جديدة لتهريب رؤوس الأموال.

مقنّعة تلك المؤسسات باقنعة تظهرها على أنها آليات للإدارة العامة, لكنها غير ديمقراطية أبدا, ولهذا السبب يكون بإمكانها فرض سياسات تتعدى على المصلحة العامة بشكل مباشر ومن دون أن تتعرض للمحاسبة. القدرة التصويتية في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي موزعة بحيث تحصل الدول النامية –وهي الأغلبية الساحقة لسكان العالم- مجتمعة على أقل من 50% من قدرة التصويت, بينما تتمتع وزارة الخزانة الأمريكية بحق النقض (الفيتو) بحكم الأمر الواقع. لا يتم انتخاب رؤساء تلك المؤسسات, بل يتم تعينهم من قبل الولايات المتحدة وأوروبا, ومن بينهم عدد لا بأس به من القادة العسكريين والمدراء التنفيذيين في سوق وول ستريت للأوراق المالية(16). قام جوزيف ستيجلز المدير الاقتصادي السابق في البنك الدولي بشجب تلك المؤسسات علانية ووصفها بانها من بين أقل المؤسسات التي واجهها في حياته شفافية(17). وتعاني تلك المؤسسات أيضا من انعدام المساءلة, حيث تتمتع ب"الحصانة القانونية" التي تحميها من امكانية رفع دعاوى قضائية ضدها عندما تفشل سياساتها, وبغض النظر عن مدى الضرر الذي تسببه.

-نقل اللوم-

لو كانت أنماط الحكم الفاسدة تلك موجودة في أي دولة في الجنوب العالمي, لرأيت الغرب مستهجنا بشدة لذلك الفساد. بينما يعامل الفساد في المراكز المتحكمة في الاقتصاد العالمي على أنه أمر طبيعي على الرغم من كونه سببا في ادامة الفقر في العالم النامي, بينما تقوم منظمة الشفافية الدولية بتوجيه أنظارنا الى مكان آخر.

وحتى اذا ما قرننا التركيز على الفساد المحلي في الدول النامية, علينا أن نفهم أنه لا يوجد في فراغ جيوسياسي. الكثير من أشهر طغاة التاريخ -مثل أوغستو بينوشيه ومبوتو سيسي سيكو وحسني مبارك- كانوا يدعمون بمساعدات متدفقة باستمرار من قبل الغرب. الكثير من أكثر الأنظمة الحاكمة فسادا في الوقت الحاضر كانت قد نصبت من قبل الولايات المتحدة أو تدعم من قبل الولايات المتحدة. ومن ضمنهم الأنظمة الحاكمة في أفغانستان وجنوب السودان وأمراء الحرب في الصومال(18)- ويظهر ثلاثتهم على خارطة مؤشر مدركات الفساد باللون الأحمر الداكن.

يدفعنا ذلك الى التفكير بسؤال مثير للاهتمام: من أكثر فسادا, الدكتاتور الحقير أم القوى العظمى التي نصبته؟ لسوء الحظ, تتجاهل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد هذه الاعتبارات بأريحية, وتدفعنا خارطة مؤشر مدركات الفساد الى الاعتقاد بان فساد كل دولة منحصر فقط بداخل حدودها الوطنية, وذلك غير صحيح.

من المؤكد أن الفساد مسبب رئيسي للفقر. لكن اذا أردنا أن نكون جديين في معالجة هذه المشكلة, لن تساعدنا خارطة مؤشر مدركات الفساد كثيرا في ذلك. أكبر مسبب للفقر في الدول النامية ليس الرشوات والسرقات المحلية, بل الفساد المتفشي في نظام الحكم العالمي وفي شبكة الملاذات الضريبية وفي القطاع البنكي في نيويورك ولندن. حان وقت قلب أسطورة الفساد رأسا على عقب والبدأ بالمطالبة بوجود شفافية في الأماكن التي بأمس الحاجة اليها.

(1) http://cpi.transparency.org/cpi2013/results/
(2) http://en.wikipedia.org/wiki/Corruption_Perceptions_Index
(3) http://www.unodc.org/documents/treaties/UNCAC/Publications/Convention/08-50026_E.pdf
(4) http://www.worldbank.org/en/news/speech/2013/01/30/world-bank-group-president-jim-yong-kim-speech-anti-corruption-center-for-strategic-and-international-studies
(5) http://www.gfintegrity.org/content/view/300/154/
(6) http://iff.gfintegrity.org/iff2012/2012report.html
(7) http://www.economist.com/news/special-report/21571549-offshore-financial-centres-have-taken-battering-recently-they-have-shown-remarkable
(8) http://www.telegraph.co.uk/news/politics/10217409/Peerages-for-multi-millionaires-who-donated-their-way-into-the-Lords.html
(9) http://www.scotusblog.com/case-files/cases/citizens-united-v-federal-election-commission/
(10) http://www.sonyclassics.com/insidejob/
(11) http://www.nytimes.com/interactive/2009/02/04/business/20090205-bailout-totals-graphic.html?_r=1&
(12) http://blogs.worldbank.org/developmenttalk/seeing-human-face-global-financial-crisis
(13) http://www.businessweek.com/articles/2013-06-27/calculating-the-cost-of-the-libor-scandal-to-investors
(14) Bad Samaritans: The Guilty Secrets of Rich Nations and the Threat to Global Prosperity
(15) Contours of Descent: U.S. Economic Fractures and the Landscape of Global Austerity
(16) http://en.wikipedia.org/wiki/World_Bank#List_of_Presidents
(17) Globalization and Its Discontents
(18) http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2006/05/16/AR2006051601625.html
http://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2014/01/flipping-corruption-myth-201412094213280135.html





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,845,525,455
- حقيقة التفاوت الصارخ في توزيع الثروة العالمية
- مصر النيوليبرالية: الثورة المختطفة


المزيد.....




- احتياطي النقد الأجنبي لدى السعودية يغطي الواردات لمدة 45 شهر ...
- وزراء مالية -العشرين- يناشدون أولي الأمر تفادي الحروب التجار ...
- هبوط إضطراري لطائرة أمريكية في الأرجنتين كانت تقل مديرة صندو ...
- عقب نتائج مخيبة.. منافسة أردوغان تستقيل من رئاسة حزبها
- النفط يتراجع وسط مخاوف بشأن الطلب مع تحذير مجموعة العشرين من ...
- هبوط إضطراري لطائرة أمريكية في الأرجنتين كانت تقل مديرة صندو ...
- نجاة طائرة تقل مديرة صندوق النقد الدولي من التحطم
- تصاعد الخلافات التجارية -يهدد الاقتصاد العالمي-
- وزير الخزانة الأمريكي يعلن موقف ترامب من حضور قمة مجموعة الع ...
- إعلان تفاصيل قضية إنتاج وتهريب الدخان في الأردن


المزيد.....

- تنمية الأقتصاد العراقي بالتصنيع وتنويع الأنتاج / أحمد إبريهي علي
- الثقة كرأسمال اجتماعي..آثار التوقعات التراكمية على الرفاهية / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الريعي ومنظومة العدالة الاجتماعية في إيران / مجدى عبد الهادى
- الوضع الاقتصادي في المنطقة العربية / إلهامي الميرغني
- معايير سعر النفط الخام في ظل تغيرات عرضه في السوق الدولي / لطيف الوكيل
- الصناعة والزراعة هما قاعدتا التنمية والتقدم الاجتماعي في ظل ... / كاظم حبيب
- تكاملية تخطيط التحليل الوظيفي للموارد البشرية / سفيان منذر صالح
- التنمية الادارية والبرمجة اللغوية العصبية للعاملين في القطاع ... / محمد عبد الكريم يوسف
- كيف يمكن حل مشكلة التوظيف وتحقيق الرفاهية الإقتصادية؟ / تامر البطراوي
- منظومة الإفقار الرأسمالي / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسام عامر - قلب أسطورة الفساد رأساً على عقب