أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - كاظم المقدادي - وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا سلاح اليورانيوم المنضب - القسم الرابع















المزيد.....



وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا سلاح اليورانيوم المنضب - القسم الرابع


كاظم المقدادي
الحوار المتمدن-العدد: 306 - 2002 / 11 / 13 - 03:24
المحور: الطب , والعلوم
    


 

دراسة

 

وكالات  الأمم المتحدة المتخصصة 

وضحايا سلاح اليورانيوم المنضب

 

- القسم الرابع -

 

 

الدكتور كاظم المقدادي*

 

    كان يفترض بالوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، مثل برنامج البيئة  ووكالة الطاقة الذرية ومنظمة الصحة العالمية، ان تلعب دورها المطلوب بالكشف عن أضرار إستخدام ذخيرة اليورانيوم المنضب،المصنعة من نفايات نووية،المحرمة دولياً، وتعلن الحقيقة على الملأ، منذ أول إستخدام لهذا السلاح الفتاك في  الميادين "الحية"عام 1991. ولكنها لم تقم بواجبها بأمانة، وبدلاً من ذلك إتخذت مواقف متخبطة، وحتى مخالفة لميثاق الأمم المتحدة. ففي الوقت الذي "تحركت" فيه للإيحاء بإستجابتها لعاصفة القلق والمخاوف التي إنتابت المواطنين في أوربا من أضرار السلاح الأمريكي الجديد، أصدرت، تحت الضغط الأمريكي، تقارير سريعة متناقضة، وحتى من دون إجراء دراسات وتحقيقات علمية معمقة، بل وتراجعت حتى عن الحقائق العلمية المثبوتة والمعروفة. فأساءت بذلك الى مصداقيتها العلمية،وقد فندت الوقائع ودراسات العلماء المستقلين والمحايدين كل المزاعم القائلة بـ"عدم" وجود مخاطر صحية وبيئية لليورانيوم المنضب !..

 

تواطؤ مشين

 

    فرضت الوكالات المتخصصة التابعة للامم المتحدة وبنسب متفاوتة طوقا من الصمت حول الخطر الاشعاعي والسمي الكيميائي الناتج عن سلاح اليورانيوم المنضب. وحصل تواطؤ مشين. فعلى سبيل المثال، كشفت مجلة  "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية بأن الأمم المتحدة نظمت في أيار/ مايس 1999، وخلال حرب كوسوفو، زيارة لممثلي جميع الوكالات المعنية بالصراع، للقيام بعملية تقييم تمهيدية،أعد خلالها كل فريق تقريرا على حدة، وجرى في ما بعد تبادله بين سائر الوكالات.وكان فريق برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP قد شارك أيضاً، لكن تقريره تم إلغاءه. بيد أن التقرير هرّب ونشر في 18 حزيران/ يونيو1999 في صحيفتين يوميتين في سويسرا الفرنسية، هما "لوكورييه" و"لا ليبرتيه". كان التقرير مدبجاً بقلم الخبيرة الكندية  باكاري كانت- مستشارة السيد كلاوس توبفر، المدير التنفيذي لبرنامج البيئة. ومن ردود الفعل،التي أثارها، أنه دق جرس الإنذار حول التلوث الناتج من عمليات القصف، وأشار بالتحديد الى اليورانيوم المنضب - راجع

Bakary Kante,”United Nations Inter – Agency  Needs Assessment Mission to the Federal Republic of  Yugoslavia: Environment and Human Settlements Aspects”, United Nations , May 1999

 

    وأشارت المجلة الى تقرير آخر حول التلوث، أعدّ  بناء على توصية اللجنة الأوروبية، ونشر في حزيران/ يونيو،أي بعد انتهاء حرب كوسوفو بقليل، كلف معدوه أنفسهم عناء تحديد مصادر التلوث ( خبراء على الأرض وفي أماكن أخرى ، مؤلفات وأبحاث لاختصاصيين مستقلين، الخ.)، لكنهم أتوا بالكاد على ذكر اليورانيوم المنضب، حيث وردت في لائحة مقتضبة عن أنواع التلوث إشارة وحيدة: "اليورانيوم المنضب" يليها إيضاح بسيط "في يوغوسلافيا- افتراضي". وهكذا أمكن الافتراض بأن مجموعة العمل هذه كانت تجهل وجود تقرير كانت السالف، بينما نقلت معظم المقاطع  عنه كلمة بكلمة. وكانت اللائحة التي تحدد نحو 80 موقعا  تعرضت للقصف مشابهة تماما لتلك التي وضعتها الخبيرة المذكورة[1].

 

   وفيما بعد شكل برنامج الأمم المتحدة للبيئة فريق عمل تحت اسم UN Balkans Task Force in Kosovo للقيام بتقييم شامل.وعين المدير التنفيذي للبرنامج رئيساً له السيد بيكا هافيستو- وزير البيئة الفنلندي السابق، الذي كان حاسما في الموضوع، معتبراً أن اليورانيوم المنضب يشكل جزءا من اللائحة الشاملة للتلوث، ويجب ألا يستثنى من الأبحاث، وإذا منع من دراسته كملوّث إشعاعي فانه سيدرسه كملوث كيميائي. وحينما بات جاهزاً تقرير فريقه وعنوانهThe Kosovo  Conflict : “Consequences for the Environment & Human Settlement ":

 

أعلن البرنامج أنه سينشره في 8 تشرين الأول/أكتوبر عام 1999 في جنيف.لكن روبير بيسيه- الناطق باسم المدير التنفيذي للبرنامج منع الصحفيين في جنيف من الحصول مسبقاً على نسخة من التقرير، وكذلك من الإتصال بمعده. والأنكى ان التقرير لم ينشر، وبدلاً من ذلك نظم لمعده السيد هافيستو مؤتمر صحفي في 11 تشرين الأول/أكتوبر في نيويورك بدلاً من جنيف..والأضرب  من ذلك أن روبير بيسيه أعاد صياغة تقريرهافيستو، فتقلص القسم النهائي منه من 72 صفحة  الى صفحتين اثنتين فقط، وقد تبين ذلك- كما تؤكد " لوموند ديبلوماتيك"- من النص المبتور في مواضع عدة، حيث إلتقطت الأجزاء الناقصة منه فيما بعد من على موقع الإنترنت الخاص ببرنامج الأمم المتحدة للبيئة. وبينما يتحدث التقرير في خلاصاته وتوصياته عن حظر دخول المواقع الملوثة، يقول، في الوقت نفسه، أن هذه المواقع لا يمكن تحديدها !!. وكانت الخبيرة الكندية كنت قد نصحت "بلقان تاسك فورس" بأخذ عيّنات في كوسوفو من مصافي هواء السيارات، ومن الدبابات التي أصيبت، ومن المواقع التي يمكن أن تكون قد تعرضت للقصف بأسلحة اليورانيوم المنضب، ولكن.. أثناء تنفيذ المهمة الوحيدة على الأرض لم يؤت بأي عينة مطابقة لنصائحها[2]..

 

    وذلكم مثال واحد على التلاعب بالتقارير والنتائج العلمية من قبل من أرد يهمه التكتم على حقيقة السلاح المحرم دولياً..ويذكر ان البرفسور داي وليامز، وهو باحث مستقل وعالم نفس بريطاني متخصص في مجال ظروف العمل، أعد تقريراً من 130 صفحة، تحت عنوان "كابوس المعدن اللغز في أفغانستان؟"،وهو ثمرة عمل دؤوب دام أكثر من سنة على مسألة اليورانيوم المنضب وآثار استعماله على البشر الذين يعانون انعكاساته، أشار فيه الى التقريرين اللذين نشرهما  برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة الصحة العالمية على التوالي في آذار/مارس ونيسان/ أبريل عام 2001، واللذين كثيراً ما يستشهد بهما المتمسكين بالموقف غير المعارض لليورانيوم المنضب، بدءاً من البنتاغون، الذي يشدد على استقلالية وحيادية هاتين المنظمتين.على أية حال فان تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة كان واهيا في أحسن الاحوال، وأما تقرير منظمة الصحة العالمية فلا يوحي بالثقة [3]. فزيارة برنامج الأمم المتحدة الى كوسوفو، التي على اساسها وضع تقريره، قد نظمت على أساس أذونات من حلف الأطلسي، الذي رافقت قواته الباحثين لحمايتهم من الذخائر غير المتفجرة، وبضمنها الذخائر الثانوية من نوع القنابل الانشطارية. وقد اكتشف الباحث داي وليامز أن هذه الذخائر كانت تحمل على أكبر تقدير شحنات مفرغة من اليورانيوم المنضب. ولا بد أن هذه القوات قد منعت اي اقتراب من هذه الأسلحة الثانوية حارمة بذلك البعثة اكتشاف وجودها. وبحسب ما بات معلوماً الآن خلال الاشهر الستة عشر التي سبقت زيارة برنامج الأمم المتحدة، ارسل البنتاغون على الأرض 10 فرق مراقبة على الأقل بذلت جهوداً جبارة للقيام بأعمال التنظيف. راجع: Chronology of environmental sampling in the Balkans.ولم يستطع البرنامج أن يكتشف الا 11 قذيفة من اصل 8112 "قذيفة خارقة" مضادة للمدرعات أطلقت على المواقع التي تمت زيارتها. علماً أن معدل القذائف غير المنفجرة مرتفع نسبيا. كما ان كمية الغبار التي امكن تحديدها مباشرة في النقاط المفترض أنها أصيبت بهذه الأسلحة جاءت ضئيلة جداً بعد 18 او 20 شهراً من استخدامها[4].علماً بان علماء  الذرة في منطقة البلقان كانوا قد نبهوا الى ان 20 مليون نسمة في البلقان معرضون حالياً للاصابة بعوارض مرض البلقان نتيجة الاشعاعات، وان اكثر المناطق خطراً هي كوسوفو وصربيا والبوسنة، بالدرجة الاولى، ثم الجبل الاسود ومقدونيا والبانيا وكرواتيا، وتأتي بعدها المجر بسبب قربها من مناطق القصف التي جرت في منطقة فويفودينا بشمال صربيا. ورأى علماء الذرة ايضا ان ايطاليا واليونان يهددهما الاشعاع بسبب الرياح التي تهب من المناطق التي سقطت فيها القذائف باتجاه البلدين. ورغم محاولات التغطية التي تسعى من ورائها قيادة حلف الاطلسي لتهدئة الرأي العام في البلقان واوروبا، فإن ثمة من يحذر بأن مياه اقليم كوسوفو معظمها ملوث بالاشعاعات نتيجة الغبار الذي سقط في تلك المياه، ولذلك طلب برنارد كوشنار- المدير الدولي لاقليم كوسوفو ارسال خبراء وبعثات طبية لكوسوفو لاجراء الفحوصات ومحاولة تنظيف المياه الملوثة. وقد تم تحديد 112 منطقة في الاقليم على انها مناطق مشعة، لكن لم تتخذ الاحتياطات اللازمة لاخلائها من السكان او تحذيرهم وتوعيتهم بشكل جدي[5].

 

ونعيد ما قاله العالم الامريكي وليام أم اَركين بشأن توقعات العالم البايولوجي البريطاني روجر كوجهيل مبكراً بان الحرب الجوية في نزاع كوسوفو وإستخدام اليورانيوم المنضب من قبل قوات حلف شمال الاطلسي،،ستؤدي الى  10 اَلاف وفاة  إضافية بالسرطان: شخصياً لم أعرف  أكثر حمقا من أن لا يعار إهتمام لمثل هذا التصريح لا  من قبل الناتو ولا من قبل وسائل الإعلام،التي إهتمت فقط بصغائر الامور،بينما الخطر واحد سواء أطلق حلف الناتو ألف او مائة ألف من ذخيرة اليورانيوم المنضّب[6]

 

     والآن، وقد أُعلن في 14 تشرين الأول/ اكتوبر المنصرم عن فتح البرنامج تحقيقاً في البوسنة- كما أشرنا- بعد العثور على تلوث واسع باليورانيوم المنضب،نتساءل: هل ستتكرر نفس المهزلة التي حصلت في كوسوفو، أم أن ضمير برنامج الأمم المتحدة للبيئة قد إستيقظ هذه المرة، ولن يرضخ لأية ضغوط أمريكية وبريطانية ؟!!..

 

    نأمل ذلك!، ولو يساورنا شك كبير في أن تقوم أحدى وكالات الأمم المتحدة المتخصصة بما من شأنه إثارة  "زعل" الإدارة الأمريكية، ناهيكم عن توجيه اصبع اتهام لها، في هذا الوقت بالذات، حيث تواصل هجمتها الشرسة لفرض هيمنتها على الأمم المتحدة وعلى العالم برمته وفق منطق القوة، اوشريعة الغاب،وتوجه التهديد والترهيب لكل من تشاء ودون وجه حق.. وكلنا شهود كيف يقدم كبار موظفي الأمم المتحدة تقاريرهم مباشرة للرئيس الأمريكي ونائبه، ويتلقون التعليمات من الإدارة الأمريكية، بدلاً من السكرتير العام للأمم المتحدة، الذي تهمش دوره  في الساحة الدولية !!

 

  وحتى تنجلي الأمور،لا نتوقع ان يأتي قريباً دور العراق،الذي طال أمده كثيراً، لتدرس الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة ما يعانيه شعبه منذ 12 عاماً من أضرار إستخدام ذخيرة اليورانيوم المنضب، وغيره من الملوثات الخطيرة، في حرب الخليج الثانية، ومنها: إنتشار أمراض السرطان، التي إرتفعت في عام 2001 الى 8 أضعاف مقارنة بعام 1984، وحالات الإجهاض المتكرر 4 أضعاف، والولادات الميتة 5 أضعاف، والولادات المشوهة 10 أضعاف !

 

    رابعاً- منظمة الصحة العالمية

 

        يفترض بمنظمة الصحة العالمية (مصع) WHO أنها اعلى سلطة  في مجال الصحة العالمية، وهي المنظمة الدولية المعنية أكثر من غيرها، وقبل كل شيء، بصحة الناس، لاسيما وأن وثائق الأمم المتحدة تنص بأن مصع  "تتولى تنسيق البرامج الرامية إلى حل المشاكل الصحية، وتمكين البشر جميعاً من بلوغ أعلى المستويات الصحية الممكنة. وتعمل في مجالات مثل التحصين والتثقيف الصحي وتوفير العقاقير الأساسية" [7].

 

   كانت منظمة الصحة العالمية، حتى وقت قريب، تتمتع بمكانة دولية ومصداقية طبية وعلمية مرموقة، وكان لها دورها ومواقفها المشرفة في دراسة ومعالجة المعضلات الصحية في العالم. .إلا أنها للأسف تراجعت،هي الأخرى، في السنوات الأخيرة، عن مسارها المشرف، في أحداث كثيرة.. ولم يكن تراجعها بمعزل عن الضغوط الأمريكية..

 

    وبالنسبة لذخيرة اليورانيوم المنضب، فمنذ أن جربتها الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق ويوغسلافيا والوفيات والامراض غير معروفة الاسباب تتفاقم لدى العراقيين، مدنيين وعسكريين، ولدى الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج، وكذلك في البوسنة وكوسوفو.

 

   ومثلما فرضت الوكالات التابعة للامم المتحدة، وبنسب متفاوتة، طوقا من الصمت حول الخطر الاشعاعي والكيميائي الناتج عن هذ السلاح الفتاك،انتظرت منظمة الصحة العالمية حتى مطلع العام 2001  كي "تنوي" التحقيق في تأثيرات اليورانيوم المنضب على الشعوب. وتباطأت كثيراً في إعداد تقريرها حول هذا الموضوع، بعدما أعلن عنه، وأرجىء  عدة مرّات، ثم عاد الى الأضواء تحت ضغط الوكالات الدولية للمساعدات الإنسانية الموجودة في كوسوفو. وبعد تصاعد أعداد المصابين بـ "اعراض البلقان"، اكتفت منظمة الصحة العالمية في نيسان/ أبريل 2001  بنشر مذكرة من 4 صفحات[8]، تزعم فيها معالجة ما هو أساسي في الموضوع.وبدا وكان الغرض منها " تهدئة اللعبة" و"طمأنة" الرأي العام. فكل ما إحتوته عبارة عن معلومات غامضة، بل ومتناقضة على نحو فاضح مع المعلومات العلمية المعروفة. فالنص يقول أنه إذا كانت هناك إشعاعات، فأنها" تبقى تحت المستوى المقبول"، مبررة ذلك بأن العلم"يبيّن أنه ليس من المحتمل أن يتزايد خطر الإصابة بسرطان الدم في أوساط  العسكريين الموجودين في البلقان نتيجة تعرضهم لليورانيوم المنضب"، وما الى ذلك. وهو ما أثار تساؤلات عديدة، ومنها: كيف أمكن لمنظمة الصحة العالمية، وهي السلطة العليا عالميا في مجال الصحة، أن تصدر وثيقة من هذا النوع، وتوصي فيها مثلا، من بـاب العمـل " المنطقي"، بالقيام بـ "عمليات إزالة التلوث" المستحيلة الإجراء، كتلك الهادفة الى استرجاع آلاف المليارات من الجزيئات المشعة الخفية المنتشرة على مساحة آلاف الكيلومترات المربعة والمختلطة بمئات آلاف الأطنان من التربة؟![9].

 

   وفي الواقع  هناك اتفاقا سابقا من العام 1959 مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يحظر على منظمة الصحة العالمية معالجة مسائل الإشعاعات والصحة العامة من دون موافقة هذه الوكالة، وهي موافقة لم تمنح قط عمليا. وكان هذا أحد أسباب فشل مصع عندما قررت أن تنشر مذكرتها حول اليورانيوم المنضب. ولم تنجز دراسة نوعية مطلوبة، وإنما إكتفت باعتبار اليورانيوم المنضب "عامل تلوث كيميائي كونه من المعادن الثقيلة"[10] وقد تطلب الأمر أن يتصدّر موضوع اليورانيوم المنضب صفحات الصحف العالمية كي تعلن مصع  توسيع الدراسة على الإشعاعات، على أن يقوم بهذا العمل الإضافي خبراء من " وكالة الحماية من الإشعاعات النووية " في المملكة المتحدة ( وهي مؤسسة انتقدها بشدة قدامى المحاربين البريطانيين الذين أصيبوا بعوارض حرب الخليج لعدم أمانتها) بالإضافة للوكالة الدولية للطاقة الذرية-طبعاً. بينما ظلت منظمات الإغاثة الموجودة في كوسوفو، مثل اللجنة العليا للاجئين، وبرنامج الغذاء العالمي، ومكتب الأمم المتحدة للتنسيق في الشؤون الإنسانية، ومنظمة الهجرة العالمية، تنتظر تعليماتها، مجبرة، بحكم انتمائها الى الأمم المتحدة، من منظمة الصحة العالمية في كل ما يتعلق بمسألة الصحة العامة [11].

 

    ونذكر بالمذكرة/ التقرير الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية في نيسان/أبريل 2001 حول اليورانيوم المنضب، وكان متناقضاً ولم  يوح بالثقة، أصدرته دون ان تجري اية دراسة وبائية بالمعنى الصحيح للكلمة، وإنما مجرد دراسة أكاديمية. فهي إذ خضعت لضغوطات الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد اكتفت باجراء ابحاث على اليورانيوم المنضب كمعدن ثقيل يلوث كيميائياً .وإذ علمت في كانون الثاني/يناير عام 2001 بالمقال الأساسي الذي نشرته "لوموند ديبلوماتيك" والذي اتهم منظمة الصحة العالمية بعدم الفعالية[12]، عقدت مصع مؤتمراً صحفياً لتعلن عن إنشاء صندوق برأسمال مليوني دولار، وقد يصل الى 20 مليون دولار، من اجل القيام بأبحاث على اليورانيوم المنضب.ووعد الدكتور ميكاييل ريباشولي بان التقرير حول هذا الموضوع، وهو قيد الاعداد منذ آب/اغسطس عام 1999 وقد كلف به عالم الجيولوجيا البريطاني باري سميث، سيتوسع في مسألة التلوث الاشعاعي، موضحاً بأن الدراسات المحتملة ستشمل إجراء تحاليل على بول بعض الأشخاص المصابين باليورانيوم المنضب بحيث تساعد على تحديد درجة الاصابة. بيد ان هذه "الدراسة الاحادية" المقصودة والتي نشرت بعد حوالى 10 اسابيع، لم تكن سوى نظرة سريعة على منتخبات من النصوص المصطنعة المتوفرة. فمن بين مئات آلاف التقارير الفردية التي نشرت منذ نهاية حرب 1939 - 1945 والتي كان ينبغي التدقيق فيها، لم يذكر التقرير الا تلك المخصصة للتلوث الكيميائي، ما عدا حالات استثنائية قليلة. أما التقارير القليلة التي استعين بها والمخصصة للتلوث الاشعاعي فقد كانت صادرة اما عن البنتاغون واما عن مؤسسة الابحاث المقربة من البنتاغون، مثل"راند كوربوريشن". ولذا فليس مستغرباً عدم إثارة التقرير المذكور قلق احد[13].ومع هذا فان التوصيات التي تضمنها تناولت نقطتين رئيستين: أولهما- ان الاشعاع الصادر عن اليورانيوم المنضب يشكل تهديداً للجسم لأنه لدى تنشق غباره يصبح داخلي المصدر. والحال ان المعايير الدولية للحماية من الاشعاعات، والتي يستند اليها "الخبراء" للتأكيد على ان اليورانيوم المنضب غير مؤذٍ، لا تتناول الا الاشعاعات ذات المصدر الخارجي. والثانية- مسألة "اليورانيوم الملوث" الذي يعود الى تقرير برنامج الامم المتحدة للبيئة الفضل في كشفه. فيورانيوم المفاعلات النووية الذي يعاد تصنيعه كذخيرة يحتوي في الواقع جميع العناصر السامة الى أقصى الحدود، مثلاً البلوتونيوم الذي يكفي 1،6 كيلوغرام منه لقتل 8 مليارات شخص.من هنا بدلاً من الحديث عن اليورانيوم المنضب، يبدو من الأنسب الكلام عن "اليورانيوم الوفير" (يورانيوم+).يؤكد هذا شريط وثائقي بثته محطة Canal +، عرض خلاله فريق من الباحثين الفرنسيين نتائج تحقيق قام به في معمل إعادة تصنيع في بادوكاه في ولاية كنتاكي. فبحسب محامي حوالى 100 ألف صاحب دعوى، من العمال الحاليين والسابقين، مصابين جميعا بالتلوث نتيجة عدم الاحترام الفاضح لمعايير الوقاية البديهية، والمصنع بأكمله ملوث نهائياً إضافة الى كل ما ينتج فيه. وبحسب المحققين يبدو انه من هذا المصنع يصدر اليورانيوم المنضب للصواريخ التي أطلقت على يوغوسلافيا وأفغانستان والعراق[14].

-----------------

 

* طبيب وباحث ومحرر علمي، مقيم في السويد

 

--------------------

 

[1] - روبرت ج. بارسون، اليورانيوم المنضب يلفه الصمت، " لوموند ديبلوماتيك"، عدد شباط/ فبراير 2001، عن موقع"مفهوم".

 

  [2] - Robert James Parsons, “UN-Backed Cover up:Deafening silence on depleted uranium”, Le Monde Diplomatique, February 2001.

 

[3] - Robert James Parsons, Depleted Uranium in Bunker Bombs :America s big dirty secret, Le Monde Diplomatique, March 2002

 

[4] -روبرت جايمس بارسونز، بين حقيقة الاسلحة واليورانيوم المنضب،"لوموند ديبلوماتيك"، عدد اَذار/ مارس 2002، عن: موقع"مفهوم"

 

[5] -  نور الدين صالح-زغرب،10 آلاف قذيفة يورانيوم في الأدرياتيكي تهدد حياة 20 مليون نسمة ،"الشرق الاوسط"،في 10/1/2001

 

[6] - William M Arkin, The Last Word: Polically Depleted Munitions,Bulletin of Atomic Scientists, 1999,Vol.55,No 6

 

[7] - موقع هيئة الأمم المتحدة على الإنترنيت، حول الأمم المتحدة - مصدر سابق.

 

[8] - WHO, Environmental Health Information, Depleted Uranium: Sourcers, Exposure and Health Effects, Who / SDE/PHE/ 01.1.WHO,Fact Sheets,No 257,Reserved April,2001.

 

[9] -روبير ج. بارسون- مصدر سابق.

 

[10] -   -  WHO, Environmental Health Information, Depleted Uranium:مصدر سابق.

 

[11] - Robert James Parsons, “UN-Backed Cover up.. – مصدر سابق

 

[12] - راجع:  Deafening silence on depleted uranium, Le Monde Diplomatique , February 2001.

 

[13] - Robert James Parsons, Depleted Uranium in Bunker Bombs :America s big dirty secret, Le Monde Diplomatique, March 2002

 

[14] -The Use of Modeling and Simulation in the Planning of Attacks on Iraqi Chemical and Biological Warfare Targets : http://www.gulflink.osd.mil/aircampaign/index.htm

 

 





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- صحيفة إستبيان لبحث علمي خاصة بالعراقيين
- الكشف عن تأثيرات اليورانيوم الناضب مهمة إنسانية آنية ملحة !
- وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا سلاح اليورانيوم المنضب ...
- وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا سلاح اليورانيوم المنض ...
- وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا اليورانيوم المنضب - الق ...
- مبروك لدعاة الحرب !!!
- لمصلحة من تشويه المواقف والحقائق ؟!
- - مبروك - عليكم جرائم البرابرة !!
- إدارة بوش وضحايا الحروب ومحكمة الجنايات الدولية
- كلام الناس والتدخين
- ضربة موجعة لوزارة الدفاع البريطانية والبنتاغون
- النظام العالمي الجديد" وأطفال العالم . . حصاد مر


المزيد.....




- التجارة الرقمية تزدهر في الكويت
- اختيار موغابي -سفيرا للنوايا الحسنة- لمنظمة الصحة العالمية
- هل يمكن لمريض السكري أن يشرب عصير البرتقال؟
- جميلة البوابة: 7 زيوت طبيعية لعلاج الندب وحب الشباب
- حلوى مزرعة اليقطين في كوب
- 9 أشياء ينبغي أن نعلمها لأطفالنا الذكور
- احذري.. العلاقات العاطفية تزيد وزنكِ
- ماذا يقول برجك لك اليوم السبت 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2017؟
- اكتشاف أسنان عمرها ملايين السنين سيعيد كتابة تاريخ البشرية
- كارثة لا تبقي ولا تذر بانتظار كوكب الأرض


المزيد.....

- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة
- تفكيك الجينوم وبنية الإنسان التحتيّة / بهجت عباس
- كتاب ” المخ والكمبيوتر وبرامج التفكير” / نبيل حاجي نائف
- العلم الطبيعي بين الاختزالية و العمومية / جمال الدين أحمد عزام
- آلية انتاج الفكر في دماغ الانسان / رائف أمير اسماعيل
- بأيِّ معنى يتوقَّف الزمن؟ / جواد البشيتي
- الرياضيات المسلية، متعة. فن. ذكاء / مهندس عاطف احمد منصور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - كاظم المقدادي - وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا سلاح اليورانيوم المنضب - القسم الرابع