أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - عزالدين بوغانمي - محنة تونس اليوم، هي الثمرة المرة لنظام الإستبداد















المزيد.....

محنة تونس اليوم، هي الثمرة المرة لنظام الإستبداد


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine )


الحوار المتمدن-العدد: 4259 - 2013 / 10 / 29 - 20:53
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    



عملاء العهد السابق، الشامتون، المتباكون على أيام الدكتاتورية تلميحا أو تصريحا أو دموع شوق، منذ أن أعلنت الظلامية حربها على تونس، أطلوا برؤوسهم الصغيرة لينشروا سمومهم المعادية للثورة .. إنهم يضللون الناس حين يقيمون المقارنة السطحية الشكلانية بين الأوضاع الأمنية في عهد بن علي وحال الأمن اليوم، حتى يعمقون الإحباط ويشككون التوانسة في الثورة حالمين بعودة عجلة التاريخ إلى الخلف .. إنهم يكدسون أمنياتهم في حفرة تاريخهم الأسود حتى يخفوا الأسباب العميقة للمحنة التي تمر بها بلادنا . يخفون النموذج التنموي الذي اتبعه النظام السابق (نفس النموذج الذي تتبناه حركة النهضة). وهو عبارة عن جملة من البرامج المستمدة من توصيات المؤسّسات المالية الدولية، وبعض الأفكار العامة حول مقتضيات "الإنفتاح الإقتصادي" . ولم يكن هنالك نموذج للتنمية بل هو نموذج للتبعية في خدمة تلك المؤسّسات الدولية، وحفنة من السماسرة والمضاربين المتحالفين مع بيروقراطية الدولة. ولم يكن للدكتاتورية أي رؤية واضحة لا لمعنى التنمية ولا لمعنى الإصلاح ..

استمرت الأمور في تراجع الوطنية منذ أواسط الستينات، وقد رافق ذلك التراجع تقهقر الأوضاع الإقتصادية والسياسية والمعنوية للمجتمع .. ونجمت عن تلك الأوضاع احتجاجات واسعة عمالية وفلاحية وطلابية ، أفرزت النواتات الأولى لمعارضة ديمقراطية تحمل مشروعا وطنيا مغايرا لمشروع التبعية والاقتصاد الرَّثّْ .. فكانت محاكمات النقابيين والقوميين، ومنظمة آفاق-العامل التونسي اليسارية الشبابية التي واجهت الدكتاتورية بشجاعة منقطعة النظير وعبد أبناؤها طريق معركة الحرية بصمودهم وحرارة قلوبهم وأظافرهم التي اقتلعها الجلادون .
من بين هؤلاء الذين اقتحموا السماء أحمد بن عثمان، أحمد بن جنات، رضا السماوي، الشريف الفرجاني، حمة الهمامي، الطاهر شقروش، الطاهر بن حسين، محمد الكيلاني، وآخرون ...

ومنذ بداية الثمانينات، بدأت البلاد تغرق في أزمتها الهيكلية العامة، كنتيجة لما سميت سياسات "الإنفتاح" الأولى ؛ وهو ما يفسر إنتفاضة الخبز (جانفي 1984) التي راح ضحيتها مئات الشهداء والآف الجرحى .. ولقد نجح النظام حينها في إعادة الأمن والإستقرار المزيف، وذلك بالإبقاء على دعم بعض السلع الأساسية مثل الخبز، وإحداث تغيير في بعض المناصب الحكومية على غرار وزير الداخلية والوزير الأول، تَحيُّلا على المجتمع واستعدادا لضرب إتحاد الشغل (ماي 1985) لأنه كان بمثابة العقبة أمام تمرير برنامج الإصلاح الهيكلي الذي سيطبق لاحقا (1986).
كل هذه الأوضاع متضافرة ستنعكس على النظام وستستفحل أزمته ؛ حيث تفاقم الصراع بين أجنحته، و أجبر الأمريكان على تصعيد بن علي رجل المخابرات، ومساعدته على الإستيلاء على السلطة لقطع الطريق أمام انفلات الأمور وخروجها عن الرقابة. تلك هي أسباب "التغيير المشؤوم" الذي يتغنى به بعض أشباه المثقفين الذين طالما اسالوا أقلامهم على موائد الحكام!

وبوصول "السرجان" للسلطة إستمر النظام نفسه، بنفس رجاله وآلياته؛ ولكنه قام ببعض التنازلات السياسية الظرفية؛ تلخصت أساسا في إفساح المجال أمام بعض مجموعات المعارضة التي بقيت ممنوعة لفترة طويلة سابقة. وجر بذلك كل الطيف السياسي : الوسط، الليبيراليين، والآسلاميين للإمضاء على الميثاق الوطني ودخول غرفة الترقب ، حتى لا نقول دخول بيت الطاعة أو شيئ آخر؛ فباستثناء اليسار (حزب العمال و الوطنيين الديمقراطيين) هلل الجميع واستجاب إلى التحالف مع بن علي ضد "التحديات". أي ضد نتائج سياسات النظام الفاشلة .. وهكذا أمَّنَ السَّرْجَانْ بن علي (رجل المخابرات الأمريكية) تعافي نظامه وإعادة ترتيب البيت الدستوري بما يسمح بالشروع في مرحلة جديدة، هي من أسوء ما عاشه الشعب التونسي من حيث سلب الحريات، تفاقم الفقر وتزايد معدلات البطالة ونتشار الفساد والمحسوبية وما رافق ذلك من تدهور عمل الإدارة وتراجع مستويات التعليم وتفاقم الإحتقان الإجتماعي ..

في مقابل كل هذا، توسعت مطالب الإصلاح وجذبت إليها قطاعات واسعة من الرأي العام. وأصبحت المطالب الشعبية تربط مباشرة بين الإصلاح الإقتصادي والإجتماعي بالتغيير السياسي. وباتت الديمقراطية هي الشعار المركزي لعموم الحركة الشعبية .. وأمعن النظام كعادته في مواجهة المشاكل، باستخدام غريزة البطش والحلول الأمنية المتطرفة، وعادت الأزمة العامة للنظام السياسي بشكل أقوى وأكثر شمولا. وعجلت الأزمة المالية العالمية في احتداد الصراع الذي ظل يتصاعد، حتى بلغ ذروته في منذ جانفي 2008 بالحوض المنجمي إلى أن سقط رأس النظام يوم 14 جانفي 2011 ، بعد سقوط مئات الشهداء والجرحى .
إستمر الصراع ضد بقايا النظام على صورة تمرد واسع على السلطات من أجل إقامة نظام سياسي-إقتصادي يستجيب لمطالب الثورة التي اختزلت في شعار : الشغل والحرية والكرامة. وفي هذا الاتجاة، طرحت أفكار عديدة متجاورة أحيانا ومتناقضة أحيانا أحيانا أخرى، حول ملامح تون الجديدة وآليات الآنتقال ... إلخ وحدث ما حدث ...

لقد باغتت ثورة 17 ديسمبر الأنظمة العربية، والأحزاب السياسية، وباغتت دول المونوبول أيضا. وأيقظت بقية الشعوب العربية، وإمتد وهجها إلى عدد من الساحات العربية، وكان ذلك طبيعيا لشدة تشابه الأوضاع في ظل هيمنة نظم همجية على الدول العربية.
ومن الأهمية بمكان التذكير بكون الثورة التونسية أثارت بتمددها خوف الدول الصناعية على مصالحها. وهي التي تعتمد بشكل أساسي على البترول العربي. وكالعادة جاء رد الدول الإستعمارية في الإتجاه المعاكس لتغيير منوال التنمية لصالح الشعب التونسي وتحرره من الإستبداد والتبعية . فقد دفعها الخوف من نضج الثورات الديمقراطية وتوسعها وتهديدها سيطرتها على المنطقة إلى التماهي مع النخبة الأكثر رجعية في بلاد منبع الثورة، والوقوف وراءها لمواجهة الحركة الديمقراطية الشعبية ومنعها من الوصول إلى السلطة .. كما واجهت بقية الثورات بافسادها عبر تسلحيها في سوريا مثلا، أو عبر التدخل العسكري لحماية منابع البترول في ليبيا ..

وفي القلب من هذا المشروع الآستعماري المضاد للثورة، تمكنت حركة النهضة التي لم تشارك في الثورة من شراء الإنتخابات والفوز بأغلبية المجلس التأسيسي أولا؛ ثم الانقلاب على المرحلة التأسيسية والجنوح إلى إلى التمكن من كل أجهزة الدولة للبقاء في الحكم إلى ما لا نهاية، وإرساء إستبداد جديد يحول دون إصلاح الأوضاع إصلاحا حقيقيا في صالح الشعب. ومن الملفت للانتباه هو سرعة ضرب الصورة المشرقة للثورة وتشويهها ودفع الناس إلى القرف من نتائِجِها. وهذا أحد أهم أهداف خبراء الدول الصناعية الذين اشتغلوا على جعل الثورة أقرب للخراب منها لتحسين أوضاع الناس، حتى لا تتخذها الشعوب نموذجا ومثالا ! وهذا ما تم تنفيذه فعلا على أيادي جياع النهضة الذين تصرفوا الدولة وميزانيتها كالذِّئاب. إذ شهدت البلاد خلال حكم حركة النهضة الوجيز انتكاسة عامة للثورة ناجمة عن تفاقم الفساد، والتركز المذهل للثروة من قبل بيروقراطية جديدة تشكلت حول الحزب الحاكم ، و هذا ما أجبرهم على الجنوح للعنف والإرهاب لفرض الإذعان على المجتمع، وبالنتيجة أوصلونا إلى إنهيار إقتصادي شامل يمكن تلخيص ملامحه في: تراجع قيمة الدينار، عجز الميزان التجاري، عجز في مستوى الميزانية، تراجع الآستثمار، تضاعف البطالة، اشتعال الأسعار ...

مع تنامي وزن المجتمع المدني وضغوطه المستمرة، وتغير المشهد السياسي حيث قام قطب مدني ديمقراطي هو الأعظم في تاريخ تونس ، ضم كافة الأحزاب السياسية وكبرى المنظمات الوطنية على رأسها الإتحاد العام التونسي للشغل لعزل حركة النهضة وإسقاط مشروعها الإستعماري خصوصا بعد حصول الاغتيال الثاني في صفوف الجبهة الشعبية رافعة الخيار الوطني النقيض. وتحت الضغط الشعبي العارم ، إنقسم الفريق الحاكم بين جناح متطرف مصمم على إستخدام مزيد من الارهاب، والقتل، وتفكيك أجهزة الدولة، تمهيدا لاخضاعها بالكامل. وجناح ثاني متطرف هو الآخر ولكنه جناح براغماتي يدفع في اتجاه مواصلة لعبة الحوار، والمراوغة حتى تمر العاصفة ..

هذه هي الصورة باختصار شديد، وهذه هي أسبابها الممضاة بوصمات عار النظام السابق، ولذلك فالمتباكين على أيام نعيمهم في أروقته، عليهم أن يعيدوا النظر إلى شريط الخيانة التاريخية التي ارتكبها النظام البائد في حق الوطن والشعب على إمتداد عقود طويلة، ليدركوا أن التطرف والإرهاب مشتق من نظام الإستبداد ، وهو خيار من خيارات منظومة الهيمنة الاستعمارية المتجددة في النظام السياسي الاقتصادي ونموذج التنمية المتبع منذ عقود .. بعد ذلك بإمكانهم ، إن استطاعوا تقديم الدروس في مناهضة الإرهاب.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,315,648
- الفضيلة والإرهاب
- حول الديمقراطية والشورى في الرد على الشيخ راشد الغنوشي
- حول -مبادرة منظمات المجتمع المدني لتسوية الأزمة السياسية-
- دفاعا عن التاريخ، في الرد على فوبيا-اليسار
- الشيخ راشد الغنوشي و مرجعية السياسة التركية
- أن تمنح الحكم للإسلام السياسي ، كأنك منحت سلاحا لمجنون
- الإنتقال الديمقراطي في تونس : مقتضيات التحالف مع القطب الليب ...


المزيد.....




- قضية للمناقشة: مسودات عن الاشتراكية
- بيان الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي -الأحد 21 أبريل 2019
- “الأهالي” تنشر 50 صورة من إجتماع قيادات الحزب الشيوعي الصيني ...
- الى الشارع
- بوتين يلتقي السيسي 26 أبريل في الصين
- كالينينغراد تستضيف مؤتمر -قراءات كانط- الدولي
- المنبر التقدمي يشيد بالأمر الملكي بتثبيت جنسية 551 من المحكو ...
- عميد المعتقلين بالسودان.. -الشيوعي- راعي المسجد
- كالينينغراد تستضيف مؤتمر -قراءات كانط- الدولي
- قمة أفريقية في القاهرة حول السودان وقادة الجيش يدعون المتظاه ...


المزيد.....

- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف
- ما هي مساهمات كوريا الشمالية في قضية الاستقلالية ضد الإمبريا ... / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الشعب الفيتنامي في حربه الثورية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الثورة الكوبية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية البلدان العربية في فترة حرب اكتوبر ... / الصوت الشيوعي
- عبدالخالق محجوب - ندوة جامعة الخرطوم / يسرا أحمد بن إدريس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - عزالدين بوغانمي - محنة تونس اليوم، هي الثمرة المرة لنظام الإستبداد